المرأة التونسية...حصن من حصون الحداثة
د. عبد السلام دمّق ، حقوقي، جامعـي - تونس
تحتفل تونس يوم 13 أوت من كل سنة بعيد المرأة الوطني، كما تحتفل يوم 8 مارس من كل سنة بعيد المرأة العالمي، وهذا يعني أن تونس تعطي أهمية قصوى لمثل هذه المناسبات، لكن احتفالات هذه السنة بالعيد العالمي للمرأة، وخاصة بالعيد الوطني للمرأة له طابع جدّ خاص، ومذاق جدّ مميّز، فيوم 13 أوت 2006 يناسب ذكرى مرور 50 سنة عن صدور أول مجلة تحرّرية، في العالم العربي والإفريقي، وحتى في بعض البلدان الغربية، ففي يوم 13 أوت 1956، أي بعد أشهر قليلة من استقلال تونس صدرت مجلة الأحوال الشخصية لتقنّن حقوق المرأة وتعمل على تطوير أوضاعها وتحفظ لها كرامتها.ولقد اعْتُبِرَتْ هذه المجلة سابقة لعصرها في بلد عربي، بلد دينه الإسلام ولقد جاءت لتحرّر المرأة، لكنها حررت الرجل أيضا. والواقع أن صدور هذه المجلة هي حلقة من حلقات الدفاع عن المرأة في تونس، فمنذ ثلاثينات القرن الماضي دعا الطاهر حداد إلى تحرير المرأة وتخليصها من آثار عصور الانحطاط، ثم جاءت مبادرة الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة الذي عمل على إصدار هذه المجلة ثم كانت إصلاحات الرئيس زين العابدين بن علي الذي دعّم تحرير المرأة، وطوّر حقوقها، وثمّن دورها في المشروع المجتمعي للتحول السياسي لسنة 1987، ومكنها من أن تكون شريكا في مرحلة أولى (1992 - 1993)، ثم جعل منها في برنامجه المستقبلي (2004 - 2009) شريكا فاعلا.
والواقع أن المتتبع للنصوص القانونية في تونس يجد صدى لهذا الاهتمام بحقوق المرأة منذ بدايات القرن العشرين. فقبل صدور مجلة الأحوال الشخصية صدر أمر 3 أوت 1956، والذي نقح مجلة الالتزامات والعقود الصادرة منذ سنة 1906، هذه المجلة، والتي تعتبر من أعرق المجلات القانونية في العالم، سوّت في فصلها السابع بين المرأة والرجل، فاعتبرت رشيدا كل إنسان ذكرا كان أو أنثى تجاوز عمره عشرين (20) سنة كاملة، كما منحت هذه المجلة في فصلها الثالث (3) الأهلية القانونية للمرأة والرجل على حد السواء. ثم جاء يوم 13 أوت 1956 والذي نحتفل اليوم بخمسينيته، ليكون أول إجراء نحو إرساء النظام الديمقراطي، الذي يرفض إقصاء أَيٍّ من أبناء تونس وبناتها، فصدرت مجلة الأحوال الشخصية، كمرجع قانوني جدّ متطوّر، حيث سوّت بين المرأة والرجل، ومنعت تعدد الزوجات (الفصل 18)، وقد اعتبرت مجلة الأحوال الشخصية أن كل من يتزوج ثانية قبل فك عصمة الزواج السابق يعاقب بخطية وبالسجن لمدة عام حتى ولو لم يبرم الزواج الجديد طبق القانون.كما منعت الزواج الإجباري (الفصل 3)، وجعلت الرضاء بين الزوجين في عقد الزواج إجباريا، كما فرضت على الزوج حسن معاملة زوجته واحترامه لها، وتوفيره لمستلزمات زوجته وأطفاله. ومنعت التطليق من جانب واحد، حيث أصبح الطلاق قضائيا (الفصل 30)، فلا طلاق إلا أمام المحكمة، هذا الطلاق يمكن أن يحصل بإرادة من الزوج أو الزوجة، وعند وقوع الطلاق تتمتع المرأة بنفس حقوق الرجل (الفصلان 31 و32). كما أسندت حضانة الأطفال إلى أحد الأبوين حسب مصلحة المحضون، وبصفة عامة للأم خاصة إذا كان الطفل صغير السن. وإذا أسندت حضانة الطفل إلى الأب، لا يمكنه حرمان الأم من حق الزيارة. كما منحت المجلة الولاية على الأطفال للأب، وتنتقل للأم إثر وفاة الأب أو اختفائه أو فقدانه للأهلية.
ثم ظهرت للوجود مجلة الشغل في 30 أفريل 1966، فمنعت التميز بين الجنسين، كما منعت تشغيل النساء في الليل لأكثر من 12 ساعة متتالية...
ولقد تدعّمت هذه الحقوق التي برزت أشهر قليلة بعد الاستقلال، في دستور تونس لسنة 1959، حيث أصبح مبدأ المساواة، والذي ناضلت من أجله كل نساء العالم، مبدأ دستوريا في تونس. حيث جاء في الفصل 6 من دستور تونس المستقلة أن كل المواطنين متساوون في الحقوق والواجبات وهم سواء أمام القانون، كما أضاف الفصل السابع من الدستور أن كل التونسيون يمارسون كامل حقوقهم بدون أي تمييز. وجاء في الفصل العشرين (20) أنه "يعتبر ناخبا كل مواطن يتمتع بالجنسية التونسية منذ خمسة أعوام على الأقل، وبلغ من العمر عشرين سنة كاملة".
ثم جاء الإصلاح الحضاري الشامل في 7 نوفمبر 1987. فكان بيان 7 نوفمبر 1987. بيان يحمل مشروعا حضاريا. فكان المرجع والنبراس لكل الإصلاحات التي تلت، بما في ذلك الإصلاحات المتعلقة بحقوق المرأة. ونتيجة لهذا المد الإصلاحي، وبحثا عن ترشيد التعامل السياسي بين مختلف الاتجاهات السياسية في تونس، وحرصا على تركيز وفاق وطني بين جميع التونسيين والتونسيات، وضع، سنة واحدة بعد التغيير، في 7 نوفمبر 1988، ميثاق وطني، اعتبرته في كتاباتي ميثاقا سياسيا، Charte politique ، هذا الميثاق ناقشته كل الاتجاهات السياسية والفكرية ووقّعت عليه، وهو عبارة عن عقد شرف في التعامل السياسي، يضع القيم المشتركة والمبادئ الكبرى التي تنص على كل ما يوحّد بين التونسيين، وتستبعد ما يفرّق بينهم. وأهم هذه القيم والمبادئ، المحافظة على مكاسب المرأة والعمل على تدعيمها وتطويرها.
فبالنسبة لمن وقع هذا الميثاق، فإن حقوق المرأة، هي مكسب وطني يجب المحافظة عليه، شأنه شأن النظام الجمهوري، ولا يجب التلاعب به، أو التخلي عنه إرضاء لبعض الإيديولوجيات، لأن تحرير المرأة في فكر مصلحي الاستقلال، ومصلحي التحول السياسي لسنة 1987، وتمكينها من كل حقوقها، وتوفير الفرص لها على قدم المساواة مع الرجل، هو قناعة ثابتة لا يمكن التشكيك فيها.
وفي هذا السياق يؤكّد الرئيس بن علي في إحدى خطبه الحديثة: "أن تونس تختلف عن المجتمعات التي أبعدت المرأة - وهي نصف المجتمع - عن الحياة العامة فقد اختارت أن تسير إلى الأمام وقد جمعت بين نصفي مجتمعها.وإني على يقين أن بلادنا قد ضاعفت قدراتها ونوعت الفرص المتاحة أمامها بفضل إسهام الرجل والمرأة جنبا إلى جنب في مسيرة التنمية. ذلك من أسرار نجاح الأنموذج التونسي.وقد وجد مشروع التغيير في المرأة التونسية سورا منيعا أمام التطرف يحمي قيم الجمهورية ويحارب التعصب".
وفي الحقيقة فإن الإنجازات والمكاسب التي تحققت للمرأة منذ التحول السياسي لسنة 1987 لا تحصى ولا تعد، بما لا يمكن حصرها في هذه الدراسة. وهو ما أكّد عليه الرئيس بن علي في خطابه المرجعي بمناسبة الذكرى الرابعة عشرة للتحول في 7 نوفمبر 2001 حين قال "إن تونس الغد مشروع حضاري وتاريخي لا يمكن تصوّره بدون مكانة فاعلة للمرأة وإن المكاسب والإنجازات التي تحقّقت منذ التغيير للمرأة التونسية ترسّخت كلها بصورة لا رجعة فيها. فأصبحت المرأة ببلادنا حصنا من حصون الحداثة والتقدّم وعاملا للرّقي المتوازن لشعبنا.وهو مكسب نعتزّ به ونفخر كلّ الفخر".إن المرأة التونسية في فكر الرئيس بن علي هي حصن من حصون الحداثة... وهذا تمشّي... وهذا اتجاه لتونس الحديثة. فتكريس حقوق المرأة، وتطويرها، وتثمينها هي قناعة راسخة في فكر الرئيس بن علي، لم يتخلى عنها يوما.
1 - المرأة والحداثة:
المرأة التونسية تلعب دورا متميزا في التحديث في تونس... أي في بناء تونس الحديثة... سواء فيما يتعلق بمشاركتها في الحياة العامة وفي ما يتعلق باكتساحها لمواقع القرار ولمهن تطلب كفاءات ومهارات عالية.
فمنذ نهاية الثمانينات، تدعمت حقوق المرأة، وتطورت، ذلك أن النهوض بالمرأة هي أحد الاختيارات الكبرى التي راهن عليها الرئيس بن علي في مشروعه المجتمعي القائم على الإدماج وعدم التمييز. وتم اتخاذ العديد من الإجراءات لضمان المساواة بين المواطنين من الجنسين، فجاء قانون 3 ماي 1988 والمتعلق بتنظيم الأحزاب السياسية ليمنع في فصله الثالث الحزب السياسي الذي يستند في مستوى مبادئه ونشاطاته وبرنامجه على جنس واحد، وتدعّم هذا الموقف من خلال قراءتنا للقانون المتعلق بالنظام التربوي في جويلية 1991 والذي عٌوّض بقانون 23 جويلية 2002، والذي شدّد في فصله الأول على ضرورة إعداد الشباب لحياة لا تترك مكانا لأي نوع من أنواع التمييز أو العنصرية المرتكزة على الجنس. ثم تتالت الإنجازات، والإصلاحات منذ بداية التسعينات، ويعتبر إصلاح 1993 من الإصلاحات الريادية، حيث دعّم المساواة بين المرأة والرجل، كما برزت في القاموس التونسي لحقوق المرأة مفردات جديدة، ككلمة شراكة. فَرُفِعَ شعار "المرأة : من كفاح المساواة إلى كفاح الشراكة". وفي هذا السياق جاء في خطاب الرئيس بن علي في 20 مارس 2001 ما يلي : "وأثرينا مكاسب المرأة وحررنا طاقاتها وساعدناها على أن تتجاوز مرحلة الدفاع عن حقوقها الأساسية إلى منزلة الشراكة الفاعلة في جميع المستويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية". وفعلا كرست عدّة حقوق بموجب قانوني 5 جويلية 1993، و12 جويلية 1993. هذه القوانين جاءت لتجذّر هذا المبدأ الجديد، أي مبدأ الشراكة بين الزوجين، فبادر المشرّع التونسي بإلغاء إجبارية طاعة الزوجة لزوجها، كما أوجب حسن معاملة الزوج لزوجته واحترامه لها، حيث نص في الفصل 23 على ما يلي : "على كل واحد من الزوجين أن يعامل الآخر بالمعروف ويحسن عشرته ويتجنّب إلحاق الضرر به... ويتعاون (الزوجان) على تسيير شؤون الأسرة وحسن تربية الأبناء وتصريف شؤونهم بما في ذلك التعليم والسفر والمعاملات المالية..."، وشدّد المشرع على أن لا ولاية للزوج على أموال زوجته الخاصة بها (الفصل 24 من نفس المجلة). وأصبحت المرأة تتمتّع بصلاحيات الولاية فيما يتعلق بسفر المحضون ودراسته والتصرف في حساباته المالية (الفصلان 23 و67 من مجلة الأحوال الشخصية).كما مكّن المشرع التونسي المرأة من إسناد الجنسية التونسية لأبنها المولود بتونس إذا كان زوجها أجنبيا (الفقرة الثالثة من الفصل 6 من مجلة الجنسية).ومنذ 1995 أوجب المشرّع "مؤسسة قاضي الأسرة" لحماية المرأة وأبنائها، وهو ما يتناغم وديباجة دستور الجمهورية التونسية الذي اعتبر أن "النظام الجمهوري... أنجع أداة لرعاية الأسرة"، وأن النظام الجمهوري هو خير كفيل لحقوق الإنسان بما في ذلك حقوق المرأة. كما أُحْدِثَ صندوق ضمان النفقة وجراية الطلاق لدفع مبالغ النفقة وجرايات الطلاق للمنتفعات في صورة تلدّد المحكوم عليهم. كما طور قانون جويلية 1993 حق حضانة الأطفال، إذ متّع الأم بصلاحيات الولاية في صورة إسناد الحضانة إليها، وذلك فيما يتعلق بسفر المحضون ودراسته والتصرف في حساباته المالية. ثم جاء قانون 1998 ليترك الخيار للزوجين لتبنّي نظام الاشتراك في الملكية. كل هذه القوانين هي قوانين هامة بالتأكيد، كرست حقوق المرأة، ودعمتها، وجعلتها حقوق واقعية، ملموسة وهو ما أكّده الرئيس بن علي في 8 مارس 2000 حين ذكر أن " دعم حقوق المرأة في بلادنا ليس مجرد مشروع نظري أو شعارات ترفع بل هو اليوم واقع ملموس تثبته الأرقام". لكن الرئيس بن علي لم يقتصر على تطوير حقوق المرأة على مستوى القوانين العادية والنصوص الترتيبية فحسب، بل أكّد على ضرورة تدعيم حقوق المرأة في نص الدستور، فحرص سيادته منذ سنة 1997 على إرساء المساواة بين المرأة والرجل بمنح حق الترشح لعضوية مجلس النواب لكل ناخب ولد لأب تونسي أو لأم تونسية تدعيما للمساواة الدقيقة بين المرأة والرجل. وتعزّزت هذه الإرادة سنة 2002 بمناسبة الإصلاح الدستوري، عندما حرص سيادته على منح حق الترشح لعضوية مجلس المستشارين لكل ناخب ولد لأب تونسي أو لأم تونسية (الفصل 21 جديد من الدستور). كما جاء في الفصل الثامن من دستور تونس بعد تنقيحه سنة 1997 ما يلي : "... على الأحزاب السياسية أن تحترم سيادة الشعب وقيم الجمهورية وحقوق الإنسان والمبادئ المتعلقة بالأحوال الشخصية.
وتلتزم الأحزاب بنبذ كل أشكال العنف والتطرف والعنصرية وكل أوجه التمييز.
ولا يجوز لأي حزب أن يستند أساسا في مستوى مبادئه أو أهدافه أو نشاطه أو برامجه على دين أو لغة أو عنصر أو جنس أو جهة...".
فتدعيم مبدأ المساواة بين المرأة والرجل في نص الدستور، يجعل من هذه القيمة مرجعا لجميع التشريعات المقبلة. وهذا هام، يحق لكل امرأة تونسية أن تفتخر به. خاصة إذا ما تأكّدنا بأن القانون التونسي في مجال حقوق المرأة متطابق مع القانون الدولي. وخاصة إذا ما قارنا وضعية المرأة التونسية بمثيلاتها من الدول الأخرى.
2 - حقوق المرأة والقانون الدولي: تطابق وتناغم:
بخصوص تطابق القانون التونسي مع القانون الدولي في مجال حماية حقوق المرأة، نلاحظ أن تونس تبنّت المعايير الموحّدة لحقوق الإنسان من خلال التصديق على الإتفاقيات الدولية بأنواعها، والمشاركة في المناقشات الدولية وصياغة الإعلانات والتوصيات. كما إعتزمت تونس التقيّد بها والنضال من أجلها. وقد أعلنت تونس إلتزامها بجميع هذه الصكوك تقريبا بما في ذلك النصوص المتصلة بحماية حقوق المرأة، وأمرت بنشر الإتفاقيات الدولية في الداخل، فأكستها علوية على القانون الداخلي ونفاذا مباشرا وهو ما إقتضاه الفصل 32 من الدستور بعد تنقيحه سنة 1997 وعزّزه الإصلاح الجوهري للدستور لسنة 2002. هذا المبدأ قلّما يوجد في الديمقراطيات حتى الغربية منها، أدرجه الرئيس بن علي صلب نص الدستور ليؤكّد عن عزم إنخراط تونس في المنظومة الدولية.
كان من أهم أهداف تونس إذن منذ التحول ، الإسهام قدر الإمكان في تطوير معايير حقوق الإنسان والتعريف بها وإعطائها النفاذ الكامل داخل الدول. فاحترمت مجمل هاته الصكوك والمواثيق، فتطابقت تشريعاتها مع القانون الدولي، وذلك في كل المجالات ودون إستثناء. فكانت سياسة الرئيس بن علي في مجال حقوق المرأة متطابقة، متناسقة، ومتناغمة مع القانون الدولي.
إن تدعيم حقوق المرأة وتطويرها في شتى المجالات الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية منذ 1987 يتناغم مع المادة الثانية للاتفاقية الأممية لسنة 1979 والمتعلقة بالقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة.
كما يتطابق تماما مع المادة الثالثة من نفس الاتفاقية والتي تنصّ على أن "تتخذ الدول الأطراف في جميع الميادين، ولا سيما الميادين السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، كل التدابير المناسبة، بما في ذلك التشريعي منها، لكفالة تطور المرأة وتقدّمها الكاملين...".
كما أن مبدأ الشراكة الذي رفعه الرئيس بن علي في برامجه الانتخابية، يتناغم مع المادة الخامسة من نفس هذه الاتفاقية. نفس هذه المادة تضمن ما بيناه أعلاه من أن تنشئة الأطفال وتربيتهم في تونس مسؤولية مشتركة بين الزوجين. كما أن ضمان تونس لحرية المرأة في اختيار الزوج، وحقها في الولاية، كرسته المادة 16 من نفس الاتفاقية. كما أن حق المرأة في التربية، وفي العمل، وفي التعليم، كلها حقوق جاءت بها المواثيق الدولية، كرستها تونس ودعمتها، بشكل رائع، ملفت للانتباه.
لقد انسحبت تمكين المرأة من حقوقها على جميع فئات النساء التونسيات بل الرئيس بن علي أولى عناية خاصة بالنساء الفاقدات السند، وبالمرأة الريفية وهو ما يطابق مع المواثيق الدولية (المادة 14 من نفس الاتفاقية). بل أكثر من ذلك أذن الرئيس بن علي في خطابه في 13 أوت 2001 برصد جائزة سنوية تسند إلى أفضل البرامج أو المشاريع أو المبادرات الجهوية للنهوض بالمرأة الريفية.
3 - حقوق المرأة وديمقراطية البرامج:
إن الديمقراطيات في المجتمعات المتطوّرة، هي ديمقراطية برامج Une démocratie des programmes ، فكل مترشح يقدم برنامجه، ويبقى الاختيار للشعب. فالبناء الديمقراطي في تونس اليوم يحتاج إلى ترسيخ فكرة البرنامج أو المشروع، أي أن كل حزب يقدّم برنامجه الانتخابي، ومشروعه المستقبلي، لتحصل على أساس المفاضلة لدى الناخب. وهذا التوجه يستشفّ من الفصل 6 من قانون الأحزاب لسنة 1988، الذي لا يسمح بتكوين حزب سياسي جديد ما لم يكن في مبادئه واختياراته وبرامج عمله، ما يختلف عن برامج عمل أي حزب من الأحزاب المعترف بها قانونا. وقد طبّقت هذه التجربة في تونس في انتخابات 1999 و2004، حيث أصبحت الديمقراطية في تونس اليوم ترتكز على التنافس القائم على برامج الأحزاب، وهي امتدادا لديمقراطية الوفاق، وهي ديمقراطية بناءة، هامة، رائدة، ضرورة وأنها تقدّم الحلول والبدائل.
لذلك جاء في النقطة 16 من البرنامج الرئاسي لتونس الغد عزم الرئيس بن علي على مواصلة تعزيز حضور المرأة في كافة قطاعات الاقتصاد ومجالات الحياة العامة وكذلك في الوظائف العليا، وعلى دعم مكاسبها بكل عزم وإصرار من أجل مزيد التقدم بوضع المرأة من خلال حضور أوسع لها في مواقع القرار، والمسؤولية، والمواقع القيادية في المؤسسات والهيئات الحكومية والوطنية السياسية منها والاقتصادية والثقافية. ونعني بمواقع القرار أو فضاءات القرار، والمواقع القيادية : الحكومة، والبرلمان بغرفتيه، (مجلس النواب والمستشارين)، والأحزاب السياسية، والجمعيات (20 جمعية نسائية) والمنظمات الوطنية، والمؤسسات الدستورية (المجلس الدستوري والمجلس الاقتصادي والاجتماعي)، والجمعيات.
لقد جعلت تونس في الواقع من تفعيل دور المرأة وتشريكها في العمل التنموي أحد المكوّنات الأساسية لأنموذجها الاجتماعي حيث ارتفعت نسبة الناشطات من 25 % سنة 1999 إلى 32 % حاليا وذلك دون اعتبار نشاط المرأة في القطاع غير المهيكل.
كما ارتفعت نسبة انتفاع المرأة من مختلف برامج التشغيل المنجزة على المستوى الوطني إلى ما يقارب 39 % وبلغت نسبة المشاريع النسائية المدروسة والممولة من قبل آليات تمويل المشاريع الصغرى نسبة 40 % من مجموع المشاريع وتطوّر عدد النساء صاحبات المؤسسات الاقتصادية من 8000 إلى حوالي 10.000 امرأة حاليا.
ويعكس التقدم الذي حققته المرأة التونسية في الحقل السياسي وفي مجال النفاذ إلى مواقع أخذ القرار في الهياكل الحكومية، وعلى مستوى المجتمع المدني، المكانة التي تحظى بها كعنصر فاعل في الحياة المدنية والعامة، فنسبة السيدات في مجلس النواب 22.7 % ، بعد أن كانت سنة 1989 4 % فقط، حيث أصبح المجلس الجديد إثر انتخابات 24 أكتوبر 2004 يعدّ 43 امرأة نائبة من مجموع 189 نائبا. وتعدّ المجالس البلدية 21 % من المستشارين البلديين، بعد أن أعلن الرئيس بن علي إجراءات لدعم حضورها، بما دفع عدد النساء بالمجالس البلدية التي أفرزتها الانتخابات البلدية الأخيرة إلى حوالي 800 مستشارة بلدية، و27 % من مراكز القرار بالهياكل الوزارية، و16 % في المجلس الاقتصادي والاجتماعي.
ولقد ساهم وجود المرأة في مواقع القرار في خلق الأفكار الجديدة و إثراء الخيارات. كما أن تعقّد قضايا المجتمع المتقدم اليوم، مثل المجتمع التونسي، يجعل من مشاركتها في اتخاذ القرار مشاركة حتمية.
وهكذا تمكنت المرأة التونسية من تجاوز المراحل التحررية والمساواة التي بدأت مع الطاهر الحداد، إلى مرحلة الشراكة وندية المسؤولية مع الرجل، بل نفذت إلى مواقع القرار مساهمة بذلك في تحقيق الرقي الاجتماعي والتقدم الاقتصادي والوعي الثقافي. لذلك فإن هدف البرنامج المستقبلي للرئيس بن علي لتونس الغد (2004 - 2009) هو وضع المرأة التونسية بالفعل في موضع الشراكة الفعلية مع الرجل في تحقيق التقدم الوطني الشامل. فالمرأة التونسية حاضرة في كل الميادين المهنية والاجتماعية: ومن أبرز نتائج سياسة التحديث لتفعيل الحضور النسائي في الحياة العامة، اكتساح المرأة لمواقع متقدمة في العمل، فالمرأة التونسية حاضرة بنسبة 51 % في سلك التعليم الابتدائي و48 % في التعليم الثانوي و42 % في التعليم العالي و42 % في المهن الطبية و31 % من المحامين و27 % من القضاة.حاضرة كذلك بنسبة 32 % في الفلاحة والصيد البحـري و43 % في الصناعات المعملية. ولا شك أن كثافة مشاركة المرأة في الحياة العامة تعود إلى النسبة المرتفعة لتعليمها فنسبة التمدرس لدى الفتيات في سن السادسة مماثلة لنسبة الأولاد أكثر من ( 99,3 % ). أما في التعليم الثانوي، فعدد الفتيات 53 % يفوق بذلك عدد الفتيان.
كما أن نسبة الطلبة من الإناث هي 58,1 % . فتونس حققت نتائج أفضل من إسبانيا والولايات المتحدة وإيطاليا وهي تقترب من النسب الأكثر ارتفاعا في العالم. ففي السويد تبلغ نسبة الطلبة من الإناث 58,2 % وتبلغ هذه النسبة في النرويج 58,5 % .
هذه الإنجازات التي استفادت منها المرأة رافقتها في الواقع عناية متميزة بظروف عيش المرأة. وتؤكّد المؤشرات المتوفرة أن التحسن الكبير الذي شهدته مختلف جوانب الحياة تعكس التقدم والرقي الاجتماعي عامة، فقد ارتفع مؤمل الحياة لـدى النسـاء إلـى 74 عاما.
وفي الحقيقة فإن المجهود متواصل من أجل تغيير العقليات بمزيد التوعية والتثقيف من خلال وضع خطة إعلامية تسعى إلى تدعيم مبدأ تكافؤ الفرص إلى جانب إرساء خطة تنموية تعتمد على مقاربة النوع الاجتماعي بهدف التعرّف على مدى استفادة المرأة من مختلف السياسات، ومن ثمة تحديد الفجوات التي مازالت قائمة بين الجنسين واستنباط الحلول الملائمة.
كما تطمح تونس الحديثة إلى مستقبل أفضل، بما يتطلب مواصلة الجهود لمزيد تطوير قدرات المرأة وتأهيلها لمواكبة مستجدات مجتمع المعلومات والمعرفة. لذلك تعمل تونس على دعم توجه الفتيات إلى الشعب العلمية والتقنية تكريسا لمفهوم مجتمع المعرفة، بما يكفل الوصول والنفاذ إلى التكنولوجيات الحديثة والتحكم فيها، سيما وأن مسألة المرأة ومجتمع المعرفة قد تصدرت قائمة المحاور التي ترتكز عليها توجهات السياسات التنموية لفائدة المرأة خلال الخطة التنموية العاشرة (2002 - 2006)، لذلك عادة ما تبلغ نسبة الطالبات الموجهات إلى الشعب العلمية (العلوم الطبية، العلوم الأساسية، العلوم التقنية، تكنولوجيات الإعلام والاتصال...) معدلات مرتفعـة، تفوق 55 % .
المرأة لا يمكن أن تكون شريكا فاعلا، وأن تضطلع بدورها في التحديث، والتطوير، وفي أخذ القرار، وفي التواجد في مواقع القرار والمسؤوليات، بدون توفير فرص أكبر للمرأة في الحياة الأسرية والحياة المهنية، لذلك جاء في البرنامج المستقبلي أنه سيقرّ للأم نظاما خاصا يمكنها حسب رغبتها من العمل نصف الوقت مقابل الثلثين من الأجر مع الحفاظ على حقوقها في التقاعد والحيطة الاجتماعية. هذا النظام، هو نظام إرادي، حيث يشترط موافقة المرأة نفسها. المهم أن الرئيس بن علي وفر لها الظروف الملائمة للعمل، والتواجد في مواقع القرار، مع الاطمئنان على أسرتها، فالمرأة هي أم وهي ربة بيت، لذلك وجب توفير الآليات القانونية والعملية لكي تضطلع بمسؤولياتها المهنية في أحسن الظروف.
كما ضمن البرنامج المستقبلي حماية أكبر للرباط الأسري من خلال تخصيص فضاء مستقل في مقرات المحاكم لقضاء الأسرة والطفولة قصد حفظ كرامة الأم والأطفال وحماية خصوصية الشؤون العائلية والزوجية، وهو ما يتناغم وديباجة الدستور.
هذا الجهد من أجل المرأة، يقابله جهد موكول للمرأة، حتى تساند مجهود الدولة في إرساء مجتمع متقدّم، متطور ومتفتّح. فما اكتسبته المرأة من مكانة متميّزة ومن حقوق متعدّدة، بفضل قناعة كل المصلحين والإرادة الراسخة للرئيس زين العابدين بن علي، هو بمثابة الحافز والدافع لأن تتحمل المسؤولية الكاملة في بناء حاضر تونس ولمواجهة تحديات المستقبل بكل اقتدار.
لقد أكّدنا على أن الديمقراطية اليوم هي ديمقراطية برامج، وأن إنجاح البرنامج يتطلب اللجوء إلى الكفاءات والنخب، لتسويق أهمية وقيمة هذه البرامج، بما في ذلك النخب النسائية، فالمرأة مطالبة كذلك اليوم بتصدير تجربتها إلى كافة نساء العالم... بأن تعرف بالمنتوج التونسي في مجال حقوق المرأة... بأن تروّج السياسة التونسية التحديثية إلى كافة بلدان العالم. وهي "مهيّأة اليوم لأن تمدّ جسور الحوار والتعاون والتضامن مع سائر النساء في العالم لرفع الوصاية عن المرأة وتحريرها من كافة أشكال التمييز التي تمارس ضدها وذلك إسهاما منها في بناء عالم أكثر عدلا وأشد تسامحا وتضامنا". هذا ما جاء في رسالة الرئيس زين العابدين بن علي بمناسبة اليوم العالمي للمرأة في 7 مارس 2001.
طباعة >> | إغلاق
النافذة >>