تأثيرات مجلة الأحوال الشخصيّة على وضعيّة المرأة التونسيّة بعد الاستقلال
د.أحمد خواجة -قسم علم الاجتماع – جامعة تونس الأولى
كان لظهور مجلة الأحوال الشخصية سنة 1956تجسيما لآمال المثقفين التونسيين المجددين وتتويجا لخضم من الأفكار التحريرية للمرأة راجت منذ عشرينات القرن العشرين.
وتعتبر هذه المجلة شرارة "رسمية" ساهمت - مع إقبال البنت التونسية منذ انبلاج فجر الاستقلال وفي بعض الجهات الحضرية على النهل من مدارج المعرفة - في حدوث تحولات اجتماعية سريعة عرفها المجتمع التونسي وبالخصوص في الطريقة التى تتنظم بها الحياة الخاصه والعائلية.
ومنذ البدء نقول بأن "مجلة الأحوال الشخصية" ظهرت لتعبر عن تحولات اجتماعية وسياسية واقتصادية وثقافية وقضائية مباشرة عرفها المجتمع التونسي منذ منتصف القرن العشرين وأخرى غير مباشرة برزت مع بدايات النهضة التونسية في منتصف القرن التاسع عشرمع تغير علاقات التبادل الاقتصادي ونسق القيم والمبادئ والتمثلات والضوابط السياسية والقضائية حكمت على المؤسسات بالتحول-حسب نمذجة طريفة أعدها الأستاذ "عياض بن عاشور" في إحدى كتاباته- من النشاط الحرفي إلى الصناعة التحويلية ومن المدينة المنغلقة على نفسها إلى المدينة المفتوحة ومن استعمال الطاقة الفحمية إلى طاقة المحروقات ومن انتشار الملكية الجماعية إلى الملكية الفردية ومن العائلة الكبرى إلى العائلة النواتية ومن مجتمع الأعيان والأشراف والعلماء والمزارعين و"الخماسة" إلى مجتمع الموظفين والأجراء والمستخدمين ومن المجال المحلي إلى المجال الكوني.
وقد تتداخل المتغيرات المفسرة بالمتغيرات التابعة وتتشابك الأسباب مع النتائج فلا ندري من سبب هذا ومن تسبب في ذاك أو هل تشكل مثلا ظاهرة انتشار التعليم عاملا مسببا في ظهور تيار التحديث والتجديد في المجتمع أم كان هذا من الافرازات الموضوعية لتبدل البنية الإنتاجية وللحراك الجغرافي للمز راعين الفارين للمدن بحثا عن العمل ولقمة العيش أو القول مثلا أن التحولات الاجتماعية قد تسبق التحولات القضائية والتشريعية أو العكس أمرا إشكاليا يستدعي الحفر أكثر في الممارسات والوقائع والتمثلات السائدة في فترة ما، والأكيد أن ظهور "مجلة الأحوال الشخصية" في 13 أوت 1956رغم بعض التخوفات والمعارضات والانتقادات التي روجها خصومها من رجال الدين والفقه المتشددين والمحافظين التي رافقت ولادتها العسيرة لم يكن حدثا مفاجئا أو طارئا حيث كان المجتمع التونسي متهيئا لبروزها منذ الفترة التي تبدلت فيها بغير رجعة طرق اللباس والهندام والتخاطب وتنشئة الأطفال وعادات الأكل ونظام الأدوار الاجتماعية داخل العائلة التونسية وأصبحت مؤسسة عريقة مثل الجامعة الزيتونية تساءل منظومتها البيداغوجية وتنفتح لرياح التحديث وتراجع الطرق البلاغية في الاجتهاد والفقه الإسلامي وتحفر في المصطلحات السائدة وتشكك من الوثوقيات السائدة وهي أفكار عبر عنها الشيخ الطاهر بن عاشور عند تأليفه لكتاب "أليس الصبح بقريب" وقبله في أواخر القرن التاسع عشرالوزير المصلح "خيرالدين التونسي" في مؤلفه "أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك" أو الطاهر الحداد الذي ضمن في الثلاثينات من القرن العشرين مشروعه التنويري التحديثي في كتابه "امرأتنا في الشريعة والمجتمع"، وهي مشاريع كتابة جديدة جاءت لتعبر عن "أزمة تغيير" كانت النخبة المثقفة في مختلف الميادين في الأدب والتشريع والقضاء والإدارة تصرح بها علنا مواكبة للعصر ومسايرة لأنساق المجتمع التونسي التي كانت محتضنة متقبلة مدافعة وبشيء من التحري عن أفكار تحرير المرأة التونسية من ربقة التقاليد البالية.
ومجلة الأحوال الشخصية لم تظهر من فراغ فلقد رافقتها إجراءات أخرى قام بها "بورقيبة" منذ توليه مقاليد الحكم مثل إلغاء محاكم الشرع وتوحيد القضاء التونسي وإلغاء مؤسسة الأحباس والأوقاف وضم نظام التعليم الزيتوني الديني إلى التعليم العمومي ونسف الامتيازات التي كان يحظى بها مشايخ الجامع الأعظم وهي قرارات وان كانت تبدو مباغتة متسرعة متسلطة أو تنتمي إلى الزمن الخاطف للبصر Le temps trompe l'oeil فهي في الواقع ليست وليدة ظرفية معينة أو تواصلا مع استراتيجية "كمال أتاتورك" في تركيا في فصل الدين عن الدولة وتأكيد خيار التأورب والعصرنة والتحديث على الشاكلة الأوروبية بل تعبير عن تحولات اجتماعية عاشها المجتمع التونسي من الداخل وبتأثر مع عوامل أخرى خارجية شرقا وغربا ساهمت في بروز نخبة جديدة درست في كبرى الجامعات الفرنسية وجاهرت بالحداثة ومن هنا يمكن أن نفهم لماذا لم تنجح محاولة الشيخ "محمد العزيز جعيط" صاحب المدونة الأولى 1 لمجلة الأحوال الشخصية والتي اعتمدت التمييز بين المذهبين المالكي والحنفي وسنت بعض الأحكام التي تخص تعدد الزوجات والطلاق والإرث والميراث والتبني بكثير من التحري والاحتراز خشية المعارضات التي قد تثيرها الأحكام الجديدة في منع ظهور النسخة المتداولة اليوم لمجلة الأحوال الشخصية والتي لا تخضع لتيار عقائدي أو مذهبي والتي تلتها تعديلات وتنقيحات لم تمس جوهريا من النص الأصلي وكتب لها الثبات والدوام والاستمرارية لأكثر من خمسين سنة رغم التقلبات السياسية والاجتماعية والثقافية وحركة المد والجزر بين التقاليد والحداثة والتي عرفتها تونس منذ 1956.
فعلى سبيل الذكر لا الحصر منعت مجلة الأحوال الشخصية تعدد الزوجات وهي حالة تتفرد بها تونس من جملة البلدان العربية الإسلامية استنادا للقرآن الذي لم يمنع تعدد الزوجات ولكنه وضع قيودا متشددة يصعب احترامها في الواقع حيث اشترط العدل بين الزوجات مع الإقرار بصعوبة ذلك. كما منع التطليق التعسفي la répudiation استنادا إلى الآية الكريمة "إن أبغض الحلال عند الله الطلاق" ونفس الشيء بالنسبة للتبني والإرث والتي لم تمس أحكام "مجلة الأحوال الشخصية" من تعاليم الدين الإسلامي الواردة في القرآن والسنة النبوية.
وقد لا يسع المجال لتعداد كل عوامل التأثير المباشرة وغير المباشرة لسن مجلة الأحوال الشخصية التى كان بمثابة المنشط المحفز Catalyseur والميسر للتفاعلات التي ستعرفها مكانة المرأة التونسية في العائلة التونسية وخارجها أي في العمل وفي الحياة العامة أو بذكر أطوار ومراحل مرور نموذج العائلة التونسية من النمط الأبوي والقرابى والممتد إلى النمط النواتي مع استمرارية عقلية القرابة والتضامن العائلي، فتدريجا بدأت العائلة التونسية تمر من هيمنة المجموعة إلى استقلالية الفرد واتساع مجال قراره ومن نهج التسلط والإرغام فى علاقة الأبوين بالأبناء إلى نهج الإقناع ومن الحذر والخوف من التقاليد والضوابط إلى الحوار والاحترام المتبادل ومن التفرقة بين الجنسين إلى المساواة ومن فرض اختيار القرين إلى الاختيار الحر 2، ولكن بقيت الأدوار العائلية في تونس متذبذة بين مواقف موروثة وأخرى مجددة تصل إلى حد التناقض والانتقائية حاول الباحث "كاملياري" حصرها فى مسارات تثاقف عرفتها العائلة التونسية منذ الستينات وهو ما يعكس تنوعا وليونة كبيرين للمواقف والسلوكات وردود الفعل تطبع العلاقات والصلات داخل العائلة ويمكن تلخيصها في الاستراتيجيات التالية:
- ممارسة التفكك التي تدفع أحد أفراد العائلة إلى رفض مبدأ المساواة بين الجنسين على مستوى الرأي والموقف وتبنيه في الممارسة على مستوى توزيع الأدوار العائلية وقد يقود التفكك إلى تبني سلوكات حديثة تجددية ظاهريا وفرديا وسلوكات تقليدية محافظة على مستوى الجماعة حين تكون المصالح العائلية أو سمعة العائلة وشرفها موضوع رهان .
- استراتيجية تغيير الموضع transposition وتفضي بتحويل مراجع وقيم تقليدية على ممارسات جديدة كتوظيف النص الدينى لإبراز تفوق الذكر على الأنثى.
- مبدأ التطويع والملائمة Accommodation _ وينطوي على كل الممارسات التي نستعملها عادة بغاية التكيف مع الوضعيات الجديدة داخل العائلة كخلق الوسائط والحلول التي تلطف من حدة ارتطام القديم بالحديث .
- مسار التعبئة ويشير إلى الفعل الذي يقتضي ترك المحددات القديمة المتحجرة الجامدة لأنماط السلوك داخل العائلة وإعادة صياغتها في ثوب جديد متحرر من سلبيات المألوف. وهكذا تتمكن الثوابت "التقليدية"من ممارسة السلوكات المجددة دون القطع مع المألوف والسائد.
- خيار اللاحتمية ويعني المرور من ثوابت ضاغطة وملزمة إلى مبادئ وقيم أقل إلزامية وذات تأويلات عديدة بحيث يتمكن أي فرد في العائلة مهما كان دوره من ايجاد توازنه 3 ولكن رغم تنوع هذه الممارسات فالأكيد هو أن المرأة سواء كانت أما أو زوجة أو أختا أو بنتا أصبحت تحظى في كل الأوساط الاجتماعية بمكانة هامة في أخذ القرارات وتصريف أمور العائلة المادية والاقتصادية، رغم ما كانت تساهم به بشكل مباشر أو غير مباشر وبطرق وحيل شتى في القرار داخل العائلة 4.
وسنستند الآن إلى بعض المؤشرات الدالة على استفادة المرأة التونسية من سياق سن مجلة الأحوال الشخصية دون أن تكون هذه الأخيرة هي المحرك الفعلي لنصل في الأخير إلى نوع من الكشف الذي يبين لنا إلى أي مدى يمكن أن تتغير المجتمعات الإنسانية بالأحكام والقرارات التشريعية والقضائية؟
يشير التعداد العام للسكان والسكنى الأخير الذي أجري سنة 2004 أن فارق السن قد تقلص بين الزوج والزوجة بصفة ملحوظة فلقد مر من 7.7سنوات سنة 1966ليصبح 3.2سنة 1994 5 وليصل اليوم إلى أقل من ثلاث سنوات مما هيأ وضعية مساواة سهلت عملية تنظيم النسل حيث أن نسبة الإقبال على موانع الحمل مرت من 31.4 % سنة 1987إلى60 % سنة 1994 7 و62 % سنة 2001 6.
وتشير الدراسات القليلة حول الطلاق أن حالات الطلاق لم تعد تقع نتيجة تدخل أطراف من العائلة الكبرى وكامتداد ضروري لفشل الزوجين في تحقيق الاستقلالية عن الأهل بل لعدم توافق في المزاج أو برود في العلاقة أو انعدام التواصل العاطفي والجنسي بين الزوجين، كما أن ارتفاع نسب الطلاق التي تطالب بها المرأة إنشاء أو على إثر ضرر لحقها يشكل أحسن برهان عن "تحرر" المرأة من ضغط المحيط وتأثيرات الإطار العائلي الضيق. كما تشير المعطيات الكيفية أن شيئا ما قد تغير في الأدوار والروابط العائلية حيث صرح 36 % من الأزواج بأنهم يستشرون زوجاتهم في القرارات التي تخص حياة العائلة 8 و58 % من الأولياء القاطنين في المناطق الحضرية اعترفوا بوجود وضعيات حوار وتشاور بينهم وبين أبنائهم و49 % من الأولياء المقيمين في الوسط الريفي صرحوا بأنهم يتحاورون مع أولادهم في مواضيع شتى تهم دراستهم وحياتهم العملية والحياة العامة.
وسنحاول من خلال بعض المؤشرات قياس مدى استفادة المرأة التونسية من سياق التحديث الذي قامت عليه مجلة الأحوال الشخصية.
1. اختيار القرين
تبين الدراسات القليلة في هذا المجال أن اختيار القرين بالنسبة إلى الأجيال الجديدة سواء في الريف أو في المدينة وباختلاف طبعا في محددات الانتماء الاقتصادي والثقافي ينبني على أساس الاحترام المتبادل والحب. ففي دراسة حول تطور العائلة واختيار القرين في وسط ريفي بالجنوب التونسي توصل الباحث "بيران" إلى أن الزواج قد تغير بين أجيال ثلاث: جيل تزوج أثناء فترة الحماية وجيل تزوج خلال العشرية الأولى للاستقلال (1960-1970) وجيل ثالث تزوج بين الفترة الفاصلة بين 1985 و1995 . ففي حين صرح المنتمين إلى الجيل الأول أن اختيار القرين لم يكن حرا للأولاد ولا للبنات واعترف أصحاب الجيل الثاني أن البعض منهم خصوصا من الفتيان قد تزوج بطريقة حرة ومستقلة عن تأثيرات العائلة وبني الزواج عند هؤلاء على أساس قاعدة التعارف والحب بينما الفتيات صرحن بأنهن لم يخترن أزواجهن سوى في المرحلة الثالثة، كما أصبحت لأم البنت المقبلة على الزواج دورا هاما في تأكيد الاختيار وتنفيذه 9.
وتوصلت دراستان وطنيتان إلى نفس النتيجة تقريبا واحدة حول"التضامن العائلي" 10 أنجزت منذ 1995على عينة من النساء من مختلف الفئات العمرية والجغرافية والشرائح الاقتصادية والثانية حول "النساء المتعلمات" 11أنجزت، هي الأخرى، في نفس السنة. توصلت الدراسة الأولى إلى أن 16 % فقط من النساء المستجوبات صرحن بأنهن لم يعرفن أزواجهن إلا يوم إتمام مراسم الزواج. وفي الدراسة الثانية أجمعت كل النساء المستجوبات على أنهن عرفن أزواجهن قبل الزواج.
كما بينت دراسات أخرى أن وضعية "الزوجين" le couple بدأت ترسخ أكثر فأكثر في المجتمع التونسي رغم التأثير الذي تمارسه العائلة الكبيرة والتي تخلق نوعا من الوفاق بين
اختيار الفرين المناسب لوضعية العائلات الكبرى ومصالحها 12. كما أن الشبان عند الزواج يضعون في سلم اختياراتهم الميل الشخصي والصفات الفردية بعيدا عن الإطار المرجعي العائلي حيث أصبحت الحياة الزوجية في مفهوم الشباب إطارا يلبي رغبتهم في تحقيق السعادة والتوازن الشخصي 13. كما أن مكانة الحب أضحت خصوصا عندما تكون موارد الزوجة كبيرة : جمالها ومستواها التعليمي والاجتماعي المرتفع 14.
2. تأخر السن عند الزواج:
يعتبر سن الزواج مؤشرا دالا على تغير العلاقات الاجتماعية داخل الأسرة التونسية، ففي سنة 1990 ارتفع ليصبح 30 سنة بالنسبة إلى الرجل، و25 سنة بالنسبة إلى المرأة وفي سنة 2001 حسب المسح الونسي لصحة الأسرة زاد في الارتفاع ليبلغ عند الرجل 32 سنة وعند الفتاة 29 سنة، وتشير الدراسات التي قام بها "الديوان الوطني للسكان والعمران البشري" أن معدل العمر المتوسط للمرأة عند زواجا الأول مر من 19 سنة 1956 إلى 20،7 سنة 1975وقرابة 29 سنة حاليا ، وهذه الظاهرة ساهمت من جهة في تغيير تصورات المرأة للحياة الزوجية ومن جهة أخرت جسرت الفجوة بين الزوجين من ناحية العمر وأثرت بصفة مباشرة وواعية أو غير واعية في تغيير مسار القرار داخل العائلة التونسية.
3. توزيع المهام وأخذ القرار داخل العائلة:
تبين آخر الدراسات الكمية التي وقع إنجازها في تونس من طرف "وزارة شؤون المرأة والعائلة والمسنين" وبالخصوص تلك التي شملت موضوع "الاقتصاد الاستهلاكي وميزانية العائلة" سنة 1998 وأخرى قام بها "الاتحاد الوطني للمرأة التونسية " سنة 1992 حول "صورة المرأة في المجتمع التونسي" أن تصريف الأمور المادية للعائلة تقع على أساس من المقاسمة والتشاور ورغم محافظة الأزواج وخاصة أولئك المقيمين في الوسط الريفي على نظرة دونية للمرأة، كما أتضح أن نزعة المساواة موجودة خاصة عند الموظفين والاطارات العليا وأرباب المهن الحرة العليا والوسطى والمستخدمين والمدرسين 15. وفي نفس السياق، بينت دراسة أخرى أنجزت في إطار "مركز الدراسات الاقتصادية والاجتماعية بتونس" ومجموعة بحث تشتغل حول موضوع "العائلة التونسية بين عوامل القطيعة وآليات التواصل أن القرار داخل العائلة التي تعيش في وسط مرفه aisé تكون عادة بالمقاسمة مع أن سلطة التوضيب le pouvoir d'orchestration تكون عادة للمرأة التي تهتم بنفقات التأثيث واللباس والمأكل بينما يحتل الرجل القرار في الإنفاق على المسكن والشراءات الكبرى 16كما توصلت الدراسة إلى تأكيد نتيجة مفادها أنه كلما كان بحوزة المرأة موارد ونسب وجاه ومستوى تعليميا أرقى من الرجل كلما تحكمت أكثر في القرار الاقتصادي داخل الأسرة. وفي خصوص تقاسم الأدوار داخل العائلة لاحظت الدراسة المذكورة أأن هناك نقلة نوعية في الممارسات والتمثلات حيث أضحى الرجال لا يشعرون بالخجل عند التصريح بأنهم يساعدون زوجاتهم في الغسيل وفي الطبخ أو في التنظيف مع محافظة الرجل على أدواره المألوفة كالقيام بالشراءات وخلاص الفواتير وتنظيف الحديقة ويعلل الرجال الذين وقع استجوابهم أن هذا التحول في أدواره يعلل بتغير نسق الحياة وبعمل المرأة خارج البيت وصعوبة الظفر بمعينة منزلية تمنح الثقة وتقدم خدمات مقبولة ومرضية 17.
كما أن المرأة تساهم في القرار الذي يخص تعليم الأبناء منذ مرحلة ما قبل الدراسة ووصولا إلى اختيار شبه تخصص في التعليم العالي وفضلا عن هذا تحاول المرأة بطرق شتى أن تجلب لنفسها ميدانا بقى لزمن طويل حكرا على الرجل وهو مجال القرارات الكبرى كتزويج أحد الأبناء أو شراء منزل أو سيارة . ورغم هذا تعتبر الأستاذة"بن سالم" أن التحولات في مجالات تقاسم الأدوار والمهام بين الزوجين تتميز بالبط ء والتعثر والتردد رغم نجاح المرأة في تكسير طوق السكن العائلي وخروجها لقضاء الحاجيات وامتطائها وسائل النقل وخروجها للتنزه والتجوال والترفيه.
ومن الأشياء التي هيأت ظروفا موضوعية لنمو وضعية العائلة النواتية منطق السكن الجديد والحراك السكني الكبير الذي تتميز به العائلة التونسية وخصوصاتلك القاطنة في المدن والتي يكون فيها أحد الزوجين حائزا على مستوى تعليميا نسبيا مرتفعا وهو حسب رأينا المؤشر الأكثر وضوحا والأكثر رسوخا ووتأثيرا في وضعية أدوار العائلة.
4. السكن بعيدا عن العائلة الكبرى la décohabitation:
قديما كان من غير المعقول أن الشاب القاطن سواء في المدينة أو في الريف عند زواجه يغامر بمغادرة منزل أبيه إلا في حالات استثنائية كهجرات العمل أو الحراك الجغرافي المفروض بفعل وضعيات عائلية كالتيتم أو الطلاق. أما اليوم فإن الحراك السكني mobilité résidentielle يشمل كل الفئات الاجتماعية على تنوعها وحتى في الوسط الريفي. ولقد بينت دراسة قامت بها "وزارة شؤون المرأة والأسرة" سنة 1993 أن 69.7 % من الأسر تسكن بعيدا عن عائلاتها الكبرى 18 وفي منطقة الساحل المعروفة بعراقتها ومحافظتها على التقاليد وكثافة تجمعاتها القروية يشير الباحث رضا لمين إلى وجود حالات كثيرة من التفرقع السكني والحراك والتي تعبر عن تحولات عرفتها الأسرة التونسية 19.
وفي هذا المجال تشير الباحثة "درة محفوظ" أن منطق السكن أصبح فى المدن أموميا Matrilocale أي أن المرأة تجد وسيلة لإقناع زوجها باختيار السكنى قرب أهلها تسهيلا لعملية الاعتناء بالأطفال 20 وهذا مما يشكل تغيرا في ميزان القوى بين الزوجين داخل الأسر التونسية حيث أن مكانة الزوجة أصبحت تتقوى وتتدعم أكثر فأكثر وهذه الوضعية لم تتحقق إلا بفعل تشبع المرأة التونسية بقيم التحديث حيث تغيرت نظرتها إلى نفسها وإلى جسدها وأصبحت تطمح أكثر فأكثر مع –إختلاف طبعا في درجة الحدة بين الشرائح الاجتماعية والأوساط الاجتماعية - لتحقق رغباتها الظاهرة والكامنة في العيش خارج نطاق دور الأم الزوجة في عالم رحب متسع ومتجدد. ومن مظاهر ومؤشرات هذا التغير لدى المرأة التونسية يمكن ذكر:
5. مظاهر الحداثة لدى المرأة التونسية :
5.1 حل عقد الزواج والخطوبة مسألة نسائية بالأساس :
ظاهرة جديدة بدأت تبرز بوضوح في المجتمع التونسي وتتمثل في أن نسبة هامة من حالات الانفصال بن الخطيبين تتم قبل الدخول الشرعي أو الزواج الفعلي حين يكتشف أحدهما الآخر أثناء فترة الخطوبة أو بعد القران (تسهيلا لعملية تقريب الأزواج في العمل ) أنه لا ينسجم مع الطرف الآخر. ومما لا شك فيه أن هذه الظاهرة تعبر عن رغبة كل منهما في سعيه من خلال الزواج إلى السعادة والتوازن النفسي والاجتماعي وخشية كل طرف من فشل مشروع لزواج قد تتسع دائرة نتائجه وتبعاته السلبية وخصوصا بعد إنجاب الأطفال .
وهذه الحالات رائجة أيضا في لبنان وسوريا ومصر 21. كما أصبحت المرأة تبادر بطلب الطلاق إما في صيغته التعسفية أو لضرر حاصل لها وفي السابق كان هذا الحل لا يأتي إلا عن طريق الرجل. مؤشر آخر من مؤثرات التحول في العلاقة الزوجية: إن إشباع الرغبةالجنسية لم يعد حقا مشروعا للزوج فقط بل أصبحت المرأة تجاهر بطلب حقها في الجنس في إطاره الشرعي المنظم المتمثل في إطار الزواج. وان كنا لا نمتلك إحصائيات دقيقة في الموضوع فإن هذا لا يمنعنا من ملاحظة أن دعاوي الطلاق المرفوعة أمام المحاكم تتضمن أحيانا شكوى من أحد الطرفين بعدم التوافق الجنسي وعدم إشباع الرغبة الجنسية والضعف والبرود الجنسي والشذوذ.
هذه الظاهرة رغم عثورنا على آثار لها في فتاوي الفقهاء أو وثائق محاكم الشرع في تونس قبيل الحماية وبعدها هي في واقع الأمر جديدة في شكل مجاهرة المرأة بحقها في الإشباع الجنسي رسميا وخارج إطار العائلة الضيق الحميم فقديما كانت المرأة تلجأ إلى أختها أو أمها فتحاولان تهئدتها وتشيران عليها باستعمال بعض الحيل أو طلب النصيحة من الولي الصالح أو استعمال السحر والشعوذة، وفي هذا المجال تشير بعض الدراسات التاريخية والأنثروبولوجية إلى الأشكال التي كانت تقاوم بها المرأة التونسية، علىالأقل في منتصف القرن التاسع عشر،الزواج المفروض كحالة "الهروب" أواللجوء إلى ولي صالح أو أحد الأعيان لدخول فى تفاوض مع زوجها ومع عائلتها 22وهنا نشيرإلى دراسة " ليلى باليل التميمى"~ التي أظهرت من خلال تحليلها لدفاتر العدول والمحاكم الشرعية إلى أن المرأة التونسية قبيل الحماية لم تكن خاضعة تماما للرجل مثلما تروجه أدبيات الاثنولوجيا الاستعمارية والانقسامية وكانت تستعمل طرقا شتى كرفع الشكوى أمام المحكمة في حالات "الجبر" وتعدد الزوجات والتطليق وأن الفتيات الرافضات للزواج الالزامي المفروض من الأب أو الأخ الأكبر ينحدرن بالأساس من أوساط قروية وريفية 23.
5.2اهتمام المرأة التونسية بصحتها وصحة ابنها الجسدية والعقلية:
بينت في هذا المجال دراسة تقوم بها وزارة "شؤون المرأة والأسرة" حول قدرات الأسرة التونسية على الإحاطة الصحية بأفرادها" في أن الأسرة التونسية بعد50 سنة من صدور مجلة الأحوال الشخصية أصبحت قادرة على الإحاطة الصحية بنفسها رغم بقاء بعض السلبيات التى تتمحور بالخصوص حول التحاليل الوقائية قبل الزواج التى يميل الكثير إلى اعتبارها إجراءا إداريا وحول الزيارات الدورية الوقائية للطبيب بعد تجاوز الإنسان للعقد الرابع من عمره وحول الإفراط في استعمال بعض الأدوية غير الموصوفة من الطبيب. وفيما عدا هذا تبين من خلال 1000 استمارة التي وقع تمريرها في إطار هذا البحث أن المرأة التونسية وبالخصوص تلك التي تتمتع بمستوى تعليمي محترم تهتم بصحتها وقادرة على الإحاطة الصحية بأبنائها. فلقد أتضح أن 96 % من الأمهات اللاتي وقع محاورتهن يحملن أولادهن إلى الطبيب مباشرة في حال المرض بالحمى وبالإسهال وأن 82 % صرحن أن الاضطراب في الأكل وفي النوم يشكلان عرضا من أعراض الأمراض النفسية وأن 93 % منهن لا يشعرن بالخجل من عرض ابنهم على الطبيب النفساني الذي برزت لديه عوارض إضطرابات نفسية (عدوانية، تبول لا ارادي، تلعثم في الكلام، كثرة الأكل...) 24
كما صرح أغلب المستجوبين من الأولياء أنه في حالة مرض أحد أفراد العائلة يقصدون مباشرة الطبيب ولا يستعملون الأدوية المعروفة في حالات مرض ما أو الأعشاب إلا في حالات المرض العادي كالزكام والسعال الجاف.
وفي نفس الإطار أكدت دراسة سابقة قام بها "الديوان الوطني للأسرة والعمران البشري" سنة 1996حول "صحة الأم والطفل" في نطاق المشروع العربي للنهوض بالطفولة أن 91 % من الأمهات اللاتي وقع استجوابهن (يبلغ مجموعها 4290إمرأة متزوجة أعمارهن أقل من 55سنة ) يعرفن إستعمال أكياس الدواء المضاد لإسهال الأطفال الرضع وأن 85 % منهن يعرفن كيفية استعمالها أي وضعها في لتر من الماء. وفي حالة الحمى التي تصيب أحد أطفالهن ء 63 % من النساء المستجوبات صرحن بأنهن قصدن مركز طبي و32 % استعملن الدواء دون استشارة الطبيب و4 % فقط منهن استعملن دواء تقليدي 25كما بينت الدراسة أن 71 % من النساء الحوامل أثناء فترة الدراسه ذهبن لطبيب قصد المعاينة وإجراء الفحوصات اللازمة وهذه النسبة ترتفع إلى 73 % بالنسبة إلى النساء الأقل من 30سنة و78 % بالنسبة إلى النساء اللاتي يقطن في وسط حضرى. وهذا ما يعطى أن ثلاث نساء فقط على مجموع عشر نساء لم يقع فحصهن من طرف طبيب مختص أثناء فترة الحمل ولو لمرة واحدة. أما عن الولادات فلقد أشارت الدراسة إلى أن 76 % منها وقعت في المستشفى و50 % في المصحات الخاصةو18 % في المنزل، كما اتضح أن 77 % من النساء المستجوبات مارسن على الأقل طريقة واحدة من طرق تحديد النسل بينما كانت النسبة في سنه 1988 67 % أي أنه وقع تقدما بعشر نقاط كاملة في أقل من ثماني سنوات. كما أن معدل الأزواج الذين يرفضون طرق منع الحمل تطور بالإيجاب وأصبح يناهز 7 % فقط مع 10 % منهم يسكنون في الوسط الريفي. وفضلا عن هذه المؤشرات الدالة على تحسن في وضعية المرأة داخل الأسرة التونسية، أشارت الدراسة المذكورة آنفا أن نمط العائلة المنتظر أو المتخيل مر من أربعة أطفال كمعدل عام إلى طفلين مما يعكس تطورا رائدا في السلوك الإنجابي للأسرة التونسية ويحيلنا مباشرة إلى مؤثرات هذا الفعل على المرأة الي أصبحت تتطلع إلى الرفاه
وإلى التفتق الذاتي الضامن لتوازنها الجسدي والنفسي. كما بينت الدراسة أن رغبة إنجاب طفل آخر هي في تراجع مطرد ولم تعد مرتبطة بجنس المولود أو بإنجاب الذكور مثلما كان الوضع في المجتمع التقليدي 26.
ولسائل أن يسأل عن مدى هذه التحولات في الوسط الريفي وفى المناطق الداخلية ء وهنا تشير دراسة قام بها"الديوان الوطنى للأسرة والعمران البشري" حول ممارسات تحديد النسل في الوسط الريفي لجهات الوسط الغربي والجنوب التونسي إلى معطى هام يتمثل في أن 69.6 % من الأزواج لا يرغبون في إنجاب أطفال آخرين 27 وهوما يبرز إقتناع الأسر التونسية في الريف بمعادلة المنافع والكلفة والثمن Coûts et avantages عند التفكير في إنجاب الأطفال وتغييب تدريجي للمراجع الثقافية والقيمية"التقليدية"فلقد تبين في إطار هذه الدراسة أن 65.52 % من الأزواج المستجوبين يرون أن نموذج العائلة الصغرى هو الأنسب لهم في حين أن 4 % فقط منهم لا يزالون متشبثين بنمط العائلة كبيرة الحجم 28كما سجلت الدراسة توافقا بين الخصوبة المتمثلة والمرغوبة désirée والخصوبة الحقيقية المعيشة vécue وهو ما يعد مؤشرا على تبدل الأوضاع في الريف التونسي وتراجع الحواجز والحدود بينه وبين الوسط المدينى مقارنة بالعشريات السابقة. ففي دراسة أنجزت سنة 1987 حول "الصحة العائلية فى جهتى السبالة والهيشرية بمعتمدية سيدي بوزيد" تبين أن 21 % من النساء المستجوبات فقط صرحن أنهن باشرن طبيب توليد ولو لمرة واحدة و 2.6 % منهن قمن بإجراء التحاليل والفحوصات اللازمة و38 % لم يقمن بأي تلقيح أثناء فترة الحمل كما أن 11 % منهن استعملن أو بصدد إستعمال لوسائل منع الحمل، وفي حالة المرض 55 % من الأزواج يحملون مريضهم إلى المستشفى و37 % صرحوا بأنهم استعملوا النباتات التقليدية و18 % قصدوا ´´العراف ´´ أو الوقاعة و3 % أخذوا الدواء من الصيدلية دون استشارة الطبيب 29.
5.3المرأة التونسية أصبحت تقيم أكثر فأكثر في الفضاء المديني:
عيش المرأة في المدينة يتزامن مع حاجيتها للتحرر من قيود المجتمع التقليدي وتكريس قيمة الطموح لديها مما قد يهيئ أرضية موضوعية لتحقيق الحداثة بمعناها الواسع والتي تساعد الفرد على تغيير نظرته للعالم واستغلال كامل قدراته وموارده. وفى هذا الباب يشير التعداد العام الأخير للسكان والسكنى أن المرأة التونسية أصبحت مدينية بالأساس حيث أنه على مجموع 5.36مليون ساكن يقطنون في المناطق البلدية فائض الرجال مقارنة بالنساء لا يتجاوز 72409وحدة أي بمعدل ضعيف يناهز 1.3 % كما أضحت المرأة في المدينة أكثر تعلما (إمرأة على مجموع ست نساء بقيت أمية لا تعرف الكتابة والقراءة ) وأكثر نشاطا في العمل وأكثر حركية وتتقل في المجال المدينى 30حيث أن نسبة اللاحراك بقيت في حدود27.3 % من مجموع النساء اللاتي يقطن في الوسط الحضري وهذه الأقلية تتكون من ربات البيوت اللاتي لا يعملن والفتيات غير النشيطات أو الباحثات عن العمل 31 .
5.4 المرأة في العمل : أصبحث تساهم بقسط وافر في إنتاح الموارد وتوفير المال:
تبين آخر المعطيات أن المجتمع السكان النشيطن يتأنث أكثر فأكثر. نسبة النساء النشيطات العاملات مرت من 18.7 % سنة 1975إلى 23.6 % ومؤخرا سنة 2004 24.2 % أي حسب وتيرة تطور تناهز 63 % مقارنة بتطور نسبة الذكور النشيطين. وتجدر الاشارة أن نسبة مساهمة المرأة التونسية في خلق الثروات تتجاوز معدل جهتي المشرق العربي والمغرب العربي رغم بقائها دون المتوسط العالمي 32كما أتضح في نفس السياق أن المرأة العاملة تغادر سوق الشغل بصفة مبكرة 33وفترة عملها خصوصا في قطاع النسيج ويكون عادة هذا الانقطاع قبل تخطيها عتبة الزواج 34، ولئن أجمعت أغلب الدراسات التي اهتمت بعمل المرأة على أن النساء العاملات في القطاع الفلاحي أو الصناعي أو في قطاع الخدمات يتذمرن من وضعيتهن في العمل ويجدن سوء المعاملة من طرف مشغليهن 35فإنه يمكن القول أن مساهمة المرأة في ميزانية الأسرة التونسية تتسع أكثر فأكثر وفي بعض الأحيان تكاد المرأة تكون المورد الوحيد خصوصا فى الريف المعروف بهجرة الرجال نحو المدن 36 كما ساهم عمل المرأة بصفة مباشرة فى خفض قابلية الخصوبة لديها 38 ودفعها للاهتمام أحسن بتعليم أبنائها ومتابعة صحتهم 37 ،وفي هذا الباب لا يشاطر الباحث الاقتصادي "حسن الديماسى"في دراسة تحليلية له حول المرأة والعمل من يرى أن اقتحام المرأة لسوق الشغل تزامن مع تعاستها واقترن ضرورة بسوء تأقلمها وشقائها في محيطها الجديد وذلك لأن نسبة تمثيليتها فى مجتمع السكان النشطين في إزدياد مطرد رغم صعوبة ظروف العمل وهو ما يعبر فى حقيقة الأمر عن رغبتها في الظهور في المجتمع وتثمين مجهودها كقيمة استعمالية وقيمة تبادلية أيضا خصوصا وأن عملها المنزلي بقي خفيا في نظرة الآخرين وغير منتج improductif رغم ما تقدمه المرأة من تضحيات جسام في سبيل خلق الثروة لعائلتها والمتأتية من عملها في الأرض ومن الأنشطة الأخرى التكميلية التي تتمحور حول الحرف المنزلية كصنع الفخار والزرابي والفرش والأغطية 39.
وإجمالا يمكن القول أن المرأة التونسية وبالخصوص تلك التي تقطن في الريف قد تغيرت
نظرتها إلى نفسها فلقد أشارت الباحثة "درة محفوظ" في كتابها عن "مزارعات مرنيسة" أن المرأة الريفية أصبحت ترغب في الاستقلالية على مستوى السكن وتساهم بقسط فاعل في بناء مسكن جديد عصري بمذخراتها الخاصة التي تجمعها من بيع الحلي والزرابي والأغطية
والفرش، كما صورت لنا الباحثة نساء منبهرات بالنمط المديني رغم مصاعب حياتهن اليومية والإجهاد الذي يقمن به في فلح الأرض وجلب الماء وطهي الطعام وتنظيف المسكن، وأتضح في هذا المجال أن البنات الصبيات يرفضن الأعمال المرتبطة بالأرض، كما أن أمهاتهن يردن لهن وضعية أحسن 40 .فرغم تباين المواقف وتناقض الآراء حول مكانة المرأة التونسية ووجود بعض الرواسب القديمة وحالات الاستيعاب المرضي للتحديث 41 نلاحظ من خلال الدراسات الميدانية أن صورة المرأة قد تحسنت بصفة ملحوظة وذلك من جر اء إيمان المرآة بحقوقها ومصالحتها مع جسدها ورغبتها في أن تكون أحسن حالا، ومن مؤشرات هذه النقلة تحول حياتها اليومية من حياة خاصة عائلية إلى حياة عامة واجتماعية . ومن بصمات هذه الحياة اليومية الجديدة يمكن أن نذكر تردد المرأة أكثر فأكثر على قاعات تعاطي الرياضة وصالونات الحلاقة والتجميل والتي أصبحت حسب تعبير" سوزان أوسمان" مجال وساطة بين الفضاء الخاص والفضاء العمومي 42.
5, 5أصبحت المرأة أكثر إقبالا على الحياة العامة:
تبين المعاينات الميدانية أن المرأة التونسية أصبحت تتردد بكثافة على الفضاء العمومي من منتزهات وصالونات حلاقة ومطاعم ونزل وقاعات لتعاطي الرياضة، ولقد بينت في هذا المجال"سوزان أوسمان" أن النساء عموما يفضلن التردد على صالونات الحلاقة التي يكون فيها الحلاق رجلا وذلك لإبداء رغبة كامنة لديهن في احتلال الفضاء والاستحواذ عليه بعد أن بقي لزمن طويل حكرا على الرجال، كما أن مثل هذه الصالونات تشكل امتدادا للشارع الذي ترغب من خلاله الظهور بكثافة وتأكيد الذات 43ويبدو أننا بدأنا نبتعد عن صورة "الحمام" التقليدي الذي يقيم حاجزا بين الرجال والنساء حتى أنه بمجرد ظهور طفل يافع متجسس voyeur راغب في إكتشاف الكون الأنوثي يثير صيحات فزع النساء وغضبهن على هذا الاقتحام غير المرغوب فيه،كما أحسن تصويرذلك "فريد بوغدير" فى فيلمه"عصفور سطح".
وفي مجال آخر من الحياة العامة، تبين أن النساء أصبحن أكثر إقبالا على الانخراط في النقابات 25 % وان كانت في واقع الأمر نسبة متواضعة 44، كما أصبحت أكثر حضورا في الأحزاب السياسية وفى باب الترفيه،أصبحت الأسرة التونسية تعبر أكثر فأكثر عن ابتهاجها بالحياة بالاهتمام بهذا الجانب رغم بقاء مفهوم الترفيه مرتبطا برغبات الأطفال وبارتفاع الإمكانيات المادية والمستويات التعليمية للأسر التونسية. والمألوف هو أن الأسرة التونسية أضحت تخصص جانبا من ميزانيتها للترفيه والسياحة الداخلية الشتوية والصيفية مع وجود عديد التعاونيات التي تشجع وتقدم حوافز لمنخر طيها الراغبين في التنزه والترفيه بأثمان مقبولة.
خاتمة واستنتاجات:
لقد توصلت دراستتا رغم محدوديتها إلى نتيجة أساسية مفادها أن هناك متغيرات خفية أو وسيطة تفسر تشبع المرأة التونسية بقيم مشروع التحديث الذي تبنته الدولة منذ فجر الاستقلال ومن مقوماته ومن مظاهره في آن واحد سن مجلة الأحوال الشخصية ووجود ضمانة مؤسساتية لمشروع تنظيم النسل ورواج التتظيم النواتي للأسرة وتسارع نسق التحضر وخروج المرأة للعمل وإقبالها المتزايد على النهل من مدارج المعرفة وتأخر السن عند الزواج .ويمكن الإقرار أن الأسرة التونسية - رغم الفروقات البنيوية الواضحه في تركيبة هذه الأسر الجغرافية والديمغرافية والاقتصادية – قد قطعت مراحل هامة في سبيل تحرر أفرادها وابتهاجهم بالحياة وطموحهم نحو الأحسن والأرقى ولكن طريق الحداثة مايزال طويلا وشاقا فنسبة تشغيل المرأة لا تزال دون المأمول في مستوى 23 % وبعيدا عن المستوى العالمي، كما أن منع تعدد الزوجات عند بعض الأوساط الاجتماعية تزامن مع تعدد العلاقات الموازية للزواج وصعد من نسق ظاهرة "الأمهات العازبات" والتي أصبحت تشمل بعض النساء المنتميات إلى الإطارات العليا والمتعلمة اللاتي لجأن إلى هذا الحل عن اختيار واقتناع وتعويضا منهن عن أمومة حرمن منها نتيجة العنوسة المتنامية.
وهذه المتغيرات الخفية تتمحور حول مكانة الطفل في الأسرة التونسية كعنوان استثمار عاطفي ووجداني ، وكذلك شكل إقبال المرأة المتزايد على الفضاءات العمومية ومشاركتها في الحياة العامة ومساهمتها في تصريف الأمور الاقتصادية لعائلتها وتوقها إلى تنويع حياتها اليومية وفرضها الذكي لمنطق السكن الأمومي (السكنى بجانب عائلة الزوجة لا الزوج ) عوضا عن السكن الأبوي الذي ساد لفترة طويلة وهى مؤشرات تؤكد حدوث"ثورة هادئة"عاطفية وجنسية وذهنية وثقافية رغم بقاء بعض الرواسب "القديمة" على مستوى الأدوار بن الزوجين واعتبار أن الحداثة وافدة من الغرب غريبة عن مجتمعاتنا وبالتالي فهي تهدد بالضياع والغربة والانبتات مما قد يكرس عند البعض منطق الاحتماء بالتقاليد الموروثة خشية حدوث أزمة هوية وتصدعات نفسية وعاطفية واجتماعية للحياة الأسرية.
وفى رأينا، ليس من سبيل إلى نكران الآثار السلبية التي أحدثتها ثورة التحديث ولا إلى التنكر إليها وتتمثل في وجود:
- صراعات خفية يعيشها الزوجان le couple بفعل الإفراط في تلبية طموحات كل فرد على حدة وإشباع حاجيات الأطفال النفسية والجسدية والعاطفية والمادية إلى حد أن الأولياء أصبحوا بمثابة شهداء Martyrs العائلة الحديثة وهذا الأمر وقع تسجيله في كثير من البلدان العربية وبالخصوص تلك التي عرفت حركة تحديثية تبنتها الدولة كمصر والأردن والكويت 45.
- تراجع آليات التضامن مع العائلة الكبرى أدى إلى حدوث مشاكل على مستوى الأسرة كرعاية الأبناء في فترة غياب الزوجين مما يضخم من إمكانيات حدوث حوادث منزلية للأطفال ويؤدي إلى وجود خلل في الرعاية العاطفة وحتى الصحية وفي تنشئة الأطفال عموماوهو ما شكل فى رأينا ثمن التطور والرقي Le coût du progrès .
وخاتمة القول، نجيب عن افتراضنا الأساسي في هذه الورقة المتمثل في أن المجتمعات الإنسانية لا تتغير بالأحكام القضائية والتشريعية On ne change pas une société par décret بالقول بأن الافتراض قد صدق نسبيا بالنسبة إلى حالة المجتمع التونسي الراهن وذلك لأن أحكام مجلة الأحوال الشخصية لم تقطع نهائيا مع المرجعيات الفقهية المتوارثة وان خالفتها في طرق التبليغ ولم تكن مشروع شخص أو وليدة ظرف سياسي محدد بل كانت مشروع نخبة وسايرت تحولات ديمغرافية واجتماعية واقتصادية وثقافية عاشها ويعيشها المجتمع التونسي. 46
***************************
1القروي (نعيمة)، (1975)، إيديولوجية تحرير المرأة، في " الفكر " التونسية السنة 21، عدد3، ص104-110
2Demeersman (A.), (1973), La famille tunisienne et les temps nouveaux , 2 ème éd., Tunis, MTE.
3Camilleri (C.), (1973), Jeunesse, famille et développement. Essai sur le changement socioculturel dans un pays du Tiers monde , Aix en Provence, CRESM-CNRS.
4Auerbach (L.), (1980 ), Women's do m estic power: study of women's role in a tunisian town , Phd, University of Illinois .
5Dittgen (A.), (1996), Modification de la famille en Occident et au Maghreb, in « Les Cahiers de Tunisie », n°174 , pp 23-42
6Gueddena (N.), sous la direction de (1998), Enquête
7ONFP (2002), Enquête tunisienne sur la santé de la famille, Tunis, ONFP ; Ligue des Etats Arabes.
8M. A. F. F. , UNICEF (1993), Enquête sur la famille en Tunisie , Cabinet de prospectives sociales 1. اختيار القرين
9Birane (W.), (1996), Evolution de la famille et choix du conjoint en zone rurale (Le sud tunisien : Le Nefzaoua) , Thèse de doctorat de 3 ème cycle en sociologie, sous la direction de Mme Ben Salem Lilia, Université de Tunis I, Faculté des sciences Humaines et Sociales de Tunis.
10IREP, (1994), L'entraide familiale, Cahier de l'IREP, n° 11, Tunis, Ministère du Plan et du Développement Régional.
11Mahfoudh (D.), (ss la dir.de), (1994), Femmes diplômées au Maghreb : pratiques novatrices , Tunis, FNUAP, IREP.
12Ben Salem (L.), op.cit. p 170
13Mahfoudh (D.), (1995), Traditionalisme et modernisme conjugal dans la famille tunisienne, in « Structures familiales et rôles sociaux », Tunis, Cérès Productions, pp 81-88
Ben Fredj (S.), (1998), Amour, sexualité et nouvelles stratégies de mariage chez les étudiants tunisiens , Communication présentée lors de l'Assemblée Générale du CODESRIA, non publiée
14Mahfoudh (D.), (1994), Femmes …, op.cit., p 389
15MAFF, (1998), Enquête sur la consommation et les dépenses des familles tunisiennes , Tunis, MAFF, étude commanditée
UNFT, (1995), L'image de la femme dans la société tunisienne
16Khouaja (A.), (2003), Argent et négociation des conflits familiaux, in « Individu, famille et société en Méditerranée », Cahiers du CERES, Série sociologie n°26, pp 291-306
17Hermassi (A.), Organisation domestique et exercice de l'autorité, in « Individu …, op.cit., pp 243-290.
18MAFF, Cabinet de Prospectives…, Enquête sur la famille…,op.cit.
19Lamine (R.), (1994), Cohabitation, décohabitation et mobilité résidentielle dans le Sahel tunisien, in « Structures familiales et rôles sociaux , Tunis, Cérès productions, pp 179-186.
20Mahfoudh (D.), (1994), La pratique de l'entraide familiale, in « Cahier de l'IREP : l'entraide familiale, op. cit., pp 25-108
21حطب (زهير)، (1976)، تطور بنى الأسرة العربية والجذور التاريخية والاجتماعية لقضايا العاصرة ، بيروت، معهد الإنماء العرب،ص 260-261
22Ferchiou (S.), (1989 ), Les femmes dans l'agriculture tunisienne , Aix en Provence ; Edisud ; Cérès Productions
23Blili Temime (L.), (1999), Histoire de familles, répudiations et vie quotidienne à Tunis, 1875-1930 , Tunis, Script
24MAFF / EUREKA, (2002), Compétences des familles dans la prise en charge de la santé de leurs membres , Tunis, Maff, étude commanditée non publiée.
25ONFP, ( Sous la direction de N. Gueddena), (1996), L'enquête tunisienne sur la santé de la mère et de l'enfant , Tunis, ONFP, p 146
26ibid, p 237
27ONFP, (1997 ), Comportement contraceptif des familles en milieu rural dans les régions du Centre Ouest et du Sud de la Tunisie , Tunis, ONFP
28ibid, p 74
29L'Association de coopération pour l'éducation et le développement, (1987), Vie et santé à Cebballa et Hichiria dans le Gouvernorat de Sidi Bouzid.
30CREDIF, (2000), (sous la direction de hend Gafsi), Femmes et ville , Tunis, CREDIF
31Agence Urbaine du Grand Tunis, (1994), Enquête sur les déplacements (5100 ménages interrogés). 5.4 المرأة في العمل : أص ب حث ت ساهم بق سط وا ف ر ف ي إ نت اح الموا ر د و ت و فير المال :
42Femmes et ville , op.cit., p 125
33Belloumi (A.), (1994), Evolution de la contribution de la femme dans l'activité économique de la Tunisie de 1975 à 1989, in « Structures familiales …, op.cit., pp 149-163
34Dittgen (A.), (1996), Modification de la famille en occident et au Maghreb, in « Les Cahiers de Tunisie », n° 174, pp 23-42
35Karoui (N.), ( 1980), Etude sociologique sur les ouvrières agricoles de la région de Mateur, in »RTSS », n°63
Karoui (N.), ( 1982), La femme tunisienne et le phénomène « bureau », in « RTSS », n°71-72
Mahfoudh (D.), (1982), Formation et travail des femmes en Tunisie, in « La politique de l'emploi-formation au Maghreb, Paris, CNRS.
36Mahfoudh (D.), (1993 ), Paysannes de Marnissa, le difficile accès à la modernité , Tunis, Chama.
37Rouissi (M.), et alii, (1973), L'influence sur le taux de fécondité du statut et du rôle de la femme dans la société tunisienne, in « RTSS », n° 32-34-35-36
38 Rejeb (S.), et alii (1991), La mère au travail et son enfant, simple sondage sociologique, in « Ibla », n°67, pp 85-93.
39Dimassi (H.), (1990), Etudes et informations sur le travail de la femme, bilan critique, in « Femme, famille et développement », Cahiers de l'IREP, n°6, pp 21-81
40Mahfoudh (D.), Paysannes …, op.cit.
41UNFT, (1995), L'image …, op.cit.
42Ossman (S.), (1997), Le salon de coiffure : espace de médiation à Casablanca et au Caire , Paris, Hermès.
43Ossman (S.), ( sous la direction de), (1998 ), Miroirs maghrébins, itinéraires de soi et paysages de rencontre , Paris, CNRS /IRMC
45 عبد النبي (سعاد)، (1998)، وضع المرأة في تونس، الجمعية التونسية للتنظيم العائلي
46Melis (A.), (1994), Effect of modernization on Kuwaiti women, in “ Social Science and Medecine ”, n°16
Toubia (A.), et alii (1994), Arab women: a profile of diversity and change , Caire, Population Council
طباعة >> | إغلاق
النافذة >>