تطورات التشريع في مجال الأحوال الشخصية التونسية :

قراءة سوسيولوجية في الخلفيات والمقاصد والتشريعات.

د . منصف المحواشي – قسم علم الاجتماع- جامعة صفاقس-تونس

يتجه اهتمامنا في هذا العمل إلي تبيين أن التحديث الاجتماعي الذي وقع في المجتمع التونسي وخاصة في مجال التشريع للأحوال الشخصية قد قام وفي المقام الأوّل على عمليات من القطيعة والبناء والتعديل المتواصل للتشريعات والقوانين القائمة وفق خلفيات فقهية ومقاصد اجتماعية اختلفت باختلاف التطورات الواقعة في المجتمع وتجدد الحاجات التي أملتها تلك التغيرات، وذلك لغاية إعادة رسم الصورة النموذجيّة الكبرى للفرد والآسرة في المجتمع وتجديد صفاتهما الاجتماعية وتغيير طبيعتهما، وإعادة تشكيل وإنشاء للعلاقات بين الجنسين وفق القيم الحديثة، فالتشريع هو في الأخير أداة للتعديل والتغيير والتحديث. وتتركز خطة العرض هنا على الوقوف بالعرض والتحليل عند المحطات الأساسية التالية :

أولا، قراءة مضمونية في نموذج من الفقه المالكي الذي كان سائدا قبل الاستقلال مثلته "رسالة" احمد بن أبي الضيف في المرأة، وذلك لنتبين الخلفية الفكرية والفقهية التي تعامل بها الفقه المالكي قبل الاستقلال مع مسالة الأحوال الشخصية وقضايا المراة والزواج والطلاق وغيرها.

ثانيا، سنتبين التغييرات التي أحدثها بعض المصلحين – الذين هيؤوا للإصلاحات اللاحقة في مجال العائلة – في مصر وخاصة في تونس، وأعادوا صياغة المشهد الفكري وعالجوا مباحث جوهرية وعملية في حركة الإصلاح كمبحث المراة والأسرة و الأحوال الشخصية.

ثالثا، سنحاول تبيين ملامح المشهد الاجتماعي قبل الاستقلال ووضع الأحوال الشخصية الذي سترثه الدولة الوطنية في فجر الاستقلال والذي ستدعي إلى تغييره وتحديثه.

رابعا، قراءة في مضمون مجلة الأحوال الشخصية وتبين المقاصد الكبرى التي نهض عليها مشروع تحديث التشريع في تونس، وتحديد المحتويات القانونية والاجتماعية والحقوقية التي نهض عليها، وانعكاساتها على العلاقات و واقع التفاوض بين الزوجين، ثم ضبط ما حصل من تحويرات قانونية في محتوى المجلة بعد الاستقلال وخاصة تلك التي حصلت في التسعينات، وتبين مبرراتها والمقاصد التي تحكمت فيها.

في هذا المبحث الاول سينصبّ اهتمامنا على التعرف الي الكيفيّة التي تعاملت بها التشرّيعات والفقه التقليدي السابق لتأسيس مجلة الأحوال الشخصيّة في تونس (الصادرة سنة 1956) مع قضية المرأة والأحوال العائليّة و تبيّن الموقع الذي بوّئت المرأة لتحتله في العائلة والمجتمع التونسي التقليدي. كما سنعمل على رصد التطوّرات الفكريّة التي وقعت في صلب هذا التشريع من خلال تحليل بعض أدبيات رجال الإصلاح ومواقفهم من قضايا اساسية تتصل بوضع المراة والعائلة والأحوال الشخصية في القطر المصري وخاصة القطر التونسي.

ويعدّ مبحث المرأة والأحوال الشخصية عينة عمليّة لحركة الإصلاح والتحديث الاجتماعي. فمن خلاله نستكشف ما بشّرت به حركة الإصلاح على المستوى الاجتماعي والثقافي والتشريعي التي مسّت بالأساس وضع الأسرة والمراة والعلاقات الزوجية. وفيما سيأتي نعرض نماذج من المضامين الأدبيّة التي اعتمدناها كمستندات مرجعية في التحليل و هي كما يأتي:

أ- رسالة أحمد بن أبي الضياف في المرأة (1) و تتمثل هذه الرسالة في ردّ على ثلاثة وعشرين

سؤالا جوهريّا حول موقف الإسلام من المرأة. كان القنصل الفرنسي "ليون روش/

Léon Roches " بتونس (1853-1883) قد بعث بها إلى الوزير التونسيّ أحمد بن أبي

الضياف (2) يسأله فيها عن جوانب جوهريّة تتصل بمكانة المرأة في العائلة والمجتمع العرب

وبالأحوال الشخصيّة عامّة من وجهة نظر الفقيه المسلم.

ب- كتاب "المرشد الأمين للبنات و البنين" للكاتب، لرفاعة رافع الطهطاوي (3)

ج- كتاب "تحرير المرأة" للكاتب: لقاسم أمين (4)

د- كتاب "امرأتنا في الشريعة والمجتمع" للكاتب: للطّاهر الحدّاد (5) .

هـ كتاب "روح التحرّر في القرآن" للكاتب: لعبد العزيز الثعالبي (6).

و قد أخضعنا قراءة هذه الرسالة لمنهج تحليل المضمون،حيث وقفنا عند خصائص الذهن الفقهي الذي تعامل مع مسألة الأحوال الشخصية لنتبين بالأساس الاتجاهات والمواقف التي اندرجت ضمنها مسألة الحقوق ووضع المرأة عامة. وههنا نثير ملاحظة أساسيّة، وهي أن ما كتب حول قضيّة المرأة منذ بداية القرن 19 وافر لكن محتواه قد شابه كثير من التكرار. أمّا لماذا حصرنا اهتمامنا في هذه الأدبيات بالذات فلأن اصحابها هم الأوائل الذين تلمّسوا القضيّة في ظل إرهاصات التغيير الأولى واتجاهات النهوض في العالم العربي. لكن لماذا رسالة "أحمد بن أبي الضياف" في المرأة أساسا ؟ فلأنها تعبّر بوضوح عن منطق التفكير الفقهي التقليدي في أجلى تمظهراته وخصوصا الفقه المالكي، فرسالة "ابن أبي الضياف" تمثل بحق صدى للقيم الفكريّة والدّينيّة التي سادت في تونس خلال القرن°19 ، ثم لا ننسى أن الرّجل كان فقيها مالكيّا وقد رشّح مفتيا للدّيار التونسيّة في عهد الباي أحمد. ونحصر اهتمامنا في هذه القراءة في جملة من المحاورالتي تمسح أهم النقاط الكبرى في فكر المشرعين والمصلحين، وخاصة في الجانب الفقهي والنظري حول مسألة المرأة. ونورد هذه المحاور الكبرى في الجوانب التاليّة:

1) الفقه التقليدي و منطقه الداخلي (رسالة أحمد بن أبي الضياف نموذجا):

نقصد بكلمة "البناء المنطقي" جملة المبادئ النظريّة التي تعامل بها المشرع والفقيه مع القضايا الاجتماعية ومسائل الأحوال الشخصية والحقوق، وبمعنى آخر نعني الذهنية الفكرية التي تعامل بها الفقيه خلال التشريع ومعالجة القضايا التي دعي للبت فيها، وفيما سيأتي من التحليل نعمل على كشف ما يميز التفكير الفقهي التقليدي من خصائص ونقف بالأساس عند أهم المبادئ العامة التي ميزت الممارسات، ونعرض لها كما يلي في ثلاثة نقاط هي :

أ- قاعدة "سدّ الذرائع": ويمكن ضبط محتواها الجوهري في المعاني التالية: إن درء المفاسد أولى من جلب المنافع، بمعنى أن المشرّع إذا تعرّض إلى واقعة التقى فيها الضرر والمنفعة معا، فإنه يحبّس ويعطّل الاستفادة من المصلحة وذلك خوفا من السّقوط في المفسدة أو "الحرام" واتقاء الوقوع في الشبهات. ويحرص على الالتزام بمبدأ سدّ المضرّة وتجنّب المفسدة قلت المنفعة أو كبرت وإعطاء هدا المسعى الأولوية في استنباط الأحكام والتفكير في معالجة القضايا الاجتماعية وإيجاد الحلول للمشاكل المستحدثة وذلك حتّى لو كان في المسألة التي يلاقيها المشرع ما يساعد علي جلب منفعة أو مصلحة للجماعة وافرادها.

ب- الهرميّة المرجعية: تعتبر المنظومة الفقهيّة السائدة أن تدبير الكون انما يتأسس على بناء هرميّ في أعلاه الله فالرّسل فالرّجل فالمقرأة، ثم يليهم العبد فالأمة فالطفـل فالمجنون. والتفاضل الذي يمكن أن يقوم بين المرأة والرّجل إنّما هو يحكم بما قد يتحمّله كل منهما من وظائف، لذلك يكون أولو الأمر في قمّة الهرم، ثم يليهم أهل الحل والعقد، فسائر الناس. وعلى هذا الأساس لا يخطر ببال أحد أن تثار مسألة دونيّة المرأة ومكانتها في المجتمع، إذ لا مبرّر من التساؤل في هذا الأمر ما دام التراتب قد انبنى وتأسس علي هذه الهيأة واستقام التوازن الإجتماعي على هذه الهرميّة. وعلى هذا الأساس تبقي مكانة المرأة ووضعها محكومين بدونيّة واجباتها في مقابل واجبات الرّجل الذي يحتل المكانة الأعلى في سلم التراتب الاجتماعي.

ج- تنطبق"المنظومة الفقهيّة" بأكملها في المقام الأوّل على "المجتمع العربي الإسلامي" حيث ينتظم السكان في نطاق حواضر ومدن أغلبيّـة سكانها مسلمون وحاكمها مسلم. وهو ما يعني بالخصوص أن حياة الناس في الأرياف والمناطق النائية عن الحواضر الكبرى لم تكن محلّ اهتمام الفقهاء والفقهاء إلاّ في مستوى ضئيل جدّا. و لهذا فان تنظيم أمورها – كما يؤكد عبد المجيد الشرفي- كان "يوكل غالبا إلى شيوخ القبائل وزعماء العشائر الذين يقضون بمقتضى العرف" (7).

ويمكن القول إن الفقه المالكي الذي منه يستمد التشريع يعطي الأولوية المطلقة لما هو نقليّ موروث على حساب ما هو اجتهادي ومستحدث. ولهذا فإن الواقع الموضوعي بتطوّراته وجزئياته المعقدة قد غاب من اعتبار الفقيه الناقل والمكتفي بترديد مقولات فقهاء القرن الثالث والرابع الهجري. بالإضافة إلى أن المنظومة الفقهيّة المالكيّة السائدة في أواخر القرن °19 في تونس كانت بحق مثقلة بماض وتراث فقهي ورث عن القرون الهجريّة الأربعة، أي أنّها فلم تكن اذن ثمرة للتفاعل مع واقع المجتمع التونسي القائم. بل كانت اجترارا لما سبق قوله. فإذا عجز المسلم عن تأويل نصّ قرآنيّ ولم يفهم أبعاده، " فيكفيه الامتثال والعمل بما فهم من ظاهر القول" حسب رأى أحمد بن أبي الضياف (8)معزّزا موقفه بالآيتين القرآنيتين: "ما فرّطنا في الكتاب من شيء" (الأنعام: الآية 38) و"اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الإسلام دينا" (المائدة الآية 3).

2) مكانة المراة في العائلة و المجتمع في "رسالة" ابن أبي الضياف:

يؤسّس ابن أبي الضياف موقفه من الوضعيّة التي تحتلها المرأة على نوع من المفاضلة التي يقيمها بين الرّجل والمرأة. ويجد لذلك مبررات عدة من ذلك مثلا أن "آدم أبا البشر وأوّل مخلوق من البشر هو ذكر" فمنه خلقت الأنثى حواء أمّ البشر. ومن هذا الاعتبار فإن المرأة هي فرع من أصل" ولا يمكن أن تحتلّ موقعا يفوق أو يساوي موقع الذكر. بالإضافة إلى أن الرجل هو وحده من أهّل للنبوة والخلافة في الأرض. وأن الإمامة في الصلاة ومباشرة الدّفاع عن العرض والوطن كلها مسؤوليات منوطة بعهدة الرّجل لوحده. يقول ابن أبي الضياف: "الذكر أفضل من الأنثى. وأبو البشر هو أوّل مخلوق منه خلقت حوّاء أمّ البشر. والأصل أفضل من الفرع" (9). ويعزّز قوله بالبيت الشعريّ التالي:

كتب القتل والقتال علينا وعلى الفانيات جرّ الذيول (10)

ويبرّر ابن أبي الضياف تفوّق الرّجل على المرأة في المكانة، بمبرّرات اجتماعيّة تتعلق أساسا بالوظائف التي يؤديها الرّجل في توفير المعاش والرّزق. فالأبوان يستعينان بالولد الذكر عند كبرهما ويساعدهما على مقاومة عجزهما عندما يتقدم بهما العمر. كما يتولى مهمّة إعانة الأب في العمل بالفلاحة والتجارة وغيرهما من وسائل الكسب. الأمر الذي لا تنجزه المرأة. وبالإضافة إلى ذلك فالذّكر هو من سيرث الأبوين فيما يمتلكانه. وهو من سيحفظ سلالة العائلة وإرثها. ولهذه الأسباب يتخذ المولود الذكر شأنا كبيرا لدى والديه لأنه رصيد المستقبل العائلي بأسره. إذن "فابن أبي الضياف" ههنا لا يناقش الأسباب الاجتماعية والفقهيّة التي تجعل الرّجل يفوق المرأة في المكانة، إنّما يبرّرها ويكرّسها بل ويبحث لها عمّا يسوغها في التراث الفقهي وما يؤكدها في الواقع الاجتماعي القائم.

أ- الـزواج:

في غالب الأحوال القائمة في المجتمع التونسي في القرن 19 لا تتزوج الفتاة إلاّ بعد سنّ البلوغ. لكن يمكن لأبيها أن يزوجها قبل تلك السنّ علمت أمّها أم لم تعلم، فمصيرها يبقى بيدي والدها. ويبرّر "ابن أبي الضياف" ذلك، بأن الأب هو الأدرى من ابنته بما يهمّها، وبأهليّة الزوج والعائلة التي ينتمي إليها، وما يصلح لها وما لا يصلح. يقول: "البنت لا تتزوّج في الغالب إلاّ بعد البلوغ والرّشد، لأنه لا بدّ من الشهادة عليها بالرضا ولا يصحّ ذلك بعد بلوغها. وللأب أن يزوّج بنته قبل البلوغ علمت هي أو لم تعلم، لأنه وحده الأدرى بمصالحها منها" (11) .

وضمن هذا المنظور يمكن للفتاة الصّغيرة أن تتزوّج برجل يكبرها سنّا. فالمشرّع مدعوما بالاعراف الإجتماعية والتقاليد السائدة يرى ضرورة أن يزوّج الأب ابنته برجل يرضاه هو حتّى ولو كبرها سنّا، فالمهمّ أن تكفل في كنف رجل "يحميها". ويخفي هذا السلوك رغبة الأب والعائلة في التخلّص من العبء الثقيل للفتاة. فهي دائما تمثل - وخاصّة على الذكور- عبءا ثقيلا على العائلة. وضمن هذا المنظور نفسه يخرج الزواج المرأة على بالشاكلة السّابقة من إطار سلطة الأب والأخ والعائلة لينقلها إلى سلطة زوج وعائلة جديدة ستنتمي إليها. معنى ذلك أنها تبقى محافظة على نفس المركز في خدمة الرّجل وتبعيتها له. ويستند ابن أبي الضياف في موقفه هذا إلى حديثين نبويين: "لو أمرت أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها" و"أيّما امرأة باتت هاجرة لزوجها لعنتها الملائكة" (12).

ب- تعدّد الزوجات:

يدافع أحمد بن أبي الضياف أنّ للرّجل إمكانية الزواج بأكثر من امرأة واحدة، وأن ينكح أربع نساء إن استطاع. فالإماء (جمع أمة ، مؤنث العبد) لا يعتبرن من الأحرار. ولهذا لم يحدّ الفقه التقليدي من حريّة الرّجل فيما يخص "ملك اليمين"، كما لم يوضّح حدود تطبيق الآية القرآنية: "وانكحوا ما طاب لكم من النّساء مثنى و ثلاث ورباع"، فقد بقيت هذه الآية محل اجتهادات مختلفة، استغلها الرّجال لتدعيم السّلطة الذكريّة على النساء. ويستند "ابن أبي الضياف" لتبرير هذا الحق الرّجالي إلى ما في الرّجل من "طباع نفسيّة"ترغّبه في الجنس و النساء، ويرى أن طباع الرّجال تميل إلى القوّة والغلظة، في نفس الوقت فإن التعاليم الإسلاميّة تدعوهم إلى "غض البصر"، وعوّض "المشرع" الرجال عن تلك الضوابط بإمكانيات الزواج الكثيرة. فالعين حسب ابن أبي الضياف "تواقة" إلى اختلاف الذوات والألوان، و"الرّجل لا تنكسر شهوته بالمرأة الواحدة". يقول صاحب "الرسالة" في هذا السياق: "ولما كانت الشهوة أغلب على مزاج العرب، كان استكثار الصالحين منهم للنكاح أشدّ حتّى قال حبر هذه الأمّة عبد الله بن عبّاس رض الله عنهما، خير هذه الأمّة أكثرها نساء" (13) . وثمة حجج أخرى استند عليها ابن أبي الضياف، فالمرأة تتعرض إلى الحيض والنفاس ممّا قد ينفّر الرّجل منها، بل ذهب إلى اعتبار المرأة نفسها ترضى بتعدّد الزوجات و لا يضرّها وجود ضرائر إلى جانبها بل قد تجد في ذلك منفعة، إذ "أن ذات الدّين التي حضّ الشارع على اختيارها لا تتضرّر من ذلك لما أعدّ من جزيل ثوابه، ثم إنها لتستعين بضرّتها على إصلاح شؤون دارها" (14).

يمكن القول إن المبرّرات التي استند إليها "ابن أبي الضياف" لا تأخذ بعين الاعتبار المساواة بين المرأة والرّجل كلّما تعزّز تفوق الرّجل على المرأة. و تمثل بالنسبة إليه درعا واقيا، "يحصّن به نفسه ودينه" بحسب ما يقول "ابن أبي الضياف". إذ مع الوقوع في المحرّم و إشباع الشهوة الجنسيّة في غير محلّها يقع الرجل في المحرّم و الإثم.. ففقه ابن أبي الضياف من هذا الاعتبار إذن فقه ذكوري ، يعزّز سيادة الأزواج على حساب النساء. وتبقى مصلحتهم دوما مقدّمة على مصلحة النساء، لذلك فصاحب "الرسالة" يضحّي بتوافق وتوازن عائلي وبحقوق أساسيّة في حياة المرأة لأجل عبادة أو تقوى يخشى عليهما من آلاختلال والضعف، فأي عبادة هذه إذا لم تقترن بتحقق اهم المقاصد الإسلامية أي المساواة بين الزوجين واحترام كل منهما لحقوق الأخر ولذاته ؟

ت- الطلاق:

وعلى نفس الأساس يعيد "ابن أبي الضياف" الدفاع عن مصلحة الرجل في وضع الطلاق. فلئن يؤكد ان الطلاق "حقّ من حقوق الزوجين" بما هو "رحمة للزوجين لما في طباع البشر من الاختلاف"، فان صاحب الرسالة في مقابل ذلك يعيّن للزوج الأحقيّة الأكبر في الاستفادة من هذا الحق الطبيعي. ويبرر ذلك بان الرّجل قد يشعر بالنفور من زوجته ويمل الحياة معها، فيلتجئ إلى الطلاق تجنّبا للمشاكل. ولهذا فإن الانفصال يصبح أمرا سهلا. ويكفي أن يعلم زوجته بأنها طالق حتّى تنحل عقدة الزواج وتصبح مطلقة. لذلك يحسم الرّجل في شأن العلاقة الزوجيّة بينه وبين زوجته، ثم سرعان ما يتزوّج ثانية.

ورغم استواء الرّجل مع المرأة عند انعقاد الزواج بجهل كل طرف بالآخر في ظلّ ظروف الاقتران المعمول بها في المجتمع التونسي والساري العمل بها، فإن الرجل يفوق الزوجة في امتلاك القدرة على تدارك جهله وعدم معرفته فيطلقها في أي وقت. وفي المقابل فإن الزوجة التي تدرك مسبقا، ثم يتأكد لها الأمر لاحقا بعد زواجها، أنها غير قادرة على التخلص من الزيجة الفاشلة، فليس لها إلى الخلاص منه سبيل. ويمكن القول هنا إن تزويج المرأة برجل لا تعرفه ثم حرمانها من حق متساو معه في التّخلص من الزيجة عند التعرض للإهانة أو غير ذلك مع إطلاق الإرادة للزوج في إمساكها وتسريحها كيفما ومتى شاء، إنّما يعدّ تكريسا حقيقيا لتسلّط الرجل واستبعادا للمرأة والنيل من حقوقها الطبيعية.

ث- المهر:

يعد المهر إلى جانب التراضي بين الطرفين والشاهدين من الأركان الأساسيّة للارتباط الشرعي بين الزوجين. وعند تقدّم الرجل راغبا في الاقتران بفتاة وخطبتها من أهلها وتمام الموافقة، عليه أن يقدّم لها مهرا يتمثل عادة في مبلغ ماديّ (نقدا أو عينا: قد يكون حلياّ أو جزءا من المحصول الفلاحي..) كهدية رمزيّة. يقول "إبن أبي الضياف": "إن الله لما أمر الزوجة بطاعة زوجها ناسب أن يدفع لها من المال ما تعرف به أنه ملك عصمتها لترى نفسها مملوكة له و إن كانت من بنات الملوك". وتستطيع المرأة وعائلتها أن تدرك قيمة نفسها من قيمة هذا المهر بالنظر إلى نوعه وحجمه، كما يمكنها أن تعرف أن مدى حرص الزوج وجديته جادّ في أن تصبح ملك عصمته، وستصبـح المراة التي ستملكها يد يمينه. وقد تحمل الزوجة إلى دار زوجها جهازا ولباسا وحليّا وفراشا حتى تنافس الرّجل وتسجل حضوتها ومكانتها التي يجب أن يراها بها منذ اللحظة الأولى من الارتباط بينهما.

ج- التعليم:

يقتصر تعليم المرأة ضمن منظور "ابن أبي الضياف" على تدريبها ما يلزمها في ديانتها، فتعلّم "كيفيّة آداء عبادتها من توجيه وصلاة وصيام ورعاية حقوق زوجها. فلا فائدة كبيرة ترجى من تعليمها أكثر من ذلك، فحسبها أن تكون ربّة بيت عالمة بما يصلح شؤونه" (15). ويعلّل "ابن أبي الضياف" الوقوف بتعليم المراة عند هذا الحد بأن الله قد وهب الرّجل للمرأة ليقوم عليها بما يريحها من كدّ تحصيل الرزق وما يلزمها من إطعام وإسكان. أما هي فقد وجب عليها في المقابل أن تلبي حاجاته كزوج وتريحه في بيته وتتحبّب إليه وتريحه. يقول "ابن أبي الضياف: "إذا انشغلت- يقصد المراة- بالكتابة والقراءة، اشتغل قلبها على زوجها بممارسة العلم. فقلّما اجتمع حبّ العلم و حبّ غيره" (16) . ويخشى على المرأة – ضمن هذا المنظور- أن تتساوى مع زوجها في طلب العلم فتجادله، لأنه عندما سيعود إلى المنزل "سيعود من تعب (المقصود هموم العمل خارج البيت) إلى تعب" (17)

بهذا المعنى يكون "فقه" أحمد بن أبي الضياف قد ترجم بوضوح عن رؤية أبويّة ذكوريّة تؤسس بحق لسلطة مطلقة للرّجال على النساء، وتشرّع لأفضليّة مكانته على مكانتها، فابن أبي الضياف ههنا يقتطع وينتقى من الموروث الفقهي أحاديث نبويّة وآيات قرآنية مفصولة عن المقاصد العامة التي تنزلت فيها ليسوغ فقهيا لأفضلية مكانة الرجل ويبررها، فكأن التفوّق الذى يتمتع به الرجل هو هبة طبيعية أعطاها الله له. بهذه الطريقة يؤسس الفقيه المالكي لمملكة يتخذ فيها الرّجل السّلطة المطلقة ويستحوذ لنفسه على حظوظ المتعة والقرار، وتكون النساء جميعهن في خدمة الرجال، ويبقى الزوج في آخر الأمر قطب الرحى الذي تتمحور حوله الحياة العائلية برمتها وتعيش المرأة للرّجل وبه.

بهذه الشاكلة تتبين أن الذهن "الفقهي" الذي مثله "ابن أبي الضياف" لم يكن يثق بالمراة ويعتبرها شاغلا يقلق باله إن هي تساوت معه وتعلمت ومارست الحقوق نفسها التي يمارسها هو. وههنا ينفسح المجال للأسطورة: أفلم تغو حواء آدم و دعته إلي الأكل من الشجرة المقدسة فعوقبا واخرجا من الجنّة (تأويل وقائع الأحداث بهذه الصورة هو ذو اصل مسيحي) ؟ أفلم تخن زوجة فرعون زوجها وهي سيدة الامبراطورية الأولى ؟ ثم ألم يخترق "أساف" المقدّس والمحرّم واستجاب لدعوة "نائلة" في الأسطورة العربية القديمة فاختلّ بهذه الأحداث نظام الحياة ؟ بهذا المعنى إذن يبقي التأثيم الذي نسجت معالمه الأسطورة والقراءات المحافظة واتهمت به الأنثى، على المرأة ضعيفة تابعة للرّجل غير جديرة بالمساواة وتحمّل المسؤولية العائلية وغيرها. ولقد صور المفكّر "قاسم أمين" حال هذه المرأة ووضعها في البلاد العربية عامة فقال: " دوما لم تفكّر المرأة إلاّ بعقل الرّجل ولم تنظر إلاّ بعينه ولم تسمع إلا بأذنيه، ولم ترد إلاّ بإرادته ولم تعمل إلاّ بواسطته... فهي بذلك لا تعدّ إنسانا مستقلاّ بل شيئا ملحق به"(18).

3) المصلحون وإعادة صياغة المشهد:

لم يبق الفكر الإصلاحي ثابتا عند موقف "ابن أبي الضياف"، فقد اعتراه تغيّر واضح و بدأ يخرج من نزعته التكرارية المحافظة وينظر في شأن الحقوق الشخصية وشان المرأة بمنظار جديد وخصوصا فيما يتّصل بمسألة التعليم والعمل. ولذلك أولى الفكر الإصلاحي الجديد لهذه المسألة أهميّة أكبر ولو بشكل مختلف لدى مختلف المصلحين ومتفاوت في شان حجم"الحقوق" ونوعها بالنسبة إلي الرّجل والمرأة . في القطرين المصري والتونسي أساسا كان الفكر الإصلاحي قد بدأ يقبل بإعادة النظر في كثير من القضايا وخاصة منها تعليم المرأة والعمل مع الرجل خارج المنزل، لكن مع بعض التأجيل. فالنهضة التي دعا إليها المصلحون الاجتماعيون وخاصّة منهم "رفاعة رافع الطهطاوي" قد فكّرت ودرست مسألة تعليم المرأة. يقول "الطّهطاوي: إنّما توجب تعليم المرأة لكن مع التريّث والبدء بتعليم الذكور" (19). إلاّ أن "قاسم أمين" (ت 1908) قد عارضه فقال: " ليست تربية الفتاة من الكماليات بل هي من الضروريات التي يجب البدء بها، وإن أهملنا ذلك فسد الإصلاح" (20). وبهذا يكون "قاسم أمين" قد ربط مسألة تحرير المرأة بتحرير المجتمع كلّه. ولقد ذهب الأمر "بالطهطاوي" إلى التعرّض إلى مضمون تعليم الفتاة بل و فصّل في أمر ذلك قائلا : " تتعلم البنات القراءة والكتابة والحساب ونحو ذلك". ثم بادر ببيان المصلحة من تعليمها. فالمصلحة عنده هي غاية الشريعة (21). ثم واصل قائلا "إن الأزواج هم في حاجة أكيدة إلى الإستعانة برأي المرأة، ولن يكون رأيهما سديدا إذا لم يتشبّع بالمعرفة". وهنا يجب القول انه رغم تطوّر دعوة "الطهطاوي"، فقد رأى الرجل أنّ على البنت أن تنقطع عن طلب العلم بمجرّد البلوغ أو بعيده وذلك حتى يحين وقت زواجها.. ان المهم هنا أن الفقه التقليدي من خلال اجتهاد ابن أبي الضياف الذي رأى أن تعليم المرأة "منكر" و"بدعة"، قد ارتقى مع "الطهطاوي" إلى حدّ جعله مفيدا لانتظام الأسرة ومؤثرا على تحسين العشرة، بل ورآه "قاسم أمين" ضرورة وواجبا يؤثم مانعه، واعتبره شرط نجاح المجتمع بأسره. يقول: " إن تعليم البنات واجب خطير. و إذا قمنا به سهّل علينا كل إصلاح سواه" و قد ذهب "أمين" إلى أبعد من ذلك فرأى بشكل أعمق من الطهطاوي "أن تعليم الفتاة لا يجب أن يقف عند سن الرّشد، بل عد تلك السنّ بداية للأخذ بناصية العلوم" ورأى الرجل " الضرورة في تخصّص المرأة وخروجها إلى الحياة للإسهام في تنمية المجتمع" (22). و وصل الاجتهاد بقاسم أمين بعيدا حيث دعا إلى الاستناد بفكر التنوير الغربي فقال: "ويلزمنا بدل أن نهزأ بالغربيين، ونحكم عليهم بمقتضى قاعدة جديدة وهي أنّ الغرب ظلّوا على حقّ فيما يختصّ بشأن النساء.. يجب نبحث في آرائهم وفي أسباب النهضة العظيمة التي قام بها كل من الرّجال والنساء في هذا القرن" (23). هذا فيما يخصّ أفكار المصلحين "الطهطاوي" و"قاسم أمين" تجاه مسألة تعليم المرأة. فالرجلان سيحدثان بحق كسرا في البنية الفقهية وسيفتحان بابا جديدا في نقد واقع المرأة العربية ليبقى فيما بعد مفتوحا.

في تونس مثلا دعا عبد العزيز الثعالبي إلى إجباريّة تعليم الإناث والذكور معا، و لو أنّه أعطى الأولويّة للذكور على حساب الإناث خشية ضغط العرف الاجتماعي آنذاك، فدعا إلى التدرج في تعليم الفتاة، يقول: "هل يعني أننا نعارض مسألة تعليم المرأة ؟على العكس، نحن نعلم أن تعليمها يعتبر شرطا من شروط النهوض الاجتماعي... إذ التعليم العمومي للبنات المسلمات مازال في الوقت الحاضر في حاجة أكيدة إلى مزيد العناية" (24). ونحسب أن مثل هذا الرأي كاف لتأكيد عمق التحول الذهنيّ والفقهي الذي شهده المجتمع التونسي في جانبه التشريعي خلال بداية هذا القرن العشرين. وسنقف فيما سيأتي عند مثال المصلح التونسي الطاهر الحداد (ت1935) لكننا سنكتفي برؤيته لمسألة المراة والحقوق الشخصية.

يعالج "الطّاهر الحداد" قضية المرأة في شموليتها. فبالنسبة إلى تعليمها رأى أنه ضرورة قصوى، فقد وجب أن تتعلم العلوم الرّياضية والطبيعيّة ليتثقف عقلها بالمنطق ومعرفة الأشياء على حقيقتها... "بحيث يزول من عقلها أن المطر تنزل من عين تحت العرش" (25) كما وجب "أن تتعلم الرّياضة البدنية درسا وعملا، و تسير في ذلك ما استطاعت، و يجب عليها أن تتعلم مبادئ علم الصّحة حتّى تحتـاط لأبنائها" (26) كما " وجب أن تتعلم... الحرف والصناعة للكسب حتى تصبح عونا لزوجها في تنمية ثروة المنزل المشترك.. أمّا عند وفاته فتصون عائلتها المنكوبة"(27) .

من هنا نتبيّن مدى عمق الإصلاحات التي دعا إليها الطّاهر الحدّاد ومدى وعيه الاجتماعي بأبعاد إصلاح للأسرة و وضع المرأة و تعليمها فالرجل على عكس سابقيه كان مقداما وشجاعا بحيث لم يقف عند ضرورة طلب السّماح لها بالتعلّيم، بل اعتبر ذلك واجبا ودعا حتى إلى التحاقها بالتعليم العالي. فكانت رؤيته تلك بحق أكثر شموليّة وجذريّة و تطورا من سابقيه.

أ- " الحداد" وموقفه من تعدد الزوجات:

يعد موقف "الحداد" موقفا جريئا و صارما من تعدد الزوجات، يقول: "ليس لي أن أقول بتعدّد الزوجات في الإسلام. لأنني لم أر للإسلام أثرا فيه. و إنّما هو سيئة من سيئات الجاهليّة الأولى التي جاهدها الإسلام ضمن سياسة التدرّج" (28). هكذا لم يرفض الحدّاد التعدّد بل ردّ أسباب انتشاره إلى عوامل تاريخيّة، ثم عوّل على دور التربية والتعليم في تجاوز هذه العادّة الموروثة. وكان الرجل يميل إلى ازدراء بعض العقليات السائدة فاجتهد في تفسير الآية القرآنية التي تسمح بالزواج من أربع. ورأى أن روح التشريع الجديد قد قطع مع ظاهرة الزواج من أربعة ثم شرع في إعداد الرّجال للاكتفاء بزوجة واحدة. ورأى "الحداد" (29) أنّه لما توقف نزول الوحي القرآني كان على العقل الذي تلقي ذلك الوحي أن يستمرّ في اتجاه مقصد التفريد. ويجب القول إن هذا الاتجاه الجديد سيصـل نهائيا عند إقرار الدّولة الوطنية التونسيّة إبان الاستقلال منع التعدّد كليا ( سنصل إلى تبيين ذلك لاحقا). ويمكن القول إن بقية المسائل التي بقيت تثار عند تناول قضيّة المرأة ومكانتها في المجتمع وتحريرها كمسألة الحجاب والمهر والزواج من الأجنبيات والأجانب كلها تتأطر في مجال ومقصد تشريعي وإنساني جديد واحد ألا وهو المساواة بين الرّجل والمرأة، بل والذهاب بمسألة المساواة إلى أقصى مداها. وعلى هذا المبدأ الجديد سلك "قاسم أمين" و"عبد العزيز الثعالبي" وخاصة "الطّاهر الحدّاد" مسلك التجديد والقطع مع جوانب كثيرة من الذهنية الفقهيّة التقليديّة. بل واتجهوا في اغلبهم مسلك السخرية من جوانب من تلك العقليّة المحافظة وهو ما عبرت عنه وعكسته أفكار الطاهر الحداد خصوصا. ويمكن القول إن هذا التحول الذي وقع في الذهنية الفقهية يعد بحق أبرز تجديد في تونس عرفته التشريعات العائلية وخصوصا قضيّة المرأة.

وفي مجمل القول نشير إلى جملة من الملاحظات في شأن فقه ابن أبي الضياف ثم فيما حصل بعده من تجديدات ترجم عنها المصلحون لاحقا نوردها فيما يلي:

- أولا، يمكن الحديث عن "خطيئة" ارتكبها فقه " ابن أبي الضياف" بحقّ الأحوال الشخصيّة و وضع المرأة ومؤسّسة الزواج عموما. فلقد شدّد الفقيه الناقل- محاكيا الأولين-على الشكليات والحدود خوفا من السقوط في الشبهات إلى حدّ اقفل فيه أبواب اجتهاد. فكان ذلك على حساب روح المبادرة والمضمون، وجعل من الله نارا تصلى وتحيق بالمخطئين، وليس الأمر غريبا ما دامت الخلفية الفقهية التي انطلق منها تتغذى من ذهنية النقل والتكرار، الأمر الذي حبّس الاجتهاد وجعل الفقه الذي لم تمسسه يد التجديد يستمر في إعادة إنتاج نفسه.

- ثانيا، إن التطوّر الذي حصل في تناول مسألة المرأة ضمن الفكر الإصلاحي قد تغير بقدر تطوّر عمليّة احتكاك المصلحين بالغرب وفكر النهضة والتنوير (30) وكان المتأخرون من هؤلاء المصلحين أكثر جرأة في الدّفاع عن قضية المرأة وأكثر شموليّة في تناولها. وقد تمّت عملية التطوّر هذه على مستويين: مستوى مسّ المنطق التشريعي الفقهي من الدّاخل، ومستوى ثان نجم عن الأوّل وأدّى إلى تجدّد مضمون أطروحات المصلحين والتشريع ذاته. فبعد أن كان منطق الفقه التقليدي كما مثله "أحمد بن أبي الضياف" ينهض على أساسي "سدّ الذرائع" و"درء المفاسد أولى من جلب المنافع"، أصبحت الدّعوة إلى إيلاء قيمة المصلحة ذات الأوليّة على حساب "درء المفاسد" بل رأى "قاسم أمين" و"عبد العزيز الثعالبي" و"الطّاهر الحدّاد أنه حيثما وجدت المصلحة، فثمّة شرع الله. و رأوا أن القواعد التي استند إليها الفقهاء القدامى قد فهمت فهما محدودا، ولو أن اغلب هؤلاء الفقهاء قد نشؤوا وتكونوا ضمن هذه الذهنية التقليدية نفسها. ونعتقد أن تقويض العقليّة الفقهيّة التقليديّة بالاعتماد على بنائها الدّاخلي هذا، كان له فيما بعد الأثر الكبير على كيفيّة التفكير في قضية المرأة ومؤسسة العائلة عامّة والتعامل معهما، إذ سيتّخذ المشروع الإصلاحي الجديد المهتم بهاتين المسالتين وخصوصا في الجانب التشريعي بعدا إنسانيا اجتماعيّا، ويخرج بذلك من البعد الأخلاقي الصرف الذي اندرج فيه ويتخذ بعدا مصلحيا نفعيّا.

- ثالثا، بحكم تفاعل المثقفين والمصلحين مع الفكر الغربي -وخاصة الفرنسي- ، فقد تغيرت مرجعيّتهم الفكرية والإيديولوجية ولم تعد تكتفي بالثقافة العربية فقط و" إنّما أضحت تزاحمها مرجعيّة جديدة ذات أصول ليبيرالية بالأساس، وهو ما جعل البعد الديني يتداخل مع البعد النفعي المباشر بل جعل البعد الماورائي المطلق يتقلص لفائدة البعد الدنيوي البحت..." (31). إضافة إلى ذلك فان الإلحاح على ضرورة تعليم النساء كمطلب أساسي في مشروع الإصلاح مثلا، باعتباره أحد الأسس التي ستنهض عليها الوضعية الجديدة للمرأة "أمر لم تمله اعتبارات ذاتية عاطفيّة بل نتج عن ظروف مستحدثة تولدت عن الاتصال بالغرب الحديث" (32) .

ويمكن القول إن النماذج التي سقناها لا تدعو مجالا للشكّ في كونها شهادة عن تغير جذريّ مس القيم التي كانت سّائدة في المجتمع التقليدي التونسيّ فأحدثت تحوّلا في البنية الثقافية وانتقالا من قيم القناعة والرّضا وحكم الأعراف والعادات إلى قيم الليبيراليّة الوافدة مثل المصلحة والمساواة واحترام الحق الشخصي وغيرها، وجميعها تندرج ضمن حركة أوسع بدأ مشروع التحديث الاجتماعي في تونس يتحسسها ويتبناها. ولذلك سينتقل النظر إلى المرأة ضمن الإطار الجديد من الاعتبارات الأخلاقيّة والدّينيّة إلى اعتبارات أكثر إنسانية. وستؤدي مثل هذه التغيّرات بدورها إلى استحداث تغيّرات عميقة متلاحقة تمست بالخصوص الأحوال الشخصيّة والعائلة.

الإرث الاجتماعي:

كانت العائلة التونسية قبل مرحلة الاستعمار، وخلالها منكفئة على نفسها، تندرج ضمن شبكة قرابية تتحكم فيها الولاءات الأهلية والقبلية. وكانت العائلة جماعية الإنتاج والاستهلاك وتعتمد على طاقاتها الذاتي في توفير حاجاتها الإنتاجية والاستهلاكية. ينهض النشاط الاقتصادي فيها على التقسيم الجنسي، وتنتظم السلطة على هيأة هرمية باترباركية يعود النفوذ فيها إلى الرجال و يتراتب الأفراد فيها على أساس من السن والجنس.

الفكر ضمن البيئة الاجتماعية العامة خامد وتعود السلطة المعرفية إلى الأعراف والشيوخ. أما حركة الاجتهاد والتجديد فهي متعطلة وجامدة، والمنظومة الفقهية التي تنظم العلاقات الشخصية داخلها قديمة تنهض على التكرار. وفي البوادي توكل الأمور الفقهية في الغالب إلى الشيوخ والأعيان الذين يحكمون بمزيج من الأحكام والأعراف السائدة ، وكانت الفواصل بين التعاليم الدينية السائدة بين الناس وبين الأعراف قد التبست، فلبست الممارسات الشعبية والتقاليد السائدة لباس الدين بحيث لم يعد من السهل فصل هذا عن ذاك. ولما حل الاستعمار الفرنسي عمق أزمة المجتمع فازداد انكفاء العائلة على نفسها. فقد تعرضت البنية القرابية والقبلية إلى الانكسار ونشأت تمزقات قاسية أربكت واقع العائلة التونسية، فقد اختل نظام الملكية التقليدي حيث استحوذ المستعمرعلى آلاف الهكتارات التي تعد من أثرى المساحات الفلاحية والتي كانت من أراضي العروش والقبائل، فارتبكت العلاقة بين الريف والمدينة، واشتدت حركة النزوح وتريفت (أي غلبت عليها طباع الريف واتخذت صفات سكانه )المدن وانفجرت نواها وظهرت على أطرافها أحزمة الأحياء العشوائية التى سكنها النازحون من الأرياف وكثرت البطالة، وتشوه عمران المدينة التقليدية وكثرت فيها الوكايل. وقد خلقت كل هذه العوامل حالات من الفوضى العارمة التي ستصيب المدينة باختلالات مرضية. ومثل هذا الوضع المختل سيستمر لترثه الدولة الوطنية الناشئة.

وضع الأحوال الشخصية قبل صدور " المجلة ":

قبل عرض وصف للأحوال الشخصية السائدة في المجتمع التونسي قبل الاستقلال، يجب إدراج ذلك الوضع السائد ضمن المنظومة الفكرية والذهنية القائمة وتأطيره ضمن البنية الاجتماعية الباترياركية المنظمة للعلاقات الاجتماعية بما في ذلك العلاقات بين الرجل والمرأة في العائلة والمجتمع. هنا يجب التأكيد أن المجتمع التونسي كان محكوما بجملة من التناقضات الأساسية، كما يؤكد ذلك عبد الوهاب بوحديبة، يكفي هنا أن نعرض لاثنين: تناقض أساسي أول يقوم بين الجنسين، فثمة داخل المجتمع الواحد مجتمعان متباينان، مجتمع للذكور يمسك فيه الرجال بمقاليد السلطة والقرار، وآخر للنساء يمسكن فيه بمملكة الحياة العائلية ويحرسن العادات والتقاليد والقيم الجماعية بما في ذلك الحدود التي تنظم النفاذ من والي العالمين، وبين المجالين تنهض حدود وفواصل نفسية وجنسية صارمة يجسدها توزيع واضح للأدوار والمكانات وحتى الفضاءات. أما التناقض الأساسي الثاني فينهض هذه المرة بين الأجيال وخصوصا بين جيل الكبار وجيل الصغار، فبالسن وحده يتم الارتقاء في المكانة الاجتماعية والتدرج في سلم المراكز داخل العائلة الممتدة الواحدة.

فضمن واقع الجمود الفكري وانتشار الأمية وتبلد حركة الاجتهاد في التشريعات وهيمنة التقاليد والسلطة الأبوية الذكورية، كانت المرأة تعيش في وضع غير متكافئ مع الرجل، وكانت الثقافة السائدة تبني حدودا جغرافية وسلطوية صارمة بين الجنسين يملك الرجال فيها القوة المطلقة. وفي ظل هيمنة المنزع المحافظ في التعامل مع القضايا الفكرية والدينية وجمود حركة الفكر والاجتهاد استمر العمل بتشريعات وفقه محافظ يدعم سلطة الذكور وهيمنتهم على النساء، فقه لم يتم تجديده وفق مستحدثات العصر. ومثل هذا الأمر كان يساهم في تأبيد وضع التفاوت بين الجنسين وخاصة موقع المراة، ويعيد إنتاج البنية السلطوية الباترياركية بهرميتها وحدودها وثقافتها وقيمها. إضافة إلى ذلك كان الالتباس الشديد قائما بين التعاليم الإسلامية – التي لم يقع تجديدها – من جهة وأعراف فقهية وعادات بدوية بالية ساد بها العمل من جهة ثانية، فأصبحت مثل القواعد والقوانين الثابتة التي لا قبل التحوير. ويجب أن نؤكد هنا أن مجال الاجتهاد والتجديد في هذا البيئة الاجتماعية كان إلى حد بعيد ضيقا وخاصة إذا ما اتصل الأمر بوضع الأحوال الشخصية والعلاقات الزوجية وواقع التفاوض بين المراة والرجل لأن هذه الجوانب تمثل مرتكزات البناء الثقافي والنفسي الذي تنهض عليه البنية الباترياركية بأكملها.

ومن ناحية أخرى كان الطلاق "سيفا مسلطا" على المرأة قد يتم لأتفه الأسباب، وكان الرجال يستفيدون من تأويلات ساذجة لتعاليم الشريعة وخاصة ما يتصل بالزواج المتعدد، لذلك كان الطلاق يتم بسرعة أو تحت تأثير حالة انفعال عابرة بحيث يقسم الرجل لتتحول الزيجة القائمة إلي قطيعة وطلاق، وقد وصف الحداد وضع المرأة المتردي في أيامه ( العشرينات والثلاثينات ) فقال:

"تزف المرأة إلى بيت زوجها ذاهلة ... جاهلة ما عسى أن يكون. تنتظر نتيجة المؤامرة التي وقعت فيها... فيباغتها القدر بزوج أشيب ... أو دميم الخلقة، أو فاسد الأخلاق بارد الروح. فيقيم على غصنها الزاهر حتى تذبل... وينطفئ سراج حياتها الوهاج وهي في عنفوان الشباب والأمل ويتم ذلك على يد أهلها وأقرب الناس إليها... وإذا أراد الرجال طلاق زوجاتهم ولو فجأة دون أن يعلمن بالأمر، فذلك ميسور..." (33). و يستشف من هذه الشهادة أن وضع المراة قد يبدأ بمظلمة وقد ينتهي بها. فقد يتم الزواج دون معرفة متبادلة وربما دون أن تصل الزوجة سنا ناضجة تسمح لها بالاختيار وإمكانية الرفض، إضافة إلى انه لم تكن لها نفس الحظوظ مع الرجل – عمليا - فيما لو أرادت الطلاق، إلا في حالات نادرة. وقد أنشئت للمراة المتمردة مؤسسة ردعية تسمى "دار جواد " (ما يشبه الاصلاحية في عصرنا اليوم) تودع فيها المراة "الناشز"/ المتمردة، ويتم ذلك بأمر من القاضي لردعها وإعادتها إلى "رشدها". ومن جانب آخر لم يكن الطلاق من مشمولات المحاكم الشرعية وحدها، فقد كان بامكان الزوج احيانا كثيرة الاكتفاء بالاشهاد على طلاقه شاهدين عدليين حتى يتخذ الطلاق وجها شرعيا. بل لقد كان الزوج في بعض البيئات غير الحضرية – وخاصة إذا كان من أعيان القوم ووجهائهم - يكتفي بإعلان طلاقه أمام الملإ حتى يصبح الطلاق نافذا و يصبح هو في حل من علاقته الزوجية.

ففي واقع هذه الأحوال والظروف الاجتماعية لم تكن للمرأة ضمانات قانونية تحميها من انحراف الرجل و ظلمه.و من وجهة الشريعة الإسلامية، لم يكن هذا الواقع شرعيا. إذ للمرأة – من حيث المبدأ - الحق في رفض الزواج من رجل لا تقبله، وطلب الطلاق من زوج كرهت معاشرته لسبب من الأسباب ( وقد ثبت ذلك فى الأحاديث النبوية الصحيحة). لكن يتحتم على الزوجة المتعسفة أن تدفع للزوج المتضرر تعويضا ماديا في مقابل طلاقها، جاء في القرآن قوله: "... فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما في ما افتدت به" ( البقرة، الآية 229). ومثل هذا الأجراء يشبه في الجوهر نوعا من أنواع الطلاق في التشريع التونسي يسمى "الطلاق إنشاء".

إضافة إلى ذلك تتسم العلاقة بين المرأة والرجل عموما عند قدومهما إلى بيت الزواج بكثير من التوتر واللاثقة المتبادلة: فكل من الطرفين يأتي إلى حظيرة الزواج حاملا عن الطرف الآخر صورة مشوهـة رسختها ثقافة مشحونة بالخرافة والتوتر بين الجنسين. فبالنسبة إلى المرأة تصور لها بيئتها العائلية والأهلية أن الرجل دوما لا يؤتمن، فهو جبار بقوته يرجو من زوجته دوما الامتثال والخضوع، لكن بالإمكان اتقاء شره ومحاذاته والتعامل معه بالفطنة والمجاراة. أما بالنسبة إلى الرجل فتصور له بيئته أن المرأة ماكرة وجموح وإن لم يمسك بناصيتها منذ البدء استولت عليه وما تزال به حتى يتحول إلى آلة (34) تسيرها. ومثل هذا الواقع يصور بحق ما يشوب العلاقة بين الزوجين وهما يأتيان إلى حظيرة الزواج من توتر وصراع تغذيه الثقافة والبيئة المحلية. وعموما عندما ستظهر "مجلة الأحوال الشخصية" لاحقا ستملأ الدنيا تفاؤلا في تجاوز الوضع القائم وتكسر البنية القهرية المتوترة وترسي واقعا تفاوضيا جديدا في العلاقة بين الزوجين وتجعل الحقوق متساوية بينهما.

2- مقاصد التحديث في حقل الأسرة والأحوال الشخصية:

لقد بادرت الدولة التونسية الفتية التي استقرت في السلطة (تاريخ الاستقلال: 1956 ) أول ما بادرت إلى إصلاح التشريعات المتصلة بالأسرة ووضع الفرد والأحوال الشخصية. فسعت أولا إلى تحييد الأفراد عن ولاءاتهم التقليدية للقبلية والجهة والجماعة الأهلية وتعزز بذلك انتماءهم للدولة وحدها ولمؤسساتها المدنية. وانه لمن الدّلالة العميقة أن يتوجّه اهتمام الدّولة الفتيّة أول ما يتوجّه ومنذ فجر الاستقلال، إلى تقنين وضع الفرد والحالة المدنية للمواطن التونسي ونقله إلى وضع الشخص والمواطن، فأصدرت أول ما أصدرت مجلّة الأحوال الشخصيّة سنة 1956 (ثم بدأ العمل بها فعليا في 1 جانفي 1957، وتشتمل فصولا تتعلق أساسا بالمراكـنة /الـزواج والطلاق والنفقة والحضانة والإرث العائلي والتبني)، وفرضت الدولة الحديثة على الأفراد تسجيل أسمائهم في دفاتر الحالة المدنية (عند الولادة والوفاة والزواج والطلاق ) واتخاذ ألقاب عائليّة وتجنّب الانتساب إلى غير الدولة ومؤسساتها المدنية، كما عملت على تحديث القضاء وانفتحت على القوانين الغربية الوضعية. وبذلك قضت "المجلة" على ظاهرة التطليق العشوائي الذي كان آنفا عمليّة اعتباطيّة تخضع لنزوات الزوج ورحمته. وكانت الغاية من إحداث كل هذه التغييرات التأسيس لعلاقات جديدة في حظيرة العائلة قوامها احترام الحق الشخصي والتكافؤ بين الزوجين في الحقوق والواجبات، وكسر البنية الباترياركية والأبوية المهيمنة على الحياة العائلية، وتعميم نمط الأسرة الحديثة، وجعل مضامين التشريعات الجديدة المتصلة بالأحوال الشخصية خاصة تتماشى مع روح للقرآن الكريم والشريعة الإسلامية، والانتقال بالزواج والعلاقة بين القرينين من وضع الإلحاق والتبعية إلى وضع التعاون والشراكة. وقد مست هذه الأبعاد بحق المبادئ الأساسية لجوهر التحديث ومقاصده وخصوصا ما اتصل منها بقيمة الفرد والمساواة بين الجنسين وعلوية القانون وسيادة الدولة.

مجلة الأحوال الشخصية والمضامين التشريعية الجديدة:

تتضمن مجلة الأحوال الشخصية اثني عشر كتابا فيها مئتان وثلاثة عشر فصلا وسبعة ملاحق تتصل خصوصا بالقوانين التي صدرت منذ ظهور المجلة والتي تم تنقيحها لاحقا. وفي قراءتنا لمضامينها التشريعية نكتفي فيما يلي بالتركيز على التشريعات التي تتصل بالحياة الزوجية والحقوق الثنائية والعلاقات بين الزوجين وبالزواج والطلاق، أي بالتشريعات التي ستحدث التغييرات الأكثر عمقا في مشهد العائلة التونسية، ونفصل هذه التشريعات في بابـين اثنين نعرض لهما كما يلي:

- الزواج: الحقوق الشخصية والأدبية:

? يجب ان يقوم الزواج كنتيجة لاتفاق طرفيه ورضاهما، يقول الفصل الثالث " لاينعقد الزواج إلا برضا الزوجين ".

? منع تعدد الزوجات، فعلى كل طرف من الزوجين أن يقتصر على الطرف الأخر ويتفرد به، يقول الفصل 18 " تعدد الزوجات ممنوع " " فكل من تزوج وهو في حالة الزوجية وقبل فك عصمة الزواج السابق يعاقب بالسجن...وبخطية...أو بإحدى العقوبتين...".

? ضبط حد أدنى للزواج ، يقول الفصل الخامس " فكل من لم يبلغ عشرين سنة كاملة من الرجال و سبع عشرة سنة كاملة من النساء لا يمكنه أن يبرم عقد الزواج ، و إبرام عقد الزواج دون السن المقرر يتوقف على إذن خاص من المحاكم ..." هنا يجب القول انه كان يجرى في بعض البيئات وخاصة الريفية أن يوافق على تزويج الفتاة مبكرا، ثم يكتفي بإنشاء العقد اتفاقا بين العائلتين أولا وذلك ضمانا لربط الشابين وإرجاء الزواج إلى وقت لاحق.

- الحقوق المتكافئة في الطلاق:

لا يتم الطلاق أولا " إلا لدى المحكمة " ( الفصل 30 ) وذلك بخلاف الصيغ التي كان يتم بها العمل قبل صدور" المجلة ". أما بالنسبة إلى هذا الإجراء الذي كان تقريبا حكرا على الرجال فقد أصبح حقا ثنائيا ، فقد مكنت " المجلة " الزوجين كليهما من نفس الحق في الطلاق وحل رابطة الزواج عندما تستحيل مواصلة الحياة الزوجية وتصبح العلاقة غير ممكنة، ويدعى قاضي الصلح إلى التدخل بالحسنى بين الزوجين وتمكينهما من مراجعة النفس قبل الحكم النهائي بالطلاق إن وجب، (خصص المشرع منذ التسعينات هيأة قضائية خاصة بالعائلة ) وذلك عبر جلستين صلحيتين ( ثم أصبحت منذ التسعينات ثلاث جلسات خاصة إذا كان ثمة ابن أو أبناء قصر- الفصل 32 ) بين الواحدة والأخرى مدة تصل الشهر أو أكثر. و مهما يكن من أمر فان لكل من الزوجة والزوج الحق في طلب الطلاق في ثلاث حالات مشتركة، ثم تخص المراة بخلاف الرجل بحالتين إضافيتين:

الحالات الثلاث المشتركة:

أ – الطلاق بتراضي الزوجين.

ب – الطلاق " بناء على طلب لحد الزوجين بسبب ما حصل له من ضرر".

ج – الطلاق إنشاء وذلك " بناء على رغبة الزوج إنشاء الطلاق أو مطالبة الزوجة به ". وهو حق مضمون لكلا الزوجين ( يسميه فقهاء القانون ب " الطلاق التعسفي ")، دون أن يفرض القاضي على طالبه تبرير طلبه، لكن عليه في المقابل أن يدفع للطرف الثاني تعويضات مادية يحدد قيمتها القاضي في مقابل الأضرار المادية والمعنوية الني ألحقت بالطرف الثاني.

الحالتان اللتان تخصان الزوجة دون الزوج:

أ – للمرأة الحق في طلب الطلاق إذا توقف الزوج عن الإنفاق عليها ( الفصل 23 و 38 ).

ب– للمرأة الحق في طلب الطلاق إذا غاب الزوج عن محل الزوجية.

و بالإضافة إلى هذه الجوانب الحاسمة التي تضمنتها مجلة الأحوال الشخصية، يجب أن نشير إلى تشريعات أخري لم نتطرق لها في التحليل السابق، تتصل أساسا بقضيتي التبني وتوريث الفتاة، فقد أجازت المجلة عملية التبني وضبطت ذلك بشروط ( الفصل 8 و 9 و ما يليـهما - باب الولاية و التبني)، وفي مجال الإرث حرّمت أن يكون الوارث شخصا آخر من خارج أبناء المتوفّى وزوجته إذا كان أخلافه من البنات فقط، ومثل هذه الإجراءات الإصلاحية ستحدث تحولا تشريعيا كبيرا وستمثل قضايا مثل التبني ومنع تعدد الأزواج ومعاقبة المخالف وزواج المسلمة بغير المسلم، مسائل خلافية كما ستحدث لاحقا اهتزازات لأنها ستكون موضوع رفض من قبل القوى التي ستعارض صدور المجلة.

ولعل ما سيساعد بحق على إنجاح الإصلاحات التشريعية وإعطائها دفقها الحيوي هو اندراجها ضمن مجموعة من التغييرات المصاحبة والشاملة، التي مست مجالات أساسية أخرى من الحياة الاجتماعية كمجال التربية والحياة السياسية والاقتصادية. ففي مجال التعليم وفي عام 1958 سنت الدولة قوانين جديدة لتعميم التعليم وجعله مجانيا بل و واجبا على كل طفل وصل سن السادسة. أما في الحياة السياسية فقد صدر سنة 1959 قانون جديد يعطي النساء الحق في أن ينتجبن وتنتخبن. ومع بداية السبعينات حيث بدأ العمل بمشروع التجربة الليبرالية الجديد بدأت المرأة تخرج أكثر فأكثر إلى العمل في المؤسسات الاقتصادية والإدارية وغيرها، والتحقت الفتيات مثلهن مثل الفتيان بأعداد كبيرة ومتصاعدة بالمؤسسات التعليمية الجامعية. ومثل هذه التغيرات الموازية للإصلاحات التشريعية خلقت بحق واقعا جديدا غير المشهد الاجتماعي والعائلي وخلقت آفاقا جديدة للانطلاق، وكانت سندا حقيقيا للتغييرات فجعلت التحديث الاجتماعي بذلك مشروعا شاملا ومتكاملا.

التسعينات والتحويرات المستحدثة:

يجب القول إن مجلة الأحوال الشخصية قد عرفت منذ صدورها تحويرات عديدة لاحقة تغيرات أملتها التطورات الواقعة في المجتمع، وفرضتها ما استحدثته التغيرات من واقع جديد يستوجب إحداث تعديلات في اتجاه مزيد إقرار المساواة بين الرجل والمرأة بما يتناسب مع منجزاتهما المحققة ومراكزهما وقد تمت هذه التحويرات أساسا سنوات 1959 (ما يتصل بسن القرينين) و1964 وخاصة في التسعينات، أي سنوات 1991 و1993 و1995 و1998 و1999. ويمكن حصر هذه التحويرات في الجوانب التالية:

1- إحداث صندوق النفقة: الذي يمكن المطلقة وأولادها الصادرة لفائدتهم أحكام بحق النفقة وبجراية الطلاق (قانون عدد 65 لسنة 1993).

2- إجبارية الشهادة الطبية السابقة للزواج وتعميمها على كامل تراب الجمهورية.(قرار وزير الداخلية المؤرخ في 28 جويلية 1995).

3- تنظيم التقاديم وإدارة تركات توفي صاحبها و ترك قصرا.( الفصل السابع من باب تنظيم التقاديم)

4- تحديد لقب عائلي للأطفال مجهولي النسب (القانون عدد 75 لسنة 1998).

5- نظام الاشتراك في الملكية، وهو قرار اختياري للزوجين عند إبرام عقد الزواج: جعل العقار ملكا مشتركا بين الزوجين اذا تم الاتفاق ونص على ذلك في عقد الزواج. (القانون عدد91 لسنة 1998).

والمهم من وراء هذه التحويرات هو مراعاة التغيرات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية المستحدثة وترك باب مراجعة التشريعات مفتوحا، وهو ما سيسمح أساسا بـ:

حماية الأسرة والأبناء من المخاطر في حال افترق الزوجان، ومعالجة ما يترتب عن ذلك من نتائج.

مراعاة الجوانب الصحية لكلا الزوجين قبل الزواج وضمان علاقات جنسية أسلم وإنجاب أصح.

احترام الحق الإنساني للأفراد أطفالا كانوا أو كهولا في مستقبل أوضح بعد الطلاق والافتراق.

و بهذه المعاني يمكن القول إن " المجلة " بكل هذه التغييرات العميقة وبالتحويرات التي أحدثت عليها لاحقا قد أعادت بحق تشكيل المشهد العائلي التقليدي وصياغة بيئة التفاعل بين الزوجين، وخلقت واقعا عائليا جديدا نختصر أوجهه الأساسية في ثلاثة هي التالية:

1- واقع جديد للتفاوض بين الزوجين:

أ- لقد أثر الترفيع في سن زواج القرينين إيجابا علي العلاقة بينهما، فمستوى النضج ( الجسدي والنفسي و المهاري ) الذي لدى الطرفين يجعلهما أكثر وعيا وقدرة على تحمل مسؤوليات الزواج ، كما سيوفر فرصا أكبر للتقارب العاطفي و التوافق الفكري، فالاقتران بين زوجين متفاوتين في السن لا يمكن أن يحقق زيجة سليمة ومستقرة كما لا يمكن أن يشبع الحاجات العاطفية والنفسية وغيرها من الحاجات الإنسانية لدى كل من الزوجين.

ب- الحد من حجم التدخل الجماعي والأهلي في عملية الزواج و التقليص منها وإعطاء الزواج بعدا فرديا بعد أن كان يخضع لعملية ترتيب بين عائلتين أو جماعتين، وجعل الطلاق حقا ثنائي متساويا بين الزوجين تنجم عنه مسؤوليات مدنية فردية. ومثل هذا التساوي في الحقوق والواجبات يقلص من الإمكانيات المتاحة لأحد الطرفين وخاصة الزوج في الاستفراد بتقرير مصير العلاقة الزوجية لوحده، كما يزيل الوصاية المطلقة التي كانت بيد الأب ليجبر ابنته على الاقتران بزوج ما.

ج- إعطاء المرأة إمكانيات قانونية أكبر في مفاوضة الزوج في صورة تجاوزه حدود العلاقة الزوجية والتنصل من الواجبات العائلية الملزمة.

د- الحد من تأثير المرتكزات العرفية والأخلاقية التي كان الزوج يستند عليها لممارسة التسلط وإخضاع الزوجة، وإعطاء المراة إمكانيات قانونية أكبر للتفاوض مع الزوج على أساس من التكافؤ القانوني وغلق أبواب التلاعب التي كان يلجأ إليها بعد الطلاق وتحمل ما ينجر عن ذلك من مسؤوليات، وجعل التفكير في أمر الطلاق يستدعي كثيرا من التأني وتقدير المترتبات التي تنجم عن الطلاق الأمر الذي يجعل هذا القرار يتم بشكل أنضج.

2- في الإرث:

تمكين المراة التي ترملت من أحقية الوصاية على الأبناء وما ورثوه من الزوج المتوفى، بعد أن كان ذلك غير مضمون، حيث كان بامكان أهل الزوج من الأقربين قبل صدور "المجلة" وخاصة الذكور منهم أن يطالبوا بقسطهم من الإرث الذي خلفه الزوج المتوفى. لكن في ظل التشريعات الجديدة أصبح بامكان الزوجة والأبناء أن تعود إليهم التركة لوحدهم – ما لم يكن للزوج أبوان أو أب / أم واحد حيا يرزق - وهو ما سيسمح للزوجة بتحمل مسؤولية الإعالة والإنفاق وتربية الأبناء.

3- من وضع الإلحاق إلي وضع الشراكة والمساواة :

لقد اتجهت مقاصد التشريع في فجر الاستقلال إلى التأسيس لعلاقات زوجية تكون أقرب إلى المساواة بين الزوجين و الى تصحيح وضع المرأة و تشريكها في تنمية العائلة و المجتمع. لكن يجب القول ان ذلك التشريع في وقته كان محكوما بنزعة إلحاق المرأة بالرجل ودعوتها الى وجوب طاعته . الفصل الثالث والعشرون من "المجلة" قبل أن ينقح (بالقانون الجديد عدد 74 لسنة 1993 المؤرخ في 12 جويلية 1993) كان يدعو المراة إلى الطاعة و يدعو الى ان تبقى في جلباب الرجل، وهو ما كان يستجيب أكثر إلى طبيعة العائلة الممتدة والقيم التعاونية والمجتمع ذي غلبة النمط الفلاحي التضامني والتقسيم الجنسي للعمل. لكن ومع خروج المراة الكثيف إلى التعليم و العمل واكتسابها القدرة على الإعالة والإنفاق وتحمل المسؤولية مع الرجل، عمل المشرع على مواكبة هذه التغيرات وإحداث تغير تشريعي يواكب تحولات وضع المرأة ونقلها من وضع التبعية إلى وضع المساواة والشراكة مع الزوج .

منذ التسعينات ومع سلسلة من التحويرات القانونية التي أجريت على بعض فصول المجلة دعيت المرأة إلى المساهمة مع الرجل في الإنفاق العائلي، وكان الأمر في البداية اختياريا ، لكن مع الفصل 23 المنقح الذي كنا أشرنا إليه آنفا فقد أصبح أمر إنفاقها واجبا إذا كان لها دخل، فقد خاطب المشرع في هذا الفصل كلا من الرجل والمرأة وبنفس المستوى، وتم التنصيص على الواجب المشترك في الإنفاق وضرورة تقاسم دور الإعالة بين الرجل والمرأة. يقول الفصل الثالث والعشرون من مجلة الأحوال الشخصية " ... وعلى الزوج بصفته رئيس العائلة أن ينفق على الزوجة والأبناء على قدر حاله وحالهم في نطاق مشمولات النفقة وعلى الزوجة أن تساهم في الإنفاق على الأسرة إن كان لها مال . " نحن إذن بإزاء تحول حاسم في وضعي كل من المرأة والرجل، يتم من خلاله الانتقال من وضع وجوب طاعة الزوج إلى وضع وجوب التعاون و الشراكة معه .

و مجمل القول، ثمة ثابتة سوسيولوجية يمكن تأكيدها وهي أن التحديث الاجتماعي الذي وقع في مجال التشريعات و ما صاحبته من تغييرات كان دوما يستدعي كثيرا من الوقت حتى يغير العقليات، فنحن هنا بإزاء العائلة أي هذه النواة الصلبة التي يبطؤ فيها فعل التغيير، لأنها بكل بساطة مجال الحياة الحميمة، والتقاليد وترسخ العادات والقيم ولذلك تتقلص فيه تاثيرات العقل، وربما - مع بعض التجاوز- يستعصي فيه عمل حركة الدنيوة ( sécularisation ) .

*****************************

الهوامش و الإحالات:

عنوانها الأصلي: "أسئلة من تلقاء أوروبا و أجوبتها" و قد قدّم لها و حققها المنصف الشنّوفي وصدرت ضمن سلسلة "حوليات الجامعة التونسيّة". عـدد 5- 1968 ص ص 49-112.

أحمد بن أبي الضياف (1803 - 1874) تقلّد الوزارة في عهد الباي أحمد. و بالإضافة إلى مكانته السياسيّة فقد كان فقيها مالكيّا وقد اعتمد في أجوبته على شواهد من القرآن والسّنة والشعر العربي كما رجع إلى الواقع السّائد في المجتمع التونسيّ آنذاك.

نشر ضمن: الأعمال الكاملة. تحقيق محمد عمارة ج 2. المؤسسة العربيّة للدّراسات والنشر.

المصدر السّابق.

نشر بدار المعارف -سوسة 1992.

تحقيق حمادي السّاحلي -دار العرب الإسلامي- بيروت 1985.

عبد المجيد الشرفي: "الإسلام و الحداثة" الدّار التونسيّة للنشر- 1990 ص 299.

أحمد بن أبي الضياف: "الرسالة"... مرجع مذكور آنفا ص 103.

+ (10) أحمد بن أبي الضياف:"الرسالة "... ص 72.

11) أحمد ابن أبي الضياف: "الرسالة"... ص 73.

(12) حديثان نبويّان رواهما البخاري و مسلم استند عليهما بن أبي الضياف في براهينه.- "لرّسالة..." ص 75.

(13) ابن أبي الضياف: الرسالة... ص 76.

(14) نفس المرجع ص ص 77 - 78.

(15+16+17 ) ابن أبي الضياف :" الرسالـة..." ص ص 70-71.

(18) قاسم أمين: المرأة الجديدة، الأعمال الكاملة دراسة وتحقيق محمد عمارة- المؤسسة العربية للدّراسات ص 141.

(19) لعلّه سلك في ذلك طريق التدرج، فلم يدع فجأة بضرورة تعليم المرأة في مجتمع رجالي محافظ.

رفاعة رافع الطهطاوي: توفي سنة 1873 - عرف بكتابه "تخليص الإبريز في تلخيص باريس" (1834): في هذا

الكتاب قدّم اقتراحاته المختلفة وخاصّة فيما يخص قضيّة المرأة، فكان بذلك أوّل من تطرّق إلى موضوع تحرير

المرأة في الفكر العربي الحديث.

(20) قاسم أمين: تحرير المرأة،الأعمال الكاملة - دراسة وتحقيق محمد عمارة- المؤسسة العربية للدّراسات ط -1

بيروت 1976 ص 88.

(21) يلاحظ استحداث مفهوم جديد هو المصلحة. وقد غاب حضور هذا المفهوم في خطاب أحمد ابن أبي

الضياف و"فقهه" تحت طغيان مقولة: "سدّ الذراائع".

(22) قاسم أمين: نفس المرجع السّابق.

(23) يجب لا ننسى أن الرّجل متحصل على الإجازة في الحقوق. و قد أقام بفرنسا أربع سنوات و اطلع على

كتابات "نيتشة" و "داروين"، و "ماركس" و "هيوم" و "سبنسر" و غيرهم. انظر إحالاته الواردة في الصفحات

44-70 -94 من كتابه: "تحرير المرأة" المرجع المذكور سابقا.

(24) عبد العزيز الثعالبي: "روح التحرّر في القرآن" مصدر مذكور آنفا ص 32.

(25) الطاهر الحداد، امراتنا في الشريعة والمجتمع. الدار التونسية للنشر- تونس 1984 ( ط 1 : 1930 ) ص ص 207- 210 .

(26) الطاهر الحداد ...نفس الصفحة .

(27) الطاهر الحداد ...امراتنا... ص ص 206- 210 .

(28) الطاهر الحداد: امراتنا... ص ص 206-210.

(29) الطاهر الحداد: امراتنا ... ص65.

(30) إن جلّ رجال الإصلاح و النهضة في مصر و تونس، قد زاروا أهمّ بلدان أوروبا وخاصّة فرنسا و تتشبّعوا بأفكار النهضة الأوروبية و بالتيارات الفكريّة الإصلاحية التي راجت حينذاك.

(31) عبد المجيد الشرفي: "الإسلام و الحداثة" سلسلة موافقات: الدّار التونسيّة للنشر تونس 1989 ص 232.

(32) عبد المجيد الشرفي: "الإسلام ...، مرجع مذكور آنفا. ص 233.

(33) الطاهر الحداد: امرأتنا ...- مرجع مذكور سابقا - 1984 ص 143- 144.

(34) من الممارسات الخرافية التي انتشرت في بعض البيئات، أن يبادر كل من الزوجين في اللقاء الأول و خلال ليلة الدخول إلى اتخاذ

بعض الإجراءات السحرية اتقاء الوقوع في هيمنة الطرف الآخر و المبادرة باتخاذ المبادرة في السلطة

طباعة >> | إغلاق النافذة >>


afkar@afkaronline.org