فعل التسمية بين العمليات العسكرية ومقاصد السياسة
د. عبد السلام المسدّي -
أستاذ اللسانيات – جامعة منوبة - تونس
اللغة في الوجود أداة مطلقة، وهي في السياسة قيمة مقيدة، ولكنها في الإعلام وظيفة متحكمة. وتجري العادة بأن الناس يهتمون بالحدث السياسي دون أن ينتبهوا مليا للصياغة التي نحكي بها تفاصيل الحدث، وبذلك تراهم يطابقون بين الحدث السياسي والخبر السياسي حتى لكأن رسالة الإبلاغ واحدة لا تصدر إلا عن أداء واحد، أو كأنما الخبر هو الخبر مهما تنوعت صيغه أو تلونت تجلياته، ومن وراء ذلك كأن الإخبار عن الحدث السياسي فعل في مطلق البراءة بحيث لا تنحشر فيه مقاصد صانعه حين يصنعه. لذلك لم يكن مألوفا عندنا أن نبحث في الآليات المحركة للغة في مجال السياسة لأننا لم نتشبع بعد بنواميس استراتيجيات الخطاب عامة وبقوانين استراتيجيّات الخطاب السياسي تخصيصا. فقد يدفعنا الحدث السياسي إلى الوقوف برهة على اللغة، وقد نستشهد ونحن نبحث في اللغة بقولة جاءت على لسان أحد السياسيين، ولكننا لم نعهد اتخاذ التقاطع بين الظاهرتين مجالا للبحث والاستكشاف.
ما يتصارع من أجله البشر له اسم : أرض أو مال أو جاه، ولكل معسكر من أطراف الصراع اسمه الخاص به، ولكن الصراع نفسه يتسمى كل مرة باسم يخصه أيضا فيصبح الاسم دالا يلخص كل الحيثيات، ويوحي بدوافع الصراع وبمرافئه، ويوحي كذلك بزمانه ومكانه. غير أن ما عاشت عليه البشرية عموما هو أن الصراع ينشأ في التاريخ ثم بعد حدوثه يطلق عليه صانعوه اسما، وربما أطلق عليه كل طرف اسما يغاير الاسم الذي أطلقه عليه الطرف الآخر.
كل ذلك معلوم بالبداهة غير أن ظاهرة جاءت تنزرع على هامش متون الأعراف ثمّ ما انفكت تصنع صنعها في إنتاج دلالات جديدة على ديوان الحروب، تلك الظاهرة ذات وجهين، الأول أن فعل التسمية أصبح يتجول بين زمنين : ما قبل الحدث وما بعده. بين استقراء الأحداث بأسمائها في ذاتها واستقراء تطور ظاهرة الاصطلاح بالاسم سنسعى إلى الوقوف على خصائص فعل التسمية عندما يرسَل على المنازعات العسكرية متلمسين من خلال ذلك صورة مشهد استثنائي من مشاهد التفاف السياسة على اللغة أو اغتلاف اللغة بالسياسة.
في الأعراف التاريخية كان طبيعيا جدا أن تسمّى المعارك بأسماء الأماكن التي تجري فيها وقائعها : معركة العلمين، معركة السويس، معركة بنزرت، والتسمية هنا على الحقيقة لأنها تتكئ على النسبة مع اختزال العبارة والتركيب، فهي (المعركة الواقعة في مكان كذا) ولكن الخطط العسكرية كثيرا ما كانت تلجأ إلى الاصطلاح بالتسمية فتتوخى مسارب متنوعة في انتقاء الأسماء. ومن أبرز لحظات الدهشة أن التسمية تنفذ إلى نواميس اللغة داخل مكنونها فتعيد ترتيبها بضرب عجيب من الاصطلاح المتضاعف ولكنه مع خروجه عن نسق اللغة يخفى على الحس فيغدو كأنه نسيج طبيعي.
ليس جديدا أن يتخذ الإنسان من ألفاظ اللغة مرايا يعكس بها عن طريق الكناية أو التورية تصوّره للمنازعات وكل ضروب الاقتتال، وكثيرا ما كان يستطيب أن يجمع بين أسماء المعارك وأسماء الحيوان. فالعدوان الثلاثي على مصر قد كان الفرنسيون دعاته الأولين، وكان الإسرائيليون متلهفين، أما الإنجليز فكانوا محترزين لأنهم مقدرين صعوبة نقل المعدات الثقيلة. ولكن الفرنسيين كانوا في أسوإ الأوضاع على جبهة المغرب العربي، فرأوا في تأميم قناة السويس (26 – 7 – 1956) خزيا مضاعفا لا سيما وجمال عبد الناصر ما فتئ يقدم كل أنواع الدعم للثورة الجزائرية. وحين انطلق العدوان (29 – 10 – 1956) كان الإنجليز قد أطلقوا على الحرب اسما ضمنوه فحوى احترازاتهم فأسموها (السلحفاة) إيحاء بالسرعة البطيئة التي يمكن للدبابات أن تتحرك بها من بعيد.
على الضفة الأخرى كانت حرب الأسماء تتوظب بصوغ مغاير، فجمال عبد الناصر اتخذ اسما أطلقه على عملية التأميم، وهو مما يستبعده كل ذهن مؤالف للسياسة ولأسماء الحروب، فقد أطلق عليها اسم الدبلوماسي الفرنسي صاحب مشروع حفر القناة (1859 – 1869) فردينان دي ليسابس، وكان ذلك قد غاظ الفرنسيين إذ لم يتمثلوا أن يُحرموا حقا مطلقا على القناة. ولكن تفاصيل التاريخ تزيدنا شوقا إلى كشف المستور. فجمال عبد الناصر دعا يوم (26 – 7 – 1956) إلى اجتماع حاشد في الإسكندرية حضره 000 250 من الجماهير وألقى خطابا، وكانت كلمة السر التي تمّ توظيبها هو أنه بمجرد أن ينطق اسم (ليسابس) تنطلق الجموع نحو مقر شركة قناة السويس للسيطرة عليها والحجر عليها.
ذاك بعض من امتدادات قصة (السلحفاة) التي لا يذكرها ذاكر إلا وتهبّ عليه أنسام الخواطر في لغز العلاقة القائمة بين أسماء الحيوانات والأسماء التي يُصطلح بها على المعارك والحروب، وبين هذا وذاك ينعقد السلك اللاحم كالسربال المتدلي على ضفاف المعنى : حين هجمت العساكر الإسرائيلية صبيحة (5 – 6 – 1967) على مصر كان لذلك الهجوم اسم هيّأه الغزاة، إنّه (الغزالة) وإذ لم يقل من سمّى لماذا سمّى بما سمّى راح المتأولون يقولون – في أدبيات الإعلام الحربي – إن العدو ألمح بالاسم إلى عملية المباغتة الصباحية كالذي يعرفه الصيادون عند خروج الغزالة من وكرها باكرا، ولكن ألا يكون الإسرائيليون قد أضمروا مكرا يغمزون فيه بالتقابل الضدي بين إنجاز (الغزالة) وإنجاز (السلحفاة) ؟
ولم يقترب القرن العشرون من نهاياته حتى طرأت على ملامح فعل التسمية في مجال المنازعات العسكرية تغيرات مختلفة. فالساحة الدولية قد خلت من ثنائية الاستقطاب، والعالم كله قد أصبح يعيش الأحداث وهي متحيّنة في زمنها الطبيعي بفضل القفزة المذهلة التي أنجزتها تكنولوجيا البث الإعلامي الجامع بين الصورة والصوت. فما كان مبثوثا هنا وهناك من خصائص التسمية بضروب البلاغة سيجد ما يؤلف بينه لتنبثق آليات في التشبيه والاستعارة والمجاز، وستتحول الأسماء إلى منظومة من الفعل الإرادي توازي منظومة القرارات الإجرائية النافذة.
لئن بدأ التغير يلاحق المشهد الدولي منذ منتصف ثمانينيات القرن فإن لحظة الانقلاب الجذري قد تشكلت مع أزمة الخليج الكبرى (1990 – 1991) فحين تجلى أمر الاختيار العسكري الذي على أساسه يتم تحرير الكويت بدأت تشتغل في نفس الزمن الآلات الجديدة الضخمة : الآلة الإعلامية والآلة النفسية والآلة العسكرية، واستقر المشهد الإنساني على وضع مستحدث لم يسبق له مثيل يناظره ولم يقم بعده بديل يقايضه. وكان لعلاقة اللغة بالسياسة حصتها من انقلاب المشهد، وكان لفعل التسمية جولة جديدة بين حنايا المخفي والمتواري.
حين أبرم عقد التحالف بدأت تفد على الخليج طلائع الجيوش المتحالفة، وكان من أولى العمليات انتشار بعضها في المملكة السعودية قبالة حدودها مع الكويت ومع العراق، وكان الحذر الوقائي قد دفع الأمريكيين إلى التأكيد بأن النظام العراقي يضمر الهجوم على المملكة مستظهرين بما كانت تلتقطه الأقمار الصناعية الراصدة. وأطلق الأمريكيون على تلك العملية اسما هو (درع الصحراء). كانت الأحداث تتلاحق، ولم يكن في النفوس مجال للصبر على قراءة الأسماء. كان يكفي الواحد من الناس أن يجد نفسه بحضرة لفظ (الدرع) فيقرن الاسم بغايته وهو حماية المملكة السعودية من كيد عسكري محتمل حتى يطمئن إلى فعل التسمية !
غرّ بين الأغرار من توهم أن الأسماء مرتجلة، أو أنها تردُ بفضل سخاء البديهة، وما من شك في أن فعل التسمية هو جزء مندمج في الخطة العسكرية. في (الدرع) تنصيص على الفعل الوقائي، ولكن المخاتلة واقعة في مغزاه لأن الدرع ليس سلاحا دفاعيا كما تريد التسمية أن نظنه، إنه سلاح هجومي بالأساس يلبسه من اعتزم اقتحام ساحة الوغى مبتدرا ومباغتا. ولكن الإضمار كان على أشده في العنصر الثاني من الاسم وهو (الصحراء) فأي اسم هذا ؟
هناك بديهيات المكان، فلفظ (الصحراء) دال صريح على أن الحرب وليدة المنطقة ذاتها وليست مجلوبة إليها من الخارج. أتراهم على حق في هذا الإضمار ؟ كل جواب بالمجمل هو اقتراف لجريئة اللبس. صحيح أن غزو العراق للكويت هو وليد المكان، ولكن حرب إخراج الغازي مجلوبة إلى المكان من خارج المكان. ثمّ ما المقصود أو مَن المقصود بالصحراء في عبارة درع الصحراء ؟ فالجيوش القادمة جاءت تحمي من ؟ ألم يقل الخبراء إنهم خافوا على المملكة السعودية من هجوم متوقع ؟ إذن أليس في (الاسم) ما يشي بالمماهاة بين تلك البلاد والصحـراء ؟ إن ذلك لصحيح قطعا ويقينا، وعلى صحته دليل موضوعي جدا يسعفنا به التاريخ دون إسهاب في جدل المغايظة. إن الذين أطلقوا الاسم يعرفون أن المملكة سبق لها أن خاضت حربا طويلة مع جارها الجنوبي ولم تنته في (27 – 6 – 1934) إلا بعد استنزاف مديد، وكان لتلك الحرب اسم، هو لم يسبقها ولم ينطلق معها، ولكنه استقر مصطلحا موقوفا عليها في سجلات الساسة وفي سجلات المؤرخين، لقد سميت (حرب الصحراء) وشاع الاسم في كل الأعراف.
إن لفظ الصحراء أضحى كالبديل الموضوعي الذي يختزل صورة المملكة السعودية انطلاقا من اختزاله صورة الجزيرة العربية، وعبارة درع الصحراء تأتي صدى للتاريخ ولكنه صدى مغشوش، فالحرب القديمة تسمّت في الزمن اللاحق لها، ولو سألت : من سماها ؟ لما عثرت على جواب جازم، فالاسم هناك من المنتج الجماعي، أما (درع الصحراء) وما سيتلوه من الأسامي فقد تمت صياغته بقرار إرادي معلن قبل زمن الحدوث.
لئن ظل الذهن على ظمإ وهو يتأول اسم (درع الصحراء) بحثا عما يشار به إليه هل هو المملكة أم الجزيرة أم السمة المشتركة للمناخ الطبيعي في كل المنطقة فإن (عاصفة الصحراء) تخاتلنا لتلغي بعض الاحتمال وتقر احتمالات أخرى، ولن يبقى الحضور الذهني متواصلا في أن رمزية الأسماء ترتبط بالبيئة المناخية الحافة. فالمهم هو تثبيت شيء في اللاوعي الجمعي مداره أن الأحداث نابعة من المكان وراجعة إليه، إنه الصوغ اللغوي الذي يعبق بفائض دلالي يقترن بإلهامات الحياكة البلاغية. إنّنا على أرض من التحليل تتكاثف فيه الخلاصات منضدة منضدة، فالموالي يفسر السابق و"يتفسّر" به. فكل حكم بالقيمة مرجأ إلى نهاية المطافات. مغرية جدا هي رحلة الكشف عن منابع الأسماء، وأكثر منها إغراء التقاط سلك التناسل بين الأجزاء قبل اكتمالها في المعنى الكلي، فلكل جزء قصة في التداول، ولكل معنى ظاهر تاريخ يتبدّى أو يحتجب، والذي لا مفر من الإقرار به هو أن صناع السياسة الدولية الكبرى على أتم الوعي بالأبعاد الرمزية إذ تشتغل داخل النفوس ولا أبواب لها أو منافذ إلا اللغة. كان بوسع المتشكك في حرص هؤلاء على إحكام استراتيجية الأسماء كجزء ملازم للاستراتيجية العسكرية أن نقر له بوجاهة شكوكه لو وقف بنا الأمر عند ذاك الثنائي : درع الصحراء وعاصفة الصحراء. ولكن هلاّ دفعنا بالكشف الاستقرائي خطوة أخرى. لم تنته جيوش التحالف من إخراج الجيش العراقي وتحرير الكويت حتى بدا المشهد جليا : قوة عسكرية غازية تدحرها قوة دولية متساندة، وكأن المهمّة تقف عند الحدود، يوم (24 – 2 – 1991) تمّ الإعلان – بعد تحرير الكويت – عن بداية (الهجوم البري) الذي لاحق الجيش العراقي بعد طرده، وكان لذاك الهجوم اسم كما كان لغيره اسم، وكان اسمه سليلَ أخويه السابقين، إنه (وحش الصحراء) أفيبقى شك – بعد كل هذا الإصرار – في أن فعل التسمية من القرارات التي تحاك لها الخطط ذات الدقة المتناهية ؟ وما عسى أن يكون الإضمار الذي يقبع وراء لفظة الوحش : هل هو تلوين صورة الانفلات بحكم خروج الحرب عن هدفها المعلن وهو تحرير الكويت ؟ وهل يعني ذلك أن الوحش إذا انطلق من مربضه استعصى إيقافه فلا بد له أن يصرف مخزوناته من الطاقة والاندفاع ؟
وتمضي السنون، ويكون ما يكون، وفي (18 – 12 – 1998) وقد ذهبت من البيت الأبيض إدارة وجاءت إدارة، تعلن الولايات المتحدة عن عملية عسكرية واسعة النطاق، فظيعة التدمير، قامت بها القوات الأمريكية على العراق فأمطرته قنابل ونيرانا متعللة بتقرير ريشارد بيتلر قائد فريق التفتيش ولكن الذي يخص سياقنا هذا تحديدا هو الاسم الذي أطلقته العسكرية الأمريكية على تلك العملية، لقد سمتها (ثعلب الصحراء) فأي صحراء يومئذ ؟ لا شيء سوى الثبات على ما سبقت المصادرة عليه في إصرار تتيه معه مقاصد الإدراك لفرط ذوبان المعنى في عتمات السياق، فاللغة في محابس السياسة، والسياسة في محابس الآلة العسكرية المتعاظمة. ليس من شيء مقطوع به إلا تواترُ لفظ (الصحراء) في الأسامي ذات التركيب الثنائي المزدوج، وهو لذلك "اسم – رمز" يكاد يتحوّل إلى ميسم نهائي يتماهى مع الأرض العربية... هي الصحراء كما يراد ربطها في اللاوعي "العالمي" بالعنصر العربي، هي القفز والجدب، وهي التاريخ يتباطأ عن الركب كما لذ لبرلسكوني أن يجاهر وأن يقايض يوم (26 – 9 – 2001).
إن استراتيجية الحرب اللغوية لا تحيد عن مدارها حيال مسالك الصراع العسكري الشامل، ولا مجال للتردد في القول بأنها فوق السياسة لأن الإدارة تتغير، وزمامها ينتقل من حزب إلى حزب، ومن كتلة إلى أخرى، وتظل السلطة العسكرية هي الأشد نفوذا على سلطة الأسماء. وتمضي سنوات أخرى عن (ثعلب الصحراء) مثلما مضت قبلها سنوات عن (درعها) وعن (عاصفتها) ثمّ عن (وحشها) وفي يوم من أيّام البلاء الجماعي (15 – 6 – 2003) وقد استفحل صراع القوات الأمريكية مع المقاومة العراقية، يتمّ الإعلان عن مداهمات تنفذها عساكر التحالف في شمال البلاد، وكان لتلك العملية اسم، وتمّ الإعلان عنها وعن اسمها، فإذا هو (عقرب الصحراء). وها هو الإصرار يزيل من الأذهان القائلة بالبراءة والطاعنة دوما في "عقلية المؤامرة" آخر فضلة من بقايا الشك.
إن السياسة على مفرزتها التي آلت إليها تشتغل على جبهتين متوازيتين : جبهة الأحداث وهي تطبخ على نيران متقدة كأنها في مرجل تغلي بفوران حتى تنصهر، وجبهة التأثير الاستدراجي وهي تطهَى على جمار الأثافي الفحمية الهادئة. فها هي (الصحراء) كالعمود الفقري تلتف شرايين الدلالة صادرة عنه وأوردة الإضمار عائدة إليه، أو هي كجذع الشجرة تتدلى منه وإليه أغصان عليها أفنان : الدرع والعاصفة والوحش والثعلب والعقرب، كل واحد منها هو المكوّن المتغير في معادلة الصيغة الثنائية ذات العنصر (الصحراوي) القار، ويأتي العنصر المتبدل في موقع المضاف بينما يأتي لفظ الصحراء دوما في موقع المضاف إليه.
إن كثافة حضور الكائنات الحيوانية في أفعال التسمية حين يكون موضوعها الحروبَ والمنازعات وما يصطلح عليه بالعمليات العسكرية تؤكد بجزم أن المقصود بفعل التسمية يخرج عن غرضه الأول البديهي وهو فعل التعيين، إنّنا بحضرة قصد إرادي من الدرجة العليا، وهو الإصرار على توطين المفاهيم المرومة ودفعها إلى أن تقبع في اللاوعي الجماعي عبر الحامل اللغوي، فكأنها عملية تطويق لمحاصرة إرادة المتلقي مهما يكن موقعه أو انتماؤه، ومهما تكن منطلقاته في الحكم على "فعل الحرب". ولئن كانت أسامي الحروب متجذرة في تواريخ الصراع فإن المشهد "اللغوي – السياسي – الحربي "تجلت مظاهره بفوارق نوعية فائقة. ويوشك أن ينحصر الأمر في مبدإ إطلاق الاسم على الفعل الحربي عند اعتزام إنجازه، وهذا ما يؤكد أسبقية الإضمار، وهو ما يجعل التسمية جزءا ملتحما بالأداء العسكري.
مع المشهد الكوني الجديد تجددت خصائص التسمية بحكم إملاءات السلطة الجامحة بين القرار السياسي والتنفيذ العسكري، وليس كالعنصر اللغوي كاشفا لهذا الامتزاج الطارئ العجيب، إذ لم يعد بوسع المتابع أن يعرف على وجه التدقيق إن كان القرار السياسي هو الآمر للفعل العسكري أو هو التعاظم العسكري بكل أعتاده التكنولوجية يملي على المؤسسة السياسية إصدار القرار العسكري، وبين الضفتين تمور أمواج اللغة عبر الإصطلاح الاسمي. في يوم (17 – 9 – 2001) أعلنت الولايات المتحدة عن قرارها بأخذ الثأر مما حل بها فأشهرت – على أفغانستان أولا ثمّ على "الإرهاب" تاليا – حربا وهبتها اسما فقالت هي (النسر النبيل) فإذا بنا – من جديد – على درب استدعاء الكائنات الحيوانية للإشادة بنزعة الإنسان العدوانية، تلك التي هي بعض ما يعتبره الفلاسفة بقايا الغريزة الحيوانية في بني آدم، وصح ما قالوه. مع النسر نحن في أعلى مستويات الرمز السياسي على الأرض الأمريكية : هو شعارها الوطني، وهو المترجم عن أهدافها المترامية، وقد سبق لهذا الشعار أن امتزج بالإرادة السياسية امتزاجا كليا في عهد رولند ريجن (1980 – 1988) فقد كان النسر متجها برأسه ناحية اليسار، فقرر ريجن تغيير رسمه ليكون ملتفتا ناحية اليمين، واتخذ لذلك قرارات تنفيذية شارحا اختياره بأن (نسر) الولايات المتحدة يجب أن يجسم الإعراض الكلّي عن الإيديولوجية اليسارية التي تشكلها الشيوعية.
وجاء قرار تسمية الحرب على الإرهاب باسم (النسر النبيل) إعلانا عن لحظة من النخوة القصوى حين يستبد بالسياسة التشبع بأحاسيس العز، بعد أيّام قليلة أفاق صناع التسمية بأنهم اقترفوا خطأ فادحا، فالحرب أمريكية خالصة، ولكن أصحابها يريدون لها أن تستظل بظل التحالف الدولي – الغربي على الوجه الأخص – وشعار النسر يفضح الحقيقة التي يراد لها أن تقبع في الظل متوارية خلف الخطاب، وإلا فسيبدو على السطح الظاهر أن الدول الأخرى تأتمر بأوامر (النسر) مذعنة لإرادة صاحب القرار الدولي. جاء السياسيون إلى الاسم فأبدلوه بعبارة (العدالة المطلقة) فوقعوا في ما هو أشنع لأنهم – بذلك الاسم – أثاروا النعرة الدينية، وأخرجوا حلفاءهم في أفغانستان ذاتها عراة أمام جماهيرهم وسائر الجماهير الإسلامية حتى المتعاطفة نسبيا معهم. عندئذ أقلع أصحاب التدبير عن إضماراتهم الأولى، وجنحوا إلى فعل في التسمية جديد، فقالوا مساء (20 – 9 – 2001) إنّها (عدالة بلا حدود) فاختفى (النسر) في خضم استدراك الإدارة الأمريكية على نفسها. وإذا بالحرب ترسو بأدواتها اللغوية، بل إذا بحرب الأسماء تتكشف عن محياها بعد إنزال اللثام الحريري الشفاف فتغدو حافزا لاستلهام خطاب سياسي مقاوم.
(عدالة بلا حدود) اسم مُلْبس، ولَبْسه وهو مترجم إلى العربية أكثر تشتيتا للذهن من لبسه وهو في لغته الأصلية. فالمقاصد التي هو حامل بها متعددة المرايا ولكن لفظه اللغوي يعني بصورة مباشرة أن الحرية لا تعترضها حواجز تحد مسيرتها فتقف عندها، والمضمن في الدلالة أن الحواجز المشار إليها هي التي على الأرض، في المكان، ولكن لا يُغيّب ذلك أن الحواجز مَلغيّة حتى على محور الزمان لأمر مّا بدأ العنصر المتحوّل في مجازه صريحا أو كالصريح في استعارته، فمع "درع" الصحراء تقرع اللغة منافذ الذهن على ساحة الحرب بلا تردد وبلا استئذان، وقد أسلفنا تضميناته المراوغة بين وهْم الدفاع وحقيقة الهجوم، ولكن العاصفة تضعنا أمام سلطة المكان بمفازاته ورماله ورياحه المدوّية، على أن فكرة (العاصفة) من المكونات الذهنية الأثيرة في نفوس العرب، وهي عند أقوام آخرين أثيرة إذا ارتبطت بالبحر، ولذا تأتي عبارة (عاصفة الصحراء) مصرّة على توطين المفهوم في بيئة أصحاب الشأن من هذا النزاع الإقليمي العربي. ألم يبادر ياسر عرفات وهو ينشئ حركة فتح (1968) ثمّ يؤسس منظمة التحرير الفلسطينية (1969) ببعث قوة تتولى الكفاح المسلح سماها (العاصفة) ؟
ولن يفتأ صناع القرار العسكري يلحون على توظيب معركة الأسماء في رؤية مزدوجة تقوم على توطين المفاهيم التي ترافق آلة الحرب في بيئة المكان وتهدف إلى تطويق الأذهان بما يحجب عنها مكائد التخطيط الاستراتيجي. بعد عقد ونصف من ذاك الزمن يأتي مشهدان من مشاهد الحرب اللغوية المؤازرة للآلة العسكرية. في (3 – 1 – 2004) والشتاء على أشده انطلقت القوات الأمريكية في عملية عسكرية على الحدود الأفغانية الباكستانية بحثا عن عناصر القاعدة وطالبان، وكان لها اسم معلن هو (عاصفة الجبل الثلجية) ومرّ شهران ولم يتحقق الهدف فأعادت العسكرية الأمريكية الكرّة (13 – 3 – 2004) وأطلقت اسما هو (عاصفة الجبل) إذ كان الشتاء يومئذ قد ولّى، وأمست العملية "تمشيطا" انعقد فيه حلف بين القوات الأمريكية والقوات الباكستانية قيل إنه يروم إخضاعَ المناطق القبلية إلى السلطة المركزية !
سيمرّ زمن حتى يطالعنا (النسر) بعد عقدين كمشروع من مشاريع فعل التسمية ولكنه – هو الآخر – قد تم إجهاضه بإحلال البدائل، وسيمر زمن آخر منذ (20 – 9 – 2001) حتى يطلع علينا صدى جديد من أصداء فعل التسمية (عدالة بلا حدود) ففي (4 – 2 – 2005) اختطفت في العراق الصحفية الإيطالية جيوليانا سيجرينا، وبعد أيّام (16 – 2 – 2005) ظهرت في شريط أرسل إلى إحدى الشبكات الأمريكية ألحت فيه على ضرورة انسحاب العساكر الإيطالية من أرض العراق، وتبنت العملية منظمة تعلن عن نفسها لأول مرّة، وكان لها اسم شيق لأنه يغمز بأجفان اللغة دون سكب المدامع، إنّها منظمة (مجاهدون بلا حدود) ثمّ بدأت تسري بين كواليس الخطاب طلقة لغوية تمعن في مصارعة الكيد اللغوي بالإغاظة في الخطاب إذ تمّ زرع العبارة على العبارة فقيل (شهداء بلا حدود).
إن إطلاق الأسماء آلة فعالة في الحرب النفسية، ومن أجل ذلك نراه كاللوحة الكاشفة عند استقراء كل إسقاط نفسي، فبين المقاصد والإفضاء باللغة جسور معقدة المسالك. وعلى عكس ما قد نخال يأتي المجاز مترجما عن هدوء الأعصاب العسكرية بينما تأتي الحقيقة التعبيرية أحيانا ترجمانا عن حالة من التوتر. وفي كل الحالات دخل الاسم منطقة السياسة ليؤدي وظيفة الإخبار ويؤسس منظومة من التراسل عبر الرموز المشفرة حينا والمكشوفة حينا آخر. فإسرائيل حين انطلقت بعمليتها العسكرية في (27 – 10 – 2005) أطلقت عليها اسما استصدرته من القاموس الطبي في عيادة جراحة الأسنان، فعندما يعالج الطبيب الضرس التي أصابها السوس يعمد إلى ترصيصها، وإذا بلغ السوس مدًى ناخرا في المحور الجوفي ولا يريد الجرّاح أن يضحي بالهيكل يعمد إلى قطع العصب الحيوي حتى تنطفئ سيالة الحس، سمّى الإسرائيليون عمليتهم تلك (اقتلاع العصب) إيحاء بالقضاء على (المقاومة الجهادية) يومها. فأي رسالة هي تلك الممعنة في التعريض؟
عند كل محطة من محطات صناعة الخطاب على أجندة الأسامي كانت هناك بعض الثوابت اللافتة، وغير مجدٍ الإطنابُ في العرض وفي التحليل، وإنّما يظل نافعا مجديا أن نتبين الخيوط الرقيقة في هذه الآلة العجيبة التي تتحرك بثلاث أقدام : قدم على ساحة الوغى العسكري، وقدم بين جدران الورشة السياسية الكبرى، وقدم تتحسس مضاربها على صفحات المتون اللغوية، إن فعل التسمية يحل محل "البيان" العسكري السابق لإنجازه، فالاسم بذاته "مانيفست" سياسي يجنح نحو التأدلج دونما إفضاء صريح. وبوسعنا أن نتخذ أنموذجا نتتبعه بشيء من الاستقراء المقارن مواصلين به ما بدأناه آنفا حول آلية التسمية المقتفاة مع "أحداث" العراق منذ أصبح مركزا فريدا لرصد السياسة الدولية.
في يوم (19 – 1 – 2003) حركت وزارة الدفاع الأمريكية أقوى فرق المشاة للحرب البرية وهي الفرقة الرابعة ومقرها فورد هود بولاية تكساس، ولهذه الفرقة اسم مخصوص هو (الحصان الحديدي) وفيه تتلاقى الصورتان الذهنيتان : الكائن الحيواني والكيان المعدني. وفي (14 – 10 – 2003) يعلن الأمريكان اعتزامهم شن عملية عسكرية يريدون بها القضاء على المقاومة العراقية وأذاعوا أن اسمها (المطرقة الحديدية) وصادف ذلك التاريخ حلول العشر الأواخر من رمضان (1424 هـ) ولكن نيران المقاومة لم تخبُ بل ازدادت اتقادا فأعلن الأمريكيون في (17 – 3 – 2004) عن عملية عسكرية يأملون بها إخماد جذوة المقاومة أسموها (الوعد الحديدي) وتمضي أيّام فتشتعل الأنبار ويعلن القادة العسكريون عن عملية جديدة يوم (2 – 10 – 2005) وإذا باسمها كالصدى الحاكي لما قبلها، إنّها (القبضة الحديدية) وبعد شهر بدا لهم أن يتجهوا صوب الشمال فأعلنوا عن عملية عسكرية لتأمين الحدود العراقية السورية فسموها (الستار الفولاذي) معوّلين على نقلة ذهنية من معدن الحديد إلى معدن الفولاذ ولم يفتهم أن يجربوا – في أثناء ذلك – صيغا بديلة تساعد على المخاتلة الذهنية، ففي مطلع شهر جوان 2005 أشركوا القوات العراقية معهم في محاولة للقضاء على المقاومة الشعبية وتخيلوا أن التآزر الثنائي سيحسم المعركة في سرعة مشهودة فأعلنوا عن عملية عسكرية واسعة أسموها (عملية البرق) وإذ قد فشلت اضطر رامسفيلد إلى الاعتراف يوم (27 – 6 – 2005) بإجراء اتصالات مع (المقاومة العراقية) ناطقا بهذا الاسم لفظا ومعنى دونما تشويه للمدلول بدال مفارق، وبعد يومين أعلن د. أيهم السامرائي باسم (المجلس الوطني لوحدة العراق وبنائه) عن شروط المقاومة العراقية قبل أي تفاوض. ويعود إلى الذاكرة أن شارون سيطلق في (25 – 9 – 2005) عملية جوية على قطاع غزة بعد أن تسلمتها السلطة الفلسطينية، وستواصل الطائرات قصفها على المدنيين بتعلة القضاء على رجال المقاومة، ويعلن شارون أنها ستدوم وقتا وأن اسمها (الأمطار الأولى) فقد كان الفصل خريفا يأتي بالأمطار الموسمية الأولى التي تستمر زمنا وَسِمتها أنّها رعدية غزيرة !
و في أوج حرارة الصيف (25-6-2006) اندفع الجيش الإسرائيلي ينتقم من الشعب الفلسطيني بأكمله ليفتك الجندي الأسير جلعاط شاليط بينما يقبع مئات الأسرى في سجونه فسمى تلك العملية (أمطار الصيف) .
على شطرنج الأحداث تكتوي اللغة بنيران السياسة ويَسْلم من بعض الأذى من يأخذ الأشياء على عواهنها، ويلوذ بالسلامة من يقف عند الخبر الواحد ثمّ يتناساه قبل أن يطرق بابه الخبرُ الجديد. أما من كان من أقداره أن يتابع، وأن يرصد، وأن يجمع الأشتات، ويؤلف بين الهوامل، فأوجاعه باللغة أشد وأشقى. بعد يوم واحد من تنظيم الانتخابات في العراق التي جرت (في 15 – 12 – 2005) انطلقت عملية جديدة للقضاء على المقاومة مسرحها منطقة العبيدي، وتمّ الإعلان – لأول مرّة – أن التي تقوم بها هي "القوات العراقية". والقوات الأمريكية تكتفي بمؤازرتها، وكان في ذلك توظيب للرسائل المضمّنة حتى يتوطن في النفوس أن أمر العراق بيد نخبة من أبنائه، ولكن الأدعى للاستغراب هو الاسم الذي تمّ إطلاقه على تلك العملية، إنها (القمر المنير) ويأخذك التأمل ولا أحد يقول لك لماذا سمّوها بهذا الاسم ؟ وما الذي جاء بالقمر ؟ وتلتفت فترى – بدءا – أن الصياغة من الشعرية والإبداع بحيث تدفع بك إلى أعماق البيئة العربية بكل أحمالها التراثية، ثمّ تحثك على مزيد الاستكشاف دونما هاد ولا دليل، وإذا بك تنتبه أن تاريخ العملية وهو (16 – 12 – 2005) يصادف ليلة الرابع عشر من الشهر القمري الذي هو شهر ذي القعدة من عام 1426 للهجرة وهي الليلة التي يبلغ فيها القمر تمامه فيكون (بدرا) ويكون (منيرا) أفترى مَن مِن قادة العرب كان يقرأ المشهد الخلاب؟ ومن كان منهم يستنصح بين مستشاريه مَن يقرأ له ؟
في السياسة، وعلى حاشية قاموس لغتها ومعجم ألفاظها، قد يبلغ المجاز حدا لا تعرف إن كنت تدرجه ضمن البلاغة الاستعارية فتبحث له عن خانة في الكناية والتورية، أو كنت تسلم تحت التداول المتواتر بأنه حقيقة لغوية جديدة. ويزداد ذهنك تشردا إذ تكتشف أن الصورة البلاغية كأنما صيغت على مقاس محدد : في السياق الزمني أولا، وطبقا للمتحدث عنه ثانيا.
إنها رحلة ليست كسائر الرحلات، نركب فيها متن اللغة لنجوس بين منعطفات السياسة، وكم من لفظة أو عبارة أو اسم أو لقب اصطلاحي بوسعنا أن نتخذه مصباحا ننزل به إلى كهوف المقاصد السياسية فنميط اللثام عن أسرار هي كصناديق العجائب.
طباعة >> | إغلاق
النافذة >>