في "تونس أرض المفارقات" لأنطوان صفير:

مخاض تجربة تكبر كل يوم…

  تونس – "أفكار أون لاين".

  هل أنّ التقدّم الاقتصادي والاجتماعي يُمَثِّلُ مقدمة للديمقراطية؟ أم أن البناء السياسي الديمقراطي هو الشرط الأوّل لكل نجاح اقتصادي وتوازن اجتماعي؟

هل أن تونس هي دولة قانون حديثة ومنفتحة على التجربة الديمقراطية أم أنّها نظام أتوقراطي؟

وهل أنّ السياسة الحذرة والمتدرّجة التيّ يتّبعها النظام التونسي، على المستوى السياسي، هي سياسة تنبع من مخاوف الخطر الاسلاموي ومن المزا لق التي يمكن أن ينجرّ إليها بلاد تَفتح لها الحركات المتطرقة ألف جبهة وجبهة من الصراعات والتوترات؟

وهل ثمة وجاهة لها يوجّه للتجربة التونسية في البناء الديمقراطي من انتقادات من بعض أطراف اليسار الغربي والفرنسي بالذات؟

وبأي معنى يمكن أن نفهم أن تونس هي "أرض المفارقات"؟ هل بمعنى وجود أيّ خلل في أبعاد تنميتها أم أنّ الأمر يتعلّق بضيق الإمكانيات وصعوبات السياقات لبلد لا حدود لطموحاته ولإرادته السياسية والشعبية في تجاوز كل مخلّفات التأخّر والعطالة ليتميّز في محيطه العربي والإفريقي والمتوسطي؟

هذه الأسئلة وغيرها يطرحها الباحث والإعلامي اللبناني الكبير أنطوان صفير في كتابه الصادر حديثا بالفرنسية عن دار الأرخبيل، بباريس بعنوان "تونس، أرض المفارقات..." كما يطرحها قارئ هذا المؤلف المكتوب بلغة سلسلة بعيدا عن أساليب التقريظ والتمجيد المعهودة وآليات الدعاية التي يعزف عنها كلّ قارئ حصيفْ...

إرث إصلاحي

يعتمد أنطوان صفير الذي يرأس تحرير مجلة"كرّاسات الشرق" ومركز الدراسات حول الشرق الأوسط بفرنسا في مقاربته للتجربة التونسيّة، التي يعتبرها رائدة في محيطها العربي، على منهج تحليلي للخيار الحضاري الذي اعتمده الرئيس زين العابدين بن علي في تنمية تونس تنمية شاملة وذلك عبر فصول خمسة، يتناول في أولاها الإرث الحضاري الذي استند إليه الرئيس بن علي في حركة التغيير التي قادها في 7 نوفمبر 1987، وهو إرث ينطلق من المصلح الكبير خيرالدّين التونسي الذي كان قد أصدر أوّل دستور في العالم العربي عام 1861 وساهم في تحديث المؤسسات التربوية العسكرية والقضائية متطلعا إلى التوفيق بين مبادئ الشريعة الإسلامية ومقومات الحداثة الغربية، ثم يتواصل هذا الإرث مع باقي رواد حركة الإصلاح التونسي، وقادة النضالات السياسية وحركة التحرير الوطنيّة، وبنَاة دولة الاستقلال الذين اختاروا، ما أطلق عليه في العهد البورقيبي، "بسياسة المراحل" وهي سياسة تبناها الرئيس زين العابدين بن علي عندما استلم السلطة، وتونس على أبواب عاصفة عاتية كانت ستدفع بها إلى المجهول السياسي، لولا حركة التغيير يوم 7 نوفمبر 1987 التي أحبطت محاولة انقلاب كانت تخطط لها حركة النهضة الاسلاموية، وقد بعثت هذه الحرية دماءا جديدة في نظام سياسي تهالك في العشرية الأخيرة من النظام البورقيبي. ولقد استبعد الرئيس بن علي كلّ السياسات التي يمكن أن تحدث انقطاعات أو شروخا في المجتمع التونسي مصالحا إياه مع هويته العربية الإسلامية، معزّزا ما تحقّق له من مكاسب خاصة في مجال التعليم والصحة وتحرير المرأة، ومعدًا له كي يواصل مساره بثبات نحو بناء مجتمع حديث، ديمقراطي، متوازن...

ديناميكية سياسية

ويستعرض صفير في الفصل الثاني من مؤلفه عن تونس جملة التحويرات والإنجازات السياسية التي بادر بها الرئيس بن علي منذ توليّه السلطة، ومن ضمنها إحداث تحوير على اسم الحزب الاشتراكي الدستوري الحاكم ليصبح "التجمع الدستوري الديمقراطي"، وذلك في رسالة واضحة مفادها أن حركة التغيير تهدف بقيادة هذا الحزب إلى المصالحة الوطنية بين كافة فئات الشعب التونسي، وإلى فتح أفق ديمقراطي ينوي أن يقود البلاد على طريقه. كما عرف الدستور التونسي تحويرات هامّة تمّ بموجبها إلغاء الرئاسة مدى الحياة، وتحديد سنّ قصوى لتولّي السلطة وهي 75 سنة، وإقرار مبدإ تعدّد المرشحين للانتخابات الرئاسية وإلغاء خلافة رئيس الوزراء مباشرة لرئيس الدولة في حالة المرض أو الوفاة، بالإضافة إلى التحويرات التي طالت الحياة النيابية بموجب فتح الأبواب لتعدّد أحزاب المعارضة والمؤسسات القضائية، وإطلاق المساجين السياسيين، وإثراء النسيج الجمعياتي وتنشيطه بحيث أصبحت منظمات المجتمع المدني إحدى آليات التغيير في تونس وأصبح التونسيون يشعرون لأوّل مرّة، كما يقول الباحث اللبناني، أنهم يساهمون في بناء وطنهم، وأنهم يقتربون من واقعهم، بدلا من أن تهزّهم، كما كان الشأن في السابق لجزء كبير من النخبة التونسية، الشعارات المتطرّقة أو الإيطوبية للأحزاب السياسية اليسارية أو الإسلاموية...

إن هذا الالتفاف الشعبي التونسي والتفاف النخبة حول حركة التغيير الذي لاحظه العديد من المراقبين الأجانب، يعزوه أنطوان صفير إلى حكمة الرئيس بن علي الذي تعلّم من نهايات النظام البورقيبي ومن التجربة الاشتراكية التي قادها وزير التخطيط أحمد بن صالح في العهد البورقيبي ثلاثة دروس أساسية وهي:

أوّلا: إن الحكم الرشيد هو الذي يهتم أساسا برفاه شعبه واستقراره لا ذاك الذي يحرص على الخضوع إلى مبادئ اقتصادية أو سياسيّة ثابتة لا تراعي حركة الواقع، بحيث أن الايديولوجيا، إذا كان لها من ضرورة، فإنها تمثّل وسيلة للمشروع التنموي لا غايته.

ثانيا: إن التطوّر والتنمية مسار مندرج في التاريخ. فلقد احتاجت أوروبا إلى قرون لكي تحقّق نهضتها اليوم. ومع ان التغييرات العالمية متلاحقة اليوم فإنه يلزم كثير من الوقت لكي تُجني ثمار إصلاح التعليم، وبناء مجتمع المعرفة، وبناء أقطاب تكنولوجية وصناعية وتطوير الإنتاج الفلاحي، والبحث عن أسواق جديدة، وجلب الاستثمارات، والاندماج في مجموعة اقتصادية إلخ... كلّ هذا يتطلّب منهجية في التعامل مع الواقع وهي منهجية اعتمدها بن علي في بناء عملية البناء والتحديث السياسي والاجتماعي لبلاده، سمتُها التدّرج والمرحليّة.

بعيدا عن العاصفة

أما الدرس الثالث فإنه يتّخذ أهمية قصوى في أيامنا هذه، وهو درس يقوم على أنه لا يكفي تحقيق التقدم والرفاه لشعب ما، بل يجب أيضا توفير السلم المدني والاستقرار له، ولا يمكن أن يثمِرَ مشروع البناء والتقدم ما لم يكن المجتمع في مأمن من الأزمات، وهذا ما حرص الرئيس بن علي على تحقيقه وهو يعمل على سدّ أبواب الفرقة واقتلاع كلّ جذور الأزمات الممكنة، ومن ضمنها القضاء على التيارات الظلامية التي تريد جرّ المجتمع إلى الوراء. ولم يقتصر الرئيس التونسي في مواجهة هذا الخطر الداهم، الذي كان يهدّد ما تحقّق من مكاسب للمجتمع التونسي بإيجاد الحلول الأمنية وتطبيق النصوص القانونية، إنما خاض معارك تنموية شاملة لاستئصال ما يمكن إن يكون بؤرا للتوتّر وللغضب الاجتماعي، فمن معركة التعليم إلى المعركة الاقتصادية والاجتماعية ومعركة غرس ثقافة التسامح و ثقافة الديمقراطية وقبول الاختلاف والتعدّد إلخ... معارك كان يجب أن تخاض خاصة أن الحركات الظلامية المتطرفة لم تكفّ عن محاولاتها النيل من النظام التونسي والتشويش عليه في معركة البناء والتحديث. ولعلّ آخر محاولاتها تلك، عملية الاعتداء عام 2002 على المعبد اليهودي بمدينة جربة التي تستقطب آلاف السياح الأجانب وتساهم في تنمية اقتصاد البلاد.

إننا عندما نتأمل ما تحقّق في تونس ونتأمل المخاطر التي تهدّد هذه الإنجازات، نفهم، كما يقول أنطوان صفير، لماذا كان البناء متدرّجا، وإنْ بدا بطيئا للبعض، ولماذا لم تقفز في المجهول السياسي الذي تُخاض فيه المغامرات بدون تقدير لمعطيات الواقع وتسْقط عليه التجارب إسقاطا دون اعتبار لخصوصياته ولإيقاع حركته التي يمكن أن تأخذها هذه التجارب المسقطة، كما هو الشأن في بعض حالات الدمقرطة الفوقية والخارجية لبعض الدول العربية، إلى قلب العاصفة إن لم نقل الفوضى...

رؤية للمستقبل

ويتوقّف الباحث اللبناني في الفصل الثالث والرابع عند الإنجازات الاجتماعية والاقتصادية البالغة الأهميّة والعميقة الأثر على التحوّلات التي تعرفها تونس على طريق الحداثة والبناء الديمقراطي، ليخلص إلى أن تونس التي تُبْني اليوم، هي قبل كلّ شيء ثمرة ونتاج رؤية واضحة إلى المستقبل، رؤية قيادة تثق في أن شعبها يمكن أن يحقق الكثير على طريق التقدّم، و ذلك باستنهاض مخزونه الحضاري الفكري والقيمي، وبتفعيل طاقاته وبتأهيلها لخوض كل تحديات المرحلة العالمية التي تشهد تحولات عسيرة ودامية، وإذا لم تدرك هذا بعض الأطراف الخارجية فما عليها إلا أن تلقي نظرة على المحيط الإفريقي والعربي لتونس لتعي أهميّة الخطوات التي قطعتها تونس من أجل الالتحاق بالدول الصاعدة بالرّغم من ندرة مواردها وثروتها الطبيعية، وشحّ الطبيعة عليها أحيانا، وهي خطوات لا تنفك الهيئات والمنظمات الدولية وعلى رأسها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي عن تثمينها، وذلك بالرّغم أيضا من التحديات التي تواجهها تونس، على المستوى العالمي، ومن ضمنها المنافسة الاقتصادية وتلك التي فتحها توسّع الاتحاد الأوروبي، ممّا حدا بتونس إلى البحث عن آفاق جديدة، ليس أقلها طرق أبواب الأسواق الأمريكية والآسيوية وأسواق أوروبا الشرقية وإلى اتخاذ العديد من المبادرات، ومن ضمنها الاندراج في اتفاقية شراكة 5+5.

ويخلص الباحث من استعراضه لهذين الفصلين إلى أن نجاعة النظام التربوي في تونس، وتوفر الرعاية الصحيّة لجميع مواطنيها، والانتقال بالمرأة من مرحلة القصور، التي عرفتها عهود ساحقة، إلى مرحلة الشراكة والمواطنة السياسية والاقتصادية هي من أهم مؤشرات التقدم التي حققتها تونس خلال ما يقارب العقدين الأخيرين، فضلا عن ارتفاع متوسط الدخل الفردي، ومتانة البنية التحتيّة وتوسّعها، وتطلع تونس إلى مجتمع المعرفة، مما يرسخ القاعدة الاجتماعية والاقتصادية لكل بناء ديمقراطي.

اختلاف المرجعيات

وإذا كانت هذه بعض ما حققته تونس في المجال السياسي والاقتصادي والاجتماعي، بقيادة الرئيس بن علي، فكيف نفسّر بعض الانتقادات، التي توجّهها إلى تونس، بعض أوساط اليسار الفرنسي والتي يعمل الباحث أنطوان صفير على تفكيكها والردّ عليها بنفس الروح التحليلية المنهجية؟

إن الخطأ الكبير الذي ترتكبه بعض الأوساط الغربية، وهي تتناول التجربة التونسية، هي أنها، كما يقول أنطوان صفير، تقيسها بمقياس تجارب دولها، وتنسى أن تونس بلد إفريقي، عربي، ذو موقع جيوستراتيجي مخصوص، وتاريخ وثقافة مخصوصين، وله لغته ودينه وله مشاكله الخاصة به، ولا يمكن لأحد أن يتعامى عن هذه المعطيات التي تكيّف واقع بلد، وتكيّف السياسة التي يدار بها، وبمعنى آخر إن المرجعيات الثقافية والحضارية، والمعطيات الموضوعية التي تحكم مسار التجربة التونسية وتطوّرها وخصوصيتها، تختلف عن المرجعيات التي تستند إليها التجارب التي تنطلق منها بعض الأصوات المترصدة للنظام التونسي، التي تغتنم فرص النجاحات التي تحققها تونس، سواء على الصعيد الداخلي أو الخارجي، لتوجه إليها بعض الانتقادات التي يردّ عليها الباحث بشكل منهجي وتحليلي دون أية نبْرة انفعالية أو سجال. وتتمحور جلّ هذه الانتقادات حول ما تسميه بعض هذه الأطراف بالخلل الديمقراطي وبعض انتهاكات حقوق الإنسان في تونس التي تعتبر أن بعض الحركة الاسلاموية المتطرقة أبرز ضحاياها. ولا يلجأ الباحث إلى أدبيات الخطاب الرسمي التونسي أو المقربين منه للردّ على هذه الانتقادات بل إنه يعمد إلى الأرقام والمؤشرات والتقارير الدوليّة المتابعة لواقع الحريات العامة في تونس، كما أنه يورد أجزاءًا ممّا جاء في تصريحات وحوارات بعض مرشحي المعارضة للانتخابات الرئاسية مثل مرشح حركة التجديد (الحزب الشيوعي سابقا) الذي اعتبر أن تقدمه للانتخابات الرئاسية في أكتوبر 2004 قد تمكن من رفع "تابو" المرشح الأوحد، كما مكّن حزبه من توجيه، بحرية كاملة، كل الانتقادات التي أراد توجيهها للسلطة.

ويعلق أنطوان صفير على هذا التصريح: قائلا: إن رفع "التابو" والتعبير بحرية عن أراء مخالفة موجهة للسلطة ما كان يمكن أن يحدثا لو لم يوجد من يجعل ذلك ممكنا، أي أن هذا الذي حدث، هو فعلا، علامة صحيّة على تقدم النظام التونسي على مسار البناء الديمقراطي، وعلى أن الإصلاح الدستوري الذي أقدم عليه الرئيس بن على عام 2002 قد وضع، فعلا، قواعد نظام ديمقراطي في طوار البناء، وقد صوّت جلّ التونسيين للرئيس بن علي لأنهم متأكدون، كما يقول مؤلف " تونس أرض المفارقات"، أن الرجل قد وفى بما وعد منذ صدور بيان السابع من نوفمبر ومنذ أن اجتمعت كل الأطراف السياسية والنقابية على الميثاق الوطني الذي مثّل، لا فقط فلسفة للتعايش وللوحدة الوطنيّة بل أيضا خطة عمل مستقبلية لكل مراحل تطوّر التجربة الديمقراطيّة في تونس.

ويضيف الباحث اللبناني المقيم في باريس: لقد تمكن الرئيس بن علي بكفاءاته أن يُفَعّلْ كلّ المؤسسات الدستورية والسياسية والأمنيّة من أجل أن لا تعصف الهزات بالأسس الأولى لنظام ديمقراطي لم سيكمل بناءه بعد، فلم تصرح القيادة السياسية في تونس يوما أن تجربتها الديمقراطية قد اكتملت، بل أنها تعرف، إلى ذلك، إن الطريق مازال طويلا، وأن هنالك حزب قوي هو حزب التجمع الديمقراطي الدستوري، الذي انضمت إليه منذ السابع من نوفمبر أعداد كبيرة، من النخبة السياسية والفكرية التونسيّة، يدعم الرئيس بن علي ويؤيد سياسته وأن ثروة حقيقية، هي الموارد البشرية من كفاءات شابة وقديرة، تراهن عليها القيادة السياسية لمواصلة مسيرة التقدم التي لم تكتمل بعد. ويتساءل أنطوان صفير وهل اكتملت مسيرة التقدم والنماء والعدالة الاجتماعية في أعرق ديمقراطيات العالم أي الولايات المتحدة حيث يعيش 35% من المواطنين الأمريكيين تحت عتبة الفقر؟ وهل يمكن الحديث عن ديمقراطية في بلد تتداول على سلطته أحزاب معارضة، مثل إيطاليا، ترتفع فيه مؤشرات الفساد إلى 4.8 % مقاربة بذلك بعض الدول العربية التي لا تملك حتى دستورا؟

ومن جهة أخرى يشير الباحث إلى تقرير الخارجية الأمريكية الصادر عام 2004 حول واقع الحريات العامة في تونس فيذكر الباحث أنّ هذا التقرير يشير إلى أنه لا توجد اغتيالات سياسية في تونس كما أنه لم تسجّل أية حالة اختفاء لمعارض سياسي تونسي كما هو الشأن في بعض دول العالم الثالث التي يغيّب فيها العديد من أفراد المعارضة ويصبح مصيرهم مجهولا. كما يشير إلى أنّ أغلبية المساجين السياسيين التونسيين هم من الإسلاميين المدانين بأعمال عنف وإرهاب، مؤكّدا أن من حق تونس ومن حق نظامها أن يحمي شعبه من العناصر التي تهدّد سلامته واستقراره، متسائلا هل يمكن السماح في فرنسا على سبيل المثال لحزب نازي أن ينشط؟ ثم كيف يمكن تفسير إيقاف عناصر منظمة بادر في أوروبا ومحاكمتهم، كذلك إيقاف ومحاكمة عناصر الأولوية الحمراء ان لم يكن الحرص على أمن واستقرار المجتمعات الأوروبية؟ فحركة "النهضة" التونسية، كانت تهدف مثل الألوية الحمراء وغيرها من المنظمات الإرهابية الناشطة في أوروبا، إلى القيام بعملية اغتيالات، وإرهاب، وقد قامت بذلك فعلا، وإلى قلب النظام التونسي المنتخب شعبيا لإقامة نظام يهدم كل مكتسبات دولة الاستقلال.

تنوّع التجارب الديمقراطية

ثم يطرح أنطوان صفير تساؤلا برسم هؤلاء الذين يحملون رؤية تسطيحية لحركة التاريخ من بعض ممثلي الإعلام الفرنسي خاصة المتحاملين على النظام التونسي، ربما لأسباب تخرج عن نطاق سياسة هذا النظام في الداخل: هل يعرف هؤلاء المتحاملون كيف تبنى الديمقراطيات؟ وفي جوابه على هذا التساؤل يضع رئيس تحرير "كرّاسات الشرق" تصنيفا للديمقراطيات، يضمّ الصنف الأوّل الديمقراطيات ذات التقاليد الراسخة التي نشأت قبل الحرب العالمية الثانية مثل الولايات المتحدة، فرنسا وبريطانيا والبلدان المرتبطة بها مثل كندا، أستراليا، نيوزيلاندا، ثم الديمقراطيات الناشئة بعد 1945 مثل اليابان، ألمانيا، كوريا الجنوبية. ثم لاحقا إيطاليا، واليونان وتركيا ولبنان....

ثم هناك المجموعة الثالثة من الدول المستعمرة سابقا والتي تحرّرت في أواخر الخمسينات والستينات مثل الدول الإفريقية، أو تلك التي كانت واقعة تحت الهيمنة الأمريكية مثل دول أمريكا اللاتينية ثم دول شرق أوروبا التي تحررّت في التسعينات من الهيمنة السوفياتية. ولقد اتبعت هذه الدول بطريقة أو بأخرى مسارها نحو الديمقراطية، وقد نجح بعضها مثل دول أوروبا الشرقية وبعضها واجه ويواجه ضغوطات داخلية وخارجية تعرقل مساره. وفيما يخصّ الدول العربية والإسلامية فإن الباحث يحيلنا إلى دراسة قامت بها Free Congress Fondation الأمريكية جاء فيها أن الأمريكيين يتقبلون كحقيقة إنجيلية، فكرة أنّ الديمقراطية هي أفضل نظام حكم ممكن. والواقع أنه عندما نتحدّث عن الدول العربية والإسلامية فإنه يجب أن نعتبر أن الديمقراطية هي أفضل نظام حكم ممكن حيث تتوفّر الظروف التي تسمح بنشأتها وبنائها.

ولا تبتعد هذه الظروف أو شروط إمكان نشأة الديمقراطية في هذه البلدان عن تلك التي أوجدتها في البلدان الغربية وأولاها وجود مجتمع متحرّر من كلّ أشكال العنف، خاصة منها أشكال العنف المنظّم التي يقودها متطرّفون سياسيون، ومتعصّبون دينيون، وعتاة مجرمون. أما الشرط الثاني فيتمثل في وجود مؤسسات تؤازر وتدعم الديمقراطية، مثل المؤسسات التربوية التي ترسّخ ثقافة الديمقراطية وقيمها والمؤسسات القانونية والقضائية التي تكافح الإجرام والعنف، والمؤسسات الإعلامية التي تقوم بدورها في الإعلام والتوعية، وأنظمة الحكم المحلّي التي توفّر ضرورات الحياة للمواطنين، والمؤسسة العسكرية التي تحمي سيادة البلاد إلخ.. أمّا ثاني الشروط فهو توفير حياة كريمة للمواطنين من خلال توفير النظام والأمن وأنظمة الصحة والتعليم، في حين يتعلّق الشرط الثالث بوجود نخبة سياسية وفكرية ومهنية تؤمن بالديمقراطية وتدعمها. ولقد تطلّب بناء الديمقراطية في الغرب – كما يقول أنطوان صفير – أكثر من قرنين ليعطي عمل هذه المؤسسات ثماره. بل إن دولاً مثل فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة احتاجت إلى أكثر من قرن كامل لكي تجعل من التعليم إجباريا، وإلى أكثر من قرن لتقيم نظاما برلمانيا تمثيليا متعدّدا، ولكي تحقّق نظاما قضائيا مستقلا. فهل نستكثر على النظام التونسي أقل من 20 عاما ليحقق ثورة تربوية أقام من خلالها نظاما تعليميا عصريا منفتحا على محيطه الاقتصادي والاجتماعي، إلى جانب تحقيق نسبة التمدرس قاربت 99%، وإقامة تعددية برلمانيّة وبلوغ نسبة 5% نموّ، بالرغم من كلّ السياقات والظروف الدولية الصعبة كارتفاع أسعار البترول وغيرها؟

إن الذين يسميّهم المؤلّف المصطادين في الماء العكر يتجاهلون عامل الزمن، وإلاّ كيف يتجاهلون المساحة الزمنية التي تفصل بين الديمقراطية في فرنسا وتلك التي تبنى الآن في تونس؟..

وإذا ما صحت مزاعم المتحاملين على تونس بأن نظامها أتوقراطي، فكيف نسمّي بناة دول ناهضة مثل تايوان وكوريا الجنوبية وتركيا والمكسيك وبوتسوانا، وسنغافورة، وتركيا الكمالية التي ألهمت تجربتها الزعيم بورقيبة.. ألم يحتج هؤلاء البناء إلى نوع من الشدّة والصرامة لبناء مجتمعاتهم وحمايتها من كل الهزات والأزمات الاجتماعية.

أعداد التقدم

ومن جهة أخرى يتطّرق مؤلف "تونس أرض المفارقات" إلى نوع آخر من الانتقادات التي توجهها بعض المنظمات الدولية مثل منظمة العفو الدولية التي تتّهم النظام التونسي بكبحها حرية التعبير. ويتساءل الباحث اللبناني أي حرية تعبير يقوم النظام التونسي بكبحها؟ أفليس من حق النظام التونسي أن يحمي شعبه من أفكار الظلاميين والمتطرفين الذين يجعلون من الدين أداة سياسية لإقامة نظام شمولي يفرض رؤية أحادية للدين، ويقصي الاختلاف والتعدّد ويستبعد الرؤية المنفتحة للإسلام القائمة على التسامح واحترام الآخر؟

ويوضح أنطوان صفير أنّ الرئيس بن علي، عندما تولّى السلطة عام 1987 أفرغ سجون تونس من المساجين السياسيين وعلى رأسهم الإسلاميين وذلك بهدف فتح صفحة جديدة من المصالحة الوطنية، ولكن الإسلاميين لم يقبلوا قواعد اللعبة السياسية التي وضعها قانون الأحزاب في تونس والتي تقوم على منع قيام أحزاب سياسية على أساس ديني أو عرقي وذلك منعا لكلّ تلاعب في استغلال الدّين لتحقيق أغراض سياسية. ثم إنّ الإسلاميين قد عمدوا إلى العنف والإرهاب وعمليات الاعتداء التي ذهب ضحيتها أبرياء من أبناء الشعب التونسي البسطاء.. أفلا يكون من واجب النظام عندها أن يحمي شعبه من مثل هذه الأعمال؟... ألم يحارب النظام التونسي المتطرّقين، كما جاء في العديد من خطب الرئيس بن علي وحوارا ته الصحفية، لأنهم يمثلون أعداء الديمقراطية والحرية والتقدم ولأنهم يسيئون إلى الإسلام ويشوّهون صورته في الوقت الذي سمح فيه بالظهور لأحزاب ذات برامج واضحة وموقعة على الميثاق الوطني؟...

وعودة إلى حرية التعبير، يلفت أنطوان صفير النظر إلى صدور العديد من صحف المعارضة وعلى رأسها صحيفة الموقف التي لا تنفك الدولة التونسية تدعمها بالرّغم من كل الانتقادات التي توجّهها هذه الصحيفة إلى النظام التونسي، بحيث أن القضية ليست تضييق حرية التعبير بقدر ما هي مكافحة أصوات تهدم ولا تبني وتسيء إلى مجتمعها وتدعوه إلى حمّام دم، تنتصر فيه أصوات الظلام على أصوات الحكمة والحداثة، وأصوات الماضي في وجهه المقيت لا وجهه المضيء، على أصوات المستقبل.

صيرورة دائمة

ولا يوجد في الواقع، كما يؤكد أنطوان صفير، خيار آخر أمام رئيس يعرف أنه لا يمكن أن يضع سفينة بلاده في قلب العاصفة سوى المسك بزمام مقودها وتجنيبها كل ما يمكن أن يقودها إلى الهلاك.... إن الدول الأوروبية ذات المؤسسات العريقة يمكن أن تتجاوز أو تحتمل العاصفة ولكن بلدا حديثا في نشأة مؤسّساته يقدم على مخاطرة كبيرة لو قبل مثل هذا الرهان الخطر، باسم حرية التعبير، يؤكد أنطوان صفير - لايمكن إن تحكم على بلد صاعد مثل تونس بمقياس الديمقراطيات الأوروبية التي تستند إلى قرنين من تجارب النجاح والفشل أيضا في البناء الديمقراطي. بحيث يمكن القول، كما يخلص الباحث، إن الديمقراطية من حيث هي حرية مطلقة تمثل ترَفا لا يمكن أن تعيشه أغلب دول العالم، دون أن تحسم العديد من القضايا الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأمنية. ولقد نجحت تونس في حل العديد من معضلات الاقتصاد وتوفير الخدمات الصحية والتعليمية والبنى التحتية لمواطنيها، وفي توفير الضمانات السياسية لترسيخ حقوق الإنسان، والعدالة والمساواة. وكل هذا يوصلنا إلى أن الديمقراطية في تونس تبنى كل يوم، وهي في صيرورة دائمة وسط مصاعب عدّة ومناخ إقليمي ودولي صعب، ولكن الرئيس بن علي وعد بتحقيق الديمقراطية، وها هو بصدد إنجازها مرحليا، وبالنهج التونسي، بعيدا عن كل لبوس المركزية الأوروبية التي تريد بعض الأوساط الغربية أن تلبسها إيّاه دون مراعاة لتاريخ شعبها وثقافته، وتطلعاته وظروفه المخصوصة وهذا عين المفارقة الحقيقية: أن تحاصرك صعوبات الولادة، ولكنك تسيطر على مخاضك ليجيء الميلاد، ويكون المولود أصيلا صحيحا معافى، لا هجينا ممسوخًا.

وبنظرة المحلل، العميق النظرة، والباحث غير المنحاز كانت مقاربة صاحب "تونس أرض المفارقات"، لعملية المخاض هذه التي انجزت تونس الحديثة، المنفتحة المتطلعة إلى مستقبل أفضل.

طباعة >> | إغلاق النافذة >>


afkar@afkaronline.org