لا
خيار للعرب سوى الاستثمار في المعرفة
بقلم
جميل شاكر
أستاذ تعليم عال جامعة تونس
كيف
يمكن للعالم العربي أن يرفع التحديّات الخطيرة التي
يواجهها اليوم وغدا؟
بعد سقوط أقنعة الإيديولوجيات
الزائفة والأسلحة المحضورة، لم يعد أمام العرب إلا خيار
واحد: اكتساب المناعة المستديمة.
لقد ثبت بكل وضوح أنّ
الثروات الماديّة التي يكتنزها العالم العربي جعلت منه
محطّ كل الأنظار والأطماع. فأصبح يشكّل رهانا إستراتيجيا
تتصارع حوله أقوى الأمم
و التجمعات في العالم.
لذلك لابدّ للعرب أن
يفرزوا أرضيّة إصلاحية مشتركة تكون وفاقية حتّى وإن
اختلفت درجات هذا الإجماع.
ما هي أسس هذا المشروع
المجتمعي؟
الإصلاح يبدأ بالتربية
وبالتركيز على الموارد البشرية.فإن اتفق العرب على استراتيجيّة
تربويّة وعلميّة مشتركة، على غرار السياسات المتّبعة
في البلدان الأكثر تقدّما في العالم، استطاعوا اكتساب
المناعة الحقيقية التي يفتقدون إليها الآن.
فالاتحاد الأوروبي ينبني
أساسا على سياسات متناغمة في التربية والتعليم العالي
و البحث العلمي . وهو يرمي إلى اقتلاع الريادة في التجديد
التكنولوجي في حدود 2010 وذلك بأن يخصّص كل بلد عضو
%3 من ناتجه الوطني الإجمالي إلى البحث العلمي.
كما يعمل الاتحاد الأوروبي
على إحداث فضاء متكامل ومنسجم لأنظمة التعليم العالي،
تجسيما لمسار بولونيا. ويتعيّن على العالم العربي أن
ينخرط في هذا السياق، الذي تمليه العولمة وضرورة حركيّة
الطلبة والباحثين. وبالتالي على الدول العربية التنسيق
بينها لضبط إستراتيجية جديدة تقوم على مرحليّة واضحة
وميزانية معيّنة وهاجس الشراكة والتموقع بالنسبة لأهم
المؤشرات العالمية في ميداني التربية و التجديد التكنولوجي.
من هذه المؤشرات نسبة
التمدرس في التعليم العالي للفئة العمريّة 19 - 24 سنة
ونسبة تشغيلية الشهادات ونسبة حاملي شهادات العلوم و
الهندسة.
وقد قطعت تونس أشواطا
عملاقة في هذا الميدان قرّبتها من مؤشرات الدول الأكثر
تقدما
و أهّلتها للحاق بهذه المجتمعات في السنوات القليلة
القادمة.
فقد بلغ الإنفاق على
البحث العلمي سنة 2004، 1% من الناتج القومي وهي نسبة
هامة إذا اعتبرنا أنّها تأتي أساسا من الدولة. وسيدعّم
الخواص هذا المجهود في السنوات القادمة ليبلغ معدل ما
تخصصه الدول المتقدمة
كما أن السياسة التربويّة
التونسية ساعدت على تحرير المرأة وعلى إدماجها في الحياة
الاقتصادية والسياسية وقد بلغت نسبة الفتيات في التعليم
العالي 56.5% من مجموع الطلبة، وهي من أعلى النسب في
العالم.
كما حرص التعليم العالي
التونسي على تعديل منظومة الإحصائيّة لتيسّر المقارنات
مع المجتمعات الأكثر تقدما واعتمد التصنيف الدولي الموحّد
للتعليم واعتمدت منذ 2002 مؤشرات الاتحاد الأوروبي في
مجال التجديد التكنولوجي. كما تعمل الحكومة التونسيّة
الآن على فتح الجامعة على المحيط الاجتماعي و الاقتصادي
حتّى تشعّ وتكون قاطرة المعرفة للجميع. وفي هذا السياق
أحدثت الأقطاب التكنولوجيّة ومحاضن المؤسسات وغرست في
أذهان الطلبة عقليّة جديدة: أن يكون حامل شهادة التعليم
العالي باعثا لمؤسسة وليس طالب شغل فقط.
هذه هي الثورة الحقيقيّة
التي، إن عمّمت في العالم العربي، ستحدث التحوّل السليم
وستكسب شعوبنا المناعة و الرّخاء.
تبقى مضامين التربية.
إذ لا دخول إلى الحداثة بدون فكر نقدي متطوّر يقبل التحاور
وينبذ التعصّب والانغلاق والكراهيّة.هذا البناء النقدي
يجب أن يكون العمود الفقري لكلّ سياسة تربويّة، لأنّه
سيصقل عقلا عربيا جديدا في نطاق الشراكة والانفتاح،
منسجما مع رسالة الإسلام الذي جعل من الاجتهاد ركيزة
من ركائز الأمّة الحيّة.