التحديث في التعليم... تونس أنموذجا

د.عبد السلام دمّق
جامعي - حقوقي - تونس

إن المتأمل في تاريخ تونس، ماضيا وحاضرا، يعرف أنها كانت دائما سباقة إلى الإصلاح والتحديث. فعلى الدوام، ومنذ عهد قرطاج، كانت تونس تقدّم إشارات ودلالات تبرّر التفاؤل بتجربة تحديث استثنائية. وفعلا أرست تقاليد عريقة في الحداثة في شتّى المجالات، بما في ذلك في مجال التعليم. ولنا أن نتساءل اليوم عن مرجعية فكرة تحديث التعليم في تونس؟ وما هي الفترات التي تمّ فيها تكريس التحديث في التعليم؟ وما هي خصائص التجربة التحديثية التونسية في مجال التعليم في عهد التغيير، عهد التنوير والإصلاح والتطوير ؟

I ـ مرجعية تحديث التعليم في تونس

إن تحديث التعليم في تونس ليس مسألة حديثة، بل إنها ضاربة في قدم هذه الربوع. لنبدأ من البداية. فقد احتلّ التعليم في قرطاج، منذ تأسيسها سنة 814 ق م، مكانة متميزة. ولأن اللغة كانت وسيلة إشعاع، فقد ساهمت في نشر ما أنجز في قرطاج آنذاك في شتّى المجالات، لذلك أحدثت مؤسسات تعنى بتعليم اللغة. كما أن الأسر القرطاجية اهتمّت بتعليم أبنائها. فكان التعليم متينا، أي متطوّرا، لنقلْ كان في ذلك الوقت حديثا.

وفعلا فقد تلقّى حنبعل واخوته تكوينا متكاملا ومتفتّحا على الثقافات الأخرى وخاصة اليونانية. وعندما وصل إلى الحكم سنة 196 ق م، بادر حنبعل بتعزيز الإصلاح والتحديث في شتّى المجالات، بما فيها الحياة السياسية. فلا غرابة في أن تكون تونس في الصدارة في وضع دستور مكتوب في تاريخ الإنسانية. "فدستور قرطاج"، هذا الدستور الذي وضع منذ حوالي ألفين وخمسمائة سنة، يقف شاهدا أمام تجذّر المرجعية التحديثية في تونس. بالإضافة إلى أنه نظّم الحكم بصورة متطورة، ووزّع المسؤوليات بشكل مؤسساتي على غاية من الحكمة، فقد كان دستور قرطاج يتّصف بالسمو على غيره من الدساتير "لأن نظام الحكم فيه يثبت أنه منظّم بطريقة منسجمة متناسقة"، وهذا رأي أرسطو الذي قارن بين كل دساتير زمانه وعددها مائة وثمانية وخمسون (158) دستورا، وخلص إلى القول بأن دستور قرطاج كان الأفضل، وهو ما يؤكّد أهمية التحديث، والإصلاح في تونس. فلأن قرطاج بوّأت العلم واللغة المكانة اللائقة بهما، فقد أثمر هذا التحديث في التعليم، تحديثا في الحياة السياسية، وكذلك الثقافية، والاجتماعية في العهد القرطاجني.

هذا المد الإصلاحي والتحديثي في التعليم تواصل في تونس الرومانية حتى انتشر في كل المدن. وقد بقيت قرطاج في العهد الروماني العاصمة الفكرية والثقافية، التي تؤمّن تعليما حديثا ومتطورا. وكانت بها جامعة يؤمها الطلبة من كل الولايات الإفريقية. وقد كانت الدروس التي تؤمنها جامعة قرطاج تتسم بالثراء والتنوع والتفتح، بما جعل مكانة الأساتذة بارزة في العهد الروماني، فضلا على أن أجورهم كانت من أرفع الأجور آنذاك.

وكان أثر الحضارة اليونانية بارزا في المجال التعليمي، فكرست في التعليم فكرة "البيداغوجيا" Paideia في تصوّرها اليوناني.كما كان التعليم يقدم إلى طلاب مزدوجي اللسان في الغالب، يحذقون اللغتين اليونانية واللاتينية، لذلك تراهم يحضرون دروس أستاذين (يوناني ولاتيني) في الوقت نفسه. وقد كان التعليم يؤمّن على مرحلتين، مرحلة التعليم الثانوي وهي المرحلة الأولى التي تفضي إلى المستوى العالي والذي تطغى عليه الخطابة

ومع دخول الإسلام في القرن السابع الميلادي، أحدثت تغييرات جوهرية في مجال العلم والتعليم في تونس العربية الإسلامية. فكان من نصيب تونس الإسلامية أن قدمت للعالم آنذاك حشدا من المفكرين والأعلام الذين تبنّوا قضية التنوير بوصفها وجها من وجوه المسعى التحديثي. ومرّ التعليم بعدة مراحل، وقد ظهر التحديث في التعليم خاصة في عهد إبراهيم الثاني الأغلبي. فقد بنى "بيت الحكمة" برقادة في القيروان. هذا البيت كان فضاء لتعليم العلم الحديث والمتطور كالطب، والصيدلة، والكيمياء، والفلسفة... ثم ظهرت "المدارس" في العهد الحفصي وتكاثرت في أهم المدن التونسية كتونس والقيروان.

وفي حديثنا عن التحديث في التعليم، فإنه لا يمكن أن ننسى دور جامع الزيتونة في جميع مراحل التعليم، فهو أقدم جامعة إسلامية على الإطلاق يعود تأسيسها إلى سنة 116 هجرية. وقد ظلت هذه الجامعة منذ ذلك التاريخ منارة مضيئة تشعّ بعلمها، وفكرها على المنطقة، وتسهم بأعلامها في مسيرة التحديث التعليمي، والتطور المعرفي، فأعطت للعالم مفكرين كالإمام ابن عرفة، والعلاّمة ابن خلدون.

ثم ظهرت حركة الإصلاح والتنوير في تونس في القرن التاسع عشر، والتي كان يقودها آنذاك المصلحون خير الدين التونسي ومحمد بيرم الخامس، وأحمد ابن أبي ضياف وغيرهم. وكانت حركة التحديث في تونس آنذاك تستجمع العزم على استنهاض خير ما في تراثها التنويري من تطلعات وأفكار. وقد تمثّلت الحركة الإصلاحية أساسا فيما اتّخذ من عديد التدابير قصد إرساء نظرية الدولة الحديثة المؤسّسة على مرجعية دستورية. فصدر قانون عهد الأمان في 10 سبتمبر 1857. وقد أثمر هذا العهد، بعد أربع سنوات، أول دستور عربي وإفريقي مكتوب بالمعنى الحديث، هو دستور 26 أفريل 1860، والذي كرّس الأفكار الإصلاحية والتنويرية آنذاك. وكنتيجة لهذه الإصلاحات السياسية، ولهذا التحرر الفكري لمصلحي ذلك الوقت، تطور التعليم آنذاك، فأدخل كل من أحمد باي والصادق باي ومن قبلهما حسين بن علي، إصلاحات هامة على برامج التعليم الزيتوني. وقد ارتبط الإصلاح الأكبر في مجال التعليم العالي خاصة باسم الوزير خير الدين التونسي. وبذلك اتسم القرن التاسع عشر وخاصة في منتصفه بالتحديث، والإصلاح في التعليم العالي، فظهرت أولى محاولات الانفتاح على المعارف العصرية المتقدمة على يدي أحمد باي الذي بعث مدرسة التقنيات سنة 1840 والمدرسة الحربية بباردو في أواخر 1855.

كما أن من أهم مظاهر التحديث في التعليم بعث المدرسة الصادقية سنة 1875. هذه المدرسة التي وضعت برامج عصرية، متفتحة على العالم، وطرق تدريس ثرية، متنوعة، وحديثة، شأنها شأن البلدان المتقدمة آنذاك. فالتونسي كان ولا يزال متلهفا على مزاولة التعليم الحديث، وهو ما يفسّر تأسيس المدرسة الخلدونية في عهد الحماية (سنة 1896)، والتي تمثّل الجناح العصري للتعليم الزيتوني، وهي ظاهرة أقلقت السلط الفرنسية آنذاك، فتراجع مستوى التعليم نتيجة السياسة الاستعمارية. ولم يبدأ التعليم يتطور إلا في سنة 1945 عندما أنشئ أول معهد للدراسات العليا، والذي يعتبر أول خلية للجامعة التونسية الحديثة.

ثمّ تواصل المد الإصلاحي والتعلق بفكرة التحديث في التعليم والإصلاح مع الاستقلال. فمنذ سنة 1956، بادرت تونس المستقلة بإصلاح التعليم وتطويره. وقد أرسى الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة نظاما كانت عقلانيته امتدادا مباشرا لاعتدال وعقلانية مشروع التنوير. فلا أحد يشك في مزايا إصلاح التعليم وتطويره بُعيْد الاستقلال، حتى أن كلمة "التعليم" وردت في توطئة أول دستور لتونس المستقلة. فقد جاء في ديباجة دستور 1 جوان 1959 "أن النظام الجمهوري خير كفيل لحقوق الإنسان وإقرار المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات... وأنجع أداة لرعاية الأسرة وحق المواطنين في العمل والصحة والتعليم". فكان قانون 1958 بمثابة الانطلاقة لثورة علمية حديثة في مجال التعليم. فجاء هذا القانون الإصلاحي ليرسي عدة مبادئ تحديثية، أهمها توحيد التعليم في مختلف مراحله، وجعله متلائما مع واقع البلاد، وحاجياتها، ومسايرا لتطور العالم الحديث. وتواصل هذا المنهج الإصلاحي من خلال نشر التعليم، أفقيا وعموديا.

كما برزت تونس المستقلة آنذاك بتكريس مبدأ إجبارية التعليم ومبدأ مجانيته كما أدخلت عدة مواد هامة، كان هدفها آنذاك الإصلاح والتحديث.. إصلاح الفكر من خلال تدريس اللغات، وبعث مواد علمية مثل التاريخ، والفلسفة والتي كانت تدرس في جامع الزيتونة، وكذلك في المعاهد والكليات. وتدريب الفكر على الجرأة على النقد، وعلى حرية المبادرة، مما أثمر تعليما عقلانيا.

II - التحديث في التعليم قناعة راسخة

"إن المعرفة هي مفتاح النجاح، ولا تحقيق لطموحات تونس إلاّ بالاستثمار فيها. وإنّ إرادتي للارتقاء بتونس إلى درجة أرفع تنبع من طموحي إلى تكريس مجتمع المعلومات والمعارف".

لقد تدعّم هذا المنهج الإصلاحي الذي عبّر عنه الرئيس بن علي في أحد خطبه وتعزّز بشكل ملفت للانتباه مع التحول السياسي المؤرخ في 7 نوفمبر 1987. وبوصفه رائد تنوير وتحديث، كرّس الرئيس بن علي التحديث في التعليم بصفة جلية، وظاهرة للعيان. فمنذ السنوات الأولى للتحول، وتحديدا منذ بداية التسعينات من القرن الماضي تمّ إصلاح النظام التربوي لتمكين الناشئة منذ حداثة عهدها بالحياة من التفتح على الحداثة والحضارة الإنسانية، وتدعّم هذا المنهج بعدة إجراءات جاءت داعمة لإجبارية التعليم ومجانيته، حتى أن السياسة التي انتهجتها تونس منذ بداية التحول السياسي لسنة 1987 لضمان الحق في التعليم، تتجاوز ما جاءت به المواثيق الدولية في الغرض. ففي مجال التعليم، هذا الحق المقدّس في تونس، نصت القوانين التونسية (قانون 1991 ثم قانون 2002) على أن الدولة تضمن حق التعليم مجانا لكل الذين هم في سن الدراسة، وتوفّر لجميع التلاميذ فرصا متكافئة للتمتع بهذا الحق (الفصل 4 من قانون 2002). في حين نجد أن الفقرة الثانية من المادة 28 من الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل تكتفي بجعل المجانية مقتصرة على التعليم الابتدائي. ولم يوسّعها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان إلا إلى التعليم الأساسي (الفقرة الأولى من المادة 26). فلا غرابة في أن يبلغ عدد التلاميذ اليوم مليونين و300 ألف: مليون و300 ألف تلميذ يؤمون المدارس الأساسية، ومليون تلميذ بالمعاهد الثانوية. أما في ما يتعلق بالإلزامية فقد أوجبها المشرع التونسي من "سن السادسة إلى سن السادسة عشرة". وفي المقابل فقد اكتفت المنظومة الدولية بحصر هذه الإجبارية في التعليم الابتدائي، أي من سن السادسة إلى سن الثانية عشرة.. هذه إضافة من جملة الإضافات التونسية للمنظومة الدولية لحقوق الإنسان تجلت هذه المرة في الحق في التعلم، الذي جعل منه الرئيس بن علي حقا أساسيا، مضمونا لكل التونسيين، لا تمييز فيه على أساس الجنس، أو الأصل الاجتماعي، أو اللون، أو الدين. فالرئيس بن علي رجل الإصلاحات الكبرى أراد أن يكون التعليم متفتحا على الحداثة، يستلهم المثل الإنسانية العليا، والمبادئ الكونية في الحرية، والديمقراطية، والعدالة الاجتماعية، وحقوق الإنسان. وهذا هام، فبالإضافة إلى تمكين المتعلم التونسي من حق بناء ونحت شخصيته على النحو الذي يذكي فيه ملكة النقد والإرادة الفاعلة لينشأ على التبصر في الحكم، والثقة بالنفس، وروح المبادرة، والإبداع، والطموح إلى التفوق والتألق، يقوم التعليم في تونس منذ التحول السياسي لسنة 1987 على عدة قيم تنعقد على تثمين العلم، والعمل، والتضامن، والتسامح، والاعتدال، والتفتح، والتحديث.

كما وفرت تونس الحديثة مبادئ الإنصاف وتكافؤ الفرص لكل الأطفال دون استثناء، بل إن طموحنا في التعليم اليوم هو الشعار التالي: "من تكافؤ فرص التمدرس إلى تكافؤ فرص النجاح"، وتحقيق فرص النجاح لكل أطفالنا هو طموح مشروع، وهنا تتجلى مظاهر الإصلاح في التعليم منذ أول مراحله في أبهى صورة.

لقد حبا الرئيس بن علي قطاع التعليم العالي بعناية خاصة، لقناعته الراسخة بأنه يلعب دورا أساسيا في التنمية الاقتصادية وازدهار البلاد وتطورها ، فضلا على أن الجامعة التونسية مسؤولة اليوم عن إعداد الكفاءات الفنية العالية، وإشاعة السلوك العلمي والتفكير المنطقي وخاصة ملاحقة التطور والتغيير الذي هو سمة هذا العصر. وفي هذا السياق يقول الرئيس بن علي "إننا نقبل على عالم تتطوّر فيه المعارف والتقنيات بصورة مذهلة. ومن الواجب علينا تطوير منظومتنا التربوية حتى تكون قادرة على مواكبة التقدّم، بل استباقه، وحتى يتمكن خرّيجو جامعتنا من الانخراط في عالم الغد". فتتالت الإصلاحات في المجال، فصدر قانون جويلية 1989 ليكرس هذه الخيارات، وليثمن دور الجامعة في ربط برامجها وأهدافها بمخططات البلاد الاجتماعية والاقتصادية والتفتح أكثر على محيطها. وتدعّم ذلك عندما أحدثت جامعات في كل الجهات، وتعزّز عندما تمّ اتخاذ جملة من الإجراءات سنوات 2000 و2002 تهدف في مجملها إلى تدعيم مشمولات الجامعة وتمكينها من المرونة اللازمة في التصرف وإعطائها قسطا أكبر من الاستقلالية، فكرست اللامركزية تطبيقا لبرنامج إصلاح التعليم العالي حتى يعطي التحديث والإصلاح النتائج المرجوّة، وحتى يمكن للجامعة التونسية استيعاب هذا الكم الهائل من الطلبة والذي من المتوقع أن يبلغ عددهم في بداية السنة الجامعية 2004/2005 حوالي 340 ألف طالب من مجموع سكان تونس البالغ زهاء 10 ملايين نسمة. هذا العدد الهائل من الطلبة هو نتاج سياسة تنويرية واضحة، انتهجتها تونس منذ سنة 1987، بأن مكنت طلبة العلم من حقهم في التعلم. فالرئيس بن علي مكّن لكل حامل شهادة البكالوريا من حق الالتحاق بالجامعة ليدرس مجانا، حيث قال: "وقد آلينا على أنفسنا أن نوفر في الجامعة مقعدا لكل حامل لشهادة البكالوريا...".

وفعلا وتجسيما لسياسة التحديث والإصلاح في هذا القطاع، سلكت تونس سبيل الاستثمار في المعرفة باعتبار أنه السبيل الوحيد نحو تحقيق الامتياز والتألق، فالذكاء هو الثروة القادرة وحدها على مجابهة متطلبات عالم سريع التطور. فراهنت تونس على العنصر البشري حتى يكون مؤهلا لكسب التحديات المستقبلية. فطُبقَ مبدأ "التعليم مدى الحياة". فمن مقومات الاستثمار في المعرفة تكريس مبدأ التعلم مدى الحياة، وكنتيجة لذلك فتحت الجامعة أبوابها منذ سنة 2000 إلى الطلبة المنقطعين عن الدراسة والذين استوفوا حقهم في التسجيل، أو ما يعبّر عنهم "بالمخرطشين" وذلك تطبيقا لما أعلنه الرئيس بن علي بمناسبة يوم العلم في 20 جويلية 2000. وهذا القرار الإصلاحي لقي صدى كبيرا لدى الطلبة ولدى الرأي العام، وهكذا لم تعد الجامعة في عهد التنوير هذا موقعا للانتقاء، والإقصاء، بل أصبحت ملتقى للعلم وللمعرفة تفتح الآفاق واسعة أمام التونسيين، لمواصلة تعلمهم. وهو ما أكد عليه الرئيس بن علي حين قال: "وسأعمل على توفير الفرصة لكل مواطن حتى يتمكّن من استعمال كل الوسائل التي تتيح له التعلم المتواصل، في موقع عمله
أو خارجه لإثراء معارفه والارتقاء مهنيّا، أو لاكتساب مهارات جديدة، أو للانتقال إلى مهنة أخرى". فالإصلاح في تونس الحديثة يكمن كذلك عندما توفر الدولة لطالب العلم أكثر من فرصة للنجاح وللتألق، حتى يساهم في تقدم بلاده وتألقها. وقد أعطت هذه السياسة نتائج ممتازة، ناهيك أن لبرنامج عودة "المخرطشين" أثرا كبيرا في إحداث نقلة نوعية، فضلا على أنه غيّر مفهوم التعليم التقليدي في الجامعة. فمن نتائج الإصلاح والتحديث في التعليم العالي أن النظام الجامعي أصبح يواكب مؤهلات كل طالب وميولاته، ويفتح لكل طالب مسلكا مناسبا يخول له الحصول على شهادة تؤهله لعمل يستجيب لقدراته ويرضي طموحاته. فتونس بحاجة إلى كل أبنائها، وبناتها من طالبي العلم. لذلك راهنت على قطاع التعليم العالي حتى يكون العنصر البشري مؤهلا لكسب التحديات المستقبلية، وحتى يواكب أبناؤنا التقدم والحداثة.

كما رُفع في تونس التنوير شعار "صفر ضياع في الجامعة"، فبعد أن كانت نسبة التخلّي أو الإخفاق تساوي صفرا بالنسبة للطلبة المهندسين، عُمّم هذا الإجراء على كل الطلبة، حيث بات بإمكان الطالب الذي استوفى حقه في التسجيل في الجامعة ولا يرغب في مواصلة التعليم الجامعي، المشاركة في إحدى دورات التكوين التكميلي ضمن اختصاصات ذات قدرة تشغيلية، تنظمها مؤسسات التعليم العالي بالتنسيق مع الصندوق الوطني للتشغيل 21/21. لكل هذه الاعتبارات خصصت الدولة اعتمادات هامة لقطاع التعليم العالي قدّرت سنة 2004 بـ (695.162 مليون دينار)، وذلك قصد كسب رهان الكم والكيف. فمن ناحية الكم ورغم أن الجامعة التونسية تستعد لاستقبال ما يناهز 25 ألف طالب إضافي كل سنة، فقد أرادت تونس ـ وهذا ليس بغريب على بلد الإصلاحات ـ أن ينتفع بهذه الإصلاحات والانجازات، وبهذا الحق الجوهري لحقوق الإنسان، أي الحق في التعليم، لكل أبنائها. وهذا هام، خاصة إذا علمنا أن هذا النسق المتسارع سيتواصل طوال السنوات القادمة لتصبح تونس في نهاية هذا العقد بلدا يتسع لما يفوق 500 ألف طالب لترتقي بنسبة الالتحاق بالتعليم العالي من 22% إلى 43% سنة 2010 أي أن حوالي نصف شباب تونس ممن تتراوح أعمارهم بين 19 و24 سنة سوف يمرون بالجامعة، لتصل تونس إلى معدلات المجتمعات الأكثر تقدما.

أما عن رهان الكيف فإن الهدف الأساسي من التعليم العالي هو تكوين كفاءات ومهارات وإطارات تكون قادرة على مسايرة واقع اليوم وقادرة على التفاعل مع متطلبات الحداثة المتجددة وخصوصيات القرن 21. ولذا وجب إصلاح الجانب البيداغوجي في التعليم العالي إلى مستوى يجعل الشباب قادرا على المنافسة، ورفع التحديات، وعلى الابتكار، والاختراع، وتطوير التكنولوجيا، واستغلال مختلف الآليات لبعث مشاريع واعدة ذات قيمة عالية. فمواكبة التقدم، أو لنقل استباقه، يفرض تطوير المنظومة البيداغوجية، وهو ما تم فعلا، حيث تم تحديث وإصلاح العديد من أنظمة الدراسات حتى تكون ملائمة ومواكبة للتطورات التكنولوجية، والعلمية، والاقتصادية، والثقافية، والاجتماعية. وقد شمل إحداث وإصلاح أنظمة الدراسات عديد المستويات منها المرحلة الأولى والثانية، ومنها الماجستير المتخصص، والماجستير، ودراسات الدكتوراه.

هذه الإصلاحات في التعليم العالي تدعّمت عندما تمّ تحديث تسميات الشهادات الوطنية التي تسندها مؤسسات التعليم العالي والبحث "حتى تنسجم مع السياق العالمي وتيسّر الانتقال لغرض التعليم أو الشغل" (خطاب الرئيس بن علي بمناسبة يوم العلم بتاريخ 16 جويلية 2001). وهذا هام، فالتحديث يفترض إشعاع منظومتنا التعليمية. كما يفترض تفاعلها الإيجابي مع المنظومات التعليمية العالمية المتجدّدة. وتتواصل مبادرات التحديث من خلال إحداث جوائز وأوسمة، فأصبحت الجامعات التونسية تسند منذ سنة 2001 شهادة "الدكتوراه الفخرية" كوسام فخري لشخصيات علمية، تتوفر فيهم شروط الكفاءة العالية، والخبرة المتميزة، والمساهمة المؤثرة في مجال العلم والمعرفة، والإصلاح والتحديث في قطاع التعليم العالي. والهدف من إحداث هذه الجوائز والأوسمة هو إشعاع صورة تونس على المستوى الخارجي، خاصة على مستوى التحديث، وتحقيق انخراط الجامعة التونسية في المسار المعرفي العالمي.

III- تحديث التعليم العالي.. خدمة لاقتصاد البلاد

إن التحديث في تونس اليوم ليس لغاية التحديث. فالتحديث، والتطوير، والإصلاح، ليست عبارات وشعارات ترفع، بل إن تحديث التعليم العالي، هو تحديث مدروس... مركّز... تحديث في خدمة اقتصاد الوطن. هو إذا تحديث إيجابي... تحديث يعطي نتائج ملموسة... تحديث موجّه إلى سوق الشغل، فالحق في الحصول على موطن شغل هو حق من حقوق الإنسان، وهو محرك كل الحقوق الأخرى، فهو أحد أهم مقومات المواطنة الحق، وشرط أساسي للمشاركة في عملية التقدم الاجتماعي. فالتحديث في الجامعة التونسية اليوم موجه إلى سوق الشغل حتى يستطيع الطالب في تونس الحديثة أن يجد أو يوجد شغلا.

إن الإصلاح والتحديث في التعليم العالي هو أن يواكب توجه الدولة الجديد. فالتوجه الحديث ليس توفير الشغل فقط، وإنما أيضا تعزيز قدرات الفرد على إيجاد شغل بنفسه،
أو الانتقال من شغل إلى آخر أو الارتقاء في مساره المهني. فعالم اليوم تتغير فيه المعارف والتكنولوجيات بسرعة، فتظهر صناعات، وتندثر أخرى، وتبرز مهن جديدة وتتقادم مهن أخرى. لذا أصبح من الضروري أن تواكب الجامعة، كل هذه التغييرات وذلك تجسيما لإرادة الرئيس بن علي، وأن تكون للتعليم الجامعي المرونة الضرورية للتأقلم بسرعة مع هذه الوضعيات الحديثة والمستحدثة وإعداد أجيال الطلبة لمهن قادمة. فأصبح التوجه الجديد للتعليم العالي هو تكريس مبدإ التشغيلية، l'employabilité، ويتجلى هذا المبدأ خاصة من خلال:
ـ بعث المعاهد ذات التكوين القصير: معاهد الملتيميديا، ومعاهد الفنون والحرف، ومعاهد الدراسات التطبيقية في الإنسانيات، ومعاهد التكنولوجيات الطبية، ومعاهد البيوتكنولوجيا، ومعاهد اللغات المطبقة في الأعمال والسياحة، والمعاهد العليا للدراسات التكنولوجية. والغاية من كل هذه الإجراءات، تشغيل خريجي الجامعات وأصحاب الشهادات العليا. فإحداث هذا النوع من المعاهد مرده أنها تستجيب لضرورة اقتصادية ولحاجة تكوينية ذات انعكاس مباشر على التشغيل، وهذا رهان لا بد من كسبه. ولا يمكن كسبه إلا بالتحديث والإصلاح، وهو ما تمّ فعلا.
ـ إحداث شعب جديدة وتنويعها حسب متطلبات الاقتصاد الوطني أي حسب طلبات المؤسسات الاقتصادية وخصوصيات الجهات. فالتطور الحاصل في عدد الطلبة والتغيّرات التي يشهدها سوق الشغل جعل الدولة تسعى إلى تطوير التكوين وتحديثه في الجامعة التونسية بما ينمّي قابلية التشغيل، لذلك تمّ العمل على تنويع الاختصاصات في الجامعة التونسية، وذلك بإدراج اختصاصات جديدة وحديثة تتلاءم والمتغيرات التي تشهدها الساحة الدولية في المجال، فارتفع عدد الشعب إلى 861 شعبة، منها 25% من الشعب القصيرة والتي أصبحت ـ كما أسلفنا الذكر ـ من أكثر الشعب المطلوبة في سوق الشغل.

فالجامعة التونسية تتكفّل بالتدريس وهو من أقدس واجباتها، وتكرس مبدأ تكافؤ فرص النجاح، وهذا شيء جديد كرسه الرئيس بن علي منذ التحول المبارك، إذ لم تعد الجامعة مكانا للانتقاء وهذا شاهد على التنوير في التعليم العالي، لكن أصبحت الجامعة التونسية تتكفل أيضا بإيجاد فرص أكثر لتشغيل حاملي الشهادات العليا والذين يتزايد عددهم من سنة إلى أخرى، وهذا رهان كبير لا بد من كسبه.

كما رفعت الجامعة التونسية الشعار التالي: "من أجل جامعة تعد باعثي مؤسسات لا طالبي شغل"، هذا الشعار التحديثي جاء تجسيما لما أعلنه الرئيس بن علي بمناسبة يوم العلم في 11 جويلية 2003.

فقد أوجدت الدولة عدة حوافز لإعانة أصحاب الشهائد العليا لبعث مشاريع ومؤسسات خاصة. فكرست في الجامعة التونسية ثقافة بعث المؤسسات الخاصة، وأصبحت موادّ تدرس في الكليات وفي المعاهد العليا، كل ذلك لإذكاء روح المبادرة في خلق مشاريع خاصة. فالجامعة التونسية أصبحت تفكّر وتهتمّ بمن يتخرّج، وكيف يتخرّج، وهو ما يتطلّب إقناع خريجي الجامعات بضرورة التوجه أكثر لبعث المؤسسات الخاصة، وللعمل المستقل، وتركيز المشاريع الخاصة، وهذا الدور موكول أكثر للأقطاب التكنولوجية ولمحاضن المؤسسات ـ والذي يتزايد عددها بسرعة ـ في تأطير آلاف الخريجين سنويا ومساعدتهم على بعث المؤسسات. وقد دعّم هذا التوجه مبدأ إصلاحي، تحديثي، تكرس منذ سنة 2001 في الجامعة التونسية، هو مبدأ الثلاثة أثلاث والذي بمقتضاه أصبح بإمكان الطالب المساهمة في نحت مساره الجامعي عبر اختيار تخصّصه بصفة شخصية وذلك عن طريق ترتيب وحدات الدراسة بما يفضي إلى مهنة يختارها.

ويسمح هذا النظام التحديثي بتنويع التكوين وتعميق التخصص بهدف تعزيز مبدإ التشغيلية لمختلف الشهادات الجامعية.

فالثلث الأول هو ثلث مشترك، ويمثّل ثلث الوحدات المدرّسة والضرورية لتكوين الطالب، وتشترك فيه مؤسسات التعليم العالي التي تسند نفس الشهادة، فهو حدّ أدنى من المواد والوحدات التي يتأسس عليها التكوين العام المتطور للطالب.

أما المبدأ الثاني، فهو الثلث الخصوصي لكل مؤسسة، بما يجعل كل مؤسسة تتميّز بخصوصية تحديثية معيّنة من خلال عدد من الوحدات الخاصة بها والتي تمثّل ثلث مجموع الوحدات. وتكون هذه الوحدات موضوع مراجعة دورية حسبما تقتضيه متطلبات المحيط الاقتصادي وسوق الشغل وكذلك حاجيات الجهات، والتطور والتقدم التقني والعلمي.

أما المبدأ الثالث، فهو الثلث الاختياري للطالب، والذي يمكّن كل طالب من اختيار عدد من الوحدات (من جملة وحدات تعرضها المؤسسة) تمثل اختياره الشخصي لثلث محتوى التكوين، مساهمة منه في رسم ملامح مهنته المستقبلية ولإعطاء تكوينه طابعا شخصيا وإضافة ذاتية، حتى يؤمّن الطالب لنفسه فرص الحصول على المهنة التي تستهويه وتتماشى مع ميولاته ومع مؤهلاته.

كما احتل البحث العلمي والتجديد التكنولوجي في تونس الحديثة مكانة متميّزة، باعتباره أداة للتجديد في المنتوجات والخدمات، ودفع القدرات التنافسية للبلاد، فضلا على أنه سبيل للانخراط في منظومة الاقتصاد اللامادي، وتحقيق طموح تونس الكبير للّحاق بالمجتمعات الأكثر تقدما. وإذ بلغت النسبة المخصصة للبحث العلمي من الدخل الوطني الخام 1% سنة 2004، فإن ذلك بفضل خيار رئاسي، تنويري، إصلاحي، تحديثي، رائد سيمكّن تونسمن التموقع ضمن أنظمة البحث والتجديد المرموقة.

كما لا ننسى هذا التوزيع الجغرافي الرائع لمؤسسات التعليم العالي اليوم، والذي من شأنه أن يساعد على تشغيلية أصحاب الشهادات العليا.كيف ذلك ؟

فالكل يعلم أن عدد الجامعات ارتفع بنسبة كبيرة، وأن مؤسسات التعليم العالي في ارتفاع متزايد من سنة إلى أخرى، وهي موزعة على كامل تراب الجمهورية، وقد أنجز كل هذا بفضل السياسة التنويرية والاصلاحية للرئيس بن علي، هذه السياسة التحديثية تتطابق وتتناغم مع القانون الدولي، وخاصة الفصل 31 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والذي يكرّس الحق في التعليم. وللتذكير فإن لجان منظمة الأمم المتحدة تبارك إحداث المزيد من المؤسسات الجامعية من كليات، ومعاهد عليا، مطالبة أن تكون هذه المؤسسات الجامعية موزعة على الجهات، وهو ما تم فعلا، ومشغلة، وهو ما تم إنجازه. وهذا ما كرسه الرئيس بن علي حينما أذن بإحداث جامعات ليصبح عددها 10، ومؤسسات جديدة في كل سنة، فضلا عن توزيعها جغرافيا، حسب متطلبات الجهة وحسب حاجيات سوق الشغل.

وصفوة القول، يتبيّن لنا أن فكرة الإصلاح والتحديث في تونس، ضاربة في القدم. فسياسة الإصلاح والتحديث تتعزّز وتتدعّم كلما وجدت مصلحين. فالرئيس بن علي، هذا المصلح، أثرى و كرّس ورسّخ سياسة الإصلاح والتطوير والتحديث في شتى المجالات، منذ بداية التحول السياسي لسنة 1987. وها هي تونس الحديثة، تدعو في عهد الرئيس المصلح، البلدان العربية في إعلان تونس في 23 ماي 2004 إلى العمل على مواصلة الإصلاح والتحديث في بلداننا مواكبة للمتغيرات العالمية المتسارعة في شتى المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتربوية. فتونس اليوم تدعّم وتعزّز الارتقاء بالأنظمة التربوية في الوطن العربي، ونشر المعرفة والتشجيع عليها والقضاء على الأمية تأمينا لمستقبل أفضل لأجيال أمتنا العربية.


afkar@afkaronline.org