النظام التربوي وتحديث المجتمع في تونس

منور المليتي
باحث في العلوم الإجتماعية-تونس

يعتبر إصلاح التعليم من أهم المسائل الأساسية التي طرحتها الحركة الإصلاحية ثم الحركة الوطنية التونسية ورأت فيه جزءا من مشروعها التحريري العام، كما رأت في ثنائية تخلف نظام التعليم الزيتوني من جهة وهيمنة التعليم الفرنسي من جهة ثانية استهدافا للثقافة المحلية ولمكونات الذات الوطنية(1) .

لقد ربطت الحركة الوطنية مفهوم التعليم بمفهوم التحديث الاجتماعي والثقافي والسياسي كما ربطته أيضا بفكرة الوطنية. فالتعليم المنسجم مع الواقع وخصوصيات المجتمع ومكوناته الثقافية بدا في فكر الحركة الوطنية تعليما وطنيا، أما المؤسسة التعليمية الفرنسية المزروعة في النسيج الاجتماعي الوطني فهي مؤسسة تستهدف الذات والكيان(2) . هذا الربط بين المؤسسة التعليمية والمشروع التحديثي انتهى بالحركة الوطنية إلى المطالبة بإرساء نظام تربوي تعليمي وطني.

من المؤشرات الاجتماعية والإحصائية للمكانة الخاصة التي أصبحت توليها العائلات التونسية للتعليم، هو الارتفاع النسبي لعدد الفتيات في المدارس الابتدائية والمعاهد الثانوية. فبفعل تأثير الفكر الإصلاحي الوطني أصبحت مسألة تعليم المرأة من أهم المسائل ومحكا لقياس مدى تطور المجتمع. ومنذ سنة 1917 أخذ عدد الفتيات بالمدارس نسقا تصاعديا(3) ليشمل مختلف مراحل التعليم الابتدائي والثانوي والعالي.

وكان من نتائج هذه التحولات أن شهد منتصف الخمسينات هجرة المتحصلين على شهادة الباكالوريا من المدارس الحديثة إلى الكليات الفرنسية لمزاولة التعليم في الشعب العلمية خاصة الطب والصيدلة والهندسة إذ بلغ عدد الطلبة التونسيين المرسمين بالجامعات الفرنسية 300 طالب سنة 1953 وارتفع هذا العدد إلى 500 طالب سنة 1956.

لقد وجدت الحركة الوطنية في ربط مسألة التعليم بتكوين الإطارات طريقة وظيفية لإضفاء بعد وطني وتحديثي على التعليم، من خلال التأكيد على ضرورة اضطلاع التونسيين بالوظائف الإدارية والمهن الحرّة.

كما ان للتعليم الوطني أيضا وظائف سياسية/اجتماعية تؤكد أولا على إرساء الوعي الوطني وتكوين إطارات قادرة على حماية الذات من التفكك، وبذلك تحوّلت مسألة التعليم من إطارها الثقافي إلى الإطار السياسي وأصبحت لصيقة بجملة من المفاهيم والأهداف الاجتماعية. وقد انتهت فترة الخمسينات إلى طرح التعليم كقضية وطنية تمس علاقة المجتمع بإرثه العربي الإسلامي وبواقعه الحديث(4) .

التصوّر الجديد للتعليم في دولة الاستقلال

كان على دولة الاستقلال أن تقدم تصوّرا جديدا للتعليم ينسجم مع مشروعها التنموي من جهة ويمكن الشباب من معارف متلائمة مع الانتماء الحضاري العربي الإسلامي ومع التطوّرات العلمية والفكرية التي يشهدها العصر من جهة أخرى، وللتخلص من سلبيات الإرث التقليدي الذي كرّس التصوّر الديني الخاطئ للتعليم والإرث الاستعماري الذي كرّس بدوره تغريب العقليات من خلال إعطاء مضمون فرنسي للبرامج التربوية، قامت الدولة بإصلاح هيكلي للتعليم، بتكوين لجنة تقوم بالأعمال التمهيدية لمشروع الإصلاح سنة 1958، ثم في ماي من السنة نفسها تكونت لجان فنية تحت إشراف كتابة الدولة للتربية القومية عهدت لها مهمة الصياغة النهائية لمشروع الإصلاح الذي تركز حول نقطتين أساسيتين(5) :

ـ بعث نظام تعليم موحد ومنسجم مع الواقع الثقافي والاقتصادي التونسي.
ـ جعل مسألة التعليم متلائمة مع حاجيات البلاد وقادرة على استيعاب كافة الأطفال الذين هم في سن الدراسة.

وبما أن تحقيق هذه الأهداف العامة مرتبط بالقدرات المادية والمالية فقد خصصت دولة الاستقلال حوالي 17.96% من ميزانيتها العامة للتعليم سنة 1958 وهي نسبة هامة. هذه الأولوية التي حظي بها التعليم تندرج ضمن تصوّر دولة الاستقلال للوظائف الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي كانت تعلقها على هذا القطاع باعتباره إطارا لتغيير العقليات السائدة ولتوحيدها وتكوين الإطارات الكفأة القادرة على أن تتسلم الوظائف الإدارية والسياسية. كما تندرج في سياق عملية تحديث مؤسسات الدولة والمجتمع على حد سواء.
لم يكن التعليم الصادقي مجرّد مؤسسة تعليمية حديثة، بل ارتبط في أذهان نخب الاستقلال بتطلعات الحركة الوطنية إلى تركيز تعليم وطني منسجم والخصوصيات المحلية، فكانت الصادقية تبدو رمزيا تجسيدا لرؤية الوطنيين لمطالب إصلاح التعليم، أنها تمثل لدى دولة الاستقلال "الحجر الأساسي" في بناء الثقافة القومية العصرية لأنها أعطت تصوّرا جديدا لمفهوم التعليم.

هذا ما يفسر التجاء دولة الاستقلال إلى تعميم تجربة المدرسة الصادقية باعتبارها نموذجا للملاءمة بين الانتماء الثقافي والحضاري للثقافة العربية الإسلامية وبين ضرورة الانخراط في الثقافة العصرية، وباعتبار أنها أعادت أيضا صياغة مفهوم التعليم ذاته.

ارتبط مفهوم التعليم إذا بالوظائف المختلفة التي يمكن أن يؤديها في عملية إعادة بناء المجتمع، ولئن كان التعليم الديني يهتم أولا بنقل القواعد الفقهية وتكوين علماء وفقهاء في الدين، فان التعليم الحديث يهتم أساسا بتكوين مختصين وإطارات وطنية وبإعادة صياغة أطر التفكير والقيم العامة. هنا يأخذ التعليم مفهوما سياسيا ليصبح إحدى الآليات التي تجسّم الاستقلال الوطني عبر اضطلاع الدولة بمشروع التسيير والمراقبة، وتعيد تركيب الثقافة المحلية وفق الأهداف الأساسية التي تضبطها الدولة لتكوين مواطن تونسي مثقف ثقافة مدنية عصرية.

هذا الربط بين وظائف التعليم الاقتصادية (تكوين الإطارات) والاجتماعية (تحديث أنماط العلاقات الاجتماعية) والثقافية (تطوير القيم والتصوّرات) وبين المجال السياسي والمؤسسي وحق الدولة في ضبط برامج التعليم والإشراف عليها وتسييرها ومراقبة تجسيدها جعل من دولة الاستقلال تراهن على مشروع إصلاح التعليم وتعلن منذ اللحظات الأولى لتشكلها "أن كل ميدان يتوقف على التعليم الذي هو المحرك الحقيقي للإنسان والقوة التي بها يرتفع عن الحيوان ولأن ما يوضع في العقد هو الذي يوجه الأمة التوجيه الحقيقي تقدما أو تأخرا".

النظام التربوي وصياغة عملية التحديث

ارتكز مشروع الإصلاح الذي قامت به دولة الاستقلال على أربعة عناصر محورية(6) :
ـ توحيد التعليم
ـ تعميم التعليم
ـ تونسة التعليم
ـ ملاءمة التعليم مع الحاجات الوطنية

وهي عناصر تتنزل ضمن جملة من الأهداف حددها قانون إصلاح التعليم الصادر في نوفمبر 1958 كالتالي (7):
ـ تزكية الشخصية وتنمية المواهب الطبيعية عند جميع الأطفال ذكورا وإناثا بدون أي تمييز بينهم لاعتبار جنسي أو ديني أو اجتماعي.
ـ المساهمة في العمل على ترقية العلوم وتمكين جميع الأطفال من التمتع بفوائد ذلك الرقي.
ـ المساعدة على تنمية الثقافة الوطنية وتحقيق ازدهارها.
ـ إعداد الطفل للقيام بدوره كمواطن وكإنسان وتكوين الإطارات الصالحة الكفيلة بنمو النشاط الوطني على مختلف وجوهه وفي جميع الميادين.
إن جملة الأهداف العامة التي نص عليها قانون إصلاح التعليم تجعل من التعليم مشروعا وطنيا له مضمون سياسي ووظيفة القوة التاريخية التي تعمل على تغيير الواقع والعقليات وتنزع إلى تكوين تجانس ثقافي بين جميع المواطنين بقطع النظر عن اعتبارات الجنس
أو الدين.

توحيد التعليم

اقترن توحيد التعليم بإرادة التخلص من أنماط التعليم المختلفة التي تكرّس تعدّد الذهنيات
أو على الأقل تعدد المرجعيات القيمية والمعيارية. فالتعليم التقليدي يحيل مباشرة إلى الثقافة العربية الإسلامية، فكانت تكوّن أفرادا ملتصقين بالماضي أكثر ممّا هم مندمجين في التاريخ الحاضر، أما التعليم الفرنسي فانه يمثل إحدى آليات الاستعمار التي اعتمدها لاستهداف الذات الوطنية وكانت الحركة الوطنية ترى أنه "في منتهى الخطورة لأنه كان يرمي إلى فرنسة العقول بإخضاع التلميذ التونسي إلى نفس البرامج والقوانين التي كان يخضع لها التلميذ الفرنسي، إذ يتلقى التعليم بلغة مهده (أي اللغة الفرنسية) ويدرس جغرافية بلاده وتاريخها بحيث يمتلئ عقل التونسي بتاريخ فرنسا وسير زعمائها ووقائعها".

كان التعليم الزيتوني والتعليم الفرنسي كلاهما يمثل اجتثاثا أو تمزقا للذات، ولئن كانت المدارس الفرنسية تستهدف مكونات الانتماء الوطني وتهدف إلى فرنسة التونسيين فإن التعليم التقليدي كان يمثل شبه قطيعة مع الواقع والتاريخ، ولذلك كان لا بد من إزاحة هذين النمطين وتركيز تعليم موحّد يستلهم من الإرث الثقافي ويتفتح على العلوم العصرية(8) .

لقد كان المتخرجون من المدارس التقليدية في قطيعة مع الواقع الثقافي والعلمي وما تفترضه التحوّلات من معارف عصرية تؤهل للوظائف الإدارية والسياسية، كما بدا المتخرجون من المدارس الفرنسية في قطيعة مع الواقع الوطني، ومع الانتماء إلى التاريخ الوطني. وأمام هذا التضاد بين التعليم الزيتوني والتعليم الفرنسي، كانت تجربة الصادقية تمثل في أذهان نخبة الاستقلال نموذجا للتعليم الوطني المتفتح على العلوم العصرية دون أن يقطع مع الانتماء الثقافي العربي الإسلامي، ولذلك سيقترن مشروع توحيد التعليم بتعميم تجربة الصادقية (9)فقد مثلت هذه التجربة لا فقط ملاءمة التعليم مع الواقع الوطني والتفتح على العلوم العصرية وإنما أيضا مخبر الحركة الوطنية واستعادة الذات لأبعادها الانتمائية،و بدت الصادقية رمزا للثقافة الوطنية التي اخترقت في ذات الوقت الإرث التقليدي والإرث الاستعماري.

وابتداء من إصلاح 1958 توحّد التعليم وفق تقسيمه إلى ابتدائي وثانوي وعال ووقع العدول عن المدارس الدينية والمدارس الفرنسية(10) . وخضعت كل مؤسسات التعليم إلى سلطة الدولة المباشرة (11).

ونظرا لحاجة الدولة إلى الإطارات الوسطى القادرة على الاضطلاع بالمشروع التنموي وقع التركيز خاصة على الاختصاصات والمواد العلمية كالرياضيات والعلوم والاقتصاد.

وابتداء من سنة 1956 بدأ التفكير في إحداث جامعة تستوعب كل مؤسسات التعليم العالي، فوقع في مرحلة أولى إحداث مدارس عليا لتكوين الإطارات كالمدرسة العليا للمعلمين والمدرسة القومية للإدارة ومعهد عال للحقوق، وفي مرحلة ثانية وقع إحداث الجامعةالتونسية في 31 مارس 1960، إي بعد حوالي سنتين من إعلان إصلاح التعليم(13) .

نص الفصل 25 من قانون إصلاح التعليم على أن التعليم العالي يهدف إلى :

ـ إعطاء الطلبة ثقافة عالية الدرجة في مختلف ميادين العلوم والصنائع والآداب والفنون.

ـ المساعدة على تطور العلوم وتقدمها المتواصل وعلى تطور مختلف النظريات والوسائل والمناهج في ميدان البحوث العلمية.

ـ تكوين رجال البحث والعلم وتمكينهم من الوسائل والطرق الكفيلة بتحقيق ازدهار نشاطهم العلمي والأخلاقي.

ـ تكوين الإطارات العالية العلمية والفنية وغيرها اللازمة لحياة الأمة وخاصة منها أساتذة التعليم الثانوي وكذلك تمكين التعليم في كامل درجاته من أن يستفيد من رقي العلم والمعرفة.

إن مختلف هذه الأهداف تتركز حول إعطاء التعليم العالي وظيفة اقتصادية/تنموية عبر تكوين الإطارات العليا المتخصصة لسد حاجيات مختلف فروع النشاط بالبلاد، وكذلك حماية الثقافة القومية والعمل على نموّها مع ربط وتنظيم الصلات الجامعية والثقافية مع الأقطار الأخرى.

إن عملية توحيد التعليم لا تهدف فقط إلى التخلص من تعددية الأنماط الموروثة سواء منها التقليدية أو الاستعمارية، فقد كانت دولة الاستقلال تقدم نفسها كدولة لها مشروع تنموي وتحديثي يفترض أولا وبالذات تكوين الإطارات الضرورية تكوينا موحّدا ومنسجما مع حاجيات البلاد ولذلك وقع التركيز على الاختصاصات العلمية والتقنية. إلا أن توحيد التعليم ستكون له نتائج اجتماعية وثقافية هامة، فبتركيز نظام تعليم موحّد ستعمل الدولة على إزاحة التباينات الثقافية والذهنية التي كانت سائدة في المجتمع التونسي التقليدي بين المدينيين والآفاقيين، من جهة وبين التكوينات الاجتماعية والفئات فيما بينها من جهة أخرى، وبخضوع جميع التونسيين لنظام تعليم موحّد ستتوحد الثقافة(13) والمرجعيات القيمية وهنا تكمن الوظيفة السياسية لتوحيد التعليم ليصبح إطارا لتكوين مواطنين تجمع بينهم وحدة الثقافة والقيم والشعور بالانتماء لكيان واحد متعال عن أشكال الولاء التقليدي. لقد عبّر أحد قادة الإصلاح عن هذه الوظيفة الاجتماعية والثقافية قائلا : "كان علينا أن نختار بين وضع تعليم متأقلم مع مختلف الجهات وبين تعليم موحّد، واخترنا الطريقة الثانية. مبدئيا قد نعيب هذه البيداغوجيا لأن ظروف التلاميذ تختلف من منطقة إلى أخرى ولكننا كنا نهدف إلى توحيد التونسيين... بعد عشرين سنة نجد شبابنا متمتعا بنفس التكوين وبنفس الأيديولوجيا والهيكلية الذهنية. وحتى نؤكد على أهمية وسلامة هذه الطريقة أذكر لكم الحرب التي كانت قائمة بين المدرّسين الذين يتعلمون حسب طرق علمية حديثة والزيتونيين(14)" .

هذه الوظيفة الاجتماعية والثقافية والسياسية لتوحيد التعليم ستتدعم مع فكرة تعميم التعليم بتمكين جميع الأطفال من دخول المدارس الابتدائية ابتداء من سن السادسة (15).

ترشيد التعليم

تزامن الإصلاح التونسي للتعليم مع إصلاح البرامج والمناهج وإعادة صياغة المضامين والأهداف وربط محتوى التعليم بالإطار الثقافي والاجتماعي الوطني. لقد بدا ترشيد التعليم متلازما مع تجذيره في الواقع التونسي مع التفتح على الحضارات الأخرى. إن مفهوم الترشيد هنا يأخذ معنى ثنائيا، إذ يحيل في الوقت نفسه إلى تقديم برامج منسجمة مع التاريخ والواقع التونسي والعربي الإسلامي ومتفتحة في ذات الوقت على المجتمعات العصرية ومنجزاتها الحضارية والعلمية(16) . ولترشيد التعليم كان لا بد من تقديم مضامين حديثة ملتصقة بالواقع التونسي وبالانتماء الثقافي العربي الإسلامي من جهة وبالعلوم العصرية من جهة ثانية وبرزت هذه العملية من خلال محاولة التعريب وضبط برنامج منسجم مع الواقع خاصة في التاريخ والجغرافيا والتربية المدنية والدينية (17).

تهدف عملية الترشيد إلى إيجاد نظام تعليم قادر على تكوين مواطنين تونسيين متجذرين في واقعهم التونسي وانتمائهم للحضارة العربية الإسلامية ومتفتحين على الحضارات الأخرى. ومن خلال الترشيد سيأخذ التعليم بعدا وطنيا لا يكوّن فقهاء متخصصين في العلوم الدينية كما هو الشأن لخرّيجي التعليم الزيتوني ولا مختصين في العلوم الحديثة مغتربين على انتمائهم الوطني والثقافة كخريجي المدارس الفرنسية، وإنما هو مؤسسة وطنية تعدّ إطارات قادرة على تحقيق هذا التلاؤم بين التاريخ والواقع، بين الانتماء إلى الثقافة الماضية والحضارة الحديثة.

وبالنسبة إلى التعريب وجدت دولة الاستقلال نفسها أمام مطلب وطني ناضلت من أجله أجيال الحركة الوطنية ورأت فيه رمزا للذاتية الثقافية التونسية، لذلك وقع اعتماد اللغة العربية كلغة رسمية، وأمام الصعوبات تم التعريب ببطء بدءا بالمواد الأدبية أساسا ولكن لا بد من الملاحظة هنا أن التعريب لم يكن يعني الاستغناء عن اللغة الأجنبية بقدر ما كان يعني جعل العربية كلغة أولى في التعليم (18).

هذا يعني أن التعريب كان يحيل في الوقت نفسه إلى نوع من التجذير الثقافي والرمزي للذات الوطنية وتأصيلها، وإلى تمكين اللغة العربية من استيعاب المصطلحات العلمية الحديثة. وكانت هذه الأهداف لصيقة بتصوّر تاريخي لتدريس اللغة والآداب "لينشأ عن ذلك الإيمان الصحيح بأن العربية يمكن أن تقوم من جديد بدور فاعل إذا ما روضها أهلها على القيام به وغذوها بتفكير قويم المناهج متجه إلى الحقائق المضبوطة وإلى مشاكل الفكر اليقظ الحي(19)" .

وبقدر ما كان الهدف من التعريب تأصيلا في الثقافة العربية الإسلامية كان تدريس الفرنسية لا يقتصر فقط على الهدف اللغوي وإنما له وظائف ثقافية وعلمية، فمن خلال اللغة الفرنسية يتعرف التلميذ التونسي على ثقافة أخرى وتفكير آخر وطرق تصوّر أخرى وحضارة أخرى مختلفة عن حضارته الأصلية. إن دراسة اللغة الفرنسية تبدو من جهة انفتاحا على الحضارة والثقافة الغربية، ومن جهة أخرى مرجعية ثقافية عصرية يتمكن التلميذ من خلالها من اكتشاف أنماط تفكير مختلفة عمّا يجده في دراسة الأدب العربي(20)

في إطار ترشيد التعليم وإعطاء برامجه مضامين وطنية وقع إحداث مادتي التاريخ والجغرافيا، ومن خلال برنامج هذين المادتين أخذ التعليم امتدادا في التاريخ الوطني والعربي الإسلامي والإنساني ليقدم للتلميذ تصوّرا مقارنا للوجود الفردي والجماعي كما أخذ التعليم امتدادا ثانيا من خلال مادة الجغرافيا كمادة تمكن من الملاحظة والمقارنة بين ثقافات مختلفة. "فالتاريخ يربي فكر التلميذ ويكسبه وعيا وتصوّرا لماهية حياة الإنسانية وأحوال عيشها في الماضي وفي الحاضر. والجغرافيا تذكي في نفس التلميذ التطلع إلى المعرفة وتنمي عنده ملكات المشاهدة والتحليل والتأليف، وذلك بالاعتماد على معطيات عملية محسوسة مقتبسة من العالم الذي تعيش فيه الإنسانية وتعمل على التعرّف العلمي إلى المحيط الجغرافي والتاريخي الذي ينتسب إليه التلميذ وهو من أنجع وسائل تهيئته للمشاركة في تشييد العالم الذي يعيش فيه مشاركة علمية فعالة مهما كان ميدان نشاطه في المستقبل وهذا ما يجعل من التاريخ والجغرافيا عاملين هامين من عوامل تكوين المواطن والعنصران من العناصر الضرورية لكل ثقافة إنسانية عصرية حقّة(21)" .

ولإضفاء بعد وطني على البرنامج كان لا بد من أن تكون المضامين عصرية وملائمة لمقتضيات الواقع الداخلي والخارجي الحديث لتمكين التلميذ من مادة تؤهله للمقارنة بين أحقاب تاريخية ومجتمعات إنسانية مختلفة، ومن خلال تنمية القدرة على المقارنة يصبح بإمكان التلميذ أن يكتسب تصوّرا عاما وشاملا فيمتلك آليات حديثة للتمييز والاستنتاج النظري والفكري (22).

وتبرز عملية الترشيد أيضا من خلال ملاءمة المضامين مع الواقع التونسي بتأطيره في انتمائية الإفريقي والمتوسطي والعربي الإسلامي (23). ولتجذير الوعي الوطني وقع التأكيد على التاريخ التونسي، حيث كانت تونس حاضرة في مختلف برامج التعليم الثانوي مع تأطيره ضمن التحوّلات التاريخية الكبرى(24) .

إن الأمر لا يتعلق بتعليم مادة تاريخية وجغرافية معزولة عن سياقها النظري والفكري بقدر ما يتعدى ذلك إلى تمكين التلميذ من معارف تجعله قادرا على الملاحظة والمقارنة وتقدم له معطيات للتحليل والاكتشاف فتتكوّن له صورة عن ذاته وعن انتمائه الاجتماعي والثقافي تختلف عن الصورة التي يقدمها التعليم الديني كصورة واحدة ثابتة ومطلقة. وبذلك تهدف برامج التعليم إلى إحداث معارف حديثة تتناول الوجود الفردي في سياق الوجود الاجتماعي وتتناول وجود المجتمع في الإطار الإنساني الأشمل، وتصبح كل التصوّرات المتعلقة بالإنسان وبالحياة وبالدين تصوّرات نسبية تندرج ضمن أشكال معرفية أخرى، وكما يتعرف التلميذ على الثقافة العربية الإسلامية وعلى جغرافيا البلدان المسلمة يتعرف أيضا على الثقافة الغربية المسيحية وعلى جغرافيتها (25).

تكشف جملة الأهداف هذه عن إرادة الدولة في تمكين التلميذ من تعليم يدعم لديه الوعي الوطني من خلال دراسة القيم المدنية التي تؤكد على الوضع القانوني والسياسي والاجتماعي في إطار الكيان السياسي الأشمل. إن الوظيفة الأساسية للتربية المدنية مثلا كما أرادها المسؤولون عن التعليم تتمثل في الارتقاء بالفرد من وضعه التقليدي الذي يحدد وفق ولاءاته العائلية إلى مستوى وضع المواطنة الذي يحدد الفرد تحديدا قانونيا وسياسيا.

ومثلما يتعرّف التلميذ على القيم الدينية وأبعاد انتمائه الثقافي عبر برامج التربية الدينية، فيتكون له شعور بملامح شخصيته العربية الإسلامية فانه يتعرف أيضا على جملة المفاهيم المدنية الحديثة والتي صاغتها التجربة الإنسانية فتتبلور لديه رؤية عن وضعه كمواطن يرتبط اجتماعيا وسياسيا بمجموعة وطنية تؤلف بينها مرجعية قانونية واحدة وخلفية تاريخية واحدة ولها تطلعات مستقبلية واحدة. إن الثقافة المدنية بهذا المعنى تشير إلى جملة المفاهيم والقيم العصرية التي تعبّر عن وضع الأفراد والمجتمعات القانوني والسياسي واستبعاد الأطر التقليدية الدينية التي تتناول علاقة الفرد بالله، ولذلك فان مادة التربية المدنية لا تتضمن فقط تأكيدا على وضع الفرد بالنسبة لمجتمعه وإنما تلح أيضا على انتمائه إلى مجموعة دولية أشمل(26) .

لقد عملت تجربة التعليم في تونس على إدماج التلميذ في الواقع الوطني وفي الحضارة العصرية في ذات الوقت، وهي بذلك تستبعد التعصب القومي والديني لتلح على مفاهيم التسامح والتضامن الإنساني (27).

النظام التربوي وتحديث منظومة قيم التوجيه المرجعية

لقد تمكنت دولة الاستقلال في تونس ومنذ الخمسينات من القرن العشرين من أن تراهن وبنجاح على إرساء نظام تعليم عصري ساهم إلى حد كبير في تحديث البنى الاجتماعية والفكرية والقيم الثقافية كما ساهم في تحديث مؤسسات الدولة الإدارية والسياسية وفي تكوين نخب تمتلك مقومات الثقافة العصرية، لكن التحولات العميقة التي شهدها المجتمع التونسي مطلع الثمانينات من جهة ومحدودية نتائج التجربة التنموية التي عاشتها البلاد طيلة الستينات والسبعينات استدعت في الواقع عملية تغيير تاريخية تنقذ مؤسسات الدولة والمجتمع معا من أخطار تهددتها.

كانت مرحلة الثمانينات قد شهدت اختلالا لما يسميه عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر بـ "قيم التوجيه" أي القيم الثقافية والفكرية والاجتماعية التي تتحكم في توجيه ثقافة الأفراد وممارستهم، لذلك كان من بين المجالات التي أولتها تونس عناية متميزة منذ 7 نوفمبر 1987 هو مجال التعليم باعتباره رهان تونس على الانخراط في الحداثة وفي تحقيق التقدم الاقتصادي وتكريس الرقي الاجتماعي لكل فئات المجتمع، فقد كانت القيادة السياسية الجديدة على وعي عميق بأن ما شهده المجتمع التونسي من تحولات لا تستوجب فقط معالجة القضايا الاجتماعية والمسائل الاقتصادية وإنما تستوجب بالأساس ترشيد منظومة التعليم الوطني من خلالها عقلنة البنى الفكرية والثقافية ونسق القيم المرجعية بهدف دفع عملية الانخراط في المشروع الحداثي والتحديثي.

وقد حرصت تونس منذ عام 1987 على الانخراط في مشروع مجتمعي جديد هو في عمقه مشروع تحديثي يقوم على إعادة صياغة مفاهيم وقيم المنظومة التربوية بما يستجيب لتطلعات التونسيين وينسجم مع تجربة تحديثية وطنية تعود جذورها إلى منتصف القرن التاسع عشر. ومفهوم المشروع المجتمعي يعبر في الواقع عن الانخراط في تجربة تحديث مؤسسات الدولة والمجتمع كما يعبر عن استشراف واع لكيفية تفاعل تونس مع معطيات واقعها الوطني من جهة وتفاعلها مع موجة التحولات الإقليمية والدولية التي سيعيشها العالم لاحقا حيث كانت لتونس الريادة في استباق التحولات وما رافقها من نداءات لتحديث مؤسسات الدولة والمجتمع وترشيد نظام التعليم.

لذلك لم يكن من الصدف أن يعتبر ملف الإصلاح التربوي من أبرز الملفات التي أصلحتها تونس منذ مطلع التسعينات، فالتعليم الذي راهنت عليه الحركة الإصلاحية التونسية وبذلت دولة الاستقلال جهودا كبيرة من أجل النهوض به جعل منه الرئيس بن علي بوابة تونس نحو الحداثة والانخراط في مفردات الحضارة الكونية دون الإنبتات عن ينابيع الهوية الوطنية ومقومات الانتماء العربي الإسلامي، فقد أبرز الرئيس بن علي بعد سنة واحدة من التغيير أي يوم 8/7/ 1988 " أن اضطراب الصلات بين الأجيال واشتداد حيرة الشباب الذي انسدت أمامه آفاق الاطمئنان على مصيره من ابرز مظاهر الخلل الذي تسرب في السنوات الأخيرة إلى نظامنا التربوي ( ..) واليوم وقد دقت ساعة التصدي لدرس قضايا الحاضر والمصير بجرأة وتبصر في كنف الاجتهاد الجماعي الذي كان الفضيلة الغائبة لا بد من الإقدام على تصور جهاز تروبي جديد يضمن لنا الاقتدار على إعداد شبابنا وهو عندنا أغلى الثروات ومحط الآمال لخوض غمار الحياة في عالم لا تحرر فيه من التخلف والتبعية إلا بتربية رشيدة تفجر في الكائن قوى الخلق وتسهل انخراطه في العطاء الحضاري ( ... ) إننا اليوم بحاجة أكيدة إلى نظام تربوي جديد يتجلى فيه اعتبار وظائف التعليم والتكوين في هذا العصر الذي تزداد فيه التحديات ويتعاظم تأثير العلوم وتطبيقاتها في حياة الأفراد والشعوب على حد سواء".

يعكس الخطاب السياسي تصورا معينا لوظيفة التربية والتعليم في سياق عملية التحديث المؤسسي والفكري. فالتعليم ليس مجرد تلقين للمعارف والقيم بل هو عملية هيكلية يتم من خلالها صياغة شروط الكيان الاجتماعي والكيان الثقافي ككل كما أن المدرسة ليست " مكانا لتلقي المعارف واكتساب المهارات فحسب، بل هي كذلك فضاء يعيش فيه التلاميذ وينشئون على جملة من القيم والمبادئ التي تمثل قاعدة أساسية لممارسة المواطنة المسؤولة" ( الرئيس بن علي في 16 جويلية 2001). ولتأسيس مفردات المواطنة ومقوماتها الحديثة باشرت تونس عام 1991 عملية إصلاح شاملة للنظام التربوي تتمثل في تحديث المناهج وإعادة صياغة القيم المرجعية التي يتأسس عليها التعليم. وأكدت القيادة السياسية منذ مطلع التسعينات " إن المشروع التحديثي الذي ارتضيناه جميعا يتوقف بشكل أساسي على نجاحنا في تغيير أوضاعنا التربوية من كل وجوهها".

ولأن النظام التربوي هو شأن كل التونسيين مهما اختلفت توجهاتهم ومواقفهم، واقتناعا بأهمية المشاركة العامة في صياغة المبادئ الأساسية التي تختارها تونس لتربية أبنائها عليها فقد تم إنجاز إصلاح التعليم عام 1991 بعد استشارة وطنية واسعة شاركت فيها كل العائلات الفكرية والسياسية والمنظمات الوطنية والمهنية والاجتماعية إلى جانب مشاركة المفكرين والمثقفين.

وقد حمل إصلاح التعليم في مبادئه وأهدافه عملية تحديث لا فقط للمناهج وإنما أيضا لمنظومة القيم المرجعية للتربية والتعليم حيث أصبحت المدرسة التونسية تهدف إلى "ترسيخ الوعي بالهوية الوطنية التونسية" وتنمية "الحس المدني والشعور بالانتماء الحضاري وطنيا ومغاربيا وعربيا وإسلاميا" وتدعيم التفتح على الحداثة والحضارة الإنسانية" وتعني هذه التوجهات التربوية الاستراتيجية عمليا ان الملامح العامة للشخصية التونسية سواء منها الشخصية الأساسية بلغة علماء الانتربولوجيا أو الشخصية الاجتماعية بمفهوم مدرسة العلاقات الاجتماعية هي شخصية تصاغ وتحدد من خلال العملية التربوية والتعليمية، فالمنظومة التربوية هي التي تتكفل بصياغة شروط الهوية والوطنية والحضارية وهي التي تتكفل بتوفير شروط الانخراط في الحداثة والحضارة الكونية.

وقد نص قانون الإصلاح عام 1991 على أن العملية التربوية والتعليمية تراعي في كل مراحلها وبرامجها ومناهجها " مقتضيات بث روح المواطنة والحس المدني حتى يتخرج من المدرسة التونسية المواطن الذي لا ينفصل عنده الوعي بالحقوق عن الالتزام بالواجبات وفق ما تتطلبه الحياة البشرية في مجتمع مدني مؤسساتي يقوم على التلازم الأساسي بين الحرية والمسؤولية".

بهذا المعنى تتجاوز التربية وظيفتها التلقينية لتنخرط في عملية تحديث شاملة للعقليات والقيم بل إنها تتنزل ضمن سياقات تاريخية وحضارية حديثة حيث تم استعمال مفهوم المجتمع المدني ولأول مرة في إطار أهداف النظام التربوية للدلالة على ان تحديث المنظومة التربوية لا ينفصل عن مشروع تحديثي مجتمعي تشارك فيه كل مكونات المجتمع من أجل " تنزيل العملية التربوية في مسيرة البلاد العامة بما تقتضيه من كفاءات ومهارات قادرة على الإيفاء بما تستوجبه التنمية الشاملة".

لقد عزز إصلاح المنظومة التربوية في تونس منذ مطلع التسعينات حق التعليم وإجباريته اقتناعا بان تحديث المجتمع وبناء مؤسسات عصرية يحتاج إلى مهارات مواطنين واعين وكفاءات تمتلك النضج الفكري والحس الوطني. لكن الإصلاحات كرست أيضا حق الانتماء الثقافي الوطني والعربي والإسلامي دون أن يعني ذلك نوعا من الانغلاق أو رفضا للآخر المختلف فالهوية الثقافية لا تتناقض مع مبدأ الانفتاح على الآخر المختلف ولا مع القيم الإنسانية، لذلك نص الإصلاح التربوي على ضرورة تعليم اللغات الأجنبية ومواكبة التحولات التكنولوجية حتى تتحول المؤسسة التربية التونسية بالفعل إلى إطار للتنشئة الاجتماعية.

وتأكيد المنظومة التربوية التونسية في الوقت نفسه على التجذر في الهوية الوطنية والثقافية من جهة والانفتاح على الحضارة العصرية من جهة أخرى يعني ضمنيا تنشئة المتعلمين على قيم ثقافية متسامحة، وقد نص الإصلاح التربوي في الفصل الأول على ان تنمية الشخصية يتم من خلال التنشئة على قيم التسامح والاعتدال، وتكون تونس بذلك قد استبقت بأكثر من عشرية نتائج بعض المناهج التربوية ذات النتائج الكارثية في بعض البلدان حيث كان الوعي التونسي مبكرا بخطورة القيم الماضوية على المجتمع ككل.

ويأتي الإصلاح التربوي الجديد الذي شرعت تونس في تنفيذه خلال العام الدراسي 2002 ـ 2003 استكمالا لعملية تحديث التعليم ومن خلاله تحديث المجتمع ليؤسس بالفعل للانخراط في مدرسة الغد حيث تم ضبط خطة تنفيذية لمدرسة الغد تؤسس لمنظومة تربوية عصرية من اجل تنشئة الأجيال على قيم الحداثة وامتلاك العلوم العصرية والتكنولوجيات والتشبع بالقيم العصرية.

ومثلما كان لهذه المنظومة تأثيرها الفعّال في تحقيق النتائج الباهرة على مستوى المؤشرات، فإن نتائجها كانت فعّالة أيضا وإيجابية على مستوى المبادئ والقيم فإجبارية التعليم إلى سن 16 سنة التي فرضها قانون الإصلاح التربوي ضاعفت من تحسّن نسبة الإقبال على التمدرس، التي بلغت نسبة 99 بالمائة حاليا، وأصبح 27 بالمائة من مجموع السكان هم من التلاميذ والطلبة الذين يؤمون المدارس والمعاهد، اذ تؤم مؤسسات التعليم في تونس حوالي ربع سكان تونس الذين يبلغ عددهم نحو 10 ملايين ساكن.

ولتيسير امتلاك الناشئة للمهارات المعرفية الجديدة شرعت تونس في تعميم الإعلامية في الفضاء المدرسي وفق خطة تستهدف ربط المؤسسات التربوية بشبكة الإنترنت. كما تدعم عدد الطلبة المرسمين في اختصاصات الإعلامية والعلوم والهندسة إلى 30 ألف طالب بينما لم يتجاوز هذا العدد 6 آلاف طالب سنة 1999، هذا فضلا عن تخصيص الدولة نسبة 1 بالمائة من الناتج الداخلي الخام لتطوير قطاع البحث العلمي والتكنولوجيات الحديثة.

وتعزيزا لهذا التوجه الحضاري ولاستشراف مستقبل المدرسة التونسية أذن الرئيس بن علي بتنظيم استشارة وطنية حول ملامح مدرسة الغد خلال شهر أكتوبر 2000 بمشاركة كل الفعاليات في تونس ذات الصلة والأحزاب السياسية بما يثري الإصلاح التربوي ويهيئ الأرضية المثلى لبلورة وظائف المؤسسات التعليمية ووسائلها المستحدثة في ضوء التطوّر المتسارع لتقنيات التدريس والمعارف العلمية والتكنولوجية لا سيما بعد أن تم خلال شهر أفريل من سنة 1999 تنظيم استشارة حول "ملامح مدرسة الغد" بمشاركة واسعة وفاعلة لمختلف الكفاءات والنخب والمتدخلين في القطاع التربوي.

وكان من نتائج الاستشارة أن توفقت تونس إلى تشخيص دقيق لكيفية مسايرة التحولات والتطلعات حيث باشرت إصلاحا جديدا للتعليم ركز بالأساس على مسألة الجودة والنجاعة واكتساب المعارف وغرس قيم المواطنة.

وتبدو دراسة البرامج والمناهج هنا ذات دلالة خاصة فالتلميذ في تونس اليوم يدرس جملة القيم والمفاهيم والأفكار الحديثة لا فقط المرتبطة باكتساب المعارف وإنما ذات العلاقة بمنظومة التصورات حول الإنسان والعالم والمجتمع وعلاقة الفرد بالدولة والمجتمع، حيث يدرس مفهوم الدولة ودولة القانون ومسالة حقوق الإنسان ومفهوم المواطنة ومؤسسات الدولة والدستور وعلاقة المجتمع بالتشريعات ونظام العلاقات الدولية والميثاق العالمي لحقوق الإنسان وتنوع الثقافات وتسامح الحضارات وغيرها من المناهج التي تهدف الى تأصيل الكيان التونسي في مشروع تحديثي يمس جملة الأفكار والتصورات وقيم التوجيه العامة.

إن تجربة النظام التربوي التونسي تبدو في علاقتها بتحديث المجتمع تجربة جديرة بالاهتمام بالمقارنة مع البلدان الشبيهة بتونس، فالنتائج التي حققتها تونس اليوم في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية تعود عمليا إلى أداء النظام التربوي ومردوديته، ويكفي أن نذكر هنا أن التعليم مثّل بالنسبة لمختلف الفئات الاجتماعية آلية الارتقاء الاجتماعي بامتياز حيث ساهم في تعزيز حظوظ أبناء الفئات المتوسطة والضعيفة في تسلق الهرم الاجتماعي، فمكونات الفئات الوسطى من الإطارات السامية في الإدارة ورجال التعليم وكذلك المهن الحرة مثل الأطباء والمحامين والمهندسين هم في أغلبهم من أبناء العائلات المتواضعة التي استثمرت كثيرا في التعليم. وكان من نتائج التجربة أن توسعت الطبقة الوسطى لتشمل حوالي ثلثي المجتمع وارتفاع الدخل الفردي إلى حوالي 3300 دينار وارتفاع نسبة التمدرس إلى 99 بالمائة، وتبدو المرأة التونسية الأكثر استفادة من تعميم التعليم واجباريته حيث تمثل اليوم 54 بالمائة من طلاب الجامعات و35 بالمائة من الأساتذة الجامعيين كما تمثل ثلث القوى النشيطة في مختلف الميادين وتمكنت من اكتساح مواقع قيادية في مجالات الاقتصاد والسياسة والثقافة وغيرها.

ولعل من أبرز المؤشرات على المكانة التي توليها تونس اليوم لدور النظام التربوي في تحديث المجتمع هي النفقات التي تخصصها الدولة للقطاع حيث يستحوذ على 7 في المائة من المنتوج القومي ويستأثر بنسبة 13 في المائة من ميزانية الدولة.

استنتاجات

إن دراسة تجربة النظام التربوي والتعليمي في تونس التي خاضتها دولة الاستقلال وشهدت عملية ترشيد عميقة منذ إصلاح عام 1991 يمكن أن نستنتج منها :

ـ أن إصلاح التعليم يندرج ضمن مشروع الدولة الادماجي العام ويمثل إحدى الآليات لتغيير هياكل المجتمع المؤسسة وبناه الذهنية، ولذلك قدمت الدولة تصوّرا جديدا للتعليم يرتكز على التوحيد والتعميم والترشيد.)

ـ إن النظام التربوي والتعليمي مثّل عبر التجربة التونسية الآلية الأكثر نجاعة لتحديث مؤسسات الدولة والمجتمع وإعادة صياغة القيم الجماعية المشتركة على أساس الولاء الوطني والتسامح الثقافي ومبدأ المواطنة والانفتاح على ما تنتجه الحضارة الإنسانية من معارف.

ـ يعنى توحيد التعليم القضاء على تعدّد الأنماط الموروثة والتخلص من تناقضات الأنماط التقليدية. على أن الهدف الأساسي من توحيد التعليم هو توحيد مرجعيات التونسيين، وذلك عبر توحيد الأطر الفكرية العامة والأنماط الثقافية باتجاه توحيد أشكال الانتماء الاجتماعي وأشكاله.

ـ إن عملية تعميم التعليم واجباريته إضافة إلى أهدافها العلمية والاجتماعية تهدف إلى إدماج الأفراد في نظام تعليم واحد وموحّد بقطع النظر عن انتماءاتهم الجهوية أو الاجتماعية لتجاوز حالة التباين الثقافي التي كان يعيشها المجتمع التونسي التقليدي. وتجدر الملاحظة هنا إلى أن التعليم التقليدي كان يدعّم نسبيا هذا التباين خاصة فيما بين المدينة والريف، فالتعليم الزيتوني كان محتكرا من طرف العائلات الكبرى برغم هامش التسامح تجاه الفئات الأخرى. إن عملية تعميم التعليم ذاتها تتضمن وظائف لتوحيد العقليات وذلك من خلال إدماج كل الأفراد في نفس البرامج وتلقيهم نفس المضامين (28).

ـ أما ترشيد التعليم فقد اتخذ معنى مصالحة المواطن التونسي مع تاريخه الوطني وتاريخه العربي الإسلامي ، كما اتخذ في الآن ذاته معنى المصالحة مع الواقع الثقافي والعلمي الحديث والحضارة الإنسانية لتكوين "فاعلين وطنيين" إن صح الاستعمال يدركون شروط الانخراط في الحاضر وصياغة شروط المستقبل ويمتلكون القدرات المعرفية والعلمية على المساهمة بنجاعة في مشروع الدولة التغييري. ولذلك فان مفهوم الترشيد ارتبط دلاليا بمعنى "التونسة" أو "الوطنية" إذ رأت الدولة ضرورة إعطاء بعد وطني للتعليم وذلك بتجذيره في خصوصيات الواقع الوطني برهاناته وتحدياته. ومن اللافت في هذا المجال أن عملية الترشيد كانت تهدف في الآن ذاته إلى تأصيل الفرد في أبعاد انتمائه الثقافي وإلى تكوينه تكوينا عصريا يمكنه من اكتشاف المعارف الحديثة وينفتح من خلالها على ثقافات وحضارات ومجتمعات أخرى.

و نلمس هنا ثنائية تتركز بين بناء الشخصية الوطنية والمشروع التنموي(29) ، تبدو عناصر قوة التجربة التونسية هنا من خلال تحقيق معادلة شائكة وتتمثل في ما يمكن أن نسميه بتأصيل الذات وانفتاحها على الخارج في نفس اللحظة وبنفس الآليات. فلتأصيل الذات استلهمت برامج التعليم مادتها التربوية وأهدافها من الإرث الثقافي العربي الإسلامي ومن التاريخ الوطني، وللتفتح على الثقافة الحديثة اهتمت البرامج بالمواد العلمية وباللغة الأجنبية وبالمفاهيم الحديثة لتكون همزة وصل بين الإنسان والمدنية ومجالات التقدّم .

******

1/أنظر : - الثعالبي (عبد العزيز : تونس الشهيدة، ، ص 57 إلى ص 83.
-الحداد (الطاهر) : التعليم الإسلامي وحركة الإصلاح في جامع الزيتونة،.
-الحدّاد (الطاهر) : امرأتنا في الشريعة والمجتمع،.
-جريدة "المشير، الأعداد : 3 و5 و7 و8 و9 و12 لسنة 1911.
-جريدة "الصواب"، العدد 597 الصادر يوم 26 أفريل 1929.
-جريدة "الوزير"، العدد 253 السنة التاسعة الصادرة يوم 19 جويلية 1928.
-جريدة "الحاضرة" العدد 1059 الصادر يوم 15 مارس 1910 والعدد 1096 الصادر في 15 أفريل 1911 والعدد 1102 الصادر يوم 30 ماي 1911.
-جريدة "النهضة" الصادرة يوم 11 جويلية 1924.

2/ الثعالبي (عبد العزيز) : تونس الشهيدة، مصدر سابق، ص 74.

3/بلغ عدد الفتيات المرسمات بالمدارس 1050 تليمذة سنة 1917. أنظر : الثعالبي (عبد العزيز) تونس الشهيدة.، س77

5/Nouvelle conception de l'enseignement.p.17.

6/أنظر : - Nouvelle conception de l'enseignement, op.cit.p.19

7/ أنظر قانون رقم 118 لسنة 1958 مؤرخ في 21 ربيع الثاني 1378 هـ (4 نوفمبر 1958) يتعلق بالتعليم. الرائد الرسمي للجمهورية التونسية الصادر في 7/11/1958، ص.1364 ـ ص1369.

8/نفس المصدر، ص10.

9/Zoughlami (Younes) : L'enseignement en Tunisie, op.cit.p.43.

10/ أنظر قانون رقم 118 لسنة 1958 المتعلق بالتعليم. مصدر سابق.

11/نفس المصدر، الفصل 5.

12/ أمر عدد 98 لسنة 1960 مؤرخ في 3 شوال 1379 هـ (31 مارس 1960) القاضي بإحداث الجامعة التونسية، الرائد الرسمي للجمهورية التونسية الصادر في 31 مارس 1960، ص 528-532.

13/ Grandguillaumme (G.) : L'enseignement au Maghreb, Art, in Maghreb-Machrek n°78, Oct. Nov.Dec.1977.p.34. Voir p.38.

14/الفقرة أوردها الدكتورعبد الباقي الهرماسي في كتابه : المجتمع والدولة، مصدر سابق، ص40.

15/قانون عدد 118 لسنة 1958 المتعلق بالتعليم. الفصل 2.

16/ Nouvelle conception de l'enseingment, op.cit.p.21.

17/Nouvelle conception de l'enseignement, op.cit.p.21.22.23.24.25.
Sraïeb (Noureddine) : Colonisation, op.cit.p.107 .
Skik (Hichem) : Le contenu de l'enseigment, in Maghreb-Machrek, N°78 op.cit.p.52 .

18/ Nouvelle conception de l'enseignement, op.cit.p.21.

19/ نفس المصدر، ص5-6.

20/ أنظرProgramme officiel , fascicule 111, langue et lettre française.1963

21/ البرامج الرسمية للتعليم الثانوي. سفر5 : التاريخ والجغرافيا 1963. الباب الأول في الأهداف، ص3.


22/Nouvelle concepion de l'enseignement, op.cit.p.24-25.

23/ البرامج الرسمية، سفر5، مصدر سابق، ص5. مثلا برنامج السنة النهائية المتعلق بتاريخ العالم من سنة 1914 فقد اشتمل على 9 دروس تبحث في الحركات التحريرية بالبلدان غير المستقلة وخاصة بشمال إفريقيا. أنظر ص6.

24/أنظر البرامج الرسمية، سفر5. البرامج من ص7 إلى ص27.

25/ أنظر نفس المرجع. برنامج السنة الأولى. ص9-10.

26/ البرامج الرسمية للتعليم الثانوي.. مصدر سابق، ص10.

27/Sraïeb (Noureddine) : Laïcisation, op.cit.p.234.

28/ حول الوظائف الاجتماعية والفكرية لنظم التعليم أنظر :
Revue Internationale des Sciences Sociales. Volume XIX, n°3, 1967, Rvue trimestrielle. UNESCO, Numéro spécial " Fonctions sociales de l'éducation ". وأنظر خاصة مقال لبيار بورديو (Pierre Bourdieu) حول نظم التعليم ونظم التفكير، من ص 367 إلى ص 388.

29/Grand Guillaume (Gilbert) : L'enseignement, op.cit. p.34.



afkar@afkaronline.org