بصمات تونس على وثائقها:
نتائج القمة وتطلعات الشعوب العربية

يوسف عثمان
رئيس تحرير-تونس

انعقدت القمة العربية في دورتها السادسة عشرة في تونس يومي 22 و23 ماي 2004 في ظرف تاريخي وسياسي دقيق إن لم نقل خطير نتيجة الأوضاع الخاصة بكل بلد عربي بما يعنيه ذلك من تطلعات الشعوب العربية إلى آفاق أرحب في ما يتعلق بالمشاركة السياسية وتقاسم الثروات والحق في التنمية الشاملة.

كما انعقدت القمة في ظل أحداث وتحولات إقليمية ودولية كبيرة تأتي في مقدمتها ما يتعرض له الشعب الفلسطيني يوميا من تقتيل واغتيالات وانتهاكات لأبسط مبادئ الحقوق البشرية، هذا بالإضافة إلى معاناة الشعب العراقي من سطوة الاحتلال وغياب الرؤية الواضحة في ترتيب البيت من الداخل.

ورغم دقة الظرف التاريخي فإن عدد القادة العرب الذين حضروا قمة تونس أكبر من عدد الذين حضروا القمم الماضية ومنها قمتا بيروت وعمان، إذ توافد على قمة تونس 13 قائدا عربيا و3 رؤساء حكومات، وهو ما عكس مصداقية القيادة التونسية في التعامل مع القضايا العربية وما تحظى به تونس من تقدير عربي.

لكن القمة العربية التي وصفها كثير من المحللين والمراقبين بالحدث الهام في تاريخ العمل العربي المشترك انعقدت أيضا في ظل دعوات جادة إلى مباشرة خطة إصلاحات تستهدف التطوير والتحديث السياسي والاجتماعي والاقتصادي وجاءت هذه الدعوات التي تعبر عن تطلعات الشارع العربي إلى مستقبل أفضل لتؤكد أن المفاضلة بين الدفاع عن الحقوق العربية والقضايا العربية من جهة والانخراط في عملية تحديث سياسي من جهة أخرى هي مفاضلة مغلوطة.

والذين تابعوا أشغال القمة منذ بداية الاجتماعات التحضيرية لوزراء الخارجية التي انعقدت في تونس أواخر شهر مارس مرورا بالاجتماعات التحضيرية التي انعقدت في القاهرة في شهر أفريل بعد تأجيلها لاحظوا أن قمة تونس كانت من أصعب القمم العربية لا فقط إزاء تباين المواقف في تناول الملفات المطروحة و إنما أيضا إزاء إصرار رئاسة القمة على انتهاج أسلوب واقعي وعقلاني وجدي وجريء بخصوص دراسة مسيرة العمل العربي المشترك وعلاقات الدول العربية بالتحولات الإقليمية والدولية ومدى تفاعل العرب مع منظومة مبادئ الحضارة الكونية.

وليس من قبيل المبالغة حين نذهب إلى القول أن قمة تونس نجحت في معالجة كثير من الملفات وحققت الحد المقبول من الإجماع العربي الذي كان يصعب أن يحدث لولا الجهود الكبيرة التي بذلت من أجل الارتقاء بالقمة من مستوى الاجتماع البروتوكولي إلى مستوى الالتزام بقرارات تاريخية تتخذ لأول مرة في تاريخ العمل العربي.

ولم تأت شهادات نجاح القمة من الدولة المضيفة تونس فقط ولا من الدول المغاربية التي ساندت الطروحات التونسية بخصوص جدول أعمال القمة بل جاءت الشهادات أيضا من المملكة العربية السعودية التي عادة ما تحسب على الدول التي لا تتشجع إلى مسالة التطوير والتحديث فقد نوه الأمير عبد الله بما توصلت إليه القمة العربية في تونس من "قرارات مهمة تعالج القضايا المصيرية للأمة العربية" مؤكدا أن جهود القادة والزعماء العرب أثمرت "نتائج إيجابية

بل إن موقف السعودية إزاء نتائج قمة تونس ذهب إلى أبعد من ذلك حيث اعتبر أن الوثائق الصادرة عنها "لها دور مهم في خدمة قضايا الأمة والعمل العربي" مشددا على أن هذه هي المرة الأولى التي تقر فيها "وثيقة ( العهد والوفاق ) لا تنطلق من تحليل الأوضاع العربية, بل تضع العلاج للعمل العربي المشترك وتضع أساساً من الجدية والصدقية وتشتمل على محاسبة النفس وتجعل منهج الصدقية في التنفيذ, الأساس في اتخاذ القرار, وترك المزايدات التي عانى منها العمل العربي المشترك طوال العقود الماضية".

وفي الواقع فان نجاح القمة جاء ثمرة جهود كبيرة بذلها الرئيس زين العابدين بن علي حتى تكون نتائجها في مستوى تطلعات الشعوب العربية. ويتنزل في إطار هذا المجهود القرار الجريء الذي اتخذته القيادة التونسية بتأجيل القمة لعدة أسابيع مما مكن كافة البلدان العربية من مزيد دراسة ومناقشة كل الأفكار المطروحة واستيعاب المقترحات التونسية بالذات.

وقد أكد الرئيس بن علي في الخطاب الذي افتتح به القمة العربية حرصه على إضفاء طابع الجدية على أشغال القمة حيث شدد على أهمية "تكثيف التنسيق وتعميق التشاور بيننا بخصوص القضايا المصيرية والجوهرية المطروحة على قمتنا فى شتى المجالات حتى ندفع بقرارات هذه القمة إلى المستوى الذي يستجيب لآمال شعوبنا ويدعم تضامنها وتماسكها".

ولم يخف "إعلان تونس" الذي صدر في أعقاب أشغال القمة تقدير الدول العربية للرئاسة التونسية التي حرصت على "توخي الدقة في الإعداد الجيّد لها بالتشاور البنّاء مع الدول العربية كافّة".

ولئن انعقدت القمة في إطار جدل سياسي وإعلامي حول مسالة الإصلاح السياسي والتحديث الذي تمت ترجمته في وثيقة "التطوير والتحديث" الصادرة عن القمة فقد نجحت القمة في بلورة مواقف واضحة تجاه قضية العراق وكذلك تجاه القضية الفلسطينية حيث تمكنت من إيصال صوت الرئيس الفلسطيني إلى أشغال القمة وقد برز ذلك من خلال خطابي الرئيس بن علي في افتتاح القمة واختتامها وكذلك التزام الرئاسة الجديدة للقمة باعتبار القضية الفلسطينية أولوية للتحرك والعمل العربيين. ويبقى البعد الآخر من هذا الالتزام وهو اتباع تمش عقلاني يعكس تعلقا دائما بالسلام.

الرئيس بن علي أكد في الخطاب الذي افتتح به القمة ان "قضية الشعب الفلسطيني التي نعتبرها قضيتنا الأولى تظل مصدر انشغال عميق لدينا لما تطرحه من مخاطر كبرى تهدد الأمن والاستقرار فى منطقة الشرق الأوسط خاصة وفى العالم عامة لاسيما بعد تفاقم التوتر والعنف وتمادي إسرائيل في اعتداءاتها مخلفة كل يوم الدمار والضحايا الأبرياء من أبناء الشعب الفلسطيني". كما جدد الرئيس بن علي "الدعوة للتعجيل بتوفير الحماية الدولية للشعب الفلسطيني ووضع حد لانتهاكات جيش الاحتلال ووقف بناء الجدار العازل والكف عن فرض سياسة الأمر الواقع. كما ينبغي أن تعمل أطراف النزاع بكل مسؤولية على تهيئة الظروف الملائمة لاستئناف المفاوضات حتى يتمكن الشعب الفلسطيني الشقيق من استعادة حقوقه الوطنية المشروعة و إقامة دولته المستقلة ويتحقق الأمن والسلم لسائر شعوب المنطقة".

كما نص إعلان تونس على" إنّ التزام كافة الأطراف الدولية بمسؤولياتها في تجسيد المبادئ التي تقوم عليها الشرعية الدولية وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة بالصراع العربي الإسرائيلي، دون استثناء لأيّ من المرجعيات المشروعة للعملية السلمية، يشكل أساسا لإيجاد حلّ عادل وشامل ودائم لهذا النزاع وفقا لمبادرة السلام العربية وتنفيذا لخطّة خارطة الطريق".

وشدد البيان على "أن تكاتف جهود المجموعة الدولية لتوفير الحماية الضرورية للشعب الفلسطيني أمام استمرار عمليات التقتيل والتشريد التي يتعرّض لها ولوضع حدّ لسياسة الاغتيالات التي تنتهجها إسرائيل ضدّ القيادات السياسية الفلسطينية والحصار المفروض على الشعب الفلسطيني وقيادته والعمليات التي تستهدف المدنيين دون تمييز، من شأنه أن يمهد السبيل لاستئناف مفاوضات السلام بما يمكن من استرجاع الشعب الفلسطيني الشقيق لحقوقه المشروعة بإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية واستعادة كافة الأراضي العربية المحتلة بما فيها الجولان العربي السوري المحتل ومزارع شبعا اللبنانية".

وبخصوص العراق شدد الرئيس بن علي بن علي على ضرورة استعادة العراق لسيادته في اقرب الآجال وممارسة الأمم المتحدة لمسؤولياتها في العملية السياسية الحالية.

وقد ترجمت مواقف الرئيس بن علي إزاء القضايا القومية في وثائق القمة وعلى رأسها "إعلان تونس" الذي أكد "تمسك المجموعة العربية بدعم وحدة الأراضي العراقية واحترام سيادة العراق الشقيق واستقلاله ووحدته الوطنية، ودعوة مجلس الأمن لإعطاء الأمم المتحدة دورا مركزيا وفعالا في العراق بهدف إنهاء الاحتلال وترتيب مراحل نقل السلطة إلى الشعب العراقي بما يكفل استتباب الأمن والاستقرار والشروع في إعادة البناء والإعمار في العراق". كما كلّف الترويكا العربية (الرئاسة الحالية والمقبلة للقمة والأمين العام لجامعة الدول العربية) بإجراء الاتصالات اللازمة ومتابعة الوضع في العراق وتطوراته".

إن القراءة المتأنية في الوثائق الصادرة عن القمة تبرز بوضوح أهمية إشعاع التجربة الإصلاحية التونسية حيث تبدو البصمات التونسية واضحة في ما انتهت إليه القمة من نتائج وخاصة في ما يتعلق بمفاهيم التسامح وحقوق المرأة ودور المجتمع المدني وحرية التعبير وحرية المعتقد ومفهوم الحكم الرشيد والتضامن والوسطية والاعتدال والديمقراطية. وقد أصرت تونس على الالتزام بهذه المبادئ. ويعكس "إعلان تونس" بالذات هذه المفاهيم بوضوح. كما أن البصمات التونسية موجودة في "وثيقة التطوير والتحديث" التي أكدت انه لم يعد من المقبول أن يبقى العرب خارج التطورات العالمية والقيم الكونية.

فقد نصت وثيقة التطوير والتحديث على "استمرار الجهود وتكثيفها لمواصلة مسيرة التطوير في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتربوية تحقيقا لتقدم المجتمعات العربية النابع من إرادتها الحرة بما يتفق مع قيمها ومفاهيمها الثقافية والدينية والحضارية وظروف كل دولة وإمكانياتها". كما نصت الوثيقة على "تعميق أسس الديمقراطية والشورى وتوسيع المشاركة في المجال السياسي والشأن العام وفي صنع القرار في اطار سيادة القانون وتحقيق العدالة والمساواة بين المواطنين واحترام حقوق الإنسان وحرية التعبير وضمان استقلال القضاء بما يدعم دور مكونات المجتمع كافة بما فيها المنظمات غير الحكومية ويعزز مشاركة فئات الشعب في الحياة العامة ترسيخا لمقومات المواطنة في الوطن العربي".

ومن جهته أكد "إعلان تونس" على "تعلّق دولنا بالمبادئ الإنسانية والقيم السامية لحقوق الإنسان في أبعادها الشاملة والمتكاملة وتمسكها بما جاء في مختلف العهود والمواثيق الدولية والميثاق العربي لحقوق الإنسان الذي اعتمدته قمّة تونس، وتعزيز حرية التعبير والفكر والمعتقد وضمان استقلال القضاء".

كما نص إعلان تونس على "التزام الدول العربية بمواصلة الإسهام في إطار الجهود الدولية المبذولة لمكافحة ظاهرة الإرهاب بكافّة أشكاله والتصدّي لها، وعدم الخلط بين الإسلام والإرهاب والتمييز بين المقاومة المشروعة والإرهاب. وكذلك نص على "الدعوة إلى عقد مؤتمر دولي بإشراف منظمة الأمم المتحدة بهدف وضع مدوّنة سلوك دولية لمقاومة ظاهرة الإرهاب مع العمل على معالجة أسبابها".

ولعل من إضافات التجربة التونسية المتميزة أيضا أن القمة أكدت لأول مرة على أهمية التكامل الاقتصادي العربي وعلى خطة عربية لمقاومة الفقر حيث شدد إعلان تونس على " تحقيق التكامل الاقتصادي بين الدول العربية على أساس تبادل المنافع وترابط المصالح والعمل على مواصلة تأهيل اقتصاديات الدول العربية من خلال تكليف المجلس الاقتصادي والاجتماعي بوضع الاستراتيجية المشتركة للعمل الاقتصادي والاجتماعي العربي، بما يدعم القدرة التنافسية للاقتصاد العربي ويؤهله لإقامة شراكة متضامنة مع مختلف التكتلات الاقتصادية في العالم".

كما حظي مجتمع المعلومات باهتمام متميز في قمة تونس وعيا من القمة باستشراف المستقبل وعبر القادة العرب "الاستعداد الجيّد للمشاركة الفعّالة، حكومات ومجتمعا مدنيا وقطاعا خاصا، في القمة العالمية لمجتمع المعلومات التي ستحتضن تونس مرحلتها الثانية في نوفمبر 2005، حتّى تكون هذه القمة محطّة هامّة لمزيد تطوير تكنولوجيات المعلومات والاتصال في البرامج التنموية العربية، ولتأكيد قدرة الدول العربية على مواكبة التطور الذي يشهده هذا القطاع والمساهمة فيه، باعتباره إحدى المقوّمات الأساسية للتنمية".

وفي ظل هذه النتائج التي تعبر عن تطلعات الشعوب العربية تبدو الرئاسة التونسية واعدة ببرنامج طموح سيتركز على الشروع في تنفيذ قرارات القمة كما ستوظف تونس علاقاتها الجيدة إقليميا ودوليا لخدمة القضايا العربية.

وقد أكد ذلك الرئيس بن علي بوضوح في الخطاب الذي اختتم به القمة حين قال إن تونس ستحرص "طوال فترة توليها رئاسة هذه الدورة على إحكام التنسيق مع أشقائنا القادة العرب ومع الأمانة العامة لجامعة الدول العربية من اجل تفعيل نتائج قمتنا وتكريس توجهاتها بما يخدم قضايا امتنا على افضل الوجوه وفى مقدمتها القضية الفلسطينية التي نعتبرها قضيتنا العربية الأولى وسنعمل من خلال رئاستنا للقمة على مزيد حشد الدعم للشعب الفلسطيني الشقيق لاستعادة حقوقه الوطنية المشروعة سياسيا ومعنويا وماديا". كما أكد الرئيس بن علي انه سيكثف المساعي والتحركات على مختلف الأصعدة حتى يستعيد الشعب العراقي الشقيق سيادته ويتفرغ لإعمار بلاده في كنف الاستقرار والحفاظ على وحدته الترابية".



afkar@afkaronline.org