ندوات

ندوة الالكسو للحوار العربي الايبار امريكي
عندما تتجاوز قصدية اللّقاء مجرّد النوستالجيا...

خيرة الشيباني

ليس ضربا من جلد الذات ان نقول إن الوعي بأهمية الحوار الثقافي العربي الايبار أمريكي جاء متأخّرا، وأنه مقابل مكانة الحوار الثقافي العربي الاوروبي الذي تعددت خلال العقود الأخيرة مناسباته وتنوّعت أشكاله، فإن الحوار بين الثقافة العربية والثقافة الايبار أمريكية يبدو معدوما بالرّغم من أهمية الروابط الثقافية والحضارية التي تتقاسمها الثقافتان، وبالرّغم من التشابه الكبير في التحدّيات المطروحة على المجموعتين في مجالات التنمية وتحقيق السيادة وأشكال التحوّل الديمقراطي وانماط المواجهة أو الاستجابة للتحولات الدولية العاصفة..

وإدراكا من المنظمة العربية للثقافة والتربية والعلوم التي بادرت خلال الفترة الماضية بالانخراط في حوارات متعدّدة مع فضاءات ثقافية أخرى بأهمية دواعي اطلاق حوار ثقافي مع المجموعة الايبار أمريكية، نظمت بتونس ما بين 10 و12 ديسمبر/كانون الأول 2002 الندوة الاولى للحوار الثقافي العربي الايبار أمريكي بمشاركة العديد من رجال الفكر والسياسة المرموقين والمعنيين بهذا الحوار وذلك من القارّات الأربع.

خيار استراتيجي

وفي الجلسة الافتتاحية التي شهدتها ممثلة الأمين العام للجامعة العربية وممثلة الأمانة العامة للتعاون الايبار أمريكي، والأمين العام لمنظمة الدول الايبار أمريكية للتربية والثقافة والعلوم وممثل الأمين العام لليونسكو ورئيس الهيئة الادارية للمعهد الأوروبي للبحر الأبيض المتوسط وغيرهم من الشخصيات الفكرية والسياسية المدعوة، أشار الدكتور المنجي بوسنينة المدير العام للالكسو الى أهمية انعقاد هذه الندوة على أرض تونس التي ارتبط اسمها واسم رئيسها برموز معيّنة في عالم اليوم، من "عهد قرطاج للتسامح" الذي أقر بتونس عام 1995 الى "كرسي بن علي لحوار الحضارات والأديان"، وانتهاءً بالجائزتين اللتين أعلن عنهما الرئيس بن علي يوم 7 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، الأولى لتشجيع المواهب على نشر ثقافة التضامن الانساني بهدف القضاء على الفقر ومعالجة اتساع الهوة بين فقراء العالم وأغنيائه، والثانية لتشجيع الدراسات الاسلامية من اجل اثراء الفكر الاجتهادي المؤمن بالحوار والتفتح الرافض للانغلاق والتحجّر.

وتوقف الدكتور بوسنينة عند اهمية هذه الندوة التي تندرج في اطار خيار استراتيجي فرضته التهديدات المستمرة للسلام العالمي وضرورة التصدي لثقافة العنف التي اصبحنا نعيش تجلياتها كل يوم، موضحا من جهة اخرى ان الثقافتين العربية والايبار أمريكية مهيّأتان للحوار، لا فقط بسبب ما يجمع بينهما من أصول مشتركة ولكن لانبنائهما منذ قديم العصور على تعددية ثرية أسهمت فيها شعوب مختلفة أخذا وعطاءً.

واذ توقف المدير العام للألكسو عند جوانب عديدة تاريخية وحاضرة من جوانب التفاعل بين الثقافة العربية والايبار امريكية، فإنه أشار الى أهمية دور الجاليات العربية في امريكا اللاتينية في اثراء هذا الحوار، اذ هي تسهم في اثراء الثقافات المحلية بالمجتمعات التي استقرّت بها، وتشارك مشاركة فاعلة في كل نواحي الحياة من السياسة والاقتصاد الى الفن والادب، ممّا بوّأ بعض أعضائها بلوغ مواقع متقدمة في المجتمعات التي تبنّتهم.

ودعا الدكتور بوسنينة في نهاية كلمته الافتتاحية الى التفكير في بعث ليات لضمان هذا الحوار كإحداث جمعية علمية للدراسات العربية الايبار أمريكية تؤطر هذا الحوار وتنسق بين المؤسسات البحثية والثقافية والفكرية من الجانبين وتنشّط حركة الترجمة في هذا الاتجاه أو ذاك وتشجّع التبادل بين الجامعات وابرام الاتّفاقيات بين الجهات المختصة.. كما شدّد الدكتور بوسنينة على أهمية دور الاعلام في ترسيخ الحوار العربي الايبار أمريكي والتقريب بين هذين الفضاءين.

مسارات الحوار العربي الايبار أمريكي

الاطار العام للحوار الثقافي العربي الايبار أمريكي، خصوصيات هذا الحوار وأسسه التاريخية وتجلياته الادبية والفنية، دور الجاليات العربية بأمريكا اللاتينية في تعميق هذا الحوار، دوره في بناء عالم اكثر تضامنا، وأخيرا آفاق هذا الحوار.. هذه جملة المحاور التي تداول المتدخلون خلال الجلسات المكثفة للندوة على التطرق اليها. وقد اخذت مسألة الجذور التاريخية للتفاعل والتبادل بين الثقافتين حيزا كبيرًا من مداخلات المساهمين في الندوة فتحدثت الرئيسة السابقة للمجلس التنفيذي لليونسكو والمندوبة الحالية للهندوراس بهذه المنظمة الدكتور سنيا منديتادي بادارو عن مسارات الحوار العربي الايبار امريكي فتناولت بالدرس أوّلا المسار الثقافي الاموي الذي اخذته الحضارة العربية من دمشق الى شبه الجزيرة الايبيرية، ثم تحدثت المتدخّلة عن المسار الموحّدي الذي انطلق من شمال افريقيا ليدمج موريتانيا والسنغال والنيجر ومالي في بوتقة واحدة مع الاندلس، ثم يأتي مسار الموريسكيين الذين لعبوا بعد النكبة دورا كبيرًا في ابقاء الروح العربية في الآداب والفنون وفي أنماط العيش والتفكير رغم رحيل المسلمين عن الجنّة الضائعة. وهذه الفنون والآداب وأناط العيش هي التي نقلت بدورها عن طريق المهاجرين الاسبان والبرتغاليين منذ القرن الخامس عشر الى امريكا اللاتينية.. أما المسار الرابع الذي تذكره الباحثة فهو ذلك الذي امتدّ من الاندلس عبر اوروبا معرّفا في ن الوقت بالثقافة العربية الاندلسية والثقافة اليونانية التي عمل على ترجمة بعض ابداعاتها فلاسفة الاندلس وعلماؤها.

وعبر هذه المسارات التي تحقق فيها التفاعل بين الثقافة العربية والمجموعة الايبيرية ثم الاوروبية نسج العرب والايبيريون كما اوضح ذلك الدكتور محمود السيد علي من جامعة القاهرة والدكتور عبد العزيز شهبر من جامعة تطوان وغيرهما أنموذجا حضاريا متميزا ظل مستمرّا حتى بعد جلاء العرب والمسلمين عن شبه الجزيرة الايبيرية بعد 2941 ومنها انتقلت كثير من معالمه الى بلدان امريكا الجنوبية. وقد اوضح الدكتور شهبر دور اليهود في هذه العملية. ولقد سكنت هذا النموذج روح اندلسية مميّزة هي ثمرة تعايش بين ثقافات وأعراق متعددة مع ثقافة العرب المسلمين في شبه الجزيرة الايبيرية والتي تجسدت لتتبلور كمكّون اساسي في فكرة الاسبانية وسمة أساسية للسفاردية عند اليهود المطرودين من الاندلس وصارت عند العرب المُهجّرين سنة 2941 وبعدها هوية اندلسية ظلت تتعايش مع غيرها من الهويات ضامنة لنفسها الاستمرار في الزمن.

تواصلٌ عبر الابداع

ان المشترك الثقافي بين العرب والايبيريين، والايبيريين الامريكيين الناتج عن تلك الروح الاندلسية، والمغيّب في الفكر الجمعي لدى الطرفين كما يقول الدكتور شهبر يحيل نقاط التوتّر التي حدثت في التاريخ الى محطات يمكن أن تُتيحَ نوعا جديدًا من اللقاء، لقاء تحدّث عنه باسهاب الدكتور عبد الله منصور سفير اليمن بتونس والدكتور ادغار مونتيال (من البيرو) مدير ادارة الثقافة والتنمية باليونسكو.. لقاء من شأنه أن يساهم في ظهور ثقافة عالمية جديدة. وان تحسّست المنظومات الثقافية العالمية الحاجة الموضوعية الى تقنين مقتضياتها كما يقول الدكتور عبد الله منصور رئيس مركز حوار الحضارات باليمن وسفير بلاده بتونس فإن الاختلاف في ضبط معاييرها لا يصل الى قاعدتها القيمية من تكريس لأخلاقيات التسامح والدفاع عن مبادئ السلم والتضامن الانساني.

إن اللقاء بين الثقافة العربية والايبار امريكية هو لقاء في التاريخ والذاكرة والنوستالجيا وحضور عبر الوجدان كما ذكرت الشاعرة ظبية خميس ولكنه لقاء يتحقق اليوم على أكثر من صعيد، ويستمرّ عبر قنوات الفكر والابداع وعبر الدور المميّز الذي ما فتئت تقوم به الجاليات العربية في شبه الجزيرة الايبيرية او في بلدان امريكا اللاتينية.

فعلى مستوى التفاعل والتقارب عبر فنون الابداع والفكر تحدث الاساتذة صلاح فضل الناقد المصري المعروف وكذلك ظبية خميس الشاعرة الاماراتية ومديرة الادارة الثقافية بالجامعة العربية وعبد الله جبليو من جامعة تطوان عن انماط التأثر والتأثير، فذكرت الشاعرة ظبية خميس في مداخلتها "أمريكا اللاتينية والحضور المختلف في الوجدان العربي" ان العرب يجدون اليوم انفسهم في المسلسلات الامريكية اللاتينية اكثر ما يجدون ذواتهم في الأعمال التي ينتجونها. هم. كما ان وجود فنانين تمتزج دماؤهم العربية باللاتينية يمثل للكثيرين احساسا بالتحقق العالمي عبر أمريكا اللاتينية.

إلا أن أعظم تأثر بأمريكا اللاتينية، من الجانب العربي كما تقول الباحثة كان التأثير الأدبي وبالذات في مجال الرواية الواقعية والواقعية السحرية اللاتينية التي خلقت اشكالا جديدة في الكتابة الروائية العربية الحديثة وكانت الاقرب على المستوى الروحي والفنّي لروح وتطلعات الكتّاب العرب بالمقارنة مع أيّة تأثيرات اخرى واردة في العقود الزمنية الاخيرة من أية ثقافة او حضارة أخرى.

ولقد استأثرت أنماط تلقّي الروائي الكبير غارسيا ماركيز بمداخلة كاملة للدكتور صلاح فضل الذي غاص في أسباب هذا "الغرام العربي بماركيز متوصّلا الى أنه من أسباب ذلك هو ان ماركيز حرص على تخطي الفردية المعزولة والظلم والعنف والقمع، وهاجم كل هذه الشرور من جذورها بالكشف عنها بسلاح الكلمة موحيا بأنماط اخرى من الالتزام المشترك وبالتضامن بين البشر، وكأنّ العرب، وهم يُقبلون على ماركيز يشكون من خروج الواقع العربي عن المعقولية، وتحوله الى فانتازيا، وامتلائه بألوان من الظلم والقمع مازلنا في حاجة الى كثير من الجهد والوعي حتّى نخفّف منها.

أما الدكتور عبد الله جبليو فقد تحدّث عن الحنين الى الاندلس والى الأصل العربي الذي يطبع كتابات العديد من كتّاب وشعراء أمريكا اللاتينية وخاصة منهم الذين ينخرطون في تلك الحركة الابداعية التي أسماها بالحداثية والتي انطلقت منذ القرن التاسع عشر بريادة الشاعر روبان داريو، وكان من أبرز شعرائها فيلا اسبيزا الذي اصدر العديد من الدواوين عن الاندلس وبلغ غرامه بها انه كان يتجول في شوارع غرناطة بالزي العربي. ومن أبلغ ما قاله "اننا لو انتزعنا بعض الكلس عن جدران كنائسنا لوجدنا تحته لمحة من هبة لاسم الجلالة الأقدس المحفور بالكوفية. كما لو أننا خدشنا بالاظافر بشرتنا الاوروبية الصفراء لبرز لنا من تحتها لون بشرة العرب السمراء.. إنّ قوميتنا الغربية ما هي إلا الواجهة الظاهرة وأما القومية الشرقية فهي حقيقتنا الخالدة".

دور الجاليات العربية بأمريكا اللاتينية

ان ما تحقق بالامس عبر أنماط الفكر والادب والفنون وبها، من أشكال التأثر والتأثير بين العرب والايبيريين والايبيريين الامريكيين يتواصل اليوم ان لم يكن بنفس الزخم الماضي، فعلى الأقل بوعي شديد بالقواسم المشتركة التي تجعل الاندلس حاضرة في الوجدان العربي حضورها في الوجدان الايبيري والأمريكي اللاتيني خاصة بوجود جاليات عربية كبيرة يقدّر عددها بحوالي 51 مليونا تعيش في مختلف المنطقة، وتذكر الدكتورة عزيزة البناني رئيسة المجلس التنفيذي لليونسكو ووزيرة الثقافة السابقة بالمغرب أن هذه الجاليات تقدم مثالا يجدر التأمّل فيه من أجل تقرير التعاون والحوار بين الثقافات، حيث لا يوجد شعور بأن الامريكيين اللاتينيين المنحدرين من اصل عربي يشكلون أيّ خطر على أمن البلدان المعنية ولا أيّ تحدّ لذاتية هذه البلدان او وحدتها فلقد تكيّف هؤلاء على مرّ الاجيال مع أساليب معيشة المجتمعات وسلوكياتها واصبحوا مندمجين مستوعبين يعيشون في انسجام تام مع غيرهم، حيث وجدوا مكانهم في اطار اختلاط يُعتبر "لا كإلغاء لأوجه التنوّع واذابة الفوارق، وانما مصدرا لنشوء أشكال جديدة من التنوع والثراء الانساني، كما يقول المفكر الفرنسي ادغار موران.

وتلعب هذه الجاليات دورا، لا فقط على المستوى الثقافي والحضاري في إغناء الحوار بين الثقافتين ولكن أيضا في التعريف بالقضايا القومية كما وضّح ذلك الدكتور عبد الواحد أكمير (من جامعة الرباط) في مداخلة حول عرب الأرجنتين والنزاع العربي الاسرائيلي.

وعبر رصد دقيق للعلاقات بين الارجنتينيين العرب من أصول عربية وغيرهم من سكّان الارجنتين خاصة من اليهود وذلك منذ قيام دولة اسرائيلية، خلص الباحث الى أن الصراع العربي الاسرائيلي ساهم في خلق نوع من الوعي لدى عرب الارجنتين بأصلهم العربي الذي أصبحوا يفتخرون به، بعد ما كان مصدر خجل في الماضي، عندما كانوا يعيشون وضعية اقصاء داخل المجتمع الارجنتيني. كما ساهم في خلق تلاحم بين المسلمين والمسيحيين بطوائفهم المختلفة، بالرّغم من أن بعضهم ممّن شغلوا مناصب بارزة يرون ان العرب لم يستفيدوا منهم لخدمة القضية الفلسطينية على غرار ما تفعله اسرائيل مع بعض أصحاب القرار من يهود الأرجنتين..

ولا شك ان الطريق مازال مفتوحا لتحقيق مزيد من التقارب والفهم للقضايا المشتركة، فما يجمع المنظومتين العربية والايبار امريكية عميق في الماضي، وهام وحارق في الحاضر بسبب التحديات المشتركة التي تتعرضان لها. واذا ما كان من فضل للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم في مجال هذا التقارب، فهو أنها اطّرت شكلا هاما وحيويا من أشكال اللقاء والحوار بينهما وسلّطت الضوء على أسسه وامكانياته و فاقه، وهو جُهْدٌ يتعيّن على كل الدول العربية والايبار أمريكية أن تباركه وتدعمه الدعم.

طباعة >> | إغلاق النافذة >>


afkar@afkaronline.org