تونس - أفكار - خيرة
الشيباني
بالرّغم
من طبول الحرب التي ما تنفكّ الولايات المتحدة تقرعها إيذانا
بتوجيهها ضربة قادمة الى العراق، فإن نبرة من التفاؤل والأمل
في قيام "نظام قيمي تنصهر في بوتقته مختلفُ الثقافات وتسهم
في بلورته كل الشعوب" وتسعى على أساسه كل الارادات المتبصّرة
لتعزيز التضامن الانساني من أجل تحقيق الأمن والاستقرار والكرامة
لكافة أبناء البشرية، طغت على اعمال ندوة "حوار الحضارات
والتضامن الانساني" التي نظمتها بتونس من 25 الى 26 سبتمبر
2002 جمعية البرلمانيين التونسيين التي يرأسها السفير السابق
السيد قاسم بوسنينة، وذلك بمشاركة نخبة من القيادات السياسية
والفكرية العربية والاوروبية والامريكية.
إلا أن نبرة التفاؤل هذه لم
تمنع المساهمين في الندوة من الوقوف طويلا عند المعوقات التي
تعرقل هذا النظام القيمي العالمي، وتحول دون قيام هذه الرابطة
الانسانية الجامعة التي يفرضها المصير المشترك، كما لم تمنعهم
من الالتفات الى دعاة صراع الحضارات لتفكيك مقولاتهم ودحضها،
وتوجيه دعوة الى المجتمعات العربية لمراجعة الذات والوقوف على
حقيقتها، ذلك لأن الجهل بالذات وبالآخر يعرقل كل أسباب الحوار
والتعايش ويقوّض أسباب التضامن، ويؤجج روح الكراهية والعداء
والعنف الذي أصبحت له اليوم استراتيجيات جديدة تفجّر بدورها
اشكالا اخرى من الحروب والدّمار.
فعلى ماذا تستند نبرة التفاؤل تلك ؟
وعلى ماذا تقوم النظرة النقدية هذه ؟
لعلّنا نظفر عمّا طرح من تسؤالات
ببعض الاجوبة باستعراضنا لبعض ما جاء في مساهمات المتدخلين.
الحوار من صميم الوجود البشري
بالرّغم من أن الحياة تقتات من الحياة، ومن ان البشر يجنحون
في حياتهم الى الحرب اكثر مما يجنحون الى السلم - كما ذكر الدكتور
عبد الوهاب بوحديبة المدير العام لبيت الحكمة في مداخلته التي
حملت عنوان "التنافس بين الأمم من عنف الدول الى حوار الحضارات"
الا ان حوار الحضارات يُعَدّ من صميم الوجود البشري، فهو يحدث
عفويا احيانا وينتظم انتظاما احيانا اخرى، ولكن لم يكن للشعوب
والثقافات والحضارات غنى عنه أبدا بعد ان اكتشفت انه الحلّ الأمثل
الذي يجب أن يحلّ محلّ المجابهة العنيفة.
ويضيف الدكتور بوحديبة ان حوار
الحضارات يتمّ في صلب كل واحد منا ويمرّ أولا بهويّتنا الذاتية،
وهو مشترك ومتبادل وينبغي ان يكون متكافئا إذ من خلال تحاوري
مع الآخر أتحاور مع ذاتي. إلا أن الواقع يظلّ أشدّ تعقيدًا،
اذ ان هذا الحوار "يتمّ أيضا على خلفيّة من الهيمنة".
وقد بدأت نزعات جديدة اليوم تتقوّى أكثر فأكثر لمهاجمة نظريات
"السيادة الوطنية للدول" و"الدولة الأمّة"
كتعبير عن الشعوب. وهو ما يجعلنا نتساءل كيف يمكن ان يُوكَلَ
حوار الحضارات الى مؤسسات (دول) مارست العنف؟
ان العنف ـ كما يضيف المدير
العام لبيت الحكمة ـ الذي تعمد اليه الدّول يخلو من التسامح.
فماذا نقول اذن عن العنف غير المراقب والفوضوي الذي يظهر بمظهر
ارهاب الدول والخواص؟ والذي لا يكفي ان ندينه بل يجب ان نؤكّد
على طابعه الأعمى وعلى عدم نجاعته؟
لقد أظهرت المقاربات السياسية
والاجتماعية والاقتصادية ـ كما يضيف الدكتور بوحديبة ـ أن العنف
في مستوى الأفراد والأمم قد يكتسي عدّة مظاهر وبالتالي يجب تحويله
واخماده واضعافه، إذ لم يعد العنف يعتبر السبيل الوحيد الباقي
امام الانسانية، فلقد اصبح للمجتمع المدني كلمة، وداخل الأنظمة
الديمقراطية تجرى حوارات ومناقشات للحدّ من نزعات الهيمنة. اما
في العالم العربي فاننا ـ بالرّغم من وعينا بالصعوبات والالتباسات
المتصلة بالفترات الصعبة التي نعيشها ـ فإننا مازلنا غير قادرين
على اختيار طريقنا بوضوح واعداد الاستراتيجيات المتلائمة.
وهو ما يحتم علينا ـ في رأي
الدكتور بوحديبة ـ ونحن المزوّدين برصيدنا الأخلاقي والثقافي
ـ أن نكون من انصار الحوار وأن نتبنّى بلا تردّد موقفهم أوّلا
لأن الحوار جزء من جوهر ثقافتنا الاسلامية التي أثبتت تفتحها
وطابعها الشمولي الكوني، وثانيا لان الكلمات المفاتيح في بداية
هذه الألفية الثالثة هي المساهمة في متغيرات العالم ومشاركته
في المنظور والتبادل والتقاسم.
والى هذه الوجهة ايضا ذهب الدكتور
حسين فنطر المشرف على "كرسي الرئيس بن علي لحوار الحضارات
والأديان" وذلك في مداخلة قدّمها بعنوان التسامح أو الاعتراف
بالاخر التي بيّن من خلالها جدلية الأنا والآخر، وهي جدلية يتعالق
فيها الأنا والآخر تعالقا عضويا، وتفضي فيها المعرفة الى الاعتراف،
وهي تجربة عاشتها تونس على مرّ القرون وتؤمن بحقيقتها الجوهرية
اليوم، وليس أدلّ على ذلك من اصدار العديد من التراتيب والقرارات
وبعث المبادرات لترسيخ ثقافة الحوار والتسامح، والانفتاح على
الآخر ثقافات واديانا، وعلى رأس هذه المبادرات "كرسي الرئيس
بن علي للحوار بين الثقافات والأديان".
تناقض
بين قيم العصر وممارسته
ويذهب الدكتور منجي بوسنينة
المدير العام للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم بدوره
الى ان ظروف اللقاء ودواعي التفاهم التي توفّرت للبشرية اليوم
لم تتوفر لها في السابق، الا انه يتساءل "هل ثمّة فعلا
ارادة حوار حقيقي بين الثقافات والحضارات أي بين الشعوب والدول
؟ وهل يصحّ القول بوجود تلك الارادة، والحال ان دويّ الرصاص
تئن منه الآفاق، وهل لنا - في مقابل ذلك - ان نستغني عن اداة
الحوار وسيلةً مثلى لاحياء السلام نفسه؟" .
ان ما يدفع بالدكتور بوسنينة
الى هذا التساؤل هو ذلك "التناقض المفزع بين قيم العصر
وممارسته، حيث تعمد الدول الديمقراطية الى ايواء ودعم اعداء
الديمقراطية واتاحة فرص الجريمة المنظمة بتعلّة احترام الحريات
الشخصية، حتى اذا ذاقت منهم مُرّ العذاب ردّت الفعل وحمّلت الابرياء
اثم المجرمين، اعتقادا منها انها تشنّ حربا على الارهاب"
وما يستتبع ذلك من خلط بين الارهاب، باعتباره جريمة بكل المقاييس،
وبين النضال من اجل الحرية والاستقلال، باعتباره حقا مقدسا لا
يقبل التنازل.
ان هذا الخلط، وما ينبني عليه
من سوء الظنّ والتبسيط والجهل يمثل عائقا أوّل من عوائق الحوار
التي يأتي على رأسها ما "يخترق هذا العصر من اشكال التطرّف
المختلفة، وقد زادتها العولمة بتناقضاتها ومخاطرها استفحالا".
ويلح المدير العام للألكسو على
أن التطرّف بنية ذهنية ولا يمثل قطعا سمة ثقافية دينية أو عرقية،
وهو بالتالي ليس حكرا على ثقافة دون اخرى ولا حضارة دون سواها.
واذا ما كان التطرّف عند المسلمين يرمي الى اقصاء الذات من مكاسب
العصر الفكرية باسم اصالة متوهّمة تُلغي التاريخ، فإنه عند بعض
الغربيين والامريكيين يرمي الى اقصاء الغير وبتر ارادته في الاندراج
في حركة التاريخ ومصادرة حقّه في التقدم والتنمية، "مستدلّين
على وجاهة مواقفهم بالمواقف المتطرّفة في بلداننا، اذ هم يختزلون
الاسلام في تطرّف المتطرّفين، والعروبة في مواقف دعاة الانغلاق".
وهكذا يستمدّ دعاة صدام الحضارات اهم حججهم من غلاة المتطرّفين
في حضارتنا، وهو ما يستدعي في رأي الدكتور بوسنينة وقفة لفهم
هذه الظاهرة والاسباب الكامنة وراءها.
والواقع أن محاولة الفهم هذه
تقود المدير العام لليونسكو الى نوع من تشريح أسباب التخلّف
والنكوص اللذين تشهدهما المجتمعات العربية، التي امتنعت عليها
سبل الجمع بين الوفاء للهوية وأسباب التقدم الحقيقي. وتأتي في
مقدّمة تلك الأسباب الجهل بالذات وبالآخر اذ ان جهلنا بالآخر
اعمق في بعض الحالات من جهل الآخر بنا ومركزيتنا العربية ليست
اقلّ سوءًا من المركزية الأوروبية، وهو ما يقتضي منا الانفتاح
على العالم، والأخذ بأسباب معرفته من جهة اتقان اللغات الاجنبية
وتشجيع حركة الترجمة والتعرّف على معتقدات الاخرين على النحو
الذي يؤمنون به واقامة نظم تربوية لا تنفكّ فيها التربية على
"الاعتزاز بالنفس والولاء للوطن عن التربية على ارادة الالتحام
بالقيم الكونية".
ويؤكد الدكتور بوسنينة أنْ ليس
للحضارة العربية "ان تخشى اليوم مقارعة الحجة بالحجة ودفع
الرأي بالرأي" في مجرى ما يشهده العالم من تحولات عميقة
وتكتلات تحكمها المصالح وتدفع اليها المنافسة، وهو من جملة ما
تقوم به ـ كما يوضح ـ المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم
من خلال علاقات الشراكة التي اقامتها مع منظمات دولية، وكان
فيها للمفكرين العرب حضور فاعل.
ان الصحوة العربية المطلوبة،
التي تتطلّب فيما تتطلّب مصارحة حضارية داخلية يقف فيها العرب
على نقائصهم بهدف إصلاحها، تحتاج الى ارادة سياسية قوية يمكن
لها أن تستأنس بما انحازت اليه بعض الدول العربية من نهج ريادي
حكيم كذاك الذي نشهده في تونس اليوم بقيادة رئيسها زين العابدين
بن علي، الذي قاوم حسب تعبير الدكتور بوسنينة "ثقافة الحقد
بثقافة التآخي البشري، وقاوم الانغلاق بالتفتّح".
أخلاقية المسؤولية
ولم يذهب السيد رضا مالك الرئيس
الأسبق، للحكومة الجزائرية وزعيم التحالف الوطني من اجل الجمهورية
بعيدًا عن دعوة المجتمعات العربية الاسلامية لعملية نقد ذاتي
تتمّ بموجبها عملية تقصّي الأسباب الحقيقية لنموّ ظاهرة "التطرف
الاسلاموي" بالمجتمعات العربية الاسلامية، ومنها غياب استراتيجية
صارمة في التحديث تستهدف في المقام الأوّل تغيير العقليات. وقد
ترك هذا الغياب المجال فارغا لهجمات "تديّن مشدود الى احكام
مسبقة قديمة ومستخدمة من أجل الوصول الى كراسي الحكم".
هذا بالاضافة الى ان الاستعمار لم يرحل نهائيا من الدول العربية
على الأقل على مستوى "الذهنيات"، ذلك أن الايديولوجيا
الاستعمارية ـ على حدّ قول السيد رضا مالك ـ "بغطرستها
العرقية، ومحاباتها المتعالية، قد ظلّت كامنة في أعماق الضمائر،
مستعدّة للوثوب بقوّة اكبر". وهو ما احدث لدى العديد من
الفئات داخل المجتمعات العربية ردود فعل ذهبت حدّ الانكماش على
الذات ورفض قيم الحداثة باعتبارها قيما يشترك فيها المحتل القديم،
ذلك ان الغرب والاستعمار اصبحا مترادفين في أعين الناس.
ولا يخفي السيد رضا مالك ما
اسماه "بالتواطؤ الغربي على نموّ الظاهرة الاسلاموية المتطرفة"،
بل بالصمت عليها احيانا وتشجيعها احيانا اخرى قصد استخدامها
في حال ما استحوذت على السلطة في بلدانها. الا ان احداث 11 سبتمبر
كشفت ان هذه الظاهرة الهمجية تنعكس على القوى الكبرى التي استخدمتها،
وانه لا حدود لها، وفجأة صار النضال ضد الارهاب لازمة تتردد
في السياسة الدولية.
وفي مثل هذا السياق، يتساءل
السيد رضا مالك: ما هو وضع الحوار بين الاسلام والغرب وما هي
شروطه ؟
ان ما يدعو اليه السيد رضا مالك
من جانب المسلمين، ليس الاقتصار على الاشادة بالفضائل الانسانية
للاسلام والمميزات التاريخية لحضارته، بل هو السعي الى تكريس
فاق التجديد عبر عملية اصلاحية داخلية لا تتعلّق بالنضال ضد
الارهاب فحسب، بل تؤدي الى رؤية جديدة لهذا الدين الذي يعتبر
اسلام التنوير، أي إسلاما يتبنّى بكل قوة مبادئ الموضوعية والعقلانية
الموجودة في صلب الحداثة والتي تمثل جزءا لا يتجزّأ من رسالته
الاولى. وبعبارة اخرى - كما يوضح الرئيس الأسبق للحكومة الجزائرية
ـ ان الامر يتعلّق بتحديث الاسلام أكثر ممّا يتعلّق بأسلمة الحداثة.
أما من جانب الغرب، فإن الأمر
يقتضي ان يتخلّى عن هذه العرقية المركزية التي تحجب الحقائق
عن عالم يطمح الى الوحدة والتضامن بين جميع البشر دون تمييز
في العرق او في الدين . كما ان الواجب المنوط بالغرب يقتضي أيضا
مقاومة الارهاب ضمن منبعه الايديولوجي، الذي يمثل صورة كاريكاتورية
عن الاسلام عموما من حيث هو دين وحضارة كونية.
ولعلّ أقصى ما نحتاج إليه اليوم
ـ كما يخلص السيد رضا مالك ـ هو ان نأخذ بأخلاقية المسؤولية
تلك التي ميزها ماكس فيبر عن أخلاقية الايمان الجازم.
وضمن هذا السياق يبدو حوار الحضارات
وخاصة بين الاسلام والغرب امرا ممكنا، خاصة اذا ما كان التضامن
منتظما في نفس الافق حيث تتركز القيم الانسانية العليا التي
يتقاسمها الناس عبر تنوّع الثقافات وخصوصية كل واحدة منها.
دحض نظرية صراع الحضارات
اذا ما كان الحوار بين الثقافات
امرا جوهريا انبنى عليه الوجود الانساني عبر مسيرته التاريخية،
وفرضته اليوم التطورات التكنولوجية وتحتمّه اليوم أكثر من أي
وقت مضى الاوضاعُ الدولية من جهة ذلك الخلط المفزع للغرب بين
التطرّف والاسلام، فإن الاقرار بحتميّة صراع الحضارات، أو حتى
بفرضيته كما جاءت على لسان هاتنغتون يصبح أمرًا مغلوطا، وتصبح
تلك الفرضية فرضية قابلة للدّحض خاصة اذا ما انبنت على حقائق
غير موضوعية، وهو ما تصدّى له في هذه الندوة السيدان الشاذلي
القليبي الامين العام الأسبق للجامعة العربية والهادي البكوش
الوزير الأول الأسبق بالجمهورية التونسية.
ويذهب الأستاذ الشاذلي القليبي
في مداخلته التي قدّمها بعنوان "نقد نظرية صراع الحضارات
في ضوء المبادئ والقيم الاسلامية" الى نقض جملة الافتراءات
التي تضمنتها نظرية صراع الحضارات ومنها ان الصراع بين الغرب
والاسلام عائد لما يختزله الاسلام من عنف وقلّة تسامح وان الاسلام
اختص بالدعوة الى الجهاد، وان الاسلام دين شمولي totalitaire
واليه يرتدّ فشل التجارب الديمقراطية في المجتمعات التي تنتسب
اليه، وانه يناهض القيم الحضارية كما يناقض فكرة المستقبل والتقدّم.
وردّا على جُملة هذه الافتراءات،
يوضح الاستاذ القليبي ان الاسلام مفتوح على الديانتين اليهودية
والمسيحية وان المجتمعات العربية الاسلامية احتضنت اهل الذمّة
وأصحاب المِلل والنّحل بأريحية كاملة. كما اوضح ان الاسلام لم
يختصّ بالدعوة الى الجهاد فباسم الجهاد تمّت الحروب الصليبية
والحروب التوراتية، فضلا عمّا يعتقده الاسرائيليون من أن حروبهم
تُخَاضُ من أجل استرجاع حقوق يعتبرونها أبديّة. هذا بالاضافة
الى ان الجهاد في الاسلام يُمْنَعُ فيه قتل النساء والأطفال
والتمثيل بالأعداء.
واعتبر الاستاذ القليبي من ناحية
اخرى ان الاسلام دين شامل احتوى على نظرة حضارية متكاملة وليس
في روحه ما هو لصيق بالشمولية اذ اقرّ الشورى مبدأ لتنظيم الوجود
المدني الا أن المسلمين عبر مسيرتهم التاريخية انصرفوا عن استنباط
معاني الشورى وابتعدوا عنها. كما أضاف ـ خلافا لما ادّعته نظرية
صراع الحضارات من ان الاسلام لا يقيم وزنا للمستقبل ـ أن هنالك
جدلية دائمة بين الحاضر والمستقبل، اذ اعتبر الاسلام ان من زرع
شجرة وهو يعلم انها لا تُثمر الا بعد سنين فله اجر عظيم، كما
ان الاسلام يقوم على فكرة التقدم وهو الذي دعانا ان نطلب العلم
ولو في الصين، كما دعانا الى الاجتهاد ليكون هذا الدّين ـ صالحا
لكلّ زمان ومكان. اما الأعمال الارهابية التي ضربت بُرْجَيْ
التجارة العالمية بنيويورك فهي مناقضة للأعراف ولا يمكن ان تُتْرَكَ
مسؤوليتها على حضارة كاملة ولا على ثقافة جملة وتفصيلا..
وإذا ما أقرّ الأمين العام الأسبق
للجامعة العربية ان هنالك ارادتين تتصارعان في هذا العالم، وهما
ارادة الهيمنة وارادة التحرّر، فإنه طالب كلاّ من الارادتين
بالنهوض بمسؤولية ارساء السلام في العالم، والعناية بالمستقبل
والجنوح للحوار لتقريب الشقة، ولإحباط سوء الظنّ من الطرفين،
فللغرب تقاليد في اعلاء الروابط الانسانية، وللاسلام ثقافة تقوم
على التسامح والانفتاح على الآخر، وأي لجوء الى الارهاب والعنف
هو جهل بهاتين الحقيقتين كما ان خلط المقاومة الوطنية بالارهاب
أمر يخلو من أي تبصّر.
وفي |"تأملات حول العلاقة
بين الحضارات" ذكر السيد الهادي البكوش الوزير الأول التونسي
الأسبق أن تونس لم تكن بعيدة عن الحوار الواسع حول 11 سبتمبر
وتداعياته، وليس غريبا ان تهتم النخب السياسية والفكرية وعلى
رأسها الرئيس بن علي بهذا الموضوع لأن تونس تمثل ملتقى الحضارات
والثقافات وهي بسياستها الحالية تنبذ العنف وتدعو الى التفاهم
والتآخي، وليس أدلّ على ذلك من مبادرة الرئيس بن علي ببعث كرسي
للحوار بين الحضارات والأديان.
وأضاف السيد البكوش أن الحضارات
عبر تاريخها لم تشكّل فضاءات مغلقة، بل كانت دائما متّصلة ببعضها
البعض، الا ان هذا الاتصال والتواصل لم يَنْفِ انها عاشت فترات
من التوتّر والحروب والصراعات، وهذه الصراعات لم تكن تتم دائما
بين حضارة وأخرى، بل تمّت حتى داخل الحضارة الواحدة كما هو الشأن
بالنسبة للحربين العالميتين الاولى والثانية. وعلى هذا الأساس
يمكن دحض ما قامت عليه نظرية صراع الحضارات التي تؤكّد على حتمية
المجابهة الدموية بين الحضارة الاسلامية والحضارة الغربية. ومن
ناحية اخرى اكد السيد الهادي البكوش أن هذه الفرضيّة لا تأخذ
بعين الاعتبار اختلال ميزان القوى بين البلدان الغربية والاسلامية
على أكثر من صعيد، ولا يسمح هذا الاختلال بالدخول في صراع مع
الحضارة الغربية. ثم ان الولايات المتحدة ـ كما لاحظ المتدخل
ـ لا تخوض الآن حربَ ـ حضارة ضدّ حضارة اخرى، بل انها تخوض حربا
للانتقام، ولتحقيق مآرب اقتصادية ولتوطيد هيمنتها على مصادر
الطاقة، وازالة العقبات التي قد تعطّل مسيرة العولمة. وقد نتجت
عن هذه الحرب المُعْلنة عن الارهاب عدّة انزلاقات منها الدعم
اللامحدود لدولة اسرائيل المتسببة في اكبر كارثة عرفتها الانسانية
والمتمثلة في هدر الحقوق الفلسطينية ارضا وشعبا وسلطة، بالرّغم
من أن المقاومة الفلسطينية عمل وطني يهدف الى الاستقلال وتضمّ
المقاومة الفلسطينية مسيحيين وعلمانيين بالاضافة الى التهديدات
الموجّهة الى النظام العراقي العلماني!!..
ولاحظ السيد الهادي البكوش في
نهاية مداخلته ان هنالك الآن حضارة عالمية بصدد البروز هي امتداد
للحضارة الغربية التي تطورت وتوسّعت اكثر من الحضارات الأخرى،
وقد اختارت جلّ الشعوب الالتحاق بالحضارة العالمية بالرّغم من
نزعة الهيمنة والتهميش التي يمكن ان تشعر بها، الا ان هذا الاندماج
ـ كما ينبّهنا المحاضر ـ يجب أن لا يمنعنا من تأكيد الذات، وهذا
هو الرهان الذي يجب أن نخوضه بكلّ ايمان وعزم.
هل يمكن للنبيّ ابراهيم أن
يوحدّنا؟
واذا ما كان صراع الحضارات وبالذات
بين الحضارة الاسلامية والحضارة الغربية فرضية يمكن دحضها فهل
"يمكن للنبيّ ابراهيم أن يوحدّنا جميعا ؟".
هذا السؤال طرحه الأستاذ ستيفان
جوال تراشتنبارغ رئيس جامعة واشنطن بالولايات المتحدة. على ان
الامر يتجاوز مجرّد السؤال بالنسبة لرئيس جامعة واشنطن ليمثّل
قناعة راسخة لديه، فهو يعتبر ان المصالحة قد تمّت من خلال النبيّ
ابراهيم بين اسحاق واسماعيل، وقد كانت هنالك علاقة وثيقة بين
العرب واليهود وتاريخهما متداخل، كما ان المسيح والنبيّ محمد
جاهدا من اجل التحرّر من نظرة ماضويّة لانهما كانا ينظران الى
المستقبل. فثمة علائق وشيجة اذن بين اليهود والمسيحيين والعرب،
إلاّ ان بعض الظواهر التاريخية والاحداث مثل ظاهرة الاستعمار،
وقيام دولة اسرائيل والمغامرة السوفياتية في افغانستان قد احدثت
الكثير من التوتر بين اصحاب هذه الديانات، وانه من المفارقة
ان اسامة بن لادن يُعدّ اليوم المسلم الأكثر شهرة في امريكا
في حين انه لا يمثل هو ولا اتباعه الوجه الحقيقي للاسلام. وامام
هذه الحقيقة علينا التعارف ـ نحن أبناء ابراهيم ـ اكثر فأكثر،
واعمق فأعمق وذلك عبر مزيد من انفتاح المؤسسات التربوية والتعليمية
على الديانات الثلاث، وهو ما تنتهجه جامعة واشنطن، منذ احداث
11 سبتمبر، بتخصيصها وحدات دراسية وحلقات درس لدراسة الاسلام
دينا وحضارة.
المبادرة
التونسية للتضامن الدّولي
ولكن هل يكفي حوار الحضارات
لتحقيق السلام في العالم وتمكين الانسانية من اسباب الامن والرفاه
والعيش بكرامة وحرية؟
ألا يمثل التضامن الانساني استكمالا
لما يفتحه الحوار بين الثقافات من سُبل التفاهم والرغبة في العيش
المشترك؟
واذا كان الأمر كذلك فما هي
الآليات التي يمكن بها للتضامن الانساني ان يكون ناجحا؟
على هذه الأسئلة يجيب كل من
السادة كمال مرجان الأمين العام المساعد لمنظمة الأمم المتحدة
المكلف باللاجئين، وأحمد حمروش رئيس اللجنة المصرية للتضامن
وعياض الودرني الوزير مدير الديوان الرئاسي بالجمهورية التونسية
ولوسيان مايزلس (النمسا).
وقد تعرض السيد كمال مرجان الى
مفهوم التضامن الدولي والى واقعه ومستقبله، مشيرا الى ان ميثاق
الامم المتحدة لا يشير الى عبارة التضامن الدولي، بل الى التعاون
الدولي في العديد من المجالات منها الاقتصاد والاجتماع وحفظ
السلامة. واذا ما كان التعاون الدولي اقرب الى التضامن الا انه
لا يضاهيه في معنى الواجب الاخلاقي.
هذا على مستوى المفهوم، اما
على مستوى الواقع فإن التضامن الدولي عرف تقلبات بحسب تقلبات
العلاقات الدولية مما جعله أقرب الى الاختلال، فلم نعرف خلال
السنوات الاخيرة ذلك التضامن الذي ابدته الولايات المتحدة مع
اوروبا من خلال مخطط مارشال، وكان متوقعا ان يعرف التضامن الدولي
مع نهاية الحرب الباردة نقلة نوعية. ولتنجز البشرية التنمية
المنشودة تحتاج الى ما بين 96 مليار دولار و 116 مليار دولار
معونة رسمية لم يقدم منها اليوم للدول المحتاجة إلاّ 56 مليار
دولار فقط ويخلص السيد كمال مرجان الى ان الذي يحرّك التضامن
الدولي هو اما عقيدة مشتركة او مصالح محددة او الدفاع عن ايديولوجيا،
وطالما لم تتوفر هذه العوامل فإنه لا امل في خلق عالم افضل كما
تلح الأمم المتحدة.
كيف السبيل اذن الى تفعيل
التضامن الدولي؟
لقد فكّر في هذا الأمر عديد
من قادة العالم كما يوضح السيد كمال مرجان، وذلك انطلاقا من
الاحساس بما يعانيه ربع سكّان المعمورة من خصاصة، وبالذات مع
انتهاء الحرب الباردة، وخيبة امل سكان الجنوب الذين كانوا ينتظرون
تغيرا في العلاقات الدولية. وكانت المبادرة الرئاسية التي تقدمت
بها تونس بإنشاء صندوق للتضامن العالمي، من اهم المبادرات التي
تلقتها الامم المتحدة، وهذه المبادرة التي تنبع من المنطلق الفلسفي
والاخلاقي لانشاء صندوق 26 - 26 بتونس، ترمي الى مساعدة المجتمعات
الفقيرة على الرفع من مستوى عيشها، وبالتالي تحقيق امنها الداخلي
واستقرارها السياسي، وتحميل المجموعة الدولية مسؤولية مقاومة
الفقر والجهل ومظاهر البؤس العامّة في مناطق العالم الفقيرة،
وفوق هذا تحسيسها بترابط مصير شعوب الارض بحيث ان ما يمسّ شعبا
يمكن ان يمسّ الشعوب الاخرى.
واذا ما اضفنا الى هذه المبادرة
التونسية المبادرة اليابانية بإنشاء صندوق الأمن البشري، فإنه
وجب التأكيد ـ كما يلح السيد كمال مرجان ـ على ان التضامن الدولي
مسؤولية جماعية تتجاوز الدّول لتعني الشركات الكبرى وكافة المنظمات
الدولية والاقليمية وفئات المجتمع المدني، لأنها تعني الجميع
بدون استثناء.
ويذهب الأستاذ أحمد حمروش رئيس
اللجنة المصرية للتضامن الى ان فكرة التضامن الدولي فكرة جديدة
وطارئة على القاموس السياسي. وأنها لم تظهر الا بعد الحرب العالمية
الثانية. خاصة مع انطلاق حركات التحرير للدول المستعمرة سابقا
اذ برز معها وإثرها مفهوم التضامن الدولي، خاصة في اطار تجمعات
اقليمية كما هو الشأن بالنسبة لمجموعة دول عدم الانحياز او مجموعة
الوحدة الافريقية والمنظمات الافرو سيوية وغيرها. وتعرّض رئيس
اللجنة المصرية للتضامن الى ما طرأ على هذا المفهوم من تغيّر
مع الحرب الباردة ثمّ مع انتهائها، وبروز ظاهرة العولمة التي
تحتم اليوم، بما تمثله من مخاطر، تفعيلَ هذا المفهوم.
التضامن الدولي يتجاوز الرؤية
الاخلاقية
ان تفعيل مفهوم التضامن الدولي
وترسيخ ثقافة الحوار والتسامح هو ما تسعى اليه جادّة تونس اليوم،
بل انها جعلت منهما خيارا حضاريا وسياسيا. وهذا ما اكده السيد
عياض الودرني الوزير مدير الديوان الرئاسي (تونس) في مداخلة
ألقاها بعنوان "الحوار والتضامن خيار تونس الحضاري والسياسي".
وقد اوضح السيد عياض الودرني ان الحوار ليس قيمة مستحدثة او
سلوكا جديدا بل اننا نجد له قواعد في كل الحضارات والحِقب، وعبر
كل مراحل التاريخ كان للصلح قيمة بين الأمم والدول، وللعلاقات
بين الشعوب معانيها ومعاييرها. الا ان ما ينقله لنا المشهد الاعلامي
العالمي من مظاهر التوتّر العالمي يجعل الحديث مرّة اخرى عن
الحوار خارج دائرة التكرار المملّ، بل حاجة تقتضيها السياقات
الدولية، كما ان احداث 11 سبتمبر تركت العديد من الآثار على
الجميع بدون استثناء.
كذلك يمثل التضامن قيمة اخلاقية
وحضارية ورباطا انسانيا راسخا في التراث الانساني وفي التراث
الحضاري التونسي اذ نجد ـ كما يلاحظ الأستاذ الودرني ـ ان ابن
ابي الضياف يتحدث عن التواصل بين الدول كحاجة ضرورية وليست كمالية،
اما خير الدين التونسي فهو يقول "ان العالم بلدة متحدة،
تسكنها امم متعددة، حاجة بعضهم الى بعضهم متأكدة". وطوال
تاريخها تعاقبت على تونس اجناس وثقافات وديانات مختلفة ولكنها
استطاعت ان تندمج وتنصهر وتكون ما لت اليه قرطاج والقيروان وتونس
جامعة الزيتونة والفكر الاصلاحي وتونس التغيير التي اكد خطابُها
السياسي طوال فترة تشرف على 15 سنة ان فكر الاصلاح والتفتح المتجذّر
في الحضارة الوطنية هو مرجع أساسي لكل الخيارات الحضارية والسياسية
والاستراتيجية لتونس اليوم.
وذكر المسؤول التونسي ان القراءة
التونسية لمفهوم التضامن تتجاوز الرؤية الاخلاقية لتنظر اليه
على انه علاقة اجتماعية يمكن تفعيلها بآليات ووسائل لتكون قاعدة
للحراك الاجتماعي والتشجيع على الانتاج واعادة بناء المجتمع،
وهكذا تكون للتضامن اهداف اقتصادية وثقافية وتنموية ترفض التهميش
والاقصاء وتوفر للجميع الفرص المتكافئة للنموّ والعيش بكرامة،
وبذلك لا ينمو المجتمع "بسرعتين".
وهذا المفهوم الواسع للتضامن
الذي يتجاوز البعد الاخلاقي الارادي هو ما حدا بالقيادة التونسية
الى النظر الى موضوع التضامن في المستوى الدولي كحلّ لبعض ما
تعانيه الانسانية من مشاكل الفقر والخصاصة والتهميش لبعض فئاتها
وشعوبها. وبهذا المفهوم يمكن للتضامن الانساني أن يعزّز الحوار
ويسنده بقوّة. ويتساءل الاستاذ الودرني، اذا ما كان الحوار والتضامن
الانساني يفترض تكافؤا بين الاطراف ولغة مشتركة وثقافة حضارية
واحدة، بأي حق يمكن للانسانية ان تقبل اشكال التفاضل والتمييز
بين الحضارات والثقافات والاديان؟ وهل يمكن اليوم ان يستحكم
الظرف في التاريخ؟ فالرجة الحضارية المتمثلة في تداعيات 11 سبتمبر
قد حصلت، الا ان التفكير في الخروج من الصراع يأتي من ضغط الظرف،
اي ضغط الحدث ويؤثر بالتالي في وجاهة التفكير.
ويضيف السيد الودرني ان اسئلة
كبرى تُطرح اليوم، ونعتقد ان الاجوبة تكمن في الحوار وما يستوجبه
من احترام متبادل وهذا ما أكّده الرئيس بن علي منذ 1995 في حواره
لصحيفة "لوفيغارو" حيث اوضح ان بناء عالم افضل رهين
احترام المعايير. الا ان ما نشهده اليوم ـ مع الاسف ـ ان نفس
الاطراف الحضارية التي تطالب بتطبيق الشرعية الدولية وتتحدث
عن التضامن الانساني هي ذاتها التي تشجّع العنف وتدعمه، وتمارسه
ايضا، وهذه المزاوجة هي التي تجعلنا نتساءل: اين هي العلاقة
بين التقدم الفكري والعلمي وبين التقدم الاخلاقي؟
تنمية الحلول السلمية للنزاعات
الدولية
ان المشهد الدولي الحالي الذي
تخيّم عليه اليوم اجواء التوتر والحروب يدفع المجموعة الدولية
الى البحث في وسائل الحلّ السلمي للنزاعات وامكانية تطوير تلك
الوسائل وهو ما تصدّى له السيد روبار أوربان الوزير البلجيكي
السابق والسيد توفيق بوعشبة استاذ العلاقات الدولية بكلية الحقوق
والعلوم السياسية بتونس.
وقد ألحّ السيد روبار أوربان
على أهمية اللجوء الى كل الوسائل السلمية قبل الانحياز الى خيار
الحرب، وشدّد على ضرورة هدم الهوّة بين الدول الفقيرة والدول
الغنية وخاصة في مجال التنمية وتعزيز التعاون الدولي من اجل
الحفاظ على السلم العالمي.
اما الاستاذ توفيق بوعشبة فقد
التفت الى ما يمكن ان يقوله القانون الدولي فيما يتصل بحوار
الحضارات والتضامن الدولي. وقد لاحظ غياب مفهوم حوار الحضارات
عن ادبيات القانون الدولي وان كان القانون الدولي هو نتاج حوار
الحضارات وما بينها ايضا من صراعات وازمات وحروب. وعلى هذا الأساس
يمكن التمييز بين القانون الدولي التقليدي الذي عملت به المجموعة
الدولية من القرن التاسع عشر الى نهاية الحرب العالمية الثانية،
وكان نتاج الحضارة الغربية وبين المرحلة الثانية التي اخذت في
الاعتبار تنوّع الحضارات وان جاءت في فترة تفوّقت فيها الحضارة
الغربية.
ولقد لاحظ الأستاذ بوعشبة ان
حوار الحضارات جاء كردّ على قضية مستقبل العلاقة بين الحضارة
الغربية والحضارات الاخرى وكردّ على مقولة صراع الحضارات التي
يمكن نقضها اذا ما اخذناها بمعايير العلاقات الدولية، ذلك ان
الفضاء الجيوسياسي للحضارة الغربية يتكوّن من دول مصالحها وسياساتها
تجاه الدول الاخرى غير متجانسة وهي تعطي الافضلية للتعاون البنّاء
ولا ترغب في تأجيج الصراعات. كما ان الولايات المتحدة ذاتها
لم تجعل من أطروحة صراع الحضارات محرّكا لاستراتيجيتها رغم زلاّت
لسان بعض المسؤولين فيها. كما يمكن تقديم ملاحظة ثانية وهي ان
الدول الغربية الاوروبية لا تعترف بأطروحة صراع الحضارات ولا
ترغب بالتورّط فيها. هذا بالاضافة الى ان الحربين العالميتين
الاولى والثانية كانتا بين دول تنتمي الى نفس الفضاء الحضاري
الواحد.
واوضح المحاضر ان مجال تدخل
القانون الدولي ليس هو مجال الحضارات بل انه يتناول العلاقات
بين الدول من حيث انه يمثل منظومة قانونية تهدف الى إقرار علاقات
سلمية بين الدول تقوم على نبذ العنف والحلّ السلمي للخلافات
التي تنشأ بينها. وإذا ما كان القانون الدولي التقليدي ـ كما
ينبّه الأستاذ بوعشبة ـ لم يعترض على استعمال القوّة، ولم يرَ
إنها امرٌ منبوذٌ، فإن المجموعة الدولية ومع بداية القرن العشرين
أخذت تضع قيودًا على استعمال القوّة عبر سلسلة من الاتفاقيات
التي تميّز بين الحروب المشروعة وغير المشروعة.
وهذه الاتفاقيات لم تُجزْ
استعمال القوّة الا في حالة الدفاع الشرعي. وفي هذا السياق فإن
الحرب الوقائية، التي يتمّ الحديث عنها اليوم، مبدأ لا يقرّه
القانون الدولي وهي تعدّ مظهرا من مظاهر الهيمنة والعدوان.