ندوات

مثقفون جزائريون يؤكّدون :
الفكر التنويري هو أفقنا الوحيد.. ولا مستقبل للأصولية

تونس - أفكار

- الحركة الاسلاموية ضربت مكتسبات الدولة الوطنية واغتالت أبناء الطليعة الفكرية الجزائرية.
- العولمة يمكن أن تكون غنيمةً للعرب شرط أن يدخلوها من باب الحداثة.
- التجربة التونسية في المجال السياسي والتنموي تجربةٌ نموذجيّة.

تونس ـ "أفكار" :

لا يمكن لك ان تحاور مثقفين جزائريين دون ان تكون التجربة الدامية التي عاشتها الجزائر خلال العشر سنوات الماضية حاضرة بتفاصيلها وأسئلتها وبالمرارة لتي تركتها في النفوس، خاصة في نفوس ابناء الطليعة الفكرية الجزائرية التي دفعت الثمن غاليا في مواجهة الحركات الظلامية الارهابية التي عملت منذ أكثر من عقد بالجزائر على تحطيم العديد من منجزات الدولة الوطنية، ومحاصرة الفكر المستنير، وتقديم خطابات متخلّفة عملت على تشويه الأفكاروسدّ افاق التفكير في المستقبل وصياغة حلول انتحارية، ذلك ان الحركة الأصولية ـ على رأي أحد محاورينا في هذه الندوة ـ مسخٌ حضاري، لا يمت بصلة لتراثنا الاسلامي المتفتح والمتسامح، بل هي بقدر ما تمثل الحصاد المرّ للعديد من الخيبات والانكسارات العربية، ثمرة تآمر دوائر عالمية على مجتمعاتنا التي كانت تجتهد في شق طريقها نحو التطوّر والتقدّم.

ضيوفنا في هذه الندوة التي أردنا ان تكون فرصة للتفكير والنقاش معهم حول التحديات التي تواجه الفكر العربي والقضايا المطروحة عليه وبالتالي على المجتمعات التي ينتمون اليها مثل العلاقة بالحداثة وبالعولمة، وبالتراث، وبالمستقبل، والتصورات الممكنة لمواجهة هذه التحديات والفوز بالذات في ظلّ التقلبات العالمية العاصفة، هم السيدة والسادة :

ـ آسيا موساوي : طبيبة ورئيسة "جمعية الاختلاف" الثقافية التي تُصدر مجلة "الاختلاف" (الجزائر)
ـ رشيد بوجدرة : الروائي الجزائري المعروف
- عبد القادر الخمري المدير العام للمؤسسة الوطنية (الجزائرية) للاتصال والنشر والاشهار
- لزهري الأبتر : مدير النشر بنفس المؤسسة.
- إلياس بوكراع : أستاذ علم اجتماع - الرئيس المدير العام لمعهد سبر الآراء بالجزائر.

أفكار :
نرحّب بكم أوّلا على أرض تونس، ونتمنّى لكم اقامة طيّبة بها، ونودّ من خلال هذا المنبر الفكري أن نثير معكم ـ كمثقفين متعدّدي الاختصاصات ـ بعض القضايا التي تهمّنا كمغاربيين وكعرب يواجهون اليوم العديد من التحديات: الاختراق الأجنبي، العولمة، الأصوليات.. الخ...
ونشير أوّلا الى أن الفكر العربي يواجه اليوم العديد من التحديّات، فبعد اشكالية التحديث والحداثة التي طُرحت على الفكر العربي منذ القرن التاسع عشر، تُطرح اليوم مسألة العولمة بأبعادها الاقتصادية والسياسية والثقافية.. فإلى أيّ مدى تفاعل المثقف العربي مع التحوّلات التي فرضتها، وهل استطاع أن يبلور تصوّرا عن كيفية الانخراط في تياراتها؟

رشيد بوجدرة :
لست مختصّا في التحليل السياسي والاجتماعي، ولكنّني كمثقف ومراقب لما يحدث من حولي، أقول إننا ـ كعرب ـ لم ندْخل الحداثة بعد، ولا نمثل طرفا حقيقيّا في الحضارة العالمية للقرن الحادي والعشرين. وربّما نتساءل عن هذا العجز فنقول ان العولمة هي قبل كلّ شيء علاقات اقتصادية، ونموذج انتاج وتوزيع يهيمن عليه الرأسمال العالمي وعلى رأسه الولايات المتحدة. ونحن كعرب بعيدون كل البعد عن هذه الموجة القوية للرأسمال العالمي الجديد أو الذي جدّد نفسه ويجدّد نفسه باستمرار. فاقتصادنا متخلّف، وكذلك يظل الفكر العربي والابداع والفن والعلم الذي ننتجه على مسافة كبيرة مما يُنتَج خارج دائرتنا وممّا هو مطلوب، وممّا تفرضه علينا قوى أو تجمّعات سياسية واقتصادية قوية جدّا. ولا أريد ان أكون متشائما ولكنني أقول ان لدينا نخبة أو أقلية قادرة على الفهم والتحليل، ولكن هذه النخبة عاجزة عن الفعل في هذه التحوّلات التي نعيشها، أو بالأحرى التي فُرضت علينا فرضا لأننا منفيّون وبعيدون عنها وعن مساراتها، وذلك لأن ميزان القوى ليس في صالحنا، وقوانا ليست متكافئة مع القوى العالمية وعلى رأسها القوة الأمريكية. وما نقوله عن النخبة ينسحب على الشارع العربي الذي يلوذ بصمته ازاء ما يحدث لاخوتنا الفلسطينيين والعراقيين، وربما سيطرح في اذهاننا سؤال لماذا يصمت الشارع العربي وهو الذي كان يتفاعل دائما مع القضايا العربية؟.. فأبادر بالقول ان الشارع الجزائري على سبيل المثال أرهقته الحقبة الدموية الماضية التي امتدّت عشر سنوات، وهو الآن يريد أن يخلد الى هدنة، أو الى بعض الرّاحة. وعلى العموم أقول ان مجرّد طرح هذه الأسئلة، اليوم حتّى على مستوى منبركم هذا، هو بداية مسار جديد وبداية وعي بأنّ علينا ان نخرج من صمتنا وعجزنا، ومن ضعفنا، وأعتقد ان هذا المرحلة لن تطول لأن الجبروت الدولي ليس له معنى ولن ينجح على المدى الطويل حتى لو نجح على المدى القصير أو المتوسّط.

فشل الايديولوجيات العربية...

أفكار :
يمكن ان نفهم من كلامكم، أستاذ بوجدرة، أن هنالك وعيا عربيا بالتحديات المطروحة واحساسا عميقا بها، وأنه يمكن أن نطرح تصوّرا أو تصوّرات لمواجهتها، ولكن ما يعوقنا مرحليا ـ على الأقلّ ـ وما يحول دوننا ودون هذه المواجهة الحقيقية هو أنّ ميزان القوى ليس في صالحنا.. وهنا يُطرح علينا إشكال خر وهو كيفية الخروج من هذا الخلل في العلاقات الدولية، وكيف يمكن لنا أن نكون طرفا فاعلا فيها؟.. ولكن قبل هذا نتوجّه الى الاستاذ الياس بوكراع ليقدّم لنا تشخيصا لموقف الفكر العربي من التحديات الراهنة وخاصة بالنسبة للمسألة الأولى التي طرحناها وهي كيفية انخراطنا في العولمة، وهل صاغ الفكر العربي تصوّرا لذلك؟

إلياس بوكراع :
أنا شخصيا لا أؤمن بوجود فكر عربيّ. فهنالك مفكّرون عرب يكتبون بالعربية، ولكن من الصعب ان نتحدّث عن فكر عربي مهيكل بقوانينه وفضاءاته وتأثيره في المجتمعات. صحيح أنّ بذورا لفكر عربي قد وُجِدتْ في الستينات والسبعينات ولكن الصبغة السياسية طغت عليه لأسباب تاريخية معروفة منها ان مجتمعاتنا العربية كانت في مواجهة مباشرة مع الاستعمار. وقد حكم هذا الفكر العربي تياران أساسيان:
ـ أوّلا : الاتجاه العلماني وضمنه نجد التيارات القومية والماركسية والليبرالية.
ـ ثانيا : التيار السلفي بما تضمّنه من حركات سلفية إصلاحية وما يسمّى بتيار الاخوان المسلمين.
وعلينا ان نعترف اليوم ان كلّ هذه التيارات قد فشلت...

أفكار :
هل هذا الفشل هو خاصّ بالفكر العربي أم أن هنالك على المستوى العالمي فشلا لكلّ المنظومات الفكرية، ولما يسمّيه دولوز "بالحكايات الكبرى" " Les grands récits " أي الأنساق الكبرى؟

إلياس بوكراع :
لا أعتقد أن الأمر يتعلق بفشل كل الأنساق الفكرية التي كانت رائجة، والدليل على ذلك أن الليبرالية تروج في العالم العربي وهي المنتصرة أيضا في الغرب. كما أن الماركسية - على سبيل المثال - استفادت من سقوط جدار برلين ومن انهيار المنظومة الشيوعية لتراجع نفسها وتجدّد تفكيرها لتكون أكثر انفتاحا على الواقع وعلى العلوم الاجتماعية والعلوم الصحيحة.
ويمكن لنا أن نقف على عمليات التجديد هذه لدى مفكرين في أوروبا الغربية واليابان والولايات المتحدة..
أمّا في العالم العربي، فإنّ التيارات الفكرية التي أشرنا اليها قد فشلت لأنها كانت تنطلق من موقف سياسي لتتبنى موقفا نظريّا. وأعتقد أن فشلها هو فشل البورجوازية الصغيرة في فهم واقعها وتحليله. ولذلك نجد اليوم مفكّرين عربا اصحاب انساق مثل حسين مروّة ومحمد عابد الجابري وغيرهما ولكن ما تتميّز به هذه الأنساق انها تتبنّى قراءات فكرية ولدت في سياقات تاريخية وحضارية مختلفة عن سياقنا العربي مثل البنيوية. ثم ان هذه الأنساق اختزالية وتتسم بالسطحية بل يمكن ان نقول انها متشظية وليس لها أي أثر على الواقع، فنخبتنا العربية تعيش على هامش واقع مجتمعاتها، بل ان العديد من افراد هذه النخبة يعيشون في المنفى خارج بلدانهم. فالأدب الجزائري ـ على سبيل المثال ـ والسينما الجزائرية. والمسرح وغير ذلك من الأنماط الثقافية التي ينتجها الجزائريون، تُنتَج خارج الجزائر، وبالتالي بعيدًا عن المعيش اليومي الجزائري. ولننظر الى مثقف عربي خر مثل أدونيس، فهذا الشاعر الذي ألّف أيضا كتبا نظرية يعيش منذ عشرين عاما بباريس..
أمّا بالنسبة لقضية العولمة التي طرحت في بداية هذا الحوار، فإن المواقف منها متباينة. فهنالك تيّار يرفضها تماما متأثّرا ببعض المواقف الرّافضة بما فيها الغربية مثل مجموعة ATTAC وتيارات أقصى اليسار الغربي عموما المناهضة للعولمة. وهنالك تيّار آخر يتسم بالانهزامية، فهنالك القليل من المفكّرين العرب الذين انكبّوا على ظاهرة العولمة للتفكير في أنماطها ولتحديد كيفية تعاملنا معها. ثم لا يجب أن ننسى أننا انخرطنا نحن العرب وبالذات البلدان المغاربية في الرأسمال العالمي منذ القرن التاسع عشر، وكان الانتاج والتجارة والتبادل، يتمّ في هذا النطاق العالمي ولكننا الى الآن لم نحسم المسألة الاستعمارية، فكيف يمكن لنا ـ اذن ـ أن نقفز على هذه المرحلة التاريخية لنفكّر في العولمة؟ أي أننا لم نحسم العلاقة مع الماضي الاستعماري ومازلنا ننظر الى هذا الماضي بنوع من الانفعال ومن الأدلجة ولم نفكر فيه بشكل عقلاني. ولم نقم بعملية نقدية لمسار المرحلة الاستعمارية التي لها ـ رغم مساوئها وآثارها السلبيّة على مجتمعاتنا ـ بعض المزايا على هذه المجتمعات لأن الاستعمار أجبرنا على الدخول في النظام الرأسمالي العالمي بالعنف. ولقد دخلنا الآن في مرحلة ثانية أكثر خطورة في رأيي، بدأنا ننظر فيها الى عمليات استقلال دولنا كلعنة بعد أن فشلنا في تحقيق بناء الدولة الحديثة. هناك أيضا اشكاليات أساسية ومركزية لم تحلّ بعد في العالم العربي مثل القضية الفلسطينية التي مازلنا نتعامل معها بشكل انفعالي.


الحركة الأصولية أخذت زمام المبادرة

آسيا موساوي :
أعتقد ان المجتمعات العربية منذ عصر النهضة مازالت تراوح مكانها، تجرّب نظاما ثمّ تعود لتجرّب نظاما خر وهي في هذا كلّه تعيش فوضى فكرية وسياسية وثقافية. وأعتقد أن فشل بناء الدولة الوطنية هو الذي فتح المجال لسلسلة من النكسات والأخطاء والخيبات وفتح المجال أيضا امام الحركات الأصولية التي أخذت زمام المبادرة وقدّمت خطابات سياسية متخلّفة تعود بنا الى الوراء أكثر فأكثر. فكيف ننخرط في مجال الحداثة والعولمة ونحن كمجتمعات لم نحسم نهائيا بعد قضايا مازالت عالقة مثل قضية الحريّة، المجتمع المدني وحقوق الانسان، الديمقراطية وقضية الهويّة والحداثة وغيرها من المفاهيم التي مازالت غامضة لدى المواطن العادي؟
إنّ النخبة العربية تعتقد بأنها عندما تتعامل مع هذه المفاهيم بسطحية وغموض فإنها تحل مشاكل مجتمعاتنا. لذلك مازلنا نعيش في حلقة مفرغة. هل نستطيع أن نقبل العولمة مع أنها واقع مفروض علينا؟ وهل تستطيع أنظمتنا السياسية والاقتصادية والثقافية أن تستوعبها وتستوعب هذا الزحف القادم إلينا مع أن دولة قويّة مثل فرنسا بتاريخها وامكانياتها تناهض بعض مظاهر العولمة باسم الاستثناء الثقافي؟ فكيف يكون الأمر بالنسبة إلينا نحن كدول عربية مشتّتة، فاقدة للتنسيق بينها؟ لست أريد أن أعطي صورة متشائمة.. والحقيقة اننا عندما نطرح الآن مثل هذه القضايا وهي التي طرحت في عهد جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وقاسم أمين فإن ذلك يمثّل عملية نكوص وانتكاسة، سببها أننا بعد جهود كل هؤلاء العلماء لم نحسم فيها ونحن الآن نحصد عمليات القفز عليها وتجاوزها.
لقد دعونا أخيرا الى الجزائر المفكّر المصري الأستاذ محمود أمين العالم وهو بصدد اعداد كتاب بعنوان "اصطياد الانسان" ولقد تحدث عن عملية اصطياد انسانية الانسان العربي التي تتمّ الآن عبر الخطابات الاعلامية الدينية والسياسية التي تبثها الفضائيات العربية، فيتحول الانسان العربي بمقتضاها الى فريسة للظلم والجهل والاستلاب الخ.. وكل هذا يصبّ في مصلحة نظام عالمي متوحّش يريد أن يمتلك كل شيء ويرفض ان يمتلك الآخرون أي حق ولو حق الحياة.. وبصراحة انني ارفض نظرية المؤامرة التي نريد ان نبرّر بها واقعنا العربي الآن.. المؤامرة الحقيقية هي التي قام بها العرب ضدّ انفسهم. فكل هذه السلسلة من الأخطاء وعدم التعلم منها هي التي اوصلتنا الى هذه المرحلة الخطيرة التي ربّما تحدّد وجودنا في هذه اللحظة التاريخية، أي إمّا أن نبقى كحضارة وكشعوب وإمّا أن نتحوّل الى منطقة ترغب القوى العظمى في الاستيلاء على نفطها.
وأنا أشاطر الأستاذ بوكراع ان هنالك مشروعات فكرية عربية قائمة كتلك التي أسس لها الدكتور الجابري أو الطيب تيزيني وحسين مرّوة وغيرهم. ولكن ما هو صدى هذه المشاريع في الواقع؟ ثم ان الأزمة التي نعرفها كعرب تكمن في هذا الخلط بين الحداثة والتحديث، فهذا الأخير قد يتمّ باستيراد التكنولوجيات الحديثة. أما الحداثة فهي تتجاوز هذا لتمثّل الفكر العقلاني والمقاربة الواقعية للواقع. ولعلّ هذا الخلط بين الحداثة والتحديث، هو الذي جعلنا نراوح ـ على الأقل على المستوى الفكري أي على مستوى فهم واقعنا ـ مكاننا ونطرح نفس الثنائيات كالتقدم والتخلّف، والاسلام والغرب والاصالة والمعاصرة، والاسلام والعلمانية الخ..

اخفاق العرب في ايجاد نظام اتصالي

عبد القادر الخمري :
ان الإشكال المطروح اليوم على العالم العربي ـ ضمن قضية العولمة ـ هو كيف نتعامل معها ؟ كمستهلكين أم كمساهمين في ديناميتها وكفاعلين مُضيفين إليها. ولاشك أن أحدا لم يطلب منا رأينا كمستهلكين فنحن نستهلك ما أفرزته العولمة من أدوات ونظم اقتصادية وغيرها كما ان الافرازات التاريخية طيلة العقود الماضية لم تبلور في العالم العربي قاعدة على أساسها يمكن لنا أن نساهم في تقدّم الانسانية، بل بالعكس فالعولميون ساهموا في خلق هذا "المسخ" الاجتماعي او الحضاري او الديني الذي يمكن أن نسميه بالاسلاموية. والعولميون هم الذين بنوا في بعض مجتمعاتنا كما في افغانستان نموذج طالبان. ان الحركة الاسلاموية هي التي جعلت المجتمع الجزائري يعيش عشر سنوات من الجحيم ومن محاولات ضرب الفكر المستنير واغتيال أبناء الطليعة الفكرية الجزائرية وضرب الدولة الوطنية وضرب المكتسبات التي حققتها الجزائر. ومن المؤسف أنه كان هنالك شبه تواطؤ على كلّ ما كان يحدث في الجزائر والذي كان يهدّد المنطقة المغاربية كلها.
ثمّ إن فشلنا في الاندراج في العولمة من موقف الفاعل يرتدّ الى إخْفاقٍ ثانٍ هو اخفاق المجتمعات والنخبة والأنظمة العربية في ايجاد نظام اتصالي يجعلنا نتواصل مع بعضنا البعض ونتعرّف من خلاله على بعضنا البعض وننسق. فنحن نستورد نموذجا من الاتصال يجعلنا غافلين عن واقعنا، وحتى الذين يناهضون من بيننا العولمة يستهلكون هذا النموذج، بل اننا أصبحنا في هذا المجال عولميين أكثر من العولميين الحقيقيين، نعرف عن الآخر أكثر مما نعرف عن أنفسنا، وعن مجتمعاتنا: ماذا يحدث فيها من جهد ومن بناء ومن ديناميكيات. فهل فتحنا الساحة لمختلف رجالات الفكر والثقافة والعلم لخوض معركة الاتصال لنخلق مراجع من خلالها نقول للعالم ولماكينة العولمة اننا موجودون.. موجودون بتناقضاتنا وقضايانا؟.. أعتقد ان أكبر اخفاق لنا هو غياب منظومة اعلامية جديدة ومتجدّدة تتبنّى قضايا مجتمعاتنا، وتنقل وجهات نظرنا الى بعضنا البعض والى العالم.
أما الاخفاق الثالث الذي علينا التوقف عنده، فهو اننا لم نطرح السؤال: كيف نواجه العولمة، اذا ما اردنا فعلا المواجهة؟
هل نواجه العولمة منفردين أم متّحدين؟ وهل الاتفاق السياسي هو شرط لأشكال التنسيق والتعاون العربيين الأخرى؟
ان العولمة هي جمعٌ، تشترك فيه أطراف عدّة، فهل يمكن أن يتحدّث كل بلد من بلداننا بمفرده؟
هذه الاشكاليات علينا تفكيكها والتفكير فيها، إنْ لم يكن كعــرب ـ بشكل عام ـ فعلى الاقل كمغاربيين.
اما المسألة الرابعة التي يجب أن نتوقف عندها، فهي اننا لا يمكن ان نتحدث عن العولمة وامكانية مساهمتنا فيها دون اعادة تأهيل تمسّ مختلف مجالات الحياة والعمل والتفكير، بدءًا عن المدرسة والجامعة وأدوات الانتاج الثقافي ووسائل النقل الخ..
فلا يمكن ان نتحدث عن العولمة أو مع الأطراف المشاركين فيها دون اعادة تأهيل لهذه المناشط والادوات، فنحن - حقيقة - متأخرون في كل المسائل التي اشرنا إليها.

أفكار :
أستاذ الخمري، ان كلاّ من هذه المسائل التي أثرتها تتطلّب وقفة خاصة لأنها على درجة كبيرة من الأهمية مثل قضية ايجاد نظام اتصالي عربي جديد، وهي مسألة طُرحت هنا في تونس خلال العديد من المناسبات وعلى لسان أصحاب القرار، كذلك قضية اعادة التأهيل خاصة ان جهات أجنبية تطلب من بعض الدول العربية الآن اعادة تأهيل أو اصلاح برامجها التربوية وأنظمتها السياسية وأنماط خياراتها الديمقراطية في حين أنّ الاصلاح يفترض أن ينبثق من صميم مجتمعاتنا، كما هو حاصل الآن في بعض بلداننا العربية... والكلمة الآن للأستاذ لزهري الأبتر.

لزهري الأبتر :
أريد ان أدلي ببعض الأفكار حول علاقة العرب بالعولمة. وأعتقد ان السؤال الذي يجب أن نطرحه بداية هو أوّلا: ما هي العولمة؟ وهل هنالك فعلا عالم عربي، أم أن هنالك فقط دولا وبلدانا عربية؟
ربما يكون على عالم اجتماع مثل الأستاذ إلياس بوكراع أن يجيبنا على هذين السؤالين، ولكنني ألاحظ شخصيا أن العولمة مفروضة اليوم لا فقط على البلدان العربية بل على العالم أجمع. ويكفي أن أشير الى رقمين دالّين تماما. والرقم الأوّل يقول ان 80% من خيرات المعمورة هي بين أيدي 20% من سكّانها، والعكس بالعكس أي أن 20% من سكان المعمورة يستفيدون بـ 80% من خيراتها، فالعولمة تقوم اذن على مبدإ الاقصاء. ومن المؤسف أن البلدان الافريقية والعربية تعيد انتاج هذا الاقصاء إذْ الأغنياء ـ في قارّتنا الافريقية ودولنا العربية ـ يزدادون ثراءً والفقراء يزدادون فقْرًا.
وما يضاعف هذا الأمر خطورة توسّع ما يمكن ان نسمّيــه " Le phénomène aspirateur " أنّ الدول المتقدمة تسحب نخبتنا الفكرية والعلمية وكافة كفاءاتنا وهذا يتمّ على حساب مجتمعاتنا وعلى حساب تنميتها لأن في هذه الظاهرة إفقارا للمعرفة وللفكر لهذه الدول والمجتمعات.
والسؤال الذي يُطرح هو: لمصلحة مَنْ يتمّ هذا الافقار؟ وعندما نحاول ان نجيب على السؤال فإننا نطرح سؤالا خر وهو: ما العمل؟ وسنرى اننا سنجد أنفسنا نطرح سؤالا ثالثا وربّما رابعا، وهو ليس فقط كيف نندمج في العولمة، ولكن كيف نحافظ على كياننا ووجودنا ؟
أظن ان دور المثقفين العرب دور أساسي لطرح هذه الأسئلة والإجابة عليها. وهو ما يُحتّم علينا اعادة الاعتبار للمثقفين، وعلى هؤلاء بناء الجسور مع بعضهم البعض، أي مع مختلف أفراد النخبة العربية لمواجهة هذه القضايا الحاسمة بل والمصيرية أيضا.

الأصولية ساهمت في تشويه البنية الذهنية

أفكار :
هنالك احساس عميق بأن التجارب التحديثية العربية بداية من الخمسينات والستينات اي منذ ظهور دولة الاستقلال وانطلاق التجارب التنموية قد حققت العديد من المكاسب ـ حتى لو كانت محدودة في بعض جوانبها ـ في اقامة دولة وطنية، وتركيز اجهزة إدارية ومؤسسات حديثة واداء سياسي بعيد عن الأداء السياسي القبََلي التقليدي ، وتحقيق بعض المكتسبات الاجتماعية وخاصة في ما يتعلق بنظام اجتماعي ، وتعزيز حظوظ بعض الفئات مثل المرأة بالاضافة الى نشر التعليم والمعرفة وانعكاسات كلّ هذا على نشر الفكر العقلاني. هذه المكتسبات ـ وان كانت احيانا دون تطلعات رجال السياسة انفسهم والنخبة ـ فإنها مهدّدة من قبل الحركات الاصولية. فكيف يبدو لكم هذا التهديد وما مداه في رأيكم ؟ ثم اننا نريد أن نستوضح راءكم في المسألة التالية : الى ماذا ترتدّ هذه الحركات الاصولية المتطرفة ؟ هل يعود ظهورها الى اخفاق الخطاب الدّيني في فهم الاسلام وابراز الصورة المستنيرة والمنفتحة للاسلام؟ أم ان هذا الاخفاق هو إخفاق للخطاب السياسي في تحقيق وعوده ؟

رشيد بوجدرة :
اذا ما اقتصرنا الحديث على الدول المغاربية ، فإنه يمكنني القول ان مكتسبات الدولة الوطنية مكرّسة في تونس والمغرب أكثر مما هي في الجزائر. فالجزائر كانت مجرّد ولايات فرنسية والتمركز السياسي كان مفقودًا، ونحن الآن بدأنا في بناء الدولة الوطنية. في حين ان الانجاز على المستوى السياسي والاجتماعي والاقتصادي قد تبلور في تونس بشكل واضح، ولعلّ ما يمكن ملاحظته ان التيار الاسلاموي بقدر ما كان ضدّ المرأة وضدّ تحرّرها فإنه قد خلق نقيضه، اي ان المرأة الجزائرية تجد نفسها اليوم متحررة اكثر مما كانت عليه خلال العشرية الماضية لأنها وقفت على مدى الخطر الذي تمثله الحركات الأصولية وجاهدتْ من أجل ان تكون اكثر قوّة وصلابة في مواجهة هذه الحركات.
وباختصار يمكننا القول ان الدول الغربية لم تتقدم ولم تحقق نهضتها إلاّ بعد قرون من التخلف والعديد من الحروب المدنية وخارجها، والعرب لم يبدأوا نهضتهم الا منذ منتصف الخمسينات، والطريق مازال طويلا امامنا ونحن متعطشون للتقدم والتنوير، ونريد ان نسارع الخطى نحو ما نريد تحقيقه. وأنا لست متشائما من هذه الناحية لأن مجرّد طرح مثل هذه الأسئلة التي نحن بصدد طرحها دليل على ان ثمة شيئا ايجابيا قد بدأ يتحرك لا على الوتيرة التي نريدها، ولكن ما نحن بصدد تحقيقه دليل على ان العرب لا يراوحون مكانهم، وأفضّل ان انطلق من مثال الجزائر لأذكر على سبيل المثال ان نسبة 75% من الأطباء هي من النساء، و53% من القضاة من النساء أيضا ومثل هذه النسبة لا توجد في فرنسا. وهذا اتجاه معاكس لما تريده التيارات الظلامية من تعطيل لطاقات المجتمع وطاقات المرأة بشكل خاص.
آسيا موساوي :
لا شك ان للتجارب التحديثية العربية العديد من الايجابيات، وقد حققت الدولة الوطنية مكتسبات لا يمكن ان يُستهان بها، مثل انخفاض نسبة الأميّة، وارتفاع مستوى الرعاية الصحية، وبلوغ مرحلة من التطور الاجتماعي. ولكنني اطرح السؤال ماذا تنفع كلّ هذه الجهود وكل هذه العقود من العمل المتواصل ومن التبشير بالدولة الوطنية؟
لأجيب على هذا السؤال خذ نموذجين هامّين من الدول العربية: أعني مصر والجزائر. ففي مصر بنيت الدولة الوطنية على أنقاض الملكية الاقطاعية، وفي الجزائر بنيت على أنقاض الاستعمار ولكن لنتأمّل واقع هذين البلدين اليوم.. سنجد العديد من المفارقات التي يطغى فيها الفكر الخرافي على الفكر العقلاني، وبروز خطاب ديني متخلّف يجعلنا نتساءل هل كان ثمّة خلل في الرؤية وفي البناء جعلا البناء الاشتراكي وخلق اقطاب صناعية كبرى في كل من البلدين، والخطاب الحماسي الذي كان يُلهب الجماهير ويَعِدُ بتحرير البلاد العربية والقضاء على اسرائيل، جعل كلّ هذا يُفْضِي الى ما أفضى اليه من تنامي الحركات الأصولية ام ان فشل النخبة الدينية الحقيقية في تقديم خطاب مستنير ترك المجال مفتوحا امام المتاجرين بالدّين للمساهمة في تكسير المجتمعات العربية من الدّاخل، وفي تشويه البنية الذهنية بل وتكسيرها مما جعل العديد من المواطنين يتركون المستشفيات التي تُبنى للذهاب الى المشعوذين طلبا للتداوي لأن هنالك من يتجرّأ على الكتابة على جدران هذه المستشفيات "اذا مرضتُ فهو يداويني".. هكذا يحارب هؤلاء المشعوذون والمتاجرون بالدّين العقل والعلم بل يكسّرون الايمان الحقيقي بمثل هذه الممارسات التي لا تمتّ الى الدّين بصلة لأنها تهدف الى اقناع البسطاء من الناس بأن المرض والجوع والجهل وغير ذلك من الآفات هي حتمية ومقدّرة، فلا فائدة اذن من المستشفيات ومن العلم ومن التقدم الخ... ولو كانت الدولة الوطنية ذات أسس قوية لما وصلنا الى هذه الحال.

ضياع مكتسبات الدولة الوطنية على يد الأصولية

إلياس بوكراع :
لا يمكن أن ننفي المكتسبات التي حققتها الدولة الوطنية خلال الثلاثة أو الاربعة عقود الماضية، ولكن هذه المكتسبات ضاعت بطريقة أو اخرى لأن الأنظمة العربية أرادت ان تحدّث مجتمعاتها دون تحقيق الحداثة، وتحقيق نموّ بدون تطوّر، وصناعة دون ثورة صناعية، وسلطة مركزية قوية دون دولة، وعدالة دون قانون، ورفع امية دون تربية، وهوية وطنية دون مواطنة.. هذه جردة الحساب التي يمكن ان نقف عليها في ما يخص منجز الدولة الوطنية. وهذا الوضع هو الذي سمح للحركة الاسلاموية بأن تدفع الايديولوجية الوطنية الى المأزق وبأن ترفع شعار بناء الدولة التي لم تنجح الدولة الوطنية في بنائها. لذلك يمكن القول بأن الحركة الاسلاموية هي الابن الشرعي لهذه الدولة، وهي التي ارادت ان تقوم على أنقاضها بضرب الانتلجنسيا العربية والقوى التقدمية الحاملة لمشروع مجتمعي حداثي، والمنفتحة على الكونية دون انبتات، كما ان الحركة الاسلاموية ضربت المرأة، وبالتالي ضربت في النهاية مظهرا من مظاهر التقدم الاجتماعي لتقدّم نموذجا أبويّا.
لذلك علينا ـ كعرب ـ أن نواجه انفسنا بهذه الحقائق وبهذه التناقضات، وأن نقرّ أننا لم نحسم قضايانا الأساسية وتركنا الحركات الظلامية تخترقنا، من خلال العديد من الثغرات والمآزق التي لم تنجح الدولة الوطنية في حلها. وكي اعود دائما الى تجربة الجزائر أقول اننا أقمنا المدارس واستمررنا في العلم والمعرفة، ولكن ما هو النموذج التعليمي الذي قدّمناه ؟ ومن الذي يمثل المعرفة، هل هو الأستاذ ام الطبيب أم المهندس في نظر فئات كبيرة من المجتمع؟.. لا انه "الشيخ" او الامام الذي يتعامل مع هذه المجتمعات من خارج التاريخ.

الارهاب مخطط فوق أممي

عبد القادر الخمري :
ثمّة خصوصية في التجربة الجزائرية اريد الوقوف عندها قليلا وهي تخصّ العلاقة بين الدولة الوطنية بكل افرازاتها وما يسمّى بـ "الدولة الاسلامية". اعتقد ان الإشكال الحقيقي هو اننا في مرحلة تاريخية معيّنة من تاريخ الجزائر واجهت الدولة الوطنية مفهوما آخر وهو اعادة بناء ما يسمّى بـ "دولة اسلامية" وضرب ما انجز وبناء نظام نقيض. هل كان هذا من صنع المجتمع ؟ هذا هو الذي يجب ان نتوقف عنده ؟
اعتقد انه يتعين علينا - كمثقفين جزائريين، وبعد المرحلة الدامية التي عشناها ـ ان نقّدم بعض الحقائق عمّا حدث فعلا، أي عمّن كان وراء نموّ الحركة الاسلاموية بالجزائر. وهذه الحقائق تقول انه بعد رحيل الفقيد بومدين، طرحت مسألة الرئاسة من بعده داخل المؤتمر الرابع لجبهة التحرير الذي انتخب خلاله بن جديد كأمين عام لجبهة التحرير وكرئيس.. في هذا المؤتمر برز رجل كان يعيش بالولايات المتحدة وقد اصبح عضوا للجنة المركزية للمؤتمر وأعطيت له حقيبة التخطيط.. انني اعني بهذا الرجل عبد الحميد الابراهيمي الذي سيتولى بعد ذلك منصب الوزير الأول. وأعتقد ان الابراهيمي هو المهندس الرئيسي لما حلّ بالجزائر من خراب ودمار وقضاء على كل منجزات الدولة الوطنية، فقد فكك الاقتصاد الجزائري ومؤسساته باسم اعادة الهيكلة، وهو الذي خطط لهجرة لاف الشبّان الجزائريين باسم مواصلة التعليم في الخارج ولكنهم في الحقيقة التحقوا بأفغانستان ليخوضوا الحرب مع طالبان ضد الوجود الشيوعي ثم عادوا الى الجزائر مسلّحين بتجربة اهّلتهم لممارسة العنف والأعمال الارهابية. ومثلما تحالف السادات مع ما يُسمّى بـ "الاخوان المسلمين" لضرب الطليعة الفكرية، تحالف الابراهيمي مع هؤلاء الاصوليين ودفع بهم الى ضرب الدولة الوطنية، ودفع المجتمع الجزائري الى مواجهة صدامية نعرف تداعياتها بعد ذلك. ومهما كانت خلافاتنا حول تقييم الدولة الوطنية وما حققته من منجزات، فإنه يمكننا القول ان ما شجع الحركة الاسلاموية على القيام بالجزائر هي أطراف في النظام الجزائري ساهمت في دعم الاصولية بشكل مباشر ودفعها للقضاء على الدولة الوطنية والسيطرة على المجتمع.
كيف نقيّم الآن الوضع في الجزائر؟
في الحقيقة انه خلال العشر سنوات الماضية، واجهت طلائع المجتمع المدني والقوى الوطنية المختلفة الحركات الاصولية وقد اتحدّت كل هذه القوى لخلق جبهة من أجل الحفاظ على الوجود أي الابقاء على حياة الناس وتحقيق امن المجتمع كافة، كما دفعت الجزائر من اجل التكريس الديمقراطي والحفاظ على الديمقراطية، مهما كانت نقائصها. وأخلص الى القول ان الحركات الاسلاموية ليست من صلب المجتمع، بل تمّت بدفع من اطراف في النظام.
أما المسألة الأخرى التي اودّ التطرّق اليها، فهي ان ما حدث بالجزائر كان جزءًا من مخطّط أكبر كان يستهدف المغرب وتونس والجزائر، انه مخطط فوق أممي Transnational يهدف الى بناء الدولة الاسلاموية في كل هذه المنطقة. وكمثقفين مغاربيين علينا ان ندرك التهديد الخطير الذي تتعرّض له مجتمعاتنا وما حققته من مكاسب، وأن القاعدة الخلفية للحركة الاسلاموية مازالت ناشطة في السودان ومع خلايا القاعدة وفي أفغانستان، وبالتالي علينا أن نعدّل ساعاتنا على الوضع الحالي وأن نخلق فضاءات مشتركة للحوار والنقاش حتّى نفهم ما حدث بالجزائر ومصر وغيرها من البلدان العربية، وان نقوم بمبادرات مشتركة للحيلولة دون تكرار ما حدث.


العقلانية أفقنا الوحيد.. والاسلاموية لا مستقبل لها

أفكار :
هل يفترض هذا الواقع الذي شخصتموه صياغة تصوّر مغاربيّ من قبل النخب الفكرية والسياسية لمواجهة ما يتهدّد مجتمعاتنا جرّاء تنامي هذه الحركات؟

عبد القادر الخمري :
كل المبادرات الرسمية المركزية أو التي تنطلق من المجتمع المدني التي تصبّ في هذا الاتجاه هي مبادرات مرحبّ بها. اذ يجب ان نوسّع أشكال التنسيق والتعاون، ويمكن للجامعات المغاربية أن تبعث فضاءات مشتركة للتفكير في هذه القضايا، كذلك المفكرون والأدباء والاعلاميون وكما نسعى لتنشيط حركة البضائع علينا أن نسهّل أيضا حركة الأفكار. ولماذا لا نبعث جامعة مغاربية؟ وهل اقامة هذه الجامعة تفترض حلّ كل الخلافات السياسية القائمة بين بعض البلدان المغاربية ؟ لا أعتقد ذلك... فعلينا اذن البدء بما هو ممكن في انتظار تنسيق وتعاون أفضل.

لزهري الأبتر:
لا أريد ان أكرّر ما قيل ولكن أودّ أن أقول إنّ البلدان العربية حققت خلال العقود الاخيرة مكاسب هامة تمثّل في الواقع نقلة نوعية. وقد استهدفت الحركة الاسلاموية هذه النقلة النوعية. أما عن المسألة التي طرحها الأستاذ الخمْري حول مَنْ يقف وراء نموّ تلك الحركات فأرى أنّ العوامل هي داخلية وخارجيّة، في ذات الوقت.
فنحن نعرف أن جهات أجنبية تقف وراء الحركات الاسلاموية وتقوم بالتخطيط لها وتمويلها، ثمّ ان هذه الحركات نمَتْ في أعقاب أزمات داخلية، عاشتها جلّ البلدان العربية، وفي الوقت الذي انهارت فيه العديد من الايديولوجيات اليسارية والقومية التي توقّفت حركيتها التاريخية ولم يعد لها ما تعطيه، وقد استغلّ الاسلام السياسي هذا الفراغ ليستقطب العديد من فئات المجتمع، كما استغلّت العولمة أيضا هذا الفراغ الفكري لتروّج لايديولوجيتها. والسؤال هنا كيف نندمج في الحركية الجديدة للعولمة دون أن ندفع ثمنا لذلك روحنا الثقافية والحضارية؟ وكيف نُسْهم في اعطاء العولمة ذلك الطابع الذي يمكّننا من ان نكون أنفسنا دون أن نفقد ذاتنا؟ فالعولمة يمكن أن تكون غنيمة لنا.. فرصة لنا كما كان كاتب ياسين يقول ان الاستعمار يمكن ان يكون للجزائر un butin de guerre ولكن على شرط ان ندخل العولمة من باب الحداثة ومن باب الاضافة، وهذا يفترض ان نحسم تلك القضايا التي لم نحسمها في الستّينات والسبعينات مثل قضية المرأة وقضية الديمقراطية والمواطَنة، وان نعطي للثقافة اهميتها ونعيد اعتبار المثقفين، وننشر الفكر العقلاني المستنير، لذلك عملنا في المؤسسة الوطنية للاتصال والنشر والاشهار بالجزائر على اعادة طبع مؤلفات المستنيرين من مفكرينا العرب القدامى والمعاصرين. فالعقلانية هي افقنا الوحيد، أمّا الحركات الاسلاموية فهي لا تاريخية وليس لها مستقبل لأنها لا تعترف بحركية التاريخ وبالتقدّم وبالتالي فهي منذورة للموت والاندثار.. غير أن ما ذكرت سابقا يبقى، رهينا بالجهد الذي يتعين علينا بذله وهذا لا يتم بجهود فردية ولكن بالتنسيق وبالتعاون.

عبد القادر الخمري :
أريد ان ألاحظ ان دوائر ضغط باريسية من المثقفين وغيرهم قد ساهمت في ابتعاد المثقفين الجزائريين عن قضاياهم بل حتّى في عدم تعاطف بعض المثقفين غير الجزائريين مع الأوضاع الدامية التي عشناها لأن في ذلك التفاعل والتعاطف ما قد يجلب لهم شبهة عدم الديمقراطية وعدم الايمان بحقوق الانسان، وينسون ان الديمقراطية التي ارادوها لنا كانت هي ديمقراطية التعسّف والعنف والذبح والقتل بدون هوادة ولذلك كان على الجزائريين أن يتحمّلوا اوضاعهم ويواجهوها بأنفسهم ووحيدين تقريبا.. وعلينا ان نتحمّل جميعا مسؤولياتنا، بعيدين عن دوائر الضغط هذه.

توسيع دائرة المواجهة الى المجتمع المدني

أفكار :
في نفس هذا المحور أي التصدّي للظاهرة الاصولية التي تمثل في رأينا هجرة الى الغيب وانشغالا عن الواقع ونفيا لكلّ علاقة بالمستقبل.. تجاه هذه الظاهرة اللاتاريخية التي ليس لها من مشروع الا العنف وعدم احترام رأي المجموعة وفرض الآراء المطلقة، نجد خطابين متوازيين: الخطاب الأول هو خطاب يساري في مجمله متواطئ مع الواقع من خلال تحالفات سياسويّة مع هذه التيارات، وهنالك خطاب خر يدعو الى مسايرة خطاب الحركات الأصولية المتخلّف والاطلاقي والاستناد الى مرجعيته تحت شعار سحب البساط منه، ولكن هذا الخطاب في الواقع هو أخطر الخطابات التي تكفل ديمومة واستمرارية التيارات الظلامية بل انها تعمل على تفريخها. وسؤالنا هو أي خطاب يجب أن يعتمده المثقف المغاربي حتى لا يقع في منطق هذين الخطابين فضلا عن وقوعه في منطق الخطاب المتطرّف ذاته ؟

رشيد بوجدرة :
المجتمعات العربية عموما والمغاربية خصوصا ـ بما انني افضل دائما الاكتفاء بالحديث عن المنطقة المغاربية ـ هي مجتمعات متدينة، وايمانها مستنير لأنه يستند الى عقيدة مستنيرة ودين مستنير بل انني اجزم ان الاسلام هو دين متسامح ومتفتح وعلماني لم يخلط في كل نصوصه بين الدّين والسياسة، لذلك ادعو المثقفين المغاربيين ان يكونوا قريبين من شعوبهم، وان تكون خطاباتهم واضحة، غير ملتبسة مع مواقف اخرى وغير متواطئة، واذا ما كان عالم النفس التحليلي لاكان تحدّث عن قتل الأب، فإنني في مقال أخير نشرته بالجزائر قلت ان الأب الذي يجب علينا قتله في الجزائر هو الارهاب.

آسيا موساوي :
اسمحوا لي ان اتساءل : هل ان المثقف الذي عجز عن التوقّي من خطر ظهور الاصولية قادر اليوم على مقاومتها، وقد برزت ونمتْ؟ اعتقد اننا ضخّمنا دور المثقفين، والحقيقة أن هناك اليوم هيمنة لما يمكن ان نسمّيهم بمشعوذي الثقافة الذين يسيطرون على الفضائيات العربية ويقدمون خطابات دينية متخلّفة، وحلولا سحرية ووهمية لمشاكل الناس؟ ثم ما هي المساحة المخصصة للمثقفين الحقيقيين في الاعلام العربي؟.. ما هي الفضاءات المتاحة لهم ليقولوا ما يفكّرون فيه؟ ان الاجابة واضحة ولا شك، ولهذا علينا ان نوسّع دائرة النضال والمواجهة الى المجتمع المدني فننمي فكرة التطوّع لدى الناس وقد سادت بينهم الاستقالة وغمرهم احساس باللاجدوى، فلا يكاد أحد يؤمن الآن بقضية. وأرى أن عمل المثقفين هو الدعوة الى الانخراط في قضايا المجتمع والعمل على تعبئة افراده للحفاظ على وجودهم قبل كل شيء، والحدّ من الاستقالة، استقالة كل افراد المجتمع.. هذا هو المطلوب اليوم، ونحن نعرف الأسباب الكامنة وراء هذه الاستقالة: الأميّة، الجهل، عدم الايمان بقضية، سيطرة ثقافة الكتب الصفراء التي يروّجها أولئك المشعوذون الذين تفتح لهم العديد من أجهزة الاعلام العربية صفحاتها وشاشاتها فيمارسون عمليات التضليل من خلالها. اذا اعتبرنا ان هنالك خطرا حقيقيا على مجتمعاتنا العربية فيجب ان ننشر ونعمّق أكثر فأكثر فكرة النضال وفكرة التطوّع والايمان بقضية.. ألا يستحقّ كل هذا جهدًا من المثقفين ومبادراتهم حتى لو اقتصر الأمر على نشر كتاب، على احياء فضاءات النقاش، وعلى النبش في هذه المشاكل وخلخلة الأشياء الجاهزة. يجب ان لا نغلق امكانيات التحرّك والعمل، حتى لو بدا لنا لأوّل وهلة انها محدودة الأثر.
وأودّ أيضا أن اشير الى مسألة اخرى وهي اللغة التي نكتب بها. فالعديد من المثقفين ـ خاصة بالجزائر ـ يكتبون باللغات الأجنبية وخاصة الفرنسية في حين أن قطاعات واسعة من مجتمعنا لا تقرأ الا بالعربية، وما يكتبه الأصوليون بالعربية يساهم في عملية التسطيح والتخلّف. ويمكن ان أقول ان الاصوليين في الجزائر ربحوا المعركة لأنهم كانوا أقرب الى الشعب وتحدّثوا اليه بلغته، أي باللغة العربية، في حين ان النخبة حصرت نفسها في لغة اجنبية وكأن اللغة العربية لا تتكلّم الحداثة، وما يضاعف من هذه المشكلة ان الترجمة تكاد تكون غائبة فالعالم العربي يترجم ثمُنَ ما يترجم في اليونان. وأخلص الى القول مستشهدة بما قاله المفكر هشام شرابي: ان خلاص مجتمعاتنا العربية هو بين يدي المثقفين، ولكن بالمعنى الواسع. لان المثقف وحده لا يملك الحقيقة المطلقة، مثلما كان يعتقد الفقهاء ورجال الدّين، ومايزال البعض منهم يعتقد ذلك.

أفكار :
لقد طرحت الدكتورة آسيا موساوي قضية اللغة التي يجب ان نكتب بها لكي تقرأنا شريحة واسعة من المجتمعات العربية. وأكدت ان اللغة العربية ليست عاجزة على ان تتكلّم الحداثة وتعبّر عنها وتصوغ مرتكزاتها.. وهذا يقودنا الى مسألة الهوية التي أصبحت مثل حصان طروادة بالنسبة للأصوليين كي يمرّروا خطاباتهم ويستميلوا بعض الناس. والسؤال هو كيف نحرّر الهوية من سطوة الماضي عليها، ونفتح لها افقا على المستقبل بآليات تفكير جديدة؟

إلياس بوكراع :
قبل ان اجيب على هذا السؤال سأعود قليلا الى مسألة دور المثقف لأقول ان حلم المثقف في تغيير العالم واصلاح المدينة حلم قديم منذ ان وضع افلاطون على رأس المدينة الفاضلة فيلسوفا، ولكنّي أعتقد أننا لو طبقنا حلم افلاطون لحلّت الكارثة بنا لأن مهمّة الفيلسوف أو المثقف لا تتمثل في قيادة الجماهير بل في صياغة المفاهيم وتقديم نماذج تحليلية وفرضيات لفهم الواقع قد يأخذ بها رجل السياسة اولا يأخذ.. فتعبئة الجماهير هي من عمل الوسائط بين السلطة والقاعدة الشعبية، وهذه الوسائط تتمثل أساسا في الأحزاب السياسية التي لا نلحظ لها ـ مع الأسف ـ دورا بارزا في حياتنا السياسية العربية، وفي العمل الديمقراطي.
أمّا عن دور المبدعيـن ـ لا أصحاب التحاليل النظرية ـ فيكون عليهم ـ مثلما ما يقوم به رشيد بوجدرة في رواياته ـ اختراق التابو أي المحرّمات، والحديث عنها بجرأة، والقول إن المستقبل لا يصنع في المقابر وهذا يعني ان تكون علاقتنا بالماضي وبالتراث علاقة نقدية، فمرجع الأصوليين هو التراث...

رشيد بوجدرة :
اسمحوا لي ان اقول إن في التراث مواقفَ وأفكارا عظيمة، وهي حديثة، بل أكثر حداثة وتقدّمية مما يفكر فيه اليوم بعض الناس.. لذلك علينا ان نكون حذرين واضحين عندما نتحدث عن التراث.

الياس بوكراع :
اوافقك، ولكن علينا ان نبجّل الموقف النقدي في التعامل مع الماضي. اما عن قضية الهوية فما يجب أن نؤكد عليه هو أن الهويات ليست ثابتة ولكنها تنتج على مدى التاريخ. فليست أزمة الهوية بالجزائر هي التي صنعت ما يُسمّى بـ "جبهة الانقاذ" ولكن هذه الأخيرة هي التي اوجدت ازمة الهوية لدى شعبنا لأنها أعادته الى نماذج ثقافية تجاوزها الزمن في حين أنه يعيش في القرن الحادي والعشرين.

عبد القادر الخمري :
أنطلق دائما من تجربة الجزائر لأقول ان مواقف المثقفين تجاه الحركة الاسلاموية ذهبت في اتجاهات عدّة :
ـ الاتجاه الأول يمكن أن نطلق عليه صفة التقليدي، لكن التقليد هنا لا يذهب الى الماضي بل الى الخارج، فحتى نكون ديمقراطيين في نظر اصحاب هذا الاتجاه يجب ان نقلّد التجربة الديمقراطية في فرنسا وفي اوروبا بشكل عام، مع ان التجربة الديمقراطية الغربية هي وليدة تراكمات، وافرازات تاريخية، فلا يمكن بين عشية وضحاها ان نصبح مثل فرنسا، فلمجتمعاتنا العربية خصوصياتها وظروفها التي لا تشبه ظروف غيرها من الدول الأخرى.
ـ وهنالك الاتجاه الثاني وهو موقف انتحاري لأنّه يريد أن يرتمي في أحضان الماضي دون التفكير في المستقبل، فهاجسه هو اعادة بناء ما يُسمى بـ "الدولة الاسلامية"، ولكن أية دولة ووفق أيّة شروط؟
ـ الاتجاه الثالث هو اتجاه المثقفين العضويين. ومع وجود بعض النماذج الحقيقيّة لهؤلاء، فإننا نحتاج الى ما يمكن أن نسمّيه بالموقف الابداعي. فكيف نساهم كمثقفين ـ من خلال التفاعل الجدلي مع مجتمعاتنا ـ في بلورة حلول لما تعيشه هذه المجتمعات من قضايا ومن أزمات عميقة، وحلّ الجانب السياسي منها لا يكفي ؟
ثمّ انني اريد ان ابدي ملاحظة تخصّ الوضع في الجزائر لأقول ان القفز على الحركة الوطنية الجزائرية خطأ، فهذه كانت حركة تحرّرية وتقدّمية وديمقراطية، والكل يعلم ان الحركة الوطنية الجزائرية تبنّت تعدّد الأحزاب ولكنها اجتمعت في صيغة واحدة لمواجهة المستعمر. لكن الفكر الوطني عرف انخرافات وعلى المثقفين أن يتبنّوا تراث وارث هذا الفكر الوطني ومعالجة بعض الانحرافات والمساهمة في ايجاد بعض الحلول. وأعتقد أن هذا هو الدور المطلوب اليوم من المثقف العربي والجزائري بشكل خاص. لكن هذا لا يتسنّى إلاّ بتأكيد الهوية الوطنية مع انفتاحها على المستوى الكوني.

لزهري الأبتر :
سأضيف كلمة وجيزة، وهي أن أزمة المثقف العربي مرتبطة بأزمة المجتمع الذي يعيش فيه. فمنذ عشرين سنة نناقش ـ في الجزائرـ على سبيل المثال ـ قضية الأسرة. ورغم ما كتب من مقالات وما حصل من جدل حول الموضوع حتى على مستوى المجلس الشعبي الوطني، فإن القضية لم تحلّ، لأن القضية في رأيي هي المجتمع بأسره. وعندما نحلّ القضية الديمقراطية وحقوق الانسان وعلاقتنا بالتراث وغيرها من القضايا فإننا نجد أنفسنا قد ساهمنا في حلّ قضية الأسرة. والقراءة النقدية والموضوعية للتراث توصلنا الى حلّ قضية المرأة أيضا وهكذا.. وبالنسبة للمثقف، لقد شهدنا العديد من حالات الاستقالة، ومن حالات الخيانة، وعلى مثقفينا ان يتحمّلوا مسؤولياتهم في مثل هذه اللحظات التاريخية الحاسمة، وأن يحققوا ثورة الأنوار، فنحن بحاجة الى فكر الأنوار القائم على العقلانية والتاريخية والايمان بفكرة التقدّم وغيرها..

التجربة التونسية نموذجيّة

أفكار :
نحن مُتّفقون على أن الفكر الظلامي فكر متخلّف، وهو يدّعي اتخاذ التراث مرجعا في حين ان في التراث العديد من المفكّرين المستنيرين وأصحاب المواقف المستنيرة وسوف نكتفي بالاشارة على سبيل المثال الى الشيخ عبد الحميد بن باديس صاحب العبارة الشهيرة "من لا ينتقد لا يعتقد" والشيخ الطاهر بن عاشور صاحب القراءات الفقهية المستنيرة، هذا في العهود القريبة، أمّا في العهود السابقة، فإننا لا يمكن ان نحصي عدد أمثال هؤلاء المفكّرين.
وكنا نودّ أن يستمرّ هذا النقاش الثريّ بينكم وبيننا لولا التزاماتكم، لذلك سنكتفي بطرح السؤال التالي على الأستاذ رشيد بوجدرة الذي سبق له أن درس بتونس وله علاقات متينة مع المثقفين التونسيين، فضلا عن أن العديد من رواياته - كما بعض أعمال بعض الكتّاب الجزائريين - مدرجة في برامج الدراسة.. وسؤالنا هو التالي: باعتبار تونس دولة جوار لكم، كيف تقيمون التجربة التونسية في مقاربتها لمقاومة الارهاب، وفي مسارها التنموي، الديمقراطي الخ..

رشيد بوجدرة :
ـ فعلا أنا مدين لتونس وللأساتذة التونسيين بجزء هام من تكويني، فبرغبة من والدي ـ الذي رغب في ان يكون تعليمي مزدوجا بالعربية والفرنسية ـ التحقت بالمعهد الصادقي في المرحلة الثانوية. وقد تتلمذت على ايدي اساتذة اجلاّء مثل الشيخ الفاضل بن عاشور الذي كان يدرّس لنا مادّة الفقه والسيد محمد السويسي العالم الشهير في الرياضيات وغيرهما... وقد كنت مطّلعا عن قرب على انجازات دولة الاستقـلال ـ ورغم تحفظاتي كشاب على بعض السياسات البورقيبية ـ فقد اعتبرت مجلة الأحوال الشخصية انجازا ثوريّا، وكذلك نشر التعليم بدرجة مكثفة.. وأنا سعيد أنّ هذه المكتسبات قد تعزّزت مع قدوم الرئيس بن علي بانجازات اخرى على المستوى الاجتماعي والسياسي، كما تدعّمت بقوانين واجراءات اخرى. واعتبر أن تجربة صندوق التضامن 26 - 26 تجربة نموذجية. وقد اتيحت لي فرص التجوّل داخل الجمهورية التونسية، وأطّلعت على مدى النهوض الاجتماعي والاقتصادي الذي حققه الشعب التونسي وتَمتّعَتْ به الفئات التي كانت مهمّشة، ولا أحد ينكر ما حققته تونس من استقرار سياسي، بفضل ارادة حازمة في مقاومة الارهاب والاتجاه الى العمل التنموي. والتجربة التنموية التونسية بكل المقاييس ـ كما أسلفت ـ تجربة نموذجيّة.

طباعة >> | إغلاق النافذة >>


afkar@afkaronline.org