ضرورة تبني خطاب جديد للاصلاح والتغيير

د. عبد العليم محمد-مساعد مدير مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام - القاهرة

تنعقد القمة العربية في تونس في نهاية ذار (مارس) الحالي، في ظروف بالغة الدقة والحساسية، وتتجه أنظار المواطنين العرب في كافة الأقطار العربية، إلى هذه القمة التاريخية، مؤملين أن تتمكن من التوافق مع تطلعاتهم المشروعة
نحو الديمقراطية والإصلاح والتغيير واحتواء الضغوط الوافدة من الخارج.
أما من ناحية التوقيت والظروف السياسية التي ستجرى فيها أعمال هذه القمة وقراراتها المرتقبة، فإنها تتميز بمعالم واضحة ومعطيات محددة، ليس بمقدور القمة تجاوزها أو تجاهلها، بل ينبغى أن تؤخذ بعين الاعتبار، فتوقيت القمة العربية في تونس يتزامن مع تسريب مبادرة الشرق الأوسط الكبير والمبادرة الأوروبية حول إصلاح الشرق الأوسط، ودمقرطة نظمه السياسية وتعديل نظمه الاقتصادية والثقافية، ويفصل توقيت عقد القمة العربية شهران عن عقد القمم الثلاث الأخرى، التي ستعقد في شهر يونيو (جوان) المقبل، وهي قمة الأطلسي التي ستعقد في اسطنبول والتي ستبحث مبادرة الشرق الأوسط الكبير بمشاركة أوروبية، وقمة الدول الصناعية في "سي ايلاند" بولاية فرجينيا والقمة الأوروبية الأمريكية واللتان ستنعقدان في يونيو (جوان) المقبل أيضا.
كما أن توقيت عقد القمة العربية يفصله أيضا شهران عن موعد تسليم السلطة للعراقيين واجراء انتخابات الرئاسة الأفغانية، ولايخفى مدلول هذه التوقيتات والأحداث المتزامنة، في ما يتعلق بعقد القمة العربية، فكأن المطلوب من القمة أن تنخرط في مضمون هذه التوقيتات والمواعيد من زاوية قراراتها التي ستصدرها، بل وكأن القمة العربية لا تعدو أن تكون موعدا كونيا للإصلاح والتغيير، على غرار هذه القمم التي ستنصب أعمالها حول بند التغيير في الشرق الأوسط كبيرا كان أم صغيرا.
ومن ناحية الظروف السياسية التي تنعقد فيها القمة فثمة بلا شك ذلك السيل المنهمر من المبادرات والأفكار حول الإصلاح ومضمونه وسبل إجرائه، فثمة من ناحية المبادرة الأمريكية والمشروع الأوروبى ومن ناحية أخرى المشروعات العربية للإصلاح سواء تعلق الأمر بإصلاح الجامعة العربية أو الإصلاح الداخلي، أو تعلق بالمبادرات الفردية أو الثلاثية أو الجماعية.
في ظل سباق المبادرات وأفكار الإصلاح، وبصرف النظر عن المفاضلة بينها أو التدقيق في محتواها ومضمونها، فالأمر المؤكد أن هاجس الإصلاح والتطلع إليه أصبح معيارا حقيقيا لتوافق النظم والحكومات مع تطلعات مواطنيها بل معيار الشرعية والاستمرار، وأصبح مطلب الإصلاح والتغيير معيارا لتقويم قرارات القمة ونجاحها في الوقت ذاته، ذلك أن خطاب ومفردات الإصلاح السياسى والتغيير أصبحت تشغل بؤرة التفكير في العالم العربي الشعبي والرسمي.
وفي تقديرنا فإن القمة العربية المقبلة في تونس يمكن أن تكون قمة الوفاق وإعادة التأسيس، إذا ما نجحت في إعادة تكييف لمعادلة التغيير والإصلاح العربي الجماعي والداخلي وأن تستطيع أن تبني خطابا جديدا حول التغيير والإصلاح وأن تضع ليات وجدولا زمنيا للتغيير بناءً على معطيات الموقف العربي الراهن في الظروف الدولية المحددة.
في ما يتعلق بمعادلة التغيير والإصلاح في العالم العربي، فإن هذه المعادلة قد ربطت بشكل واعٍ أو غير واعٍ بين تسوية الصراع العربي الإسرائيلي والاتجاه قدما نحو الإصلاح، بمعنى أن بدء التغيير والإصلاح مرتهن بتسوية هذا الصراع واسترداد الشعب الفلسطيني للحد الأدنى من حقوقه المشروعة في الدولة والقدس، بيد أن منطق هذا الربط والارتهان بسوء نية أم بحسن نية يبدو أنه في الواقع لم ولن يفضي إلى حل وتسوية أي من طرفي هذه المعادلة، فلا التسوية قد تحركت في الاتجاه المنشود وبقيت قضية الإصلاح والتغيير مدونة على جدول الأعمال العربي، ومجرد فكرة لم ترَ النور بعد رغم العديد من الخطوات هنا وهناك في هذا الاتجاه، ومع ذلك فإن هذه الخطوات لم ترقَ إلى مستوى التغيير المنشود عربيا أو دوليا وأصبحت مقولات الإصلاح والتغيير تزداد كثافة بمرور الزمن،وضروراته تزداد إلحاحا واتساعا، بحيث أن مثل هذه الخطوات تبدو، أو قد بدت فعلا، ضئيلة مقارنة بحجم هذا التغيير المطلوب.
وقد عزز هذه المعادلة الاتفاق الضمني بين الجانب العربي والولايات المتحدة الأمريكية، حيث أصبح حل وتسوية الصراع العربي الإسرائيلي مسؤولية الولايات المتحدة الامريكية، في حين ان العرب والدول العربية يتكفلون بتنفيذ الشق الثاني من المعادلة أي البدء في إجراءات هيكلية للإصلاح والتغيير وإرساء قواعد الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان.
ولا شك أن الإبقاء على معادلة الإصلاح والتغيير بشكلها السابق لم يعد يتلاءم والأوضاع الراهنة، فمن ناحية خلقت الظروف الدولية والسيطرة الأمريكية على شؤون العالم شروطا ووقائع جديدة في سياق ما بعد 11سبتمبر والحملة على الإرهاب، ومن ناحية أخرى أصبحت هذه المعادلة فاقدة للمصداقية على الصعيد العربي الداخلي، فالإبقاء على الأمر الواقع الراهن لم ينعكس على تقدم التسوية للصراع مع إسرائيل، وأصبح الربط بين تغيير الأوضاع الداخلية وتسوية الصراع في نظر المواطنين مجرد تكئة لاستمرار الوضع الراهن.
وقد يكون ذلك هو منطق مبادرة الشرق الأوسط الكبير الأمريكية التي قد تحظى بتعاطف أوروبي، والتي تبرئ ساحة الولايات المتحدة الأمريكية من الانحياز لإسرائيل وتحمّل مسؤولياتها إزاء التسوية والسلام في الشرق الأوسط وتبرئ أوروبا والولايات المتحدة مجتمعتين من تهمة العجز عن الضغط على إسرائيل لإنجاز السلام والاستقرار في المنطقة وهي مبادرة جديرة بالرفض كما فعل الرؤساء والمواطنون، لأنها في سياق المعادلة السابقة تتجاهل طرفا ثالثا مسؤولا عن إشاعة عدم الاستقرار والإرهاب في المنطقة ألا وهو إ سرائيل. وفضلا عن ذلك فهي مرفوضة لأنها مفروضة من الخارج بل ولا يعرف حتى المسؤولون حقيقة مضمونها لأنها باختصار لم تناقش معهم ولم تخضع للحوار والتعاون وتقويم مدى قابليتها للواقع العربي ثقافيا وحضاريا وسياسيا.
في هذا السياق فإن القمة العربية المقبلة مطالبة بأن تعيد تكييف هذه المعادلة بطريقة خلاقة وبناءة وقادرة على الاستجابة للواقع العربي، وتأكيد استقلالية العقل السياسي العربي في حل ومعالجة مشكلات التطور السياسي في المنطقة. وهذا التعامل الخلاق قد يتأتى عبر إعادة الاعتبار لكل من طرفي هذه المعادلة أي تسوية الصراع العربي الإسرائيلي والبدء في الإصلاح والتغيير، أي أن هاتين المعضلتين تحظيان بذات الأولوية في جدول الأعمال العربي وتترافقان زمنيا أي لا تتقدم إحداهما على الأخرى، وإذا ما تقدمت فينبغي ألا يكون ذلك على حساب الثانية، أي باختصار تؤكد القمة قدرتها على إحداث قطيعة بمعنى ما من المعاني، مع خبرة الماضي المتراكمة والجامدة التي أفضت إلى الموقف الراهن وذلك لا يعني بالضرورة تقليص مكانة القضية الفلسطينية وتسوية الصراع العربي الإسرائيلي بل يعني بلورة صياغة نظرية ومنهجية مضمونها أن الإصلاح والتغيير ينبغي أن يعزز ويدعم تصدّر القضية الفلسطينية والتسوية جدول الأعمال العربي، وأن تخلق ديناميكية التغيير والإصلاح شروطا إقليمية وعربية ودولية تفضي في نهاية التحليل إلى تعزيز قدرة العرب الجماعية الديبلوماسية والتفاوضية على تمرير الحل الممكن وبأقل الخسائر الممكنة في السياق الحالي.
ولاشك أن إعادة تأسيس هذه المعادلة على هذا النحو تبدو أكثر جدة وجدية من تلك الحجج التقليدية مثل "رفض التغيير الوافد من الخارج" أو "عدم ملاءمة التوقيت"، ذلك أن الولايات المتحدة أول من يعرف حقيقة هذه الحجج ووظيفتها في الماضي والحاضر، فهي تعرف أن جوهر هذه الحجج هو الإبطاء والإرجاء واستمرار الأمر الواقع، كما أنها تعلم من تجربتها الخاصة أن بناء الديمقراطية هو عملية داخلية سياسية طويلة تتشكل تاريخيا وليس وفق جدول زمني مفروض من الخارج.
بل تعلم الولايات المتحدة الأمريكية أكثر من ذلك، فوفقا لدراسة أعدتها مؤسسة كارنجي لأبحاث السلام فإن من بين النظم الثماني عشرة التي تغيرت على وقع القوة العسكرية الأمريكية منذ الحرب العالمية الثانية، خمسة منها فقط هي التي أنجزت ديمقراطية يعتد بها ومتماسكة نسبيا ألا وهي ألمانيا وإيطاليا واليابان، والتي توفرت فيها شروط مفتقدة في كثير من دول العالم التي تريد الولايات المتحدة دمقرطتها، بالإضافة إلى بنما وغرينادا اللتين تطمحان إلى الاعتراف بديمقراطيتهما.
كذلك فإن بناء الديمقراطية يتطلب وجود قادةٍ سياسيين وأحزابٍ قادرة على المنافسة بحرية وانتخاباتٍ مفتوحة وحرة. كما يتطلّب فصلا بين السلطات، ومستوى أقل من الفساد وحماية للأقليات وحرية التنظيم والاجتماع والتعبير وصحافة حرة وهي عمليات بطبيعتها لا تتم بين عشية وضحاها بل بحاجة للانخراط في عملية تغيير ممتدة ومعالجة لمضاعفاتها الواقعية.
وهذه الشروط السابقة عندما تكون مفتقدة فإن المطالبة بالديمقراطية من قبل القوى الكبرى وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية ستتخذ طابعا انتخابيا داخليا بل وستخفض سقف الديمقراطية حتى يتواءم مع المنافسة الانتخابية.

خطاب جديد حول الإصلاح والتغيير

حتى تكون القمة العربية بمستوى التحديات والأمنيات التي تعلقها عليها الجماهير والمواطنون وحتى تتمكن من احتواء الضغوط الأمريكية والأوروبية، عليها أن تعيد النظر في الخطاب الرسمي حول التغيير أعني في منطلقات ا لتغيير ومبادئه ومضمونه، فالخطاب الرسمي الحالي حول رفض المبادرة الأمريكية أو الأوروبية أو الأمريكية الأوروبية في ما بعد أو في ما هو مقبل من شهور، تتأسس بنيته على رفض التغيير الوافد من الخارج وتأكيد الاستقلالية العربية في مواجهة هذا التغيير المصحوب بضغوط خارجية وخصوصية الأوضاع الثقافية والحضارية العربية، ثم وأخيرا أننا ـ أي العرب ـ نعرف طريقنا إلى الإصلاح والتغيير بأكثر وبأفضل مما يعرفه غيرنا، أي أولئك الغرباء عن منطقتنا وهي حجج قد لا يخلو الكثير منها من المصداقية، فمن ناحية تبدو حجة رفض التغيير لأنه وافد من الخارج غير مقنعة، فرياح التغيير ومنذ مدة طويلة تفوق القرنين تأتي من الخارج فعلا وخاصة في العالم العربي وموجات التحديث والحداثة والتغريب كانت وافدة. والمشكلة هي مضمون هذا التغيير والشروط التي تصاحبه والطريقة التي يفرض بها، فإذا كانت الولايات المتحدة ترى في منجزاتها التي تحققها في العراق أي إعادة بناء الدولة الحديثة وفصل الدين عن الدولة والفيدرالية في العراق لاحتواء صيغ التعدد المذهبي والعرقي أو مبادرتها للإصلاح والتسوية في السودان أو مشروعها للإصلاح فى أفغانستان، مبررات لفرض النموذج الذي تراه صالحا في المنطقة، فإن هذه المبررات غير كافية بل ولا تضمن استقرارا لهذا النموذج لأن منطق هذا النموذج هو القوة التي تعوزها المشروعية الأخلاقية والقانونية.
نخلص من ذلك إلى أن ما هو مرفوض ليس التغيير في مضمونه المقترح من الخارج بل الكيفية التي يطرح بها نفسه والطريقة التي يمكن أن ينفذ بها والشروط التي تصاحب إقراره. فالتعاون والتفاهم والتشاور حول مضمون التغيير هو المدخل الحقيقي إلى تنفيذه وليس القوة والقسر والإكراه.
أما في ما يتعلق بتأكيد الاستقلالية العربية عبر الرفض فهو بحاجة إلى إعادة نظر أيضا، خاصة حول حدود الاستقلالية في الوقت الراهن، فقد عصف عصر العولمة بعديد من مقومات السيادة والاستقلال وخلق حالة تداخل كونية في الأمن والمصالح السياسية والاستراتيجية، ولابد أن نعي حدود الاستقلالية في الوقت الراهن وطبيعتها في اللحظة الحالية وما إذا كان مجرد الرفض هو تأكيد هذه الاستقلالية أم أن الرفض ليس كافيا بل لابد وأن يكون مصحوبا بإجراءات عملية تؤكد قدرتنا على التغيير وعلى إدارة عملية الدمقرطة والحداثة.
أما التعلل بخصوصية الأوضاع الثقافية والحضارية فهي حجة ليست في صالحنا إجمالا. فهل تعني هذه الخصوصية الإبقاء على تردي أوضاعنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعلمية وتدني كافة مؤشرات التنمية المستدامة الاقتصادية والبشرية؟
إن الخصوصية تعني في المقام الأول البحث عن حلول مبتكرة لمشكلاتنا من واقع ثقافتنا وعقولنا ورفض النماذج الجاهزة لحلول هذه المشكلات التي تولدت في بيئات ثقافية أخرى لأنها لا تلائم واقعنا ولكنها ـ أي الخصوصية ـ لا تعني حصانة أوضاعنا ضد التغيير والإصلاح خاصة عندما تكون أفكار هذا التغيير وهذا الإصلاح هي أفكار عربية متراكمة منذ نحو قرنين.
في ما يتعلق بالحجة القائلة بأننا نعرف طريقنا إلى الإصلاح بأفضل مما يعرفه غيرنا فالسؤال هو لماذا إذن تتعثر محاولات الإصلاح؟ ولماذا تبدو خطوات الإصلاح ثقيلة بأكثر مما ينبغي؟ بل ولماذا يتم تفريغ بعض الخطوات الإصلاحية من مضمونها قبل أن تولد؟ ما هي القوى الخفية والعلنية التي لها مصلحة مباشرة في ذلك رغم ضرورة الإصلاح والتغيير؟ أسئلة كثيرة تثيرها هذه الحجة في الداخل والخارج على حد سواء.
والحال أن الخطاب العربي الرسمي حول التغيير هو خطاب تبريرى، ينطوي صراحة وضمنا على الإرجاء والتجاهل والالتفاف حول المطالبة بالإصلاح، وهو ما فهمه الجميع في الداخل والخارج. وذلك يقتضي خطابا جديدا حديثا حول الإصلاح والتغيير يقطع الصلة بالممارسات الخطابية والبلاغية العربية، خطاب يتميز بالأصالة والجدة والجدية والصدق في التعامل مع مطلب الإصلاح كضرورة عربية وقومية وقطرية في ن واحد، وذلك يقتضى الاعتراف الصريح بالحاجة إلى الإصلاح وصياغة أجندة واضحة لمسالك هذا الإصلاح ودروبه السياسية والقانونية والاقتصادية وبلورة جدول زمني للتنفيذ يكتسب المصداقية الداخلية والدولية أخذا في الاعتبار الظروف والملائمات السياسية والحاجات والعقبات الممكنة بشرط ألا يكون ذلك مرة أخرى تبريريا..
ولا شك أن القمة العربية بحكم طبيعتها وصلاحياتها قادرة على وضع ليات للتغيير وإقرارها أمام الشعوب. على أنه إذا كان إقرار هذه الآليات أمرا يبدو سهلاً في كثير من الأحيان فإن تطبيقها في الواقع السياسي المعقد يجب أن يخضع لحسابات عديدة تتمكن في النهاية من اخراج صيغ عملية ودقيقة تحول دون الانفلات والفوضى وتمتص المضاعفات المصاحبة لعملية الانتقال.
أما على الصعيد العربي العام فإنه بمقدور العرب ممثلين في القمة المقبلة أن يعيدوا الحياة الى التكامل الاقتصادي العربي وآليات العمل العربي المشترك السياسية والعسكرية وأن تركز القمة على تلك القضايا التي تحظى بالاجماع والتوافق وان تتجنب تلك القضايا التي تثير الخلاف في الوقت الراهن.
العرب والعالم ينظرون الى القمة المرتقبة ولكن بعيون مختلفة، فالعرب يطمحون الى تجاوز التحديات الراهنة ليس بالقفز فوقها وإنما معالجتها بطريقة تتلاءم والاوضاع العربية الراهنة وتعتمد مبدأ التدرج في الاصلاح والجدية في التنفيذ والالتزام وتتمكن من احتواء الضغوط الخارجية والامريكية على نحو خاص وتأكيد قدرة الذات العربية والعقل السياسي العربي على مواجهة معضلات التطور السياسي المحلي والعالمي، بينما أن العالم والولايات المتحدة واوروبا تطمح الى فرض شروطها ورؤاها للاصلاح في العالم العربي وتؤمّل ان تكون قرارات القمة مناسبة لتمهيد الطريق للتدخل في الشؤون العربية، وليست مناسبة لقطع الطريق على هذا التدخل.
والأمر المؤكد أن نموذج التغيير والاصلاح المعد سلفا، في دوائر الخارجية والديبلوماسية الامريكية يمثل حلم المحافظين الجدد وأداتهم لتأمين هيمنة الإمبراطورية الامريكية في المستقبل، ولكنه بالتأكيد لا يمثل تطلعات المواطنين والجمهور العريض في العالم العربي، فالتغيير في العالم العربي أو في غيره يرتبط بمشاركة واسعة من قبل المواطنين عبر اقنية ودروب سياسية وقانونية، يحميها القانون والشرعية وتستند الى قواعد اجتماعية وثقافية راسخة ومن ثم يكتسب التغيير شرعيته في الثقافة الوطنية. أما حلم المحافظين الجدد في البيت الابيض وغيره من الدوائر باجراء التغيير وفقاً للنموذج المعد سلفاً فسيفتقد الى الشرعية ويحمل شبهة الرضوخ للاقوى والاذعان لمطالبه، ومن ثم قد يخلق مقاومات من انواع شتى قد تفضي به الى مسالك عبثية ونتائج لا تتسم بالاستقرار.
والاهم من ذلك ان رفض نموذج "الشرق الاوسط الكبير الذي تقترحه الولايات المتحدة الامريكية ينبغي ان يتأسس على الفرضيات والمنطلقات التي يستند اليها ، تلك المنطلقات المضمرة الايديولوجية والسياسية على نحو خاص، فثمة من ناحية تقسيم العالم وفقاً لهذه المبادرة لقوى تصنع التاريخ وتوجه مسيرته، وقوى اخرى ليس امامها سوى أن تسير في الخط الذي رسمته هذه القوى الكبرى، فالولايات المتحدة الامريكية كقطب احادي مهيمن ترى انها عبر شراكتها مع اوروبا قادرة على فرض ارادتها وتحديد مسار التاريخ الكوني، وهذه القوى الكبرى تواجه الارهاب وقوى الشر بينما ان الدول الاخرى في الشرق الاوسط وغيره عرضة لأن تكون ادوات للارهاب وليست قادرة على مواجهته خاصة بعد تحول ادوات مدنية كطائرات الركاب الى قنابل هائلة التفجير في احداث 11 ايلول (سبتمبر).
بعبارة اخرى فإن المعنى المضمر في هذه المبادرة هو انقسام العالم لقوى تصنع التاريخ واخرى تسير فيه كرها. وبالاضافة الى ذلك فإن المشروع الامريكي يستند الى فرضية اخرى اكثر اهمية الا وهي أن اسرائيل وعدوانيتها وعنصريتها وممارساتها الاجرامية في حق الشعب الفلسطيني والشعوب العربية لا علاقة لها بخريطة الشرق الاوسط و"مخزونه الارهابي" ومعوقات الاصلاح فيه.
وينفي المشروع عن اسرائيل أية تهمة وأية مسؤولية عن تعويق عملية البناء والدّمقرطة والتطور في العالم العربي.
وهذه المبادرة الامريكية كما تعفي اسرائيل من المسؤولية عن تدهور الاوضاع في المنطقة فهي ايضاً تستثنيها من جدول الاصلاح وتبقي عليها كما هي كما لو كانت تمثل النموذج الكامل غير المنقوص.
وفوق ذلك فإن المشروع لا يذكر القضية الفلسطينية لا من قريب ولا من بعيد ويدفع بهذه القضية الى مجاهل النسيان ويبرّئ القوى الكبرى وخاصة الولايات المتحدة من شبهة التقصير في مواجهة استحقاقات التسوية والانحياز المطلق لاسرائيل وينظر الى الجدار العنصري الذي يقيمه شارون بهدف ضم اكبر مساحة ممكنة من اراضي الفلسطينيين كما لو كان امراً مشروعاً.
والحال أنه إذا كان صحيحاً ان إنجاز تسوية للصراع العربي الاسرائيلي قد لا يفتح الابواب كلية امام رياح التغيير في الشرق الاوسط، فإنه من المؤكد أن تجاهل التسوية سيجعل من الإصلاح مشكلة اخرى بدلا من ان يكون حلا لمشكلات قائمة.
يضاف الى ذلك امران يتعلقان بهذه الخلفية المضمرة التي تكمن وراء مشروع الشرق الاوسط الكبير ويضعان علامات استفهام كبرى حوله، الاول ان المشروع في ما يبدو يرتبط الى حد كبير باخطاء السياسة الخارجية الامريكية في عهد الرئيس بوش الابن ومغامراته العسكرية في افغانستان والعراق على نحو خاص وتأسيس عدوانه على العراق على دعاوى كاذبة بشكل مطلق حول تملّك العراق لأسلحة الدمار الشامل، فهو يريد من وراء هذا المشروع الزعم بأن مغامرته في العراق كانت مجرد حلقة في مشروع كبير لتغيير العالم والشرق الاوسط الكبير تحديداً وأنه لا يريد الظهور امام الناخب الامريكي كمجرد معتدٍ كاذب على الرأي العام بل صاحب مشروع كبير لتغيير العالم واقليم الشرق الاوسط الكبير الذي يمتد من المغرب غرباً حتى باكستان وافغانستان شرقا.
اما الامر الثاني فهو تأكيد الدور الوظيفي للشرق الاوسط في إطار العولمة، أي تأمين مسارات العولمة السياسية والاقتصادية والثقافية عبر تغيير النظم السياسية وارساء الديمقراطية، وهيكلة الاقتصادات وتغيير القيم الثقافية التي تمثل مصادر مقاومة محتملة لمشروع العولمة الامريكي باعتباره مشروعاً كونياً لا رادّ له.
ولا شك ان هذه المنطلقات الظاهرة والمضمرة لمبادرات الاصلاح الامريكية أو الامريكية الاوروبية من شأن اظهارها وتحليلها تعيين الطريق الذي ينبغي ان يسلكه العرب وابتكار نموذج التغيير الخاص بهم والذي يعبّر عن امانيهم وتطلعاتهم، خاصة وان الخطاب الامريكي حول الديمقراطية في العالم الاسلامي والعربي والعالم عامة، يفتقد الى المصداقية، ذلك ان التجليات العملية للسياسة الخارجية الامريكية قد حفلت بتناقضات ظاهرة ومضمرة فهي التي وقفت وساندت أكثر الديكتاتوريات العسكرية في امريكا اللاتينية وحشية واستبدادا، كما أنها ساهمت عن طريق مخابراتها واجهزتها المختلفة في اسقاط العديد من النظم والرؤساء المنتخبين ديمقراطيا، وكان المعيار الامريكي للتدخل هنا وهناك هو المصلحة الامريكية والولاء للولايات المتحدة وليس مصالح شعوب هذه الدول.
والوعي العربي يخترن في ذاكرته ذلك الرصيد الامريكي فالشعوب لا تنسى ولكنها قد تغفر للذين اخطأوا في حقها.
بيد ان ذلك لا يقلل من الضرورة الحيوية لاستيعاب الخبرة التاريخية خاصة خبرة الامبراطورية العثمانية في مواجهة الاصلاحات التي فرضها الغرب، حيث بدأت هذه الاصلاحات تدريجية متذرعة تارة بحقوق الاقليات الدينية في الامبراطورية واخرى بحرية التجارة والباب المفتوح وانتهى الامر بتفكيك الامبراطورية واضعافها وتقسيم ولاياتها بين القوى الغربية الكبرى نذاك.. صحيح ان العرب حالياً لا يمثلون امبراطورية او دولة واحدة موحدة ولكن الاخطار التي يمكن ان تترتب على تكرار وتوالي هذه الضغوط السياسية والعسكرية قد تستهدف تعميق الانقسامات المذهبية والطائفية والجغرافية وانفلات النزعات العرقية والقبلية بما يهدد أسس وامكانات الحديث عن كيان عربي واحد او وحدة عربية ثقافية واقتصادية في المستقبل وتفكيك عرى الترابط التاريخي والجغرافي والثقافي والديني بهدف فرض السيطرة الامريكية والاسرائيلية على المنطقة.
ان الفكر النقدي والاصلاحي العربي قد سبق بكثير المقترحات الامريكية المضمنة في مشروع الشرق الاوسط الكبير والمعدة سلفاً للمنطقة.. لقد ترك هذا الفكر الاصلاحي والنقدي ميراثاً فكرياً متميزاً حول حال الأمة ومستقبلها واحتياجاتها النهضوية في كافة المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وساهم في بلورته كافة المثقفين من كل ألوان الطيف السياسي والفكري ومن مختلف التيارات التي جاهدت عبر موجات متتالية من النقد الذاتي والموضوعي للمجتمعات والنظم العربية ورسمت مجتمعة خطوط الاصلاح ومعالمه ومضمونه ومبادئه.
إن تكاثر المبادرات الامريكية وغيرها في هذه الآونة ينبغي ان يعيد الاعتبار لمساهمات المثقفين والمفكرين العرب ليس لأنهم لعبوا دور "زرقاء اليمامة" في التراث العربي بل لأنهم كانوا اسبق في تأكيد الحاجة للاصلاح والتغيير وتعيين حدودهما على كافة الاصعدة القانونية والسياسية والثقافية والاقتصادية وربما ن الاوان لكي تستلهم السياسات العربية ذلك الرصيد الحقيقي الذي يمثل ويكرس دور مثقفي هذه الأمة في نهضتها وهو على أي حال دور ليس جديداً لا في السياسة ولا في الثقافة العربية بل هو قائم منذ نحو قرنين أو ما يفوق ذلك.

طباعة >> | إغلاق النافذة >>


afkar@afkaronline.org