المعارك
التي نخسرها هي المعارك التي لا نخوضها
أحمد
بوعجيلة -جامعي ـ تونس
إذا كانت حقبة ما بعد
مرحلة الحرب العالمية الثانية، قد شهدت تبلور صيغ من
التنظيم المجتمعي، سياسية واقتصادية وثقافية وعلمية
جديدة، فإن ما أخفقت فيه النخب العربية الاستقلالية
وما بعد الاستقلالية هو اقامة نظام إقليمي جيوسياسي
وجيواقتصادي ناجع وفعّال. وهذا ما أفقد العرب فرص الانخراط
في الثورة الصناعية، التي يتطلّب الانخراط فيها قدرات
بشرية وماديّة تتجاوز ما يمكن أن تتوفّر عليه كل دولة
على حدة.
وعندما خسرت الدّول
العربية التحكّم في معطيات الثورة الصناعية والسيطرة
على آلياتها، حكمت على نفسها بأن تبقى بلدانا صغيرة
وتابعة وخاضعة لتقلّبات النظام العالمي وتدخّلاته وحاجاته.
وسقطت معظم الدول العربية
بعد أن فشلت في إقامة نظام إقليمي جيواستراتيجي وجيواقتصادي
الواحدة بعد الأخرى في شبكات الاستراتيجيات الدولية.
وتخلّت عمليا عن استقلالها ومعظم خياراتها الوطنية،
وتحوّلت في معظمها الى وكالات سياسية للاستراتيجيات
العالمية، وأدوات مادية تستخدمها الدّول الكبرى، في
مقابل بعض المنافع هنا وهناك دون أن تحصل لا على التنمية
ولا على الازدهار.
واذا كانت الامبراطورية
العثمانية "رجل أوروبا المريض في مطلع القرن العشرين،
فإنّ العالم العربي يبدو وكأنه رجل العالم المريض في
مطلع القرن الحادي والعشرين. فهو يعيش على قارعة الطرق
السريعة للعولمة، لأنّه سجل أعلى نسب للبطالة في العالم
في عام 2002 لتبلغ 18%، فيما لم يتجاوز نصيبه من الثورة
الرقمية 1,6 بالألف، بما تعكسه هذه النسبة من دلالات
مخيفة على المسافة الشاسعة التي تفصل العالم العربي
عن محاولات الولوج الى بناء مجتمع المعرفة، الذي يشكل
الرافعة الأساسية لدخول العرب الى العالم المعاصر.
ولا يستقبل العالم العربي
إلاّ 2,8% من الاستثمار الأجنبي المباشر في الدّول النامية،
فيما يشهد، نسبة عالية من النمو الديمغرافي (2,7% خلال
الربع الاول من القرن العشرين). ويفترض أن يصل عدد سكان
العالم العربي الى 470 مليون نسمة بحلول العام 2025.
ويذكر تقرير البنك الدولي
بعنوان: "العمل، النمو وادارة الحكم في الشرق الاوسط
وشمال افريقيا" عام 2003، ان المنطقة العربية بحاجة
الى توفير 80 مليون فرصة عمل خلال العقدين المقبلين
فقط لاستيعاب القادمين الجدد الى سوق العمل في ظل وجود
ديمغرافيا عربية فتية وضاغطة على اقتصاد مترهّل يعيش
العديد من الأزمات الهيكلية ويفرض على البعض القليل
الهجرة عبر الجغرافيا وعلى البعض الكثير النزوح عبر
التاريخ الى أصوليات متعددة، لكنّها تمثّل وجها للأزمة
لا حلاّ لها، لأنها لا تقدم مشروعا للمستقبل.
هذه هي نتائج السياسات
التي تم اعتمادها في العالم العربي، على الأقل منذ نهاية
الحرب العالمية الثانية، تحت تأثير وحكم الحقبة القومية
في العالم العربي. وهناك اليوم رأي سائد في العالم العربي
والدولي يقول بنهاية هذه الحقبة.
نهاية الحقبة القومية:
المعاني.. النتائج.. الدلالات
عندما نقول انّ ما نعيشه
هو نهاية الحقبة القومية، بما تضمّنته من مشاريع وطنية
وقومية معًا، فإننا نعني بذلك إخفاق النخب السياسية
التي رفعت شعارات القومية في تحقيق أو إنجاز البرنامج
القومي الذي شكّل بناء الاتحاد العربي محوره الرئيسي.
ويشخّص الكثيرون الحالة
الرّاهنة للمجتمع العربي بأنها حالة إعلان هزيمة العرب
التاريخية ـ وعلى رأس هؤلاء برنارد لويس ـ بسبب فشلهم
في بناء تكتّل إقليمي قادر على الصّمود في وجه العواصف
الدولية.
انّ ما قاله برنارد
لويس، يندرج في إطار مقولات وأدبيات النهايات التي طغت
على الكتابات الليبرالية وخاصّة الامريكية منها، على
غرار مقولة نهاية التاريخ وسيادة أنموذج ثقافي وسياسي
واقتصادي وحيد، هو الانموذج الليبرالي في نسخته الأمريكية.
ومن هذه الزاوية، فإنّ إعلان هزيمة العرب التاريخية،
هي محلّ انتظار جزء واسع من الرّأي العام الغربي المشبع
بالعداء لفكرة الوحدة العربية منذ عقود.
أمّا نحن، فنفهم نهاية
الحقبة القومية، أو بالأحرى نهاية الحلم العربي الكلاسيكي،
على أنها اعتراف بإفلاس الفلسفة أو التحليلات النظرية
التي اعتمدت عليها القوى القومية، واستثمرتها في بناء
استراتيجية العمل القومي من جهة، واخفاق اسلوب معيّن
من العمل السياسي، وهو أسلوب العمل الشعبوي والسلطوي
غير الديمقراطي من جهة أخرى.
إنّ خطأ الحركات القومية
أو نماذج الحكم القومي في العالم العربي، لم يكن نابعا
من تمسّكها ببناء الاتحاد العربي، ولكنّه نابع من عدم
استثمارها الفعلي له، وتمسّكها في المقابل، بمصالحها
الخاصّة، التي كوّنتها في إطار الدول التي حكمتها أو
سيطرت عليها.
انّ ما سقط وانتهى في
الواقع، هو حلم الاتحاد العربي، وقد أسميناه حلما لأنّه
افتقر الى الرؤية الاستراتيجية، الوطنية، الواقعية والعقلانية.
وعندما نقول نهاية الحلم، فإننا نعني اخفاق ايديولوجية
معيّنة وانماط حكم وإدارة وتصرّف معيّنة، منطلقين في
استنتاجنا هذا، من انهيار الفرضيات التي بني عليها هذا
الحلم.
انّ ما كان يبرّر الحديث عن عالم أو نظام أو اتحاد عربي،
هو وجود حدّ أدنى من التضامن بين البلدان المكوّنة للمنظومة
العربية، أكثر من التضامن بين أي بلد عربي والبلدان
الأجنبية.
لقد قامت فكرة الاتحاد
العربي على فرضية إلغاء إمكانية التفكير في الحرب بين
الدول والشعوب العربية، لأنها ترى في الشعب العربي شعبا
واحدًا ذا مصالح واحدة.
وقد ربطت هذه الفرضيات
التعاون والتفاهم والتكامل والاتحاد العربي بايديولوجية
وحيدة غاب عنها الإيمان بأنّ الايديولوجيا القومية العربية،
ليست إلاّ احدى الايديولوجيات الممكنة والتي فشلت..
لقد وضع العرب أنفسهم بين تطرّفين:
تطرّف راهن على تعميق سيادة الدولة الوطنية، وحرّية
حركتها المطلقة. وهو ما عبّر عنه وجسّده ميثاق جامعة
الدول العربية، وتطرف خر، حارب الدولة الوطنية بالوحدة
الاندماجية الشاملة التي لم يكتب لها النجاح.
كما انقسم العرب على
مستوى استراتيجية التكامل الاقتصادي. فقد شهدت إقامة
السوق العربية المشتركة معارضة مختلفة، سواء من القيادات
التي تخشى الهيمنة، أو تلك التي ترى السوق المشتركة،
عملية بطيئة، غير كافية لشعوب مهيّأة بحكم الأصل واللغة
والدين. وانقسم العرب مجدّدًا على الأقل بين اتجاهين:
اتجاه كان يخشى أن ينقلب
التكامل الاقتصادي الى تعلّة تؤخّر بناء الاتحاد العربي
الشامل، وأخرى ترى في التكامل مقدّمة للهيمنة السياسية
للأنظمة الكبرى على الدول الصغرى.
وفي مقابل هذا وذاك،
نظرت تونس الى الفضاء العربي باعتباره فضاء يثري النمو
المتبادل بين مختلف الاقتصاديات العربية، وبالتالي لا
توجد حاجة الى المغالاة في اتجاه دون آخر.
لقد كانت تونس من الدّول
العربية القليلة، بل كانت الدولة الوحيدة، التي احتكمت
الى تغليب العقلانية والرؤية الاستراتيجية في نظرتها
الى الصراع العربي الاسرائيلي، كما كانت النخب التونسية
متبصّرة في رؤيتها لعملية البناء العربي، وفيّة لانتمائها
العربي وعاملة على تطويره.
وانطلاقا من اخفاق تجارب
الوحدة العربية من جهة، والتكامل الاقتصادي من جهة اخرى،
ولمّا كان التعاون الاقليمي، لا يتعارض مع التعاون القومي
بل يدعمه، انخرطت تونس في الكثير من التجمّعات والمجالس
العربية وعلى رأسها اتحاد المغرب العربي، باعتباره خيارًا
استراتيجيا تطلّعت إليه النخب التونسية منذ حركة التحرير
الوطني.
كما عملت تونس على تجسيم
مشاريع الاندماج الاقتصادي، وتحقيق طموحات الشعوب المغاربية
في التضامن والتكامل.
لقد نظرت تونس الى مختلف
التجمّعات العربية والاقليمية، باعتبارها تؤلّف أعمدة
للتعاون العربي العام، من أجل عقد تنمية اقتصادية شاملة
وسريعة تقفز بالعالم العربي في بضعة عقود الى مستوى
الدول الصناعيّة. وكانت تونس تطمح باستمرار، الى أن
تُشكل هذه التجمّعات وعلى رأسها اتحاد المغرب العربي،
منطقة للتبادل الحرّ، وأسواقا مشتركة، تمهيدًا لبناء
السوق العربية المشتركة، باعتباره الحدّ الادنى المطلوب
لخروج العرب من موقع الاستهلاك الحضاري، الى موقع المشاركة
الفعالة والإيجابية في إنتاج وإبداع الحضارة الانسانية.
وأمام غياب أي أفق للعمل
العربي الجماعي والشامل، وانطلاقا من إيمانها بفاعلية
سياسة التدرج، عملت تونس على عقد اتفاقيات ثنائية ورباعية
لإرساء منطقة للتبادل الحرّ مع الدول العربية، في المغرب
والمشرق العربيين.
لقد عملت تونس على الانخراط
في الكثير من الفضاءات، إيمانا منها بأنّ الانخراط في
أحد الفضاءات لا يحول دون الانخراط في فضاء خر وإنّ
تنوّع الانتماء الجيوسياسي، والجيواقتصادي والجيوثقافي،
يعتبر اليوم أحد ثوابت سياسة تونس التغيير.
لقد ساهمت، هشاشة الفرضيات
والسياسات التي بني عليها الاتحاد العربي، من جهة وتباين
مواقف الدول العربية وسياساتها من موضوع إقامة الاتحاد
العربي من جهة أخرى، في دخول العرب في سلسلة من النزاعات
والصراعات الباردة والحامية، وصولاً الى الحروب العربية
العربية بما أدّى الى تفكك النظام الاقليمي الأمني والسياسي،
وبالتالي الى انحسار في مفهوم وفعل التضامن العربي وانكشاف
النظام العربي أمام التنافسات والمصالح الدولية.
وكل هذا، أدّى الى فقدان
الدّول الصغيرة الايمان بقدرة النظام العربي على تأمين
التضامن والحماية من الاعتداءات الدّاخلية والخارجية،
وبالتالي إلغاء ما يبرّر بقاء الدول العربية في اطار
نظام اقليمي عربي واحد.
وهكذا، اندفعت العديد
من الدّول العربية الى التخلّي عن الخيار الأمني والتنموي
الجماعي العربي، واتجهت كل دولة الى البحث لنفسها عن
خلاص وهمي، في طلب الحماية أو المساعدات الأجنبية والاعتماد
على الخارج. وأصبحت الروابط بين الدّول العربية أضعفَ
من روابطها مع الدّول الأجنبية.
لقد أظهرت جميع الأحداث
التي شهدها العالم العربي، عجز الجامعة العربية كوسيلة،
على تجاوز الصراعات الناشئة بين دول ذات سيادة، ممّا
أدّى الى فقدان الجامعة لفاعليتها ومصداقيتها، بسبب
انعدام الآليات التي تسمح لها بأن تتحوّل الى أداة فعّالة،
لمنع اعتداء أعضائها أو أحدهم على الآخر، وفضّ الخلافات
والنزاعات بينهم بالطرق السلمية. وهكذا خرج العالم العربي،
وخصوصًا بعد حرب الخليج الثانية، من دون أي أدوات قانونية
محترمة، لتنسيق العمل الإقليمي، بل من دون أي فاق للمستقبل.
لم تنجح جامعة الدول
العربية، في ادارة النزاعات التي عصفت بالعرب من الداخل
والخارج، كما لم تنجح في تشكيل أي آلية لاحتوائها ولا
حتى العمل كصمام أمان يحول دون تحوّل التنافس في المصالح
بين الدول العربية ذات السيادة الى حروب ونزاعات دموية.
لقد جاء انقسام العرب،
في اطار الجامعة العربية، بعد امتحانات سابقة تعرّضت
لها العلاقات العربية ـ العربية، مثل عجزها عن منع اسرائيل
من دخول عاصمة دولة عربية وهي بيروت، ودون النجاح في
التخفيف من وقع الاحتلال والاضطهاد اللّذين يتعرّض لهما
الشعب الفلسطيني، أو مدّ يد العون لليبيا في الحصار
الذي تعرّضت له.
ومن الواضح ان الايمان
بالوحدة العربية وبضرورة التضامن والتعاون والتكامل
العربي، ليس هو الذي يفسّر الحرب التي شنّها العراق
على الكويت، بقدر ما تفسّر هذه الحرب بانحسار هذا الايمان
وتراجعه، وعودة الدول العربية الى سياسات واستراتيجيات
الدولة الوطنية والدفاع عن مصالحها الضيقة.
ويشكل سقوط بغداد اليوم،
إدانة حاسمة وصريحة، لعصر افتتحته النخب العقائدية،
المفتقرة للوعي وللارادة الوطنية معا، بالتناحر والانقسام
والعداء المتبادل، وفرض الأحكام العرفية، وحالات الطوارئ
وضرب الحرّيات العامّة والشخصيّة.
ويعدّ احتلال العراق
تتويجا مؤلمًا لنصف قرن من السياسات اللاعقلانية واللامسؤولة
للنخب العربية، والبرهان الساطع على افلاس أنماط الحكم
والادارة والتسيير التي عرفتها معظم المجتمعات العربية
في مرحلة ما بعد الاستقلال.
وكما كان سقوط بغداد إنهاءً تراجيديا لعصر الخلافة العربية،
وفاتحة مرحلة فوضى واضطرابات طويلة، فقد شكل سقوط بغداد
اليوم إنهاءً تراجيديا للعصر الوطني والقومي العربي.
التكامل لم يعد موجودا
في الماضي.. انه قائم في المستقبل؟
يحتاج بناء التعاون
العربي ـ العربي الى إعادة تأسيس التعاون على قواعد
أكثر فاعلية ونجاعة، على أنقاض علاقات قائمة على القوّة
والتحدّي المتبادل والصّراع والنزاع العربي.
ويكمن البديل للنزاع
والصراع البارز والكامن بين الدول العربية في تأسيس
تعاون وتكامل يستندان الى إدراك عقلاني ومتبصّر لحاجيات
التنمية الحضارية والاقتصادية والاجتماعية، والى إرادة
سياسية حقيقية للخروج من النزاعات الداخلية التي تمزّق
كل دولة.
ولا يكمن الحلّ في تطرّف
الوحدة العربية ولا في تطرّف السيادة الوطنية، بل يكمن
في بناء تكامل بين الدول العربية، يحفظ للنخب الوطنية
مصالحها الرئيسية وخصوصياتها، ويفتح الباب أمام اندماج
اقتصادي وسياسي وثقافي وأمني، يضمن للشعوب تنميتها وتحسين
شروط حياتها ومستقبلها.
ثمة حاجة الى مقاربات
جديدة، لا تعتمد فقط على استثمار العواطف والتراث والتقاليد
المشتركة ـ على أهميتها ـ وإنّما تستند الى جاذبية مشاريع
تحسين مستوى حياة المجتمع ومشاركته الحضارية.
انّ ما فشلت في بنائه
الحركات القومية، بسبب هشاشة فلسفتها وأسلوب عملها،
يمكن أن تنجح فيه، بل ينبغي أن تنجح فيه حركات جديدة،
تعتمد أسلوبا ديمقراطيا في العمل الاقليمي، وفلسفة عقلانية
وجديدة تقوم على توسيع دائرة المصالح والمنافع المشتركة
كأسس لتطوير العمل التكاملي.
لم يكن نداء التكتّل
الاقليمي العربي قويا في أي حقبة تاريخية كما هو عليه
اليوم، حيث لا يكاد يوجد مفكر أو سياسي أو قائد عربي،
لا يعترف، ليس فقط بالحاجة الى تكتل عربي، بل بضرورته
من أجل مواجهة المشاكل التي تعترض جميع الدول العربية،
اقتصاديا وأمنيا وسياسيا وثقافيا.
انّ حركة التكامل والاندماج
والتكتل بين الدول العربية، لم تعد موجودة في الماضي،
وانّما أصبحت قائمة في المستقبل. أي في تحسين شروط الحياة
المادية والمعنوية للمجتمعات العربية، بما يتوافق مع
معايير العصر، بما يعنيه ذلك من تعظيم لفرص التقدم والانخراط
في الحضارة الحديثة، قيما وانماط حكم ومعيشة. وهذه هي
المصالح الكبرى التي على المجتمعات والنخب العربية التطلع
إليها واستثمارها.
نستطيع القول إن العالم
العربي، يعيش اليوم على مستوى الشعوب وعلى مستوى النخب
معًا، مرحلة من التشكيك العميق، بمشروعية وشرعية وجوده
ككيان لديه الحدّ الأدنى من الترابط والاتحاد. وهي لحظة
من أقسى لحظات التشكيك في الذات وانعدام الثقة بالنفس
وبالمستقبل، ولحظات الإحباط الفكري والسياسي.
لقد أصبحت منظومة العالم
العربي، موضع تساؤل، كما أصبح وجود العالم العربي، واستمراره
وبقاؤه موضع شك أيضا، سواء بالنسبة للعالم الخارجي أو
بالنسبة للشعوب العربية.
فهل وصل العرب الى
مرحلة العقم التاريخي؟
ليس في التاريخ عقم..
ان التاريخ هو بالتعريف عملية تحوّل مستمرّة. وقد يكون
الفشل المقدمة الموضوعية، وأحيانا الحتمية، للنجاح.
ان كل المجتمعات تعيش
اشكالا مختلفة ومتمايزة من الأزمات. فهناك مجتمعات،
تعني الأزمة عندها أنّها أصبحت خارج التاريخ كليا. وهناك
مجتمعات استطاعت أن تضع قدمها في العالم الحديث، فهي
مشاركة في الانتاج الحضاري والعلمي والتكنولوجي. وهناك
مجتمعات سائدة ومتقدمة وقوية، ولكنّها تعاني من أزمات
رأسمالية بالمعنى الاقتصادي للكلمة.
لكن هذه الازمات، هي مظاهر لأزمة نظام عالمي واحد، قام
ومايزال على الاستقطاب المستمر بين الشمال والجنوب،
وتترجم نتائجه من خلال وضع 80% من البشرية في ظروف لا
إنسانية.
لن يستطيع العرب الخروج
اليوم من حقبة الفوضى الجديدة، التي افتتحها سقوط بغداد،
إلاّ بعملية طويلة وعميقة للاصلاح الداخلي، عملية أخلاقية
ومدنية وسياسية وجيواستراتيجية معًا. وإلا فسوف يظلّون
يتخبطون في الصراعات الدّاخلية والخارجية لعقود طويلة.
إنّ الأمر يتعلّق بإصلاح
النظام المجتمعي، فهو الذي يحدّد توجهات المجتمع ودرجة
فاعليته وقدرته على التفاعل الايجابي مع بيئته المادية
والمعنوية.
واذا وجد العرب أنفسهم
اليوم، في صف المجتمعات المتخلّفة والفقيرة، فذلك راجع
الى أسلوب تعاملهم مع قوانين وقواعد التراكم الرأسمالي،
لرأس المال الاجتماعي والاقتصادي، وبالتالي بسبب الاستراتيجيات
التي تم اعتمادها وبلورتها في عملية التحولات التاريخية
والصراعات التي حكمتهم خلال القرن الماضي.
ولو نجح العرب منذ عام
1945، في تشكيل تكتل اقتصادي عربي لكانت النتيجة بلا
شك غير ما هي عليه اليوم.
حتى تكون المنطقة
العربية مركزا عالميا للتنمية الاقتصادية
انّ السؤال الذي يعنينا،
هو كيف يمكن أن تتحوّل المنطقة العربية الى مركز من
مراكز الانتاج والتنمية الاقتصادية؟
يفيد هذا التساؤل في
ظاهره، بأن التحدّي أمام العرب يكمن في خلق الشروط الموضوعية
التي تستثمر في رأس المال الاجتماعي والاقتصادي والمالي،
وتنشئ بيئة صالحة للاستثمار بمفهومه الشامل في المنطقة
العربية.
ويعني ذاك التساؤل في
عمقه، انجاز مجموعة من الشروط كمقدمة لإنجاز البيئة
العربية الجديدة.
ويتطلب انجاز البيئة
العربية الجديدة، مجموعة من الشروط ومنها أساسا بناء
نظام معرفي للعلم والبحث والتكنولوجيا، وبناء نظام سياسي
ديمقراطي، وتوظيف محكم للموارد في مواجهة مشاكل التنمية
لإنجاز التكتل الاقتصادي العربي، وصولا الى بناء نظام
للأمن الجماعي والاقليمي يضمن استقرار المنطقة العربية.
ويكمن شرط التعامل الايجابي للعرب مع التحولات الدولية
في تأهيل المجتمعات العربية اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا
وعلميا. ومن غير الممكن حصول مثل هذا التأهيل دون تأهيل
للمجتمع والدولة، وجعلهما متكاملين على أساس ثقافة المبادرة
والديمقراطية أي المشاركة والمسؤولية.
ثمة ضعف على مستوى توظيف
العالم العربي لإمكانياته البشرية والمالية في مواجهة
مشاكل التنمية والاستثمار ممّا أثّر على قدرة الثقافة
العربية على استيعاب التجديدات الحضارية التي حصلت في
مجتمعات أخرى، وهي تجديدات لم تشارك الثقافة العربية
مشاركة مباشرة وعملية فيها.
وقد أدّى ذلك الى بروز
فجوة كبيرة بين الثقافة العربية، باعتبارها نظاما متكاملا
للانتاج العلمي والمعرفي والروحي والاخلاقي، وبين وقائع
العصر التكنولوجي والحضاري الحديث المادية والمعنوية
الضرورية لإنجاز الثورة التكنولوجية والعملية التي تتطلب
الكثير من المبادرة الانسانية ومن الحرية والقدرة أيضا
على فهم التحولات العالمية.
يجب أن يقوم الاصلاح
الاساسي على الاستثمار في التعليم، أي في اصلاح النظام
التربوي والتعليمي القائم من أجل تعليم حديث قائم على
روح النّقد والمعرفة العميقة الموضوعية، ذلك أن الاقتصاد
الحديث اليوم، هو اقتصاد المعرفة، وهذا ما نختزله عادة
في اصطلاح "الاستثمار في الانسان".
لكن التعليم الجيّد،
وسط سوق اقتصادية صغيرة وضيّقة، يعني في الواقع تكوين
نخب ومهارات وموارد بشرية كفأة، صالحة للتصدير فقط.
ولا مخرج من ذلك إلاّ بخلق شروط سوق اقتصادية متكاملة.
ان الاستثمار في المعرفة بدون سوق اقتصادية كبيرة وقادرة
على تطوير فروع الاقتصاد المختلفة من إنتاج السلع الى
إنتاج الآلات الى انتاج التقنيات، لا يعطي نتيجة، بل
يمكن أن يكون هدرًا للموارد. ولنا في ظاهرة هجرة الادمغة
العربية أقوى دليل على ما نقول.
ان مستقبل العالم العربي،
مرتبط بنجاحه في السنوات القادمة في خلق شروط حرية انتقال
الاشخاص والأفكار والرساميل والخبرات، وضمان ذلك على
نطاق العالم العربي. وإلاّ فإنّ العالم سيترك العرب
وراءه شظايا دُولٍ ومجتمعات مفككة ومتنازعة في ما بينها
وداخلها.
ويكمن الشرط الثالث،
في وجود نظام سياسي ديمقراطي، يسمح للافراد بالمشاركة
في بناء وطنهم وشعورهم بالمسؤولية تجاه مصيره ومصيرهم
الشخصي والجماعي معًا.
ان الديمقراطية لن تصبح نظاما سياسيا في العالم العربي،
قبل أن تتحول الى ثورة أخلاقية يشعر من خلالها كل فرد
أنه عضو مؤسس لها، مقصود ومسؤول، وليس تابعا ولا مقلّدًا،
أي عندما يشعر كل فرد أنّه لا يخضع نفسه لقانون المساواة
والحرية والمشاركة والعدل إرضاءً للغير، أو انتظارًا
لمكافأة أو سعيا وراء مصلحة شخصية.
ان الدول العربية لا
تستطيع اليوم تطبيق الديمقراطية والسير بها في نفس المسار
الذي سار فيه الغرب، أي ان تبدأ بديمقراطية دافع الضرائبno
Traxation without representation قف تنتهي الى ديمقراطية
اجتماعية تضمن حق العمل وحق البطالة.
إنّ العرب مضطرون الى
البدء مباشرة بتوفير فرص العمل والتغطية الاجتماعية
والصحية لمختلف فئات المجتمع، وجعل التعليم ديمقراطيا
ومجانيا، حديثا وعصريا.
لقد دخل على العرب تاريخ
جديد لا يستطيعون التدرج فيه، وهم ملتزمون بتحقيق الديمقراطية
في أبعادها العميقة أي ديمقراطية تتيح للشعوب العربية
المساهمة بشكل أعمق ممّا تساهم به الشعوب في الديمقراطيات
الليبرالية في الحياة السياسية، ديمقراطية أعمق تتيح
للشعب تحمّل التضحيات التي لا بدّ منها لبناء قاعدته
الإنتاجية والاقتصادية ووحدته المفقودة.
تحتاج الظروف الراهنة
في العالم العربي الى ديمقراطية أعمق لا ديمقراطية أقل،
بحجة أن الشعب جاهل وأمّي، وأن أوروبا استغرقت قرونا
في الوصول الى الديمقراطية الراهنة.
ان النظام الديمقراطي
هو الذي يضمن الحدّ الادنى من الاستقرار السياسي والأمني.
ولا بدّ رابعا من العمل
على ايجاد استقرار اقليمي يخلق الأمل في مستقبل الاقتصاد
العربي ويخفف من حسابات المخاطر الكبرى.
لقد استنفد سباق التسلح
في العالم العربي جهود التنمية وسمّم المناخ الاقتصادي
والسياسي. ولذلك فإن ايقاف سباق التسلح سيفتح المجال
نحو تعاون أوسع ويطلق طاقات هائلة ماتزال مخنوقة أو
مدفوعة للهجرة.
وسوف يدفع الحدّ من
سباق التسلح بالعالم العربي الى توظيف الثروات المالية
الطائلة في مواجهة مشاكل التنمية والاستثمار في البلاد
العربية الفقيرة. وكم من دولة محدودة الامكانيات في
العالم العربي، استطاعت ان تستثمر مواردها في خدمة الانسان
ومحاربة الفقر والجهل والأميّة حتى غدت اليوم في طليعة
الدول الصاعدة. ولنا في تونس أعظم أنموذج ومثال.
ان العولمة تجعل العالم
كالغابة، عليك أن تحمي فضاءك ان كنت تريد خلق سوق وصناعات،
وعليك أن تظهر للمستثمرين من الداخل والخارج أن سوقك
محمّي و من من الناحية السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
تقود هذه الشروط في
حال انجازها الى البيئة المنشودة والممكنة وتدفع الى
البحث عن التنمية خارج الاطار الوطني، وعلى الاقل في
الاطار الاقليمي.
قمة تونس: وثيقة
العهد.. وثيقة للإصلاح
ستتجه انظار العالم
ببالغ الاهتمام نهاية الشهر الجاري الى تونس، لا فقط
لأنها ستحتضن القمة العربية المقبلة، وانما أيضا لأنها
تعدّ أنموذجا ناجحا في مجال العمل العربي والدولي وأرضية
خصبة للتوافق والبناء والاصلاح.
فتونس تحملت مسؤوليتها
التاريخية مجدّدا تجاه القضايا العربية، من خلال استعدادها
لاحتضان القمة وذلك لإيمان الرئيس بن علي بأهمية العمل
العربي المشترك، ومساندته المستمرة للمبادرات العربية،
والتزاما بمبادرته الداعية الى دورية انعقاد اجتماعات
القمة العربية، وهكذا تنعقد القمة على أرض تونس الإصلاحية.
لقد منت تونس التغيير مبكّرًا بأهمية الاصلاح الذي انخرطت
فيه بما ارتقى بها الى مصافّ الدول الصاعدة، لأنها استثمرت
مواردها في خدمة الانسان، وانخرطت في مسيرة العلم والمعرفة،
وتسلّحت بمواردها في محاربة الفقر والأميّة ونبذت التدخّل
في شؤون جيرانها وأشقائها.
أدركت تونس مبكّرًا
أن المناخ العالمي الجديد، يتطلب تحديث مؤسسات العمل
العربي المشترك، ونادت بذلك منذ سنوات على مستوى نخبها
السياسية والفكرية.
ان تونس اليوم مؤمنة
بأن العرب قادرون، متى توفّرت لهم الارادة السياسية،
على اللحاق بالامم المتقدمة، وذلك بالنظر الى ما يتمتّعون
به من امكانيات وقدرات. ومما يزيد في الرّهان على نجا
ح القمة العربية، ما تتسم به الديبلوماسية التونسية
من مصداقية وثقة، وما حققته المبادرات الدولية للرئيس
بن علي من نجاحات، فقد أرسى مدوّنة سلوك للعلاقات الافريقية
منذ عام 1994، أعطت نتائج إيجابية في مجال تفعيل الديبلوماسية
الوقائية وإيجاد الحلول لعدد من النزاعات في القارة
الافريقية. كما دعا الى وضع ميثاق عالمي للسلم والتقدم
بين البلدان المصنّعة والبلدان النامية بما يكفل تقليص
الفجوة ويحدّ من فة الفقر والحرمان، ويضفي بعدًا تضامنيا
على العلاقات الدولية.
وقد بادر الى الدعوة
لعقد مؤتمر دولي، قصد اعتماد مدوّنة سلوك دولية، تحدد
أخلاقيات التعامل بين الدول وتؤسّس لعلاقات مستقرة،
تقوم على مبدإ الأمن الجماعي.
والى تونس تلتفت أنظار
العرب نهاية الشهر الجاري حيث تنعقد قمة جامعة الدول
العربية.. ولقد أُعلن أن موضوع الاصلاح بصفة عامة واصلاح
الجامعة ودعمها بصفة خاصة، سيكون بندًا رئيسيا على جدول
أعمال القمة العربية. وهناك حديث عن انشاء مؤسسات جديدة
للجامعة، كالبرلمان العربي، ومحكمة العدل العربية، واعلان
عربي لحقوق الانسان، وعن جعل قرارات الجامعة أكثر فاعلية،
والعمل على متابعة تنفيذ هذه القرارات بدلا من تراكم
الغبار عليها، كما كان الأمر في معظم الأحيان حتى الآن،
وجعل الدّول والحكّام مسؤولين عن أعمالهم.
ومن الواضح أن التغيير
هو عنوان السياسات الدولية والاقليمية اليوم في المنطقة
العربية، بما يحمله من عناوين فرعية مثل الاصلاح والتحديث
والديمقراطية وحقوق الانسان وتحرير الاقتصاد.. الى درجة
أن هذه المفاهيم أدخلت أو دخلت بكثافة في الخطاب الرسمي
العربي.
وعلى وثيقة العهد أن تعترف بإدراك العالم العربي لحاجته
للاصلاح.
ان الانظمة لا تبنى على حسن النية أو سوء النية، والعرب
اليوم في حاجة ملحة للاصلاح والديمقراطية الحقيقية.
وما على الدول العربية إلاّ أن تبادر كل منها الى وضع
روزنامة سياسية للاصلاح والتغيير بوتيرة تناسب مصالح
شعوب المنطقة.
على القمة أن تخرج بقرارات ونتائج قابلة للتحقيق والتنفيذ،
وبذلك:
ـ تؤكد على اعادة بناء الموقف العربي من جميع القضايا
بحيث يصبح للقمة موقف ورأي.
ـ تجيب بالايجاب على استمرار وجود رابطة عربية تبرر
وجود الجامعة وتقول للعالم إن الدول العربية ماتزال
مصمّمة على العمل المشترك وتؤكد أنّ هناك فعلا ما يجمعها.
ـ على القمة ان تخرج بقرارات ونتائج قابلة للتحقيق والتنفيذ
وفي ذلك أفضل ردّ على الذين يتمّنون أن تكون قمة تونس
نهاية القمم العربية.
يقف العرب اليوم مجبرين، وفي أحسن الحالات مخيرين، بين
التهميش والخروج من الجغرافيا السياسية والاقتصادية
المعاصرة، أو مواجهة تحدّ سيشمل ثلاثة أبعاد مترابطة
ومتداخلة تمهيدًا للاصلاح.
ـ أولا: اصلاح الدول كمقدمة لإصلاح الجامعة (العمل
الجماعي) أو البعد الوطني للاصلاح الذي يحتاج الى بلورة
عقد اجتماعي جديد بين الدولة والمجتمع، محوره التعاون
والتكامل.
ـ ثانيا: الاصلاح الاقليمي: او البعد العربي
للاصلاح من خلال إرساء أسس ومفاهيم التعاون واحترام
الآخر وإدارة الاختلاف والتأكيد على المنطق التعاوني
التدريجي والتراكمي وتأسيس العلاقات على المصالح، بديلا
عن عملية الانفصام التي تطبع الديبلوماسية والسياسة
العربية المشتركة.. انفصام بين الشعارات والتمنيات والأوهام،
لتحلّ محلّها الاعمال والامكانيات والبحث عن الممكن
وتعزيزه.
ـ ثالثا: تطوير منظومة العمل العربي المشترك،
المبنية على الاقتناع بالحاجة الى التعاون المشترك في
مواجهة المخاطر والتحديات والفرص. فبدون اقتناع لا يمكن
بلورة الارادة ودون الإرادة لن يكون هناك التزام بالقرارات
ولن تكون هناك فاعلية للعمل العربي المشترك. وثمة حاجة
ماسّة اليوم الى الانسجام.. انسجام بين القرار المشترك
والسياسات الوطنية، وانسجام بين الخطاب والفعل، وانسجام
بين المطالب والامكانيات.
ليس هذا بالحلم، رغم رداءة الواقع العربي.. ولنتذكّر
دائما أن السياسة الناجحة تنطلق من الرؤيا، والرؤيا
تنطلق من الحلم، وقد قال أحدهم انّ المعارك الوحيدة
التي نخسرها هي المعارك التي لا نخوضها.