العمل العربي المشترك و حقيقة الانسجام مع التطلع الإقليمي للقوة والاستقرار

خالد الغانجي-صحفي وباحث في الشؤون العربية

الإصلاح بدأ مبكرا في جامعة الدول العربية، عندما كانت الجامعة العربية تبحث عن موقعها في العالم المتحول من الحرب العالمية الثانية إلى الحرب الباردة، وكان طبيعيا أن تطور الجامعة من نهج عملها وهي تتحول باستمرار من سبع دول تأسست بها جامعة الدول العربية عام 1945 (1) إلى 22 دولة في التسعينات من القرن العشرين.
كما كان طبيعيا أن تطور جامعة الدول العربية من عملها، وهي تواجه تحديات عسكرية واستعمارية إقليمية لم تهدأ لكن ما لم يكن طبيعيا هو أن تبحث الجامعة العربية باستمرار عن إصلاح جديد دون أن تكون التزمت بالإصلاحات القديمة ودون أن تقف بحزم لتتساءل لماذا لم تأخذ بالعلامات والمحطات الإصلاحية الكبرى في مسيرة عملها الطويلة والتي لم تكن تخلو من وطنية ومبررات لا مكان للتشكيك فيها أو التقليل من أهميتها في بلورة موقع الأوطان العربية في العالم.
ولعل من اكبر افضال جامعة الدول العربية على دولها هو الشعور الذي نما لديها ولدى بلدان العالم الأخرى المراقبة لها بأنها - أي الدول العربية - تنتمي إلى عمق اكبر يمتد من الخليج العربي شرقا إلى المحيط الأطلسي غربا ومن البحر المتوسط وجبال طوروس شمالا إلى الصحراء الكبرى الإفريقية والى القرنين الإفريقيين في شرق القارة الإفريقية وغربيها وان هذا الانتماء تقوده مؤسسة للعمل ا لمشترك هي جامعة الدول العربية.
ولا يشعر بأهمية هذا الانتماء إلا من يفتقر إليه من دول العالم التي تعصف بها الرياح مثل أي قشة في مهب الرياح لا جذور لها و لا انتماء أو أنها تنتمي إلى فضاء جغرافي لا تربطه روابط حضارية مثل التي تربط بلدان جامعة الدول العربية.
وسيكون من اكبر أخطاء دول الجامعة أن يكبر بينها شعور بأن الجامعة العربية هي بدون أهمية لبلدانها حتى وان كان تقدمها على صعيد تنفيذ المشاريع والمعاهدات التي تعقدها يصطدم بكثير من المعوقات ولا يكاد يلاحظ أبدا.
كما سيكون من أكبر مهمات جامعة الدول العربية مستقبلا أن تحدد طريقها في مسألة الأمن الإقليمي التي بنت وجودها على أساسها والتي تصطدم فيها بضعف كبير.

البعد الأمني

العمل العربي المشترك في ظل جامعة الدول العربية قارب عمره الستين عاما وهو مازال يبحث عن المجال الذي يمكن أن يتحرك فيه بفاعلية ما يوحي بان العمل الجماعي العربي لم يحدد أو لم يتبع القوانين التي تسمح له بان يكون فاعلا.
العمل المشترك بدأ بداية أمنية إقليمية عندما كانت فلسطين تدخل شيئا فشيئا تحت وضع الاحتلال، وكانت الدول المحيطة تشعر أنها معنية بالوضع الفلسطيني الجديد، مثلما كانت تبحث عن وضع من بعد الحرب العالمية الثانية وما أفرزته من تناقضات دولية بين المعسكر الغربي والمعسكر الاشتراكي الذي بدأ يتشكل وراء الاتحاد السوفييتي وتنافس شديد على المنطقة العربية، وأمام لهفة شديدة في العالم الغربي على البترول العربي.
وتمكن لدى الدول العربية الشعور بان انضمام القوة العربية على بساطتها إلى بعضها البعض يمكن أن يحقق بعض القدرة على مواجهة التحديات الوافدة.
ولان العمل المشترك اصطدم منذ البداية بالحرب العربية الإسرائيلية فقد أخذ بعدا أمنيا لم يستطع أن يتخلص منه واستمر البند الفلسطيني بندا مصاحبا للعمل ا لعربي المشترك منذ انطلاقه حتى الآن وكلما طرح وضع أمني في الدائرة العربية تأثرت به جامعة الدول العربية واعتمدته بندا من بنود أعمالها، ولم تخرج البرامج الاقتصادية والثقافية والاجتماعية عن ملاجئ حاولت جامعة الدول العربية أن تهرب إليها عندما أخفقت في دورها الأمني الإقليمي.
وما نراه اليوم من تساؤلات حول السبل المجدية لتفعيل العمل العربي المشترك لا يعدو تكرارا لتساؤلات طالما طرحت منذ بدء العمل العربي المشترك في جامعة العربية بدأت عندما حاول القادة المؤسسون أن يحسموا الأمر من خلال الربط بين الأمن والإنماء في معاهدة واحدة سميت معاهدة الدفاع والتعاون الاقتصادي (2)، وكانت محطة أولى على صعيد الإصلاح وبلورة العمل العربي المشترك في المجال الدفاعي بعد الحرب التي اندفعت فيها الدول العربية عام 1948 دون إعداد ضد قيام إسرائيل.
ومنذ أنشئت المعاهدة اصطدمت الدول العربية بكيفية تنفيذها، ودخلت حربيْ 1967 1973 في مراوحة بين العمل الجماعي والعمل الثنائي والعمل الفردي إلى أن كانت اتفاقات كامب دافيد والتي حولت مسار العمل العربي المشترك الأمني من إقليمي إلى داخلي بعد أن خرجت اكبر دولة عربية من دائرة الصراع ولم تتمكن أي جبهة عربية أخرى من النشوء.

المحطة الاقتصادية

ولُجِ-ئ مرة أخرى إلى الدور الاقتصادي من خلال وثيقتي استراتيجية العمل العربي المشترك وميثاق العمل الاقتصادي العربي اللتين تم التوصل إليهما في قمة خصصت للجانب الاقتصادي وعقدت في العاصمة الأردنية عمان عام 1980 ووقّع عليها الملوك والرؤساء العرب وصودق عليها وفق الأنظمة الدستورية لكل بلد وكانت محطة جديدة كبرى على صعيد الإصلاح بنيت على نفس المداخل القديمة التي انبنت عليها معاهدة الدفاع والتعاون الاقتصادي في الربط بين الأمن والتنمية وطرح من خلالها مبدأ التخطيط الاقتصادي المشترك ووضعت خطة اقتصادية سميت بـ"عقد التنمية العربية" أعطي فيها التبجيل للدول الأكثر فقرا وعول فيها كثيرا على عائدات البترول لكن المضي إلى التطبيق اصطدم بالحرب العراقية الإيرانية وباتجاه الدول العربية الثرية إلى مجلس التعاون الخليجي الذي جاء بمواثيقه الاقتصادية وبمجالسه الأمنية والعسكرية عندما أحست دول المجلس أن تهديدات مباشرة باتت تقف على أبوابها وتستوجب تحرّكها الحازم (3).
ولم يعد ينظر إلى الاستراتيجية الموقعة في عمان إلا كتراث من الفكر الاقتصادي العربي لا يعدو الخيال الخصب.
وكان ذلك من الأخطاء التي وقعت فيها جامعة الدول العربية عندما فرطت في منطلق جديد للنمو وتجربة كانت ستسبق الايديولوجيّة الاقتصادية الجديدة التي جاءت بها المنظمة العالمية للتجارة التي أعطت المبادرة الاقتصادية للقطاع الخاص وقللت من الاعتماد على المد الحكومي في التنمية الاقتصادية وصاحبتها الدول العربية في التسعينات من خلال استحداث المنطقة العربية الكبرى للتبادل الحر مكبرة دور السوق وبالتالي العمل القطري على مستوى الإنتاج لكن التجارة العربية البينية تفتقر إلى التقاليد التي تمكّن من تحقيق تطور في التبادل التجاري حتى لو الغي توظيف الجمارك إلغاء كاملا إضافة إلى تنافس السلع التي تعرضها البلدان العربية مع السلع المحلية ومع سلع أجنبية تغرق السوق العربية وتكسبها بقوة من خلال سعرها ومن خلال وجود مسالك تقليدية اكثر رسوخا.
وتحتاج السلع إلى جانب ذلك إلى زخم كبير من الإشهار والتسويق الذي تعتمده التجارة الحديثة والذي لم تبلغه الدول العربية بينها، ما يجعل المنحى التجاري الذي تعول عليه الدول العربية اقل بكثير من إمكانية إحداث تطور كبير في التنمية العربية.
وسوف لن تمكن العلاقات التجارية حتى لو تعمقت اكثر من تطوير البلدان العربية الأكثر فقرا ولا من تحقيق أمنها الذي يشكل الجانب الاقتصادي عنصرا فاعلا فيه، وبالتالي ستكون فريسة لمن يلوح ببعض الأحلام التنموية والتسهيلات الاقتصادية وقد كانت الخطة العربية الموجهة للبلدان الأكثر فقرا خطة أمنية إقليمية إلى جانب أنها خطة تنموية إذا نظر إلى المنطقة العربية من خلال الحزام الجنوبي الذي يتشكل في معظمه من البلدان العربية الأكثر فقرا سيما في القرنين الإفريقيين المشرقي والمغربي.
ومن هنا كانت المحطة الاقتصادية دائرة أمنية إقليمية أخرى تفشل البلدان العربية في تفعيلها من خلال جامعة الدول العربية وان تجعل منها مصدرا للأمن العربي الإقليمي لتلتحق في ذلك بالدائرة العسكرية.
ومرة أخرى فشل الربط بين مفهومي الأمن والإنماء الذين امتلأت بهما أدبيات قمة عمان عام 1980.

مبادرات السلام مع إسرائيل

ودون التوقف كثيرا عند أسباب السكوت عن الخطط الاقتصادية العربية لقمة عمان، طفقت المبادرات العربية تتلاحق باتجاه حل القضية العربية الإسرائيلية حلا سلميا محتجة بان الصراع لا يمكن أن يدار عسكريا دون مصر وكلما تباطأت إسرائيل في الاستجابة إلى مبادرة تم إلحاق مبادرة أخرى بها، وهنا اقتربت الجامعة العربية من وضع الوسيط في قضية الشرق الأوسط وكان إلى حد كبير خطأ وقعت فيه عندما بدأت هي تقدم المبادرات السلمية التي كان يفترض أن تقدمها أطراف خارجية ويكون موقف الدول العربية منها إما قبولها أو رفضها حتى تكون طرفا في الصراع لا حكما فيه وطرفا في نفس الوقت وهي الوضعية التي أفقدت الجامعة العربية القدرة على المناورة وأفقدتها حق الدفاع عن كثير من الحقوق الفلسطينية والعربية.
ولم تأت تلك الوضعية إلا من عجز عن تحقيق تقدم في مداخل القوة العربية الأساسية سواء كانت عسكرية أو اقتصادية وتلك الوضعية أفقدت الدول العربية تأثيرها الديبلوماسي دوليا، وخسرت البلدان العربية بذلك المداخل الثلاثة الرئيسية لحفظ الأمن الإقليمي وهي القوة العسكرية والقوة الاقتصادية وقوة الحضور الجماعي على الساحة الدولية.
وفي ظل تفاقم الوضع الإقليمي بعد احتلال العراق بات التفكير العربي يمضي في نوع من الهرب إلى الأمام من خلال السعي إلى مراكمة تصورات ووثائق جديدة تدور جميعها حول مداخل تقليدية تم الحسم فيها نظريا وعجزت البلدان العربية عن تنفيذها عمليا متمثلة أساسا في:
ـ تحميل النظام الإقليمي العربي والجامعة العربية مسؤولية الإخفاق حيث رفع شعار إصلاح الجامعة العربية بقوة.
ـ ما دعا إلى تهاطل المبادرات على الأمانة العامة لجامعة الدول العربية بينها ما يرمي إلى حصر العمل المشترك في العمل الاقتصادي وبعضها يهدف إلى تضييق دائرة القرار الخاص بالعمل المشترك وبالتالي إيجاد دول محورية وأخرى هامشية وهو ما كان جارٍ به العمل بصورة عملية حتى الآن، لكنه لم يكن فاعلا والبعض الآخر يمضي إلى إقامة مجلس للأمن العربي.
وتمضي رؤية أخرى إلى إقامة اتحاد عربي على شاكلة الاتحاد الإفريقي.
ودون التقليل من أهمية المبادرات العربية التي قدمت إلى الأمانة العامة لجامعة الدول العربية ومن ثم إلى مجلس الجامعة العربية الأخير تحت تأثير الوضع الذي تمر به الدول العربية شعوبا وحكومات وحجم التحديات العسكرية والسياسية والثقافية والتي صيغت في مبادرة واحدة وقدمت إلى قمة تونس القادمة فانه لابد من تسجيل عدة ملاحظات:
ـ أن الدول العربية لم تفشل في وضعها الأمني من نقص في النصوص وإنما لنقص في التنفيذ وهروب إلى التبرير ورمي الأخطاء على الآخرين.
ـ أن الوضعية الحالية التي يخضع فيها العالم العربي بقوة إلى عودة جديدة للاستعمار إلى المنطقة العربية وللتصور الاقتصادي الخارجي المسيطر حاليا لا تسمح بأحداث تغييرات وفية للمثل العربية في الأمن والاستقلال والنمو.
ـ وبالتالي فان المرحلة الحالية لا تسمح بخطوات كبيرة والأفضل أن تبقي الدول العربية على حد أدنى من الاستقرار عند بعض المواقف الإيجابية التي اتخذتها جامعة الدول العربية وتنفض الغطاء عنها ومعالجة الأمور في إطار الاستقراء وليس باتخاذ القرارات الكبيرة لان أي قرار قد يتخذ في الوقت الحاضر سيجير ليا لصالح القوى المهيمنة على تصورات وضع الأمن الإقليمي العربي ووضع القوة الاقتصادية العربية.
ـ إضافة إلى أن وضع الضعف العربي لم يأت من ميثاق الجامعة العربية ولا من بقية المعاهدات وإنما من عدم تطبيقها ومحدودية حماس الدول العربية للعمل الجماعي أولا وارتباطها بمسالك تقليدية اشد تأثيرا على حياتها الاقتصادية والسياسية والعسكرية وحتى الأمنية الداخلية من ناحية ثانية.
ـ كما كان الأجدر بالاطروحات العربية الجديدة أن تأخذ طريقها إلى الرأي العام العربي أولا ليتم تداولها بين وسائل الإعلام وبيوت الخبرة العربية حتى تأخذ حظها من المناقشة والإثراء من قبل الرأي العام قبل أن يتم اتخاذ القرار فيها من قبل القمة احتراما على الأقل للتوجه الجديد الذي يعمل على تعميق المشاركة السياسية والديمقراطية في الوطن العربي والتي تطرح على الجامعة العربية في الوقت الحاضر ضمن مبادرات الإصلاح.
ـ وقد يكون مقترح الأمين العام لجامعة الدول العربية حول ضرورة الاهتمام بملفات ظلت غير منظور إليها حتى الآن مثل قضية المجتمع المدني وحقوق الإنسان وما أثير حول تحديث المجتمع العربي وربطه بتكنولوجيا المعلومات ومحاولة تفعيل العمل الاقتصادي من خلال ضخ أموال جديدة للاستثمار وإحداث نوع من التخطيط الاقتصادي العربي المشترك والرجوع إلى مضامين الاستراتيجية العربية الاقتصادية وعدم ترك العمل الاقتصادي على عواهنه لمجرد اجتهاد القطاع الخاص مع تسهيل الطريق للمبادرة الخاصة ومرافقة النضال العربي في مختلف مواقعه والرجوع إلى المبادئ العليا للامة المؤكدة على الاستقلال والحقوق ووقوف الأمة عند ثوابتها الوطنية قد تكون تلك مداخلَ للعمل العربي المشترك الممكن في الظرف الحالي.
ـ كما لعله من المفيد مناقشة الاطروحات الأمريكية القائمة وغير الأمريكية وتحديد كيفية التعامل معها بصورة جماعية مادامت تتجه إلى العالم العربي بصورة جماعية إضافة إلى الأخذ بعناوين محددة واتخاذ مواقف منها ودعم المجتمع العربي والإعلان عن الاقتناع بالمشاركة السياسية العربية.

المراجعة وليس الانقلاب

ويكون من الجدير بالجامعة العربية أن تقف في موقعها الحالي موقفَ مُراجعٍ لا مُنقلبٍ على ما فات، لان قدرا كبيرا من المواثيق والأدبيات التي أوجدتها جامعة الدول العربية تستحق أن ينفض عنها الغبار فقط ليتعمق العمل العربي المشترك، وان تصحب بإعلان مبادئ يوضح الهدف من جامعة الدول العربية الذي ظل إلى حد كبير غامضا رغم مرور ستين عاما تقريبا على تأسيسها:
ـ هل هي مؤسسة للأمن الإقليمي أم مؤسسة للأمن القطري أم أنها مؤسسة للعمل الاقتصادي أم الثقافي وإذا كانت كذلك فلابد من الإعلان عن ذلك بقوة وبالتزام.
ـ وإذا كان العمل الأمني الإقليمي يمثل مهمة أساسية بنت عليها وجودها مثلما يؤكد ذلك منطق الأشياء ومحاضر التأسيس فلابد أن تلتفت الجامعة العربية بقوة إلى ذلك من اجل بلورة المداخل المحققة له.
وإذا كان لابد من الإقرار بان التجربة حتى الآن أكدت العجز عن تحقيق الشيء الكثير في مجال الأمن الإقليمي وان كان هناك محطات مضيئة فان ذلك لا يبرر التخلي عن الموضوع برمته وتركه لما يأتي به القرار الخارجي والاستراتيجية الدولية المسيطرة.

تعاون إقليمي أوسع

في الجانب الآخر من المتوسط أطراف بدأت تشعر هي الأخرى بالغبن الذي تشعر به البلدان العربية من حجم التدخل الأمريكي في حياة الشعوب وبدأت تعلنه وتتمسك به ومثلما قال الاستراتيجي الفرنسي باسكال بونيفاس في تونس (4) فان ما كانت ألمانيا لا تجرؤ على إعلانه قبل عشر سنوات تجاه الولايات المتحدة الأمريكية في ما يتعلق بتدخلها الخارجي ثم أصبحت تجرؤ على إعلانه، كذلك فان مواقف فرنسا التي كانت تأتي بصورة ظرفية في نفس الموضوع قد بدأت تعرف الاستمرارية، وكأن أوروبا قد أصبحت تدعو العالم العربي إلى دعم جهودها الاستقلالية عن توجهات هيمنة القطب الواحد والتي لم تحمل عدلا للعالم العربي، والتي (أي أوروبا) يلتقي رأيها العام مع الرأي العام العربي كما أثبتته الدراسات الميدانية.
ولا يمكن للعالم العربي أن ينسى أن أوروبا تعد من بين امتداده الطبيعي تاريخيا وكانت العلاقات التاريخية بن الضفتين عبارة عن زحف متبادل اتسم أحيانا كثيرة بالعداء لكن يمكن تسييره في مسار تعاون.
ولعل الاستعداد الأوروبي للتعاون والحوار بل حتى العمل المشترك مع العالم العربي هو افضل بكثير في الوقت الحاضر منه قبل عقد أو عقدين حين كان الحوار العربي الأوروبي قائما ومتقطعا وغير ذي قيمة بالنسبة للقضايا العربية نظرا لظروف خاصة أوروبية وفي وقت لم يتبلور بالنسبة للأوروبيين مفهوم الاستقلالية الأمنية.
في تونس عقد قبل أشهر مؤتمر ناجح للحوار العربي الأوروبي محدود العدد حمل عنوان "5 زايد 5" (5) وناقش عددا من المسائل بينها الجانب الأمني. ولتونس مثلما لعدد خر من البلدان العربية تقاليد في موضوع الحوار العربي الأوروبي ويمكن أن تكون مدخلا لتعاون أمني مشترك يُقلّل من حدة سيطرة القطبية الواحدة إذا اخذ بالالتزام الكافي.
وحين تأخذ البلدان العربية هذا المنحى لن تقلل من أهمية علاقاتها مع الولايات المتحدة وإنما ستعمل في إطار ما يتطلبه منها موقعها الحضاري والتاريخي وكرامة شعوبها التي لم تصنع اليوم وإنما هي ذات تاريخ قديم وهي التي يفترض أن تسيّر وجهة أمنها وتوجهها السياسي.
كما أنها ستعمل في إطار المنطق الذي وجدت على أساسه الأمم المتحدة والذي كان إلى حد كبير المنطق الذي فرضه وجود قطبين كبيرين في العالم، وكانت البلدان العربية تطمح في أن يتعمق بانهيار القطب السوفييتي، باعتبار إنها كانت في وضع الحليف الفاعل للولايات المتحدة في منافستها مع الشيوعية، غير أن المفاجأة أن الفكر الإسرائيلي استطاع أن يضع الولايات المتحدة في موقع عداء اعمق للعالم العربي وغيب الأمل الذي تولد لدى الدول العربية في أن نهاية الحرب الباردة ستكون لصالحها.
كذلك فان أوروبا حين تتطلع للاستقلال الأمني عن الهيمنة الأمريكية من خلال المواقف السياسية المعلنة لبعض دولها التي توصف بأوروبا القديمة، فإنّها تنسجم مع تطلعات عبر عنها الرأي العام الأوروبي بقوة.

الخلاصة

يحتاج العمل العربي المشترك أن يحقق نوعا من الانسجام والوضوح في أهدافه، فليس لدى البلدان ولا الشعوب العربية من غاية في التجمع الإقليمي غير تحقيق قدر من القوة والأمن الذي لا تقدر البلدان على تحقيقه بصورة منفردة وعليها بالتالي أن تعمل على تحقيق ذلك بحزم وان تبحث له عن الوسائل.
وستشهد السنة المقبلة للعمل العربي المشترك حزما اتسمت به تونس في تعاملها السياسي العربي ستستفيد منه جامعة الدول العربية بكل تأكيد.

--------
المراجع:
1 - تأسست جامعة الدول ا لعربية بسبع دول هي: المملكة العربية السعودية ـ مصر والأردن ولبنان وسوريا والعراق واليمن، واستمرت في توسعها بعد موجة استقلال البلدان العربية التي كانت تقبع تحت الاحتلال تباعا مما أوجد أوضاعا جديدة واهتمامات ورؤى تصورات جديدة لأسلوب العمل المشترك.
2 - اقتنع القادة العرب بعد حرب 1948 العربية الإسرائيلية التي دخلها العرب على غير إعداد بضرورة بلورة تصور لمواجهة الحالات العسكرية التي تتطلب عملا عسكريا مشتركا وكان أن طرح في نفس الوقت مدى قدرة البلدان العربية على مواجهة أوضاع عسكرية بوضعها الاقتصادي التي كانت عليه عند التأسيس.
3 - نشأ المجلس بعد اشهر فقط من قمة عمان الاقتصادية.
4 - باسكال بونيفاس رئيس معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية في باريس كان يتحدث في مؤتمر صحفي عقده في الوكالة التونسية للاتصال الخارجي في الرابع من مارس 2003.
5 - تضم مجموعة الحوار العربية الأوروبية المعروفة بـ 5 زايد 5 بلدان اتحاد المغرب العربي الخمس: تونس والجزائر والمغرب وليبيا وموريتانيا وبلدان غرب أوروبا المطلة على البحر الأبيض المتوسط: مالطا وإيطاليا وفرنسا والبرتغال وإسبانيا، وقد عقدت المجموعة قمتها الأولى في تونس في الخامس من ديسمبر 2003 وأكدت في بيانها الختامي على التضامن الإقليمي لتحقيق الاستقرار والأمن في المنطقة المتوسطية والتقت بلدان المجموعة على جملة من الأهداف المشتركة تلتقي فيها مع الأهداف التي تعمل على تحقيقها جامعة الدول العربية في مجال الأمن والاستقرار.

طباعة >> | إغلاق النافذة >>


afkar@afkaronline.org