قمّة الوفاق.. وإعادة التأسيس :

عبد المجيد الجمني- رئيس تحرير -تونس

تعتبر الجامعة العربية، اقدم تنظيم اقليمي في العالم حيث رأى النور على أيدي الدّول السّبع المؤسّسة في 22 مارس/آذار 1945. ولقد كان التفكير في بعث هذا الهيكل التنظيمي للعمل العربي المشترك يهدف الى مساعدة الدول العربية الرازحة آنذاك تحت الاحتلال الأجنبي على استرجاع استقلالها وتحقيق سيادتها، والردّ على إقامة الكيان الصهيوني، والعمل ضمن وحدة عربية منشودة بدلا من الرابطة العثمانية المنفرطة على بناء مجتمعات ناهضة، على غرار ما اتّجَهَتْ إليه دول العالم اثر الخروج من مآسي حربين عالميتين شرستين لم تفلت الجغرافية العربية من آثارهما الخطيرة.

مسيرة متعثّرة

بعد مرور حوالي 60 عاما على قيام هذه المنظومة العربية، ورغم نجاح أعضائها في التصدّي لانفراطها نهائيا، وفي تحقيق حدّ أدنى من الاجماع العربي حول بعض القضايا الحاسمة، والظهور في المنتديات الدولية كمجموعة واحدة، فإن الجامعة العربية، بما تُمَثّلُ من دول اعضاء، لم تفلح في تحقيق أهمّ ما قامت عليه من أهداف وغايات، من أبرزها:

ـ بناء منظومة امنية قومية من خلال تفعيل معاهدة الدفاع المشترك وذلك للردّ على الاختراقات الأمنية والعسكرية الدائمة للمنطقة العربية.
ـ تنسيق السياسات العربية حول القضايا القومية. وقد برز الفشل في العديد من المناسبات وبشكل بارز مع اتفاقية كامب دافيد، مرورًا بحربي الخليج الأولى والثانية، وانتصار منطق مسارات التسوية المتفرّدة على حساب وحدة المسارات وتشابكها.
ـ بناء منظومة اقتصادية مشتركة تحقّق حدّا أدنى من التكامل العربي في المجال الاقتصادي، يمثل اجتماعُ القوّة والثروة من خلالها فرصا سانحة لتحقيق تنمية متوازنة وبناء مجتمعات ناهضة، والحدّ من التبعية الاقتصادية في مجالات الأمن الغذائي وبناء قاعدة صناعية وتكنولوجية متينة ومتطوّرة وغير ذلك من المجالات.

وقد زاد من حدّة أزمة هذا الوضع العربي العاجز عن تحقيق الغايات التي رسمها الموقّعون الأوائل على ميثاق الجامعة العربية وتلك التي فرضتها التحديات الداخلية والخارجية التي تعرّضت وتتعرّض لها الأمة منذ النكبة الفلسطينية الى اليوم، استشراءُ أزمتين اقليميتين حادّتين، وتتمثل الأولى في احتدام الصراع الاسرائيلي ـ الفلسطيني مع تصاعد السياسات الاسرائيلية الاستيطانية وسياسات الإبادة اليومية وعمليات العزل الأمني والحصار الاقتصادي والتحدّي السافر للقرارات الدولية الخاصة بتمكين الشعب الفلسطيني من حقوقه المشروعة، ولمشاريع التسوية التي وضعتها أطراف دولية نافذة.

أمّا الأزمة الثانية فتتمثل في الاحتلال الأمريكي للعراق مع ما أثاره من فتن طائفية وزرع مزيد من بؤر التوتّر المهدّدة بتقسيم العراق وتمزيق نسيجه المجتمعي الثقافي والطائفي والعرقي، ومصادرة، لا فقط ثرواته، بل مستقبله ومستقبل أبنائه، بعد عمليات التدمير المبرمجة لمحو ذاكرتهم التي هي جزء هامّ من ذاكرة الانسانية، ممّا يوحي بأن العراق قد يتحوّل الى فلسطين ثانية مع اختلاف الأدوات واللاعبين..

ان فشل الجامعة العربية، في تجاوز العديد من الامتحانات والمحن التي مرّت، وتمرّ بها الأمّة العربية، تجعلنا نتساءل الى ماذا يرتدّ هذا الفشل:
هل لأسباب تنظيمية وادارية تتعلّق بميثاق الجامعة و ليات عمل أنظمتها ومؤسساتها؟
ـ هل لغياب ارادة سياسية عربية قادرة على التوفيق بين مصالح الأعضاء القُطرية والمصالح القومية، وعلى الارتفاع الى مستوى التحديات المطروحة من حيث عقلانية التعاطي، وموضوعية النظرة، وتوفّر صدق النوايا في تحقيق مصلحة الأمّة؟
ـ ام ان لشراسة الهجمات الخارجية على الأمة العربية خلال العقود الأخيرة، دورًا في تعطيل الجامعة عن القيام بواجباتها وإلهائها عنها بما يحاك للبلدان العربية من مؤامرات، وما يستهدفها من اختراقات وما تتعرّض له من عقوبات وأشكال حصار لا تعدّ؟

قناعة بضرورة الإصلاح

وبقطع النظر عن اختلاف مستويات القراءة والتحليل ووجهات النظر لأسباب فشل اداء الجامعة العربية في تحقيق الأهداف التي وُضِعَتْ لها، وفي تعاطيها مع الأزمات العربية المتوالية فإن الجدل القائم حول ضرورة اصلاح الجامعة وجملة المشاريع التي قدّمت في هذا الاتجاه، والتي ستعرض خلال اجتماع قمة تونس القادم، هو جدل يؤكد لا محالة تشبّث العرب بهذا الهيكل التنظيمي ووعيهم بضرورة تمكينه من الاصلاحات الكفيلة بالنهوض به وبوسائل وآليات عمله، خاصة انه لم يعد للعرب امام ما وصلت اليه اوضاعهم الداخلية من تردّ وتشتت وتفرقة، وما وصلت اليه الأوضاع الدولية من تهميش لدورهم، من خيار او بدائل اخرى غير توحيد جهودهم وعقلنتها وتفعيلها وتكييفها مع مستجدات اوضاعهم واوضاع محيطهم الاقليمي والدولي.

ولاشك ان مثل هذا التغيير المطلوب لا فقط على مستوى طرق و ليات عمل مؤسسات الجامعة العربية، وتكييف ميثاقها، بل في طريقة تعاطي الدول العربية مع مشاكلها الحارقة يتطلب الانخراط في القضايا التي اصبحت مشغلا دوليا وعلى رأسها العمل على بناء مجتمعات حديثة ذات منظومات تربوية واقتصادية مواكبة لتطوّر العلوم والمعارف، والدخول في عمليات تغيير سياسي بهدف تكريس تجارب ديمقراطية سليمة نجحت العديد من الدول العربية في الانحياز إليها وتحقيقها، والعمل على التوفيق بين المصالح القُطرية والمصالح القومية بمزيد من التنسيق وتقريب وجهات النظر، وتجاوز الشعارات الى مجال الإنجاز الفعلي.

أمل مستمدّ من إشراقة المكان

ان المطلوب ليس التلفيق والتجميل، اللذين يمكن ان يُدخلا على ميثاق الجامعة ومؤسساتها، بل التعاطي بعقلانية وواقعية مع المعطيات التي يتنزل ضمنها العرب، وإبداء قدر ادنى من الحزم والعزم، والارتفاع الى المسؤولية الكبرى، مسؤولية ينتظر ان يجسّمها افضل تجسيم قادتنا العرب في اجتماعهم القادم في تونس. خاصة ان القمّة تُعقَد في بلد فيه من عناوين النجاح الشيء الكثير، بلد لا يضاهي حرصَه على نموّه واستقراره وازدهاره إلاّ حرصُه على نمو واستقرار أمّته، بلد يعتمد سياسة الاصلاح الهادئ والعقلاني. وهذه، في اعتقادنا، فرصة جيّدة للعرب لمناقشة خطة اصلاح الجامعة بنوع من الاتزان والعقلانية وبعيدا عن الانفعالات، أي اعتماد مقاربة تُوفّق بين سقف التطلّعات والطموحات وبين ما هو ممكن ومتاح.

فضلا عن ان رئيس القمّة القادمة الرئيس التونسي زين العابدين بن علي ما انفك يدعو العرب الى الالتقاء حول ثوابت الأمة ومصالح مكوناتها المشتركة. وقد تعدّدت المناسبات التي حدد فيها بن علي استراتيجية التعاطي العربي مع المتغيّرات الدولية العاصفة حتى يقطع العرب مع أساليبهم القديمة في تناول ما يستجد من أحداث سواء في محيطهم الاقليمي أو الدولي وذلك بهدف ألاّ يُحال الدور العربي على الرّف أو يصبح مجرّد هامش لا وزن له ولا اعتبار في المعادلات الدولية وفي خارطة إعادة تشكيل العالم الجارية الآن والتي تعتبر الجغرافيا العربية إحدى ساحاتها الحارقة.

كما ان الرئيس التونسي ما انفك يدعو أيضا الى اعادة تقييم العلاقات العربية العربية، والى العمل على توفير اطار مغاير ومتطور للتعامل والتعاون بين العرب، وكذلك مراجعة طريقة تفكيرهم، ومن ثمّة نقل أهدافهم من مرحلة الرغبة والحلم والشعار الى مرحلة الواقع المادي الملموس بما يمكّنهم من وسائل الدفاع عن وجودهم وخياراتهم واستقلالية قرارهم وضمان انتقالهم من الانهيار والتداعي الى البناء والوقوف.

صوت الحكمة والوفاق

وتنطلق المرجعية الفكرية للديبلوماسية التونسية في التعاطي مع الشأن العربي من قناعة الرئيس بن علي بأنّه ليس من المقبول أن يظل العرب يلهثون وراء الأحداث وأن يستمر خصومهم في فرض الأمر الواقع عليهم. لذلك يشدد على ضرورة تفعيل التضامن العربي وتحصينه لمواجهة كل التحديات وكسب معركة تأكيد الذات.
وقد توفّقت تونس في طرح مقترحات تستند لمنطق العقل وتتسم بالواقعية، وهي مقترحات تُغلّب الحوار والوفاق كوسيلة وحيدة قادرة على إعادة ترتيب البيت العربي بما يؤمّن له حصانة المواجهة الاقتصادية والسياسية والمعرفية والعلمية في عالم لا بقاء فيه لغير الكيانات الكبرى المتآلفة والمتضامنة.
لكل هذا يبرز اسم تونس في كل مرّة تلوح فيها بوادر إعصار على الحدود العربية تهدد أمن واستقرار شعوبها تهديدا لا يكتفي بضرب حاضرها وانما يصادر مستقبلها. ومنذ تغيير السابع من نوفمبر يلجأ العرب الى خيمتهم التونسية، لأن التجربة أكدت أنها خيمة عقلهم المتّقد أبدا وأنها وتد ثوابتهم بفضل ديبلوماسيتها الهادئة، تلك الديبلوماسية الوقائية التي ترى في الحوار والحلول السياسية أفضل الأدوات وأنجعها لنزع فتيل الأزمات مهما تعقدت وتشعّبت مسالكها.

إنها ديبلوماسية تعمل في صمت بعيدا عن الإثارة والأسلوب الاستعراضي باعتبار الديبلوماسية الهادئة هي الأقدر على الفعل في الأحداث وتقويم المعوج في مسارها.
إن تونس لم تتأخر عن المشاركة في دعم كل جهد يمكّن من التفرّغ لمجهود التنمية والنهوض الحضاري، ومن المساهمة في أي جهد سياسي يعيد للعرب حقوقهم او يكفل أسباب ومستلزمات تضامنهم.

ان سياسة تونس العربية تقوم على قاعدة الانحياز الى الذات وعلى مقولة أنه لا مناص للعربي من العربي، لهذا منت تونس أنه لا خيار أمام العرب في هذا الظرف الدولي العاصف إلا تضامنهم. ومن هذا المنطلق حرصت على إعطاء دفع كبير للعلاقات مع سائر الدول العربية، وتعددت الزيارات الرسمية بين المسؤولين على مختلف المستويات في كل من تونس وعدد من الدول العربية للتنسيق والتشاور حول مجمل القضايا ذات الاهتمام المشترك. ونشطت لجان التعاون المشتركة. وتشهد متانة العلاقات التي تربط تونس بالدول العربية وحجم الشراكة التجارية والاقتصادية بينهما على عمق انتماء تونس العملي لمحيطها العربي مما يجعل منها صوتا بارزا للمصالحة العربية الشاملة وطرفا فاعلا في إعادة الاعتبار للعمل العربي المشترك والعمل على تدعيم وحدة الصف العربي.
وتونس التي احتضنت جامعة الدول العربية لما يزيد عن عقد من الزمن وعملت على تطوير أساليب عملها ودعم إشعاعها، بما يضفي على أدائها المزيد من النجاعة خدمة للمصالح العربية العليا، ماتزال تعمل على المساهمة في مزيد دعم هذه المنظمة في سبيل الارتقاء بالعمل العربي المشترك.

انطلاقة على أرض صلبة

من هنا كان لافتا للمراقبين حرصُ القيادة التونسية على ان تنعقد القمة في إطار من المسؤولية وحسن الإعداد والتنسيق، وتأكيدُها على أنّ المضامين والمحتوى والنجاعة والمردودية والفاعلية قبل الاستعراض الاحتفالي، وقبل المكان، وذلك من أجل توفير أسباب ومستلزمات إعادة إحياء فكرة التضامن العربي ومواجهة التهديدات التي يتعرض لها الأمن القومي من خلال الساحتين الفلسطينية والعراقية، أو من زاوية صياغة رؤية وفاقية لنظام عربي جديد يجيد التعاطي مع المتغيّرات الدولية التي لم يعد بإمكان العرب التعامل معها بأساليبهم وأطروحاتهم وأدبياتهم السياسية القديمة، هذا الى جانب المسائل الاقتصادية وغيرها من مستلزمات وآليات تفعيل العمل العربي المشترك في مجالاته المختلفة.

ان وحدة الموقف العربي عند الرئيس التونسي زين العابدين بن علي هي التي تجعل الجهود العربية في السعي لتأكيد الذات أو لاسترداد الحقوق أو في المساهمة في تحقيق السلام الدولي جهودا فاعلة ومثمرة وحاسمة..

وعندما نستحضر تأكيد بن علي في مناسبات عديدة على انه كلما حرص العرب على ان يكونوا جماعة ومتمسّكين بالفعل المشترك، كان حضورهم على ساحة الأحداث الدولية أكثر جدوى، وبالتالي كلّما أصرّوا على أن يكونوا أطرافا عدّة وصار العداء يحكم علاقاتهم، فإن ذلك ينعكس على أدائهم الذي لا يضعف فحسب وإنما قد يؤدي الى فقدانهم حتى لأنصار قضاياهم.. عندما نستحضر كل هذا نتأكد انّ قمّة الخضراء سوف تكون تحت عنوان قمّة الوفاق أي الانحياز للممكن ولما يحصّن الفعل الإرادي في التغيير والاصلاح..

قمّة الوفاق، بمعنى أن يُنظر في هذا الإطار بعين مصلحة المجموعة التي تتحقق من خلالها مصالح كلّ الأقطار، فمصائر شعوبنا ودولنا متعالقة، لا فقط بسبب التاريخ والجغرافيا، بل أيضا بسبب ما يُرسم لنا من استراتيجيات وخطط احتواء وهيمنة، وان يكون التعاطي العربي، في كل هذا، بشكل عقلاني لا يُهمل ولا يُغفل معطيات الواقع العربي ولا الاقليمي ولا الدولي، التي هي شئنا أم أبينا فاعلة فينا، وذلك دون تفريط في الثوابت أو تراجع عن المكتسبات بل ينظر الى المستقبل من أجل بناء دول حديثة، وكتلة اقليمية ناهضة..

قمة الوفاق، بمعنى الإبقاء على الرابطة وشحذها بمقاربات وآليات جديدة، حفظا للوجود قبل كل شيء.

ولعلّ ما عرف عن الديبلوماسية التونسية من تعاطٍ هادئ ورصين مع أشدّ الأزمات حدّة، وما عُرف عن تونس من انتماء صادق لقضاياها القومية، سيساعدان على ان تكون القمة القادمة، لا فقط قمّة الوفاق، بل قمة إعادة التأسيس، وقمة الانطلاقة الجديدة في العمل العربي المشترك باتجاه بروز العرب كمجموعة حضارية كبرى وكتلة اقليمية فاعلة تمتلك لغة العصر وتستجيب للقوانين التي تحرّكه من خلال إقامة سوق عربية مشتركة تحقق حدّا أدنى من التكامل الاقتصادي لمجموعة تتوفر لها امكانات نادرة من الثروات الطبيعية والمواقع الاستراتيجية المرغوبة، وبما يوفّر للمواطن العربي الإحساس وهو يدرس، ويعمل ويتنقّل، ويسافر، شأنه في ذلك شأن مواطني الاتحاد الاوروبي بأنه ينتمي الى منظومة تدافع عن حقوقه، وتحقق انتماءه وتكفل رفاهه ورخاءه.

مَعْبر الى زمن عربي أجمل

ان قمة تونس.. فاصل بين زمنين بالنسبة للعرب، فإمّا العبور أو الاندثار. وما يغلّب فينا عوامل التفاؤل على عناصر التشاؤم هو انعقادها في أرض تمكنت بفضل حسّ قيادتها الاستشرافي من صياغة النموذج الأبرز والأروع في قدرة الوفاق، منهجا وقاعدة للفعل السياسي والحضاري الشامل، على صياغة المنوال الصائب وطنيا وقوميا ومكّنت العرب من تجربة في التغيير الارادي والتعويل على الذات في كسب التحديات والرهانات.. تجربة لم تعرف من العناوين ـ وكما أسلفنا ـ إلاّ عناوين النجاح.. فهل يستلهمون؟؟

طباعة >> | إغلاق النافذة >>


afkar@afkaronline.org