الديبلوماسية
في معارك الوجود والبقاء
عبد المجي الجمني-
رئيس تحرير -تونس
من البديهي القول بأن
عالم اليوم غير عالم الأمس، فنحن أمام عالم اختلّت فيه
الموازين الى درجة باتت تهدّد النظام الدولي بالانهيار
والفوضى الشاملة إن لم تكن هذه الأخيرة قد استفحلت بعد،
عالم باشرت فيه القيم الانسانية النبيلة رحلة تيه لا
ضوء يبدو راهنا في خر نفقها، عالم تدفع ثمن تحوّلاته
الدراماتيكية مجتمعات بأسرها خاصة مجتمعات الشعوب النامية
التي لم تعِ مبكّرا ان مواجهة الزلزال الذي هزّ النظام
الدولي تحتّم مراجعة أولويات وآليات الأداء الديبلوماسي
كشرط من شروط الوجود والبقاء في هذا العالم الناشئ.
كما ان تلك المجتمعات افتقرت الى مستلزمات مواجهة التحديات
الجديدة والى القراءة الصائبة لتداعياتها على مستوى
حركتها الداخلية والخارجية ومن ثمّة عجزت عن صياغة المقاربة
الأنجع للفعل فيها والتوقّي من انعكاساتها المدمّرة
على حاضر شعوبها ومستقبلها.
حمل كاذب
لقد تغيّر العالم بعد
زوال الحرب الباردة، وقد أضاء ذاك التغيير شموع الأمل
في إقامة عالم جديد، يقطع مع مفردات الصراع والحروب
والمواجهة لتحلّ محلّها قيمُ التضامن والتعاون الانساني،
ولكن جذوة الأمل تلك سرعان ما خبت لأسباب عديدة لا يتّسع
المجال هنا لسردها وتعدادها. وتبقى الحقيقة القائمة
أننا استفقنا على ولادة نظام دولي أعرج يصر صُنّاعه
على ان يروا بعين واحدة، عالم أصبحت فيه الشرعية الدولية
في خدمة العنصرية وإرهاب الدولة، واصبح التبشير فيه
بالديمقراطية بوابة عبور الى جحيم الاحتلال وأداة لسرقة
بلدان بأكملها.
وأمام هذا الحمل الكاذب
تفشّى اليأس من إقامة عالم جديد اكثر عدلا وأمنا ورفاها،
وازدادت دائرة هذا اليأس اتّساعا بعد أحداث الحادي عشر
من سبتمبر، ولتتوسّع أكثر وتتّخذ وجها اكثر بشاعة بعد
الحرب على العراق، تلك الحرب التي شكلت أوّل خطوة استهتار
من نوعها برأي عام عالمي أجمعت كل مكوّناته على رفض
هذه الحرب وإدانة الذرائع والمبررات التي سوّغتها.
وفي هذا إعلان على ان
الحرب في زمن الاستفراد الامريكي باتت افضل الحلول الممكنة
بعدما كان السلام هو الأفق الإنساني المنشود. وكانت
الأمم المتّحدة من أبرز ضحايا منطق القوة هذا حيث كفّت
عن ان تكون ملاذا منا للشعوب الصغيرة والضعيفة، ولم
تعد الأداةَ الأقدر على محاصرة الأزمات والحيلولة دون
اندلاع حرائقها او المساهمة في إطفائها.
ديبلوماسية حائرة..
بلا دليل
وأمام هذا الوضع بات
دور الديبلوماسية أكثر تعقيدا، وأضحت الدول التي لا
توفّق في صياغة سياسة خارجية دقيقة وصائبة عُرضة للسّقوط
في عين الإعصار وخسارة، لا مصالحها فحسب، وانّما ايضا
خسارة قرارها الوطني ان لم يكن خسارة سيادتها بالكامل.
فقد ازداد الأداء الديبلوماسي صعوبة بعد فقدان الضوابط
التي كانت تحكمه واحتجاب العلامات التي كانت تحدّد اتجاهاته
وتضبطها وأصبح الفعل الديبلوماسي أشبه بالمشي على خيط
رفيع.
الوطن العربي لم يكن
بمنأى عن هذه العاصفة التي هزت المجتمع الدولي، وحتّمت
اعتماد ديبلوماسية وقائية لا تكتفي بمعالجة ثار الأحداث
وذيولها وتداعياتها وانّما مطالبة باستباق المحظور أو
الكارثة، خاصة ونحن في مرحلة تميزت بانتقال القضايا
العربية وملفّاتها الشائكة الى قلب الساحة الديبلوماسية
الدولية بل ان المجتمع الدولي وقوّته الأعظم وبعض مكوّناته
الكبرى باتت تتناول أدق خصوصيات الحياة العربية وكيف
يجب ان تكون، دون حياء ودون احترام لأبسط قواعد اللياقة
والسيادة في تدخّل سافر ومكشوف في الشؤون الداخلية للدول
العربية وذلك منذ سقوط بغداد.
وليس بخافٍ على أحد
الحيرة التي تبدو هنا وهناك في أداء بعض الديبلوماسيات
العربية، بل ان الحركة الديبلوماسية العربية اظهرت قصورا
شديدا في مواجهة الظروف الاستثنائية التي تعيشها الخارطة
العربية حيث اقتصرت على معاني الوجدان وغاب عنها الوعي
الحقيقي بالتطورات ومن ثمة بدت الديبلوماسية العربية
في كثير من الأحيان كمن يسير بلا دليل في ظلمة حالكة،
ولم يدرك أصحابها ان بلوغ ضفّة الأمان يحتاج الى رؤية
ديبلوماسية أكثر تماسكا، رؤية تملك القدرة على توفير
حلول عملية لما يتهدد الواقع من اخطار وما يخترقه من
أزمات.
ولا شك ان من أوجه الفشل
الديبلوماسي العربي ما يعود الى أسلوب الانفعال في التعاطي
مع المستجدّ من الأحداث بديلا عن التفاعل المبدع والخلاّق
للرؤى والاستراتيجيات.
النموذج المطلوب
عربيا
ان المأزق الراهن الذي
نعيش أولى فصوله وليس خرها أسقط بالفعل كثيرا من الأوهام
في ديار العروبة، وطرح بإلحاح أشدّ مسألة ضرورة عقلنة
تعاطينا مع التاريخ والجغرافيا معا وحسن ادارة التطلعات
والطموحات في عالم تسوده فوضى القوة. ومن هنا فإن الديبلوماسية
المطلوبة عربيا هي تلك التي تفكّ أسر مفرداتها من صخب
الشعارات وضجيج الخطب وتمتلك بالتالي القدرة على انتشال
العرب من براثن الفزّاعات المنتصبة على حدودهم ومن الانتماء
الى سِفْر النهايات، ديبلوماسية تعتمد الحركة الفاعلة
والهادئة والمنهجية سواء تعلّق الأمر بالارتقاء بالأوضاع
الداخلية أو احتلال الموقع والمكانة على الساحة الخارجية،
ديبلوماسية تحرص على النظر الى الأمور كما هي أي على
حقيقتها لا كما نرغب في ان نراها، وتبيان الحدود الواقعية
للعلاقات بين الفضاءات الأقليمية والدولية بمعنى تأسيس
مرجعية قادرة على التكيّف المستمرّ مع العالم الذي نعيش
فيه وما يمتاز به من "جنون" لا يحتمل إعطاء
العقل إجازة ولو لثانية واحدة.
وصياغة مثل هذه السياسة
الخارجية والأداة الديبلوماسية تتطلب بدورها وجود قيادة
تتمتع بحسّ استشرافي عميق، وتتسلّح بنظرة شمولية لما
يجري من أحداث، وبقدرة خارقة على قراءة انعكاساتها وتطوراتها
على المدى المنظور والمتوسّط والبعيد، ولا تترك مجالا
للحظ والصدفة في التوقّي من حرائقها. وقد توفّرت هذه
المواصفات في الرئيس التونسي زين العابدين بن علي الذي
تستوقفنا ديبلوماسية بلاده التي استطاعت رغم هول الإعصار
ان تعتمد استراتيجية فيها من التماسك ووضوح الرؤية ومن
الصلابة ومن الواقعية السياسية الأصيلة ما يمنحنا حقّ
التأكيد على أنها مقاربة صالحة لأن تُعتمد عربيّا حتى
يملك العرب القدرة على حماية جغرافيتهم هويّةً وحضارةً
واقتصادا وسياسة.
ثبات.. واقعية..
واستيعاب للمتغيّرات
فقد تمكّنت تونس بقيادة
الرئيس زين العابدين بن علي من تسجيل حضورها الديبلوماسي
الفاعل والمُضيف في المحافل الدولية متسلّحة برؤية حديثة
تستجيب للقوانين التي باتت تحكم العلاقات الدولية منذ
سقوط الأدبيات السياسية للحرب الباردة عمل الرئيس التونسي
على شحذها بمضامين جديدة وبآليات أكثر نجاعة وفاعلية
قصد استيعاب عاصفة المتغيرات تحصينا للذّات الوطنية.
وقد استمدت هذه الرؤية
المتطورة للعمل الديبلوماسي فاعليتها من تلاؤم اختيارات
السلطة السياسية مع المعطيات الداخلية والخارجية والمطامح
والتطلعات الشعبية إضافة الى كونها مستلهمة من المراجع
الحضارية للبلد وقيمه وصيغت بما يخدم المصالح الوطنية
ويضعها فوق كل اعتبار دون إغفال جانب المواكبة الواعية
واليقظة التامة في التفاعل مع التحولات التي يشهدها
العالم اليوم.
ولم تحل الغيرة على
السيادة واستقلالية القرار الوطني والحرص على كرامة
الشعب التونسي والدفاع عن مصالحه دون إيمان تونس بالتعاون
المتكافئ والعمل على توسيع مجالاته مع الأشقّاء والأصدقاء.
فالديبلوماسية التونسية
ديبلوماسية تنتصر للثوابت قدر استيعابها للمتغيّرات
وتقطع مع الأساليب القديمة في التعاطي مع ما يستجد من
أحداث.. ديبلوماسية ترى في الحوار والحلول السياسية
أفضل الأدوار وأنجعها لإطفاء حرائق الأزمات مهما تشعبت
مسالكها.
ومن هذا المنطلق كانت تونس على الدوام في طليعة المبادرين
بحلول واقعية ومقترحات قابلة للتّنفيذ للتوصّل الى قرارات
عادلة ومتوازنة تكريسا لمبادئ ميثاق الامم المتحدة وأهدافه،
وخدمة لقضايا السلم والأمن والاستقرار في العالم. فمن
الصندوق العالمي للتضامن وصولا الى ميثاق الرقي والتقدم
مرورا بمدونة سلوك دولية لمكافحة الارهاب، ما انفك رصيد
الثقة الذي تحظى به تونس، رائدة الأفكار الجديدة خدمة
لمحيطها الاقليمي والدولي، يتعزّز وهي التي أصبحت اليوم
شريكة فاعلة في المحافل الدولية.
محطات كبرى.. وعناوين
نجاح
ولا شك ان احتضان تونس
قمة 5 زائد 5 في ديسمبر الماضي واستعدادها لاحتضان القمّة
العربية أواخر هذا الشهر وكذلك القمّة العالمية لمجتمع
المعلومات 5002 يُمثل تتويجا لحركية ديبلوماسية ولعمل
مثابر كرّس دعائم السلم والتضامن الدولي والتعاون والوفاق
بين الشعوب. وقد انبنى هذا العمل على رؤية انسانية ومقاربة
عملية متوازنة للعلاقات الدولية على أسس المساواة بين
كافة الدول من أجل إقامة تنمية مشتركة على الصعيد الكوني
وإرساء أسس عالم عادل ومتضامن.
وهذه اللّقاءات الدولية
عنوان خر على ان تونس بقيادة الرئيس زين العابدين بن
علي تدرك ان زمن الانغلاق والتقوقع داخل الصَدفة قد
ولّى وانتهى، كما أنها تقيم الدليل على ان تونس في عهدها
الجديد متفتّحة على محيطها القريب والبعيد وهي من خلال
هذه القمم المتتالية تواصل دعم تعاونها مع أشقّائها
وأصدقائها في مختلف أنحاء العالم على أساس المصالح المشتركة
والمنافع المتبادلة.
هموم أمّة.. ومهارة
ربّان
هكذا هي الديبلوماسية
التونسية حركة مستمرة تساهم في رسم الطريق باتّجاه مستقبل
ينشده شعبها في زمن صارت إمكانية كسب الرهانات خلاله
أشد تعقيدا وأكثر صعوبة، وفي عالم ـ كما اسلفنا ـ يتغير
بنسق مذهل. ولكن هذه الديبلوماسية بمهارة ربّانها الرئيس
زين العابدين بن علي استطاعت مسايرة إيقاع هذا التغيير
وتوفير ما يشترطه من مقاربة دقيقة وصائبة تنطلق من الحزام
المغاربي لتعبر المتوسّط ولتعانق هموم أمّة بكاملها
في درس بليغ عن كيفيّة إقامة الجسور ونزع فتيل الصدام
والصراع بين الفضاءات الحضارية المختلفة انتصارا لصياغة
سلمية لعالم جديد وانحيازا لسعادة الانسان ورفاهه.
ومجمل هذه الخصال والمواصفات التي تتمتّع بها الديبلوماسية
التونسية تجعل من حظوظ نجاح القمة العربية التي ستحتضنها
تونس أواخر هذا الشهر حظوظا وافرة اذا ما استطاع العرب
استلهام مرتكزات تلك الديبلوماسية والحقائق الموضوعية
القائمة التي تستند اليها صياغتها وكذلك بعدها الاستشرافي
والاستباقي للاحداث والمتغيرات.. هذه القمة التي ستنظر
في مستجدات الاوضاع العربية الحارقة التي تمثل مصدر
انشغال كبير للعرب لانعكاساتها على أمنهم واستقرارهم،
بل حتى على وجودهم كمجموعة حضارية كبرى وكتلة اقليمية
بارزة.
استبدال القول..
بوهج الفعل
واذا كان المطلوب
عربيا اليوم سواء في ما يتعلق بإصلاح الجامعة العربية
او غير ذلك من المشاريع الاقتصادية.. اذا كان المطلوب
تسلّح العرب بالجدية والالتزام والتطبيق والتجسيم الفعلي
لما قد يُعتمد من ليات وما قد يتخذ من قرارات فإننا
على قناعة ان مثل هذه الروح العمليّة تتجسّد في تونس
حيث التنفيذ والفعل يسبق الشعار، وحيث ان ما يخطط له
يكون معلوما في الزمن.
وكلّ ما نتمنّاه
هو ان يعانق العرب هذه الروح التونسية المسكونة بالإنجاز
والرافضة للبلاغة والانشائية المجرّدة، والحريصة على
ان تكون الشواهد التي تقدمها لدعم وجهة نظرها ومواقفها
وسلامة مقاربتها مستمدة من أرض الواقع لا من البيانات
النظرية..
فهل ستكون قمة تونس، قمة انتصار الأفعال على الأقوال؟..
التجربة التونسية
داخليا وخارجيا تؤكد إمكانية تعريب هذه الحقيقة.. ويبقى
للعرب مهمّة استلهام مفردات هذه التجربة التي تبقى تجربة
عربية حتى النخاع.