العالم العربي ورهان الإصلاح الذّاتي: تونس نموذجا

المنذر الرّزقي -باحث في العلوم السياسية-تونس

ماذا يعني أن تكون لدولة عربية سياسة عربية؟ فهل تكفيها عضوية جامعة الدول العربية لترسم في مجال سياستها الخارجية ركنا يحمل عنوان "السياسة العربية"؟ أم أن ذلك يفترض منها الاكتفاء بإقامة علاقات دبلوماسية ثنائية مع سائر الدول العربية؟ وما الفرق بين علاقات دولة عربية بدولة عربية أخرى وبين علاقاتها بدولة أجنبية؟ وما الذي يميز العلاقات بـ"الدولة الشقيقة" عن العلاقات بـ"الدولة الصديقة"؟ وما الذي يميز عضوية أية دولة عربية في جامعة الدول العربية عن عضويتها في منظمة الأمم المتحدة؟ وهل يجوز الحديث عن نظام عربي في الوقت الرّاهن؟ وماذا عساها أن تكون طبيعته؟ ومتى يستقيم حال جامعة الدّول العربية وبأيّة دول عربية يتحقّق ذلك؟

كلّ هذه التساؤلات وغيرها يتداولها الشّارع العربي من الخليج إلى المحيط إلاّ أنّه يعجز عن إيجاد الإجابة الشّافية لها لأنّ الإجابة التي يفرضها الواقع يرفضها المنطق، فتراه يختار البقاء في حالة استفهام هي أقرب إلى الذّهول هروبا من السقوط في الإحباط الذي يسبّبه الإدراك. فالاستفهام شكل من أشكال المحافظة على خيط الأمل في أن يتغيّر الواقع ليطابق المنطق فيجيز أجوبة تحقّق الرّضا. لذا ترى الشّارع العربي يعود دوريا إلى التّساؤل كلّما واجه العرب أزمة جديدة أو مرّوا بنكسة جماعية أو أقدموا على عقد قمّة "تاريخية" والأمل يحدوه في أن يجد الأجوبة الشّافية لكن سرعان ما يعاوده الذّهول فتبقى تساؤلاته في انتظار الإجابة.

وهذه التساؤلات التي يطرحها الشّارع العربي يمكن اختزالها في السؤال التّالي: ما هو واقع العمل العربي المشترك وما هي آفاق التضامن العربي في ظل المستجدات العالمية والإقليمية؟
هذا التساؤل يفرضه الوضع العربي الراهن المتميز ببروز الوعي في مستوى الشّعوب وفي مستوى النّخب بحتمية تغيير الواقع وبأهمّية الإعداد الجيّد لعقد قمة تونس باعتبار ما تحمله من آمال للمستقبل. لكن ألا يتطلّب ذلك كشف منطلقات الإصلاح واستجلاء طبيعته؟

1 ـ منطلقات الإصلاح :

الاجتماع الأخير الذي عقده وزراء الخارجية العرب بالقاهرة في مطلع الشهر الجاري (مارس2004) إعدادا لقمة تونس المزمع عقدها في أواخر نفس الشّهر رافقه سيل من الكتابات التي تناولت بالدرس والتحليل العمل العربي المشترك ودور جامعة الدول العربية في هذا المجال مع التركيز بالخصوص على طبيعة أداء المنتظم العربي منذ انبعاثه في خدمة القضايا العربية.

ولئن اختلفت التحاليل في مستوى تقويم الأداء وفي ضبط الأسباب الكامنة وراء ذلك وفي تحديد المسؤوليات فإنها أجمعت عل ضرورة الإصلاح وهو ما يدفع إلى استجلاء منطلقاته التي يمكن حصرها في منطلقين إثنين: منطلق أوّل جوهره عاطفي اجتماعي ثقافي تاريخي يتمثل في التمسك بهذا الهيكل الذي لا يزال يرمز، حتى وإن انطفأ بريقه وشحب لونه، إلى إرادة قومية تسكن النفوس العربية من الخليج إلى المحيط، إرادة لم تمحها عقود الفشل والرداءة والإحباط، ومنطلق ثان أساسه الواقعية وما تفرضه من ضرورة إدراك فطن لطبيعة التحولات العميقة التي شهدتها العلاقات الدولية خلال العشرية الأخيرة واعتماد مقاربة تتيح التكتل والفعل والتأثير في الأحداث لا التشتت والخضوع لإرادة الآخر وفقدان كل معالم السيادة الظاهر منها والخفي.

أ ـ الإصلاح من منطلق عاطفي :

مهما هزلت حصيلة أعمالها منذ النشأة لاسيما في باب تحقيق الأهداف القومية المرسومة لها، وعلى الرغم مما اعترى مسيرتها التي شارفت الخمس عقود من تناقضات بين نشوة الإعلان عن القرارات المشتركة "المصيرية" من جهة وخيبة الأمل التي يخلّفها انعدام الفعل على صعيد التنفيذ من جهة أخرى، ومن أزمات دورية تكاد تشكل سمتها الرّئيسية، فإنّ جامعة الدّول العربية تمثّل دون ريب رمز الوجود لعالم متجانس في حضارته متحد في ثقافته، منسجم في أديانه، موحد في لغته، عالم لم تقو محاولات التجزئة التي سجلها تاريخه الطويل على زعزعة تلاحم شعوبه مثلما تعكسه وحدة تفاعلها مع كافة القضايا العربية مقابل تباين مواقف حكوماتها إزاء القضايا ذاتها. فجامعة الدول العربية رغم ما رافق مسيرتها من هنات وعجز ووهن ، تبقى موطن التعبير عن الضمير العربي المشترك. وهذا وحده كفيل بالدفع إلى التمسك بها كهيكل جامع تبنى في إطاره الإرادة العربية.
ولما كانت عناصر الوحدة تشكل منبع الضمير العربي المشترك ورصيدا لا يستهان به لتشكيل عالم عربي يحتل مكانة الفعل بين مختلف التكتلات على الساحة الدولية، فإن هذا الضمير يبقى في أمس الحاجة إلى عقل عربي مشترك لا يمكن بدونه حتى مجرد التطلع إلى تشكيل عالم عربي وإحلاله موقع الفعل في ساحة دولية لم تعد تتسع إلا للتكتلات التي لا يحرّكها سوى السعي العقلاني إلى تحقيق المصلحة المشتركة لأعضائها والتي تلتقي فيها المصالح الفردية لكل منهم.

وإذا كانت هذه التكتلات الفاقدة لأي ضمير مشترك ولأية روح مشتركة قد توفقت، استنادا إلى مقاربة عقلانية واقعية براغماتية تؤمّن تقديرا حصيفا للمصلحة المشتركة على المدى القصير والمتوسط والبعيد، إلى نحت كيان موحد له من الثقل الاقتصادي والسياسي والعسكري ما يتيح تنزيله منزلة الطرف المكافئ للكيانات الفاعلة في الساحة الدولية، فإن العالم العربي، الذي لا يزال ضميره المشترك يتقد حياة ولا تزال روحه المشتركة خفاقة، يبدو الأقرب من غيره إلى تشكيل كيان منسجم موحد تتحقق في ظله المصلحة المشتركة لأعضائه. كيان يحتل المكانة التي تفرضها إمكاناته البشرية والمادية مجتمعة لو توفر له عقل عربي مشترك يخضع العمل العربي إلى مقياس عقلاني يتخذ من المصلحة المشتركة معيارا جوهريا للتحرك في باب التفاعل مع الواقع المتجدد وما يفرضه من مواكبة موصولة للأحداث وتحيين دائم لأساليب التعامل معها وفق تغيّر طبيعتها، وهو ما يحيلنا إلى الإصلاح من منطلق الواقعية.

ب ـ الإصلاح من منطلق واقعي:

إذا كانت الرغبة التلقائية في التقارب بين الدول العربية التي تفرزها عوامل اللغة والحضارة والثقافة والتاريخ والدين والجغرافيا تمثل عنصرا إيجابيا مفيدا في بناء كتلة عربية متضامنة مندمجة، إلا أنها لا تكفي وحدها لتحقيق هذا المسعى. فلا بد أن تستند إلى حد أدنى من الواقعية في إطار مقاربة عقلانية معتدلة توفق بين البعد العاطفي وتحقيق المصلحة المشتركة لكافة المنضوين تحت راية العمل العربي المشترك لكن دون الانزلاق في متاهات التقوقع في بوتقة المصلحة القطرية الضيقة التي تحصل عموما إما في حالة غير قصدية تتمثل في قصر النظر السياسي الذي يبلغ أحيانا درجة العمى أو في حالة قصدية تتمثل في الخضوع للحسابات السياسوية المغلوطة الناتجة غالبا عن الخلط بين المصلحة القطرية والمصلحة الشخصية الذاتية للسّاسة أصحاب القرار.
وهذه المقاربة الواقعية تمليها الحصيلة الهزيلة لخمسة عقود من العمل العربي المشترك والتي تثبت فشل المقاربة المعتمدة إلى حد الآن والتي دأبت على إنتاج خطابي وفير يشفع باتخاذ قرارات تفتقد غالبا إلى البعد العملي ولا تلتزم بتطبيقها إلا قلة قليلة من الدول العربية: ويكفي في هذا الصّدد الاستشهاد بمثالين: المثال الأول يتصل بقرار قمّة القاهرة الاستثنائية سنة 2000 القاضي بإحداث صندوق للمساهمة في الدعم المالي للانتفاضة الفلسطينية حيث لم يبادر بتحويل الإعتمادات المتّفق عليها مباشرة إلى هذا الصّندوق سوى عدد محدود من الدّول العربية على غرار تونس في حين خيّر نصف أعضاء الجامعة تقريبا تحويل مساهماتهم عبر البنك الإسلامي للتنمية وهو ما عطّل عملية الدّعم المالي التي كانت تكتسي طابعا استعجاليا لا يتماشى ومتطلّبات التّراتيب البنكية. وهو ما دفع الرّئيس التّونسي زين العابدين بن علي إلى التّأكيد في قمّة عمّان على ضرورة " الإسراع بتنفيذها (قرارات القاهرة) لدقّة الموقف وخطورة الوضع"

المثال الثاني يتصل باتفاقية إنشاء منطقة التّجارة الحرّة العربية الكبرى بداية من غرّة جانفي 1998 وما تواجهه من صعوبات تعيق سيرها لا سيما في مستوى اتّخاذ الإجراءات التّنفيذية مثل إتمام إجراءات المصادقة، وإبلاغ المنافذ الجمركية، وإيداع هياكل التّعريفة الجمركية لدى الجامعة، وعدم تطبيق التّخفيض التّدريجي من الرّسوم والضّرائب الجمركية ذات الأثر المماثل، والإبقاء على القيود الكمّية والإدارية على بعض السّلع.
وتبقى القضية الفلسطينية المعيار الحقيقي للوقوف على مدى نجاعة العمل العربي المشترك. إنّ الحصيلة في هذا الباب فشل ذريع في إقناع المجموعة الدولية بضرورة فرض حل سلمي وعادل لهذه القضية العربية الأولى.

وبقدر ما تفرض المقاربة الواقعية الوقوف على الحصيلة المسجّلة دون زيف أو مخادعة فإنّها تتطلب الوعي الثاقب بالتحولات الجذرية والعميقة التي شهدتها العلاقات الدولية وما تطرحه من رهانات على المنطقة. فهذه التحوّلات التي زعزعت أركان النّظام العالمي القائم على أنقاض الحرب العالمية الثّانية وكرّست هيمنة القطب الأوحد وانحسار مبدأ الشّرعية الدّولية وتراجع دور المنتظم الأممي كان لها الأثر المباشر على مفهوم السّيادة الوطنية في سعي من قوى الهيمنة إلى إعادة تشكيله عبر التّوظيف الموجّه لمبادئ إنسانية كبرى مثل الحرّية والدّيمقراطية وحقوق الإنسان والتّطويع الظّرفي للقانون الدّولي بما يتيح التّقييم الدّوري للدّول في ممارسة سيادتها وتحديد هامش السّيادة الذي يجوز لكلّ دولة التحرّك في إطاره. وقد ظهرت بعد بوادر تحوّل في مقاربة مفهوم السيادة في اتجاه تقييدها بشروط تختلف في طبيعتها انطلاقا من الإنساني مرورا بالسّياسي وصولا إلى الأمني وتشترك في غايتها الرّامية إلى تحويل السيادة من منطق الحق المطلق إلى منطق الحق المسؤول. كما تلتقي في تقديم مصلحة الشّعوب على مصلحة الدول، وحقوق الأفراد على حقوق الدّولة، والمصالح المشتركة للإنسانية على المصالح الفردية للدول. بالتّوازي مع تضييق مفهوم السّيادة نشأ مفهوم "حقّ" التدخّل في الشّؤون الدّاخلية للدول الذي ولئن مازال بصدد التشكّل فإنّه أصبح ذريعة القوّة العظمى في تصريفها الأحادي لشؤون العالم مثلما تؤكّده الأحداث. ولا مراء في أن المنطقة العربية تأتي في مقدّمة المناطق المستهدفة بالتدخّل مهما تنوّعت أشكاله وأساليبه ومبرّراته. لذا فإنّ الواقعية تفرض إفشال هذه المخطّطات بالمبادرة الذّاتية إلى مسايرة حركة التّاريخ والتّفاعل معها من خلال المراهنة على الإنسان العربي. تلك هي المقاربة الواقعية التي دعا إليها الرّئيس بن علي عندما أكّد في قمّة عمّان "أنّ التحوّلات الإقليمية والدّولية تداخلت فيها الأبعاد السّياسية والاقتصادية والثّقافية وما تحمله من انعكاسات على بلداننا تحتّم علينا التّفاعل معها انطلاقا من رؤية مشتركة شاملة ومتكاملة."

2 ـ منطلقات الإصلاح:

إنّ هذه المقاربة الواقعية التي باتت ضرورة مؤكّدة تفرض إصلاحا ذاتيا وشاملا وعميقا: اصلاح يجب أن يطال الأقطار العربية حتّى ينعكس في مستوى الجامعة.

أ ـ الأقطار العربية ورهان التغيير:

لا يمكن تصور منظومة عربية فاعلة تستند إلى أنظمة عربية شكلت في عديد الأحيان عائقا أمام قيام كيان عربي متضامن وناجع.

فالإصلاح ينبغي أن يشمل في المقام الأول الأنظمة العربية حتى تعدل عقارب ساعتها لتواكب هذا الزمن الذي لم يعد فيه مكان للنشاز بفعل عولمة الظواهر وآثارها بغثّها وسمينها. والصورة في باب الإصلاح الذاتي للأنظمة العربية ليست بالقتامة التي قد يرسمها البعض حيث نجد بعض العلامات المضيئة على غرار ما تحقق في تونس التي استبقت الزمن منذ نوفمبر 1987 واختارت لنفسها منهج الإصلاح التدريجي المرحلي والتغيير الهادئ الرصين.

ولعلّه من المفيد في هذا السّياق الوقوف عند بعض الملامح الرّئيسية للمشروع الإصلاحي التّونسي الذي يشكّل مصدر استلهام حقيق بالتّعميم. فحركة الإصلاح في تونس جاءت استجابة لانتظارات الشّعب وطموحاته فنزّلت الإنسان منزلة الصّدارة في سلّم اهتماماتها وجعلته غايتها وأداتها في الآن ذاته. كما أثبتت استشرافها للتحوّلات العميقة التي شهدتها العلاقات الدولية وتميّزت بإدراكها الواعي بما ستفرضه هذه التحوّلات من تحدّيات جديدة في مطلع هذا القرن الجديد عالميا وإقليميا وقطريا فكان لهذا الوعي أثره البالغ في كيفية نحت ملامح المشروع المجتمعي الجديد وتأمين أدوات صونه وأسباب ازدهاره في قادم المراحل مثلما يتجلّى عبر سلسلة الإصلاحات التي شهدتها تونس منذ انطلاق قطار التّغيير. وبدأ مسار تحصين الجبهة الدّاخلية من خلال التّجاوب الواعي مع طموحات الشّعب في إطار مشروع مجتمعي يلتقي فيه التّونسيون جميعا بعيدا عن كافّة أشكال الإقصاء والتّهميش. ومن هذه القاعدة الأصلية التي تنزّل الإنسان المنزلة الرّفيعة انطلقت عملية البناء التّدريجي للمجتمع المنشود لتشمل النظام السّياسي فتتولاّه بالتّصحيح والتّطوير في اتّجاه إرساء الدّيمقراطية والتعدّدية وتكريس دولة القانون والمؤسّسات ودعم حقوق الإنسان بما يحرّر الطّاقات الخلاّقة للتّونسي ويدفعه إلى الانخراط الفاعل والمسؤول في تصريف الشّؤون العامّة فيحقّق أعلى درجات المواطنة التي يفقد كلّ مشروع مجتمعي معناه من دونها. هذا المشروع المجتمعي أسّسته حركة الإصلاح في تونس على منظومة قيمية إنسانية تتميّز بالكونية في سموّها ونبلها، منظومة تتجسّم في ظلّها التنمية البشرية التي لا تنفصل في جوهرها عن التّنمية الماديّة وتوفّر للإنسان الأرضية الملائمة لتحقيق الذّات. فنموذج الإصلاح في تونس قد نجح لأنّه استهدف الإنسان وراهن عليه فكسب الرّهان وأصبح الإنسان حصنا منيعا للمشروع المجتمعي باعتباره طرفا مشاركا وفاعلا فيه، وزالت الفجوة بين الشّعب والقيادة وحلّ الانسجام وتحصَّن الوطن.

وتونس مثابرة على هذا النهج وفق النسق الذي رسمته لنفسها دون الخضوع إلى محاولات الضغط الأجنبية التي انتهت إلى التسليم برجاحة المقاربة التونسية وأقلعت عن إملاء وصفاتها الجاهزة على الأقل في المستوى الحكومي.

ولعل الإصلاح الذاتي الذي شهده نظام الحكم في تونس يفسر طبيعة التحرك التونسي على الساحة الدولية عموما وعلى الصعيد العربي على وجه الخصوص حيث أثبتت التزامها الكامل قولا وفعلا بكافة القرارات العربية المشتركة ونصرتها اللاّمشروطة للقضايا العربية العادلة وفي مقدمتها قضية الشعب الفلسطيني وتمسكها المطلق بمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول.

وبعيدا عن التصريحات النارية الخادعة أو المواقف الاستعراضية الزّائفة وعن كل ما من شأنه أن يعرقل بصفة مباشرة أو غير مباشرة وحدة الصف العربي ودون البحث عن أضواء النجومية التي يتوق إليها البعض وفي مأمن من الإصابة بهوس الزّعامة التي تبدو أعراضها لدى البعض الآخر، نجدها تؤدي عبر قيادتها دورا هاما في باب تأمين وحدة الصف العربي بتقليص الفجوة التي تظهر من حين إلى آخر بين الأنظمة العربية وتقريب وجهات النظر بينها سواء في المستوى المغاربي أو في المستوى الإقليمي العربي العام. كما لا تتوانى في توظيف مصداقيتها الدّولية وعلاقاتها المتميزة مع سائر الدّول الأجنبية لمعالجة الخلافات والإشكالات التي تقع فيها بعض الدول العربية في علاقاتها الخارجية.
هذا ما يتبدّى من خلال تعامل تونس مع كافّة القضايا العربية.

فهي تناصر الشعب الفلسطيني في نضاله للدّفاع عن حقّه في تقرير مصيره وتحرير وطنه وبناء دولته والعيش بسلام وكرامة على أرضه التي حدّدتها القرارات الأممية وضمنتها المواثيق والقوانين الدّولية. هذه المناصرة تترجمها مواقف الرّئيس بن علي في سائر المحافل الجهوية والإقليمية والدولية، وتطبيقه الفوري للمعادلة بين السّلم والتّطبيع إثر انفجار انتفاضة الأقصى، ومقترحاته في قمّة القاهرة الهادفة إلى حماية الشّعب الفلسطيني وحشد التّأييد لقضيّته، وتنفيذه الفعلي والفوري لكلّ القرارات العربية المتّخذة في هذا الشّأن. كما تترجمها إسهامات تونس في تعزيز السّلطة الوطنية الفلسطينية في الدّاخل سواء في مجال مقوّمات السّيادة أو في المجالات الأخرى الفنّية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها.
وهي تساند سوريا في سعيها لاسترداد الجولان المحتل مثلما ساندت لبنان في مطالبه المشروعة المتعلّقة بالانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان وتحرير كافّة أراضيه ووضع حدّ للانتهاكات الإسرائيلية للحدود الدّولية.

أما فيما يتعلّق بقضية الشّعب العراقي فقد عملت تونس أثناء فترة الحظر على إنهائه ووقف تلك المعاناة التي كان يعيشها، كما استنفذت كلّ وسائل التحرّك لتجنيب العراق ويلات الحرب التي فرضت عليه، وهي تعمل اليوم من أجل إنهاء احتلال العراق واسترداد سيادته مع تأمين وحدة ترابه.

وقد وقفت تونس إلى جانب ليبيا من أجل إنهاء الحضر الذي كان مسلّطا عليها كما لعبت دورا إيجابيا هامّا في وضع حدّ للتوتّر بين ليبيا وعدد من الدول الغربية بسبب ما يعرف بقضية "لوكربي" ونجحت في تقريب وجهات النّظر بين الطّرفين وجنّبت المنطقة نزاعا آخر كان يلوح في الأفق.

أمّا في إطار المغرب العربي فإنّ تونس تضطلع بدور محوري خدمة للتّكامل والإندماج المغاربي الذي تنزّله منزلة الخيار الاستراتيجي الذي لا محيد عنه. فهي تعمل على الدّوام من أجل إعادة تنشيط المسيرة المغاربية ودعم الوفاق وتعميق الثّقة وتعميم الأمن والاستقرار والتّعاون بالمنطقة، والدّفع إلى تجاوز الصّعوبات التي تعوق البناء المغاربي وحلّها عن طريق الحوار والتّفاهم وفي إطار الشّرعية الدّولية.

تلك هي أبرز ملامح التحرّك التونسي على السّاحة العربية والذي يمثّل في الواقع امتدادا منطقيا وطبيعيا لمشروع إصلاحي داخلي.

وإذا كان المثال الإصلاحي التونسي يشكل أحد أهم المنارات في العالم العربي فلصبغته الذّاتية ولطبيعته الشمولية ولاستباقه الأحداث حيث لم يتولد تحت ضغط تأثيرها شأن محاولات الإصلاح التي أخذت تشهدها الساحة العربية والتي تمثل هي بدورها بوادر الأمل لإصلاح أشمل وأعمق. إصلاح يصاغ داخليا بمفردات وطنية ليدحض محاولات التطويع الأجنبية المنزلة تحت عنوان "الزرع الديمقراطي" والتي لا يملك الجسم العربي إلا أن يلفضها.

ولعل من أوكد الرهانات المطروحة على الدول العربية في المرحلة الحالية الوقوف صفا واحدا لمواجهة المؤامرة الشرق أوسطية الكبرى التي تحاك بخيوط المساومة وفرض الهيمنة وإذلال شعوب تليدة الأمجاد وإذعان منطقة عريقة الحضارة ومتجذّرة التاريخ إلى سلطان قوة عظمى نصّبت نفسها لتصريف شؤون العالم وفق ما تمليه المصالح الصهيونية. مؤامرة تحمل قناعا كاذبا خادعا اسمه "دمقرطة الشرق الأوسط". وكأن الديمقراطية تفرض فرضا على شاكلة ما تحقق في أفغانستان، أو ما يتحقق الآن يوميا في العراق.

وإن مواجهة هذه المآمرة لا تدخل في باب الرفض المطلق للديمقراطية وإنما في باب فرض الذات وإثبات الوجود وصون السيادة إذ لا خير في ديمقراطية تكرس مظاهر الاستعمار ثقافيا كان أم عسكريا وميدانيا مباشرا كان أم افتراضيا عن بعد. فالاستبداد في هذه الحال أهون من ديمقراطية الذل والهوان.

ومثلما تفرض الواقعية الوعي بخطورة هذه المآمرة فإنها تفرض كذلك النّهوض من أجل مواجهتها بصورة موحدة متضامنة تعتبر بما حدث للعراق وتسمو عن اجترار الخلافات الثانوية الظرفية العابرة. وليس هناك أفضل من جامعة الدول العربية إطارا لمثل هذا العمل العربي المشترك حتى وإن كان هذا الهيكل مثلما أسلفنا يبقى في حاجة إلى الإصلاح.

ب ـ الحاجة إلى إصلاح الجامعة:

مادامت السّماء قد أغرقت الجامعة مشاريعا إصلاحية في المدة الأخيرة فسوف لن نخوض في طبيعة الإصلاحات التي ينبغي إدخالها على ميثاق الجامعة لاسيما في مستوى آليات العمل بما يخول لها النهوض من غيبوبتها وبلورة الإرادة العربية المشتركة وإعطائها بعدا براغماتيا. لكن ذلك لن يثنينا عن طرح بعض الشروط الدّنيا التي ينبغي أن يضمنها أي مشروع إصلاحي يروم إسناد الجامعة حق الوجود الفاعل الناجع ويؤهلها لاسترداد مصداقيتها لدى الشعوب العربية ويغذّي رصيد مصداقيتها على الساحة الدولية. ومن هذه الشّروط الدّنيا نذكر:

· دمقرطة العمل العربي المشترك: بمعنى اعتماد مبدأ استشارة الشعوب العربية مباشرة عبر الاستفتاء قبل اتخاذ القرارات الجوهرية المتصلة بمستقبل العمل العربي المشترك،
· إسناد الجامعة دور الدّفع في ترسيخ دمقرطة الحياة السياسية في الدّول العربية وتعميم اعتماد برنامج الإصلاح السياسي فيها وفق مواصفات الحكم الرشيد مثلما تضبطها الجامعة.

· وضوح الأهداف: بمعنى إعادة ضبط أهداف الجامعة في صيغة جلية واضحة تتأسّس على الواقعية بالتّركيز على القليل الممكن القابل للإنجاز وتتجنّب الكثير الخاوي البعيد عن التّنفيذ، وتؤمّن بصورة جلية المصلحة المشتركة للدّول الأعضاء وتحقّق التفافهم اللامشروط حولها والتزامهم المطلق بصونها.

· بحث طبيعة العضوية في الجامعة: بمعنى أن لا تكون هذه العضوية آلية بناءً على الانتماء الحضاري الثقافي التّاريخي وإنّما مشروطة بمدى احترام المبادئ والالتزام بالأهداف والامتثال للقرارات. ومثلما تسند العضوية عند توفّر شروطها فيجب أن تسحب عند الإخلال بأحد هذه الشّروط.

· مراجعة طبيعة قرارات الجامعة: بمعنى اعتماد قاعدة الأغلبية في اتّخاذها، وإعطائها الصّبغة الإلزامية، وتغليب البعد البراغماتي المباشر على البعد المبدئي العام في هذه القرارات.

· تفعيل العمل العربي المشترك: بمعنى تمكين الجامعة من الآليات الكفيلة بتأهيلها لأداء وظائفها على الوجه الأكمل خاصّة في مستوى تسوية الخلافات بين الأعضاء وتأمين أمنهم من أيّ تهديد خارجي، وتوحيد مواقفهم من القضايا الدّولية.

· متابعة الأداء: بمعنى إرساء نظام للتّقويم الدّوري لأداء الجامعة على أساس النّتائج المنجزة.

· اعتماد الشّفافية في التّعامل مع القواعد الشّعبية العربية.

تلك هي الحدود الدّنيا التي لا يمكن إغفالها في أيّة عملية إصلاح تستهدف النّهوض بالمنتظم العربي. فهذا النّهوض يتطلّب من كلّ دولة عربية حكومة وشعبا، أن تدرك تمام الإدراك وفي أبلغ صور الوضوح أنّ الانضواء تحت راية الجامعة ليس عمليّة شكلية تستجيب لنداء العاطفة وتتفاعل مع وشائج الأخوّة وإنّما هي التزام جدّي مسؤول يفرض جملة من التنازلات لفائدة المصلحة العربية الجماعية ويضمن مقابل ذلك جملة من الحقوق والمصالح التي تلتزم بتأمينها المجموعة العربية لفائدة كلّ عضو من أعضائها. فإرادة الانتماء يجب أن تكون نابعة من إدراك عقلاني عميق بأن المصلحة العربية المشتركة تشكل الفضاء الأمثل لخدمة المصلحة القطرية في مختلف أبعادها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأمنية والدّرع الواقي لها من التدخلات الأجنبية على اختلاف أشكالها وأغراضها الظاهرة والخفية.

هذا الإدراك يجب أن يرتقي إلى مرتبة الإيمان ويشكل الحد الأدنى المطلوب لبناء إرادة عربية جماعية تدرس وتخطط وتنجز، إرادة تستمد شرعيتها من الشعوب العربية في التفافها حول قيادتها وفي مساندتها لما تفرزه هذه الإرادة من خيارات تعبر بلغة الواقع وبمنطق العقل عن التطلعات والطموحات الشعبية.

تلك هي الحدود الدنيا المطلوب توفرها لتمكين الجامعة من انطلاقة جديدة، انطلاقة الأمل في مرحلة شحت فيها مصادره في عالم عربي له من الإمكانات المادية والبشرية ما يغنيه عن المساعدات المسمومة والخبرات المشروطة، وله من المرجعيات الفكرية الرّاسخة، ومن التجارب العملية الناجحة، ومن التقاليد العريقة الناجعة، ومن الدّراية الواسعة بالأساليب المستحدثة في تصريف الشأن العام ورعاية أحوال الإنسان ما يسمو به عن الحاجة إلى النماذج الجاهزة والمناهج المسقطة التي تستهدف إذعانه وطمس خصوصياته التي تشكل مصدر ثرائه، وله من المقوّمات الحضارية والثّقافية والتّاريخية ما يجعله فضاء الأمل ويؤهّله ليسهم كطرف فاعل في تحقيق إنسانية الإنسان.

ولتكن قمة تونس قمة الأمل: الأمل الذي لم ولن يفقده المواطن العربي في صلاح حال الأمة العربية.

صلاح الأمّة بزوال البون الذي يفرّق بين بعض الأنظمة العربية وشعوبها وذلك من خلال الإصلاح الذاتي في اتجاه تشريك أوسع للشعوب العربية في تصريف الشأن العام واتخاذ القرارات التي تهمّ مصيره.

صلاح الأمّة من خلال التمثّل العقلاني للمصلحة القطرية في المصلحة العربية الجماعية وتغليب التّضامن العربي على سائر الاعتبارات.

صلاح الأمة في إدراك رهانات المرحلة والتهيؤ لمواجهتها صفا واحدا دون البحث عن مواجهة الآخر لكن دون الهروب من تلك المواجهة إن هي غدت مفروضة.

صلاح الأمة في توفر جهاز عربي قادر على استيعاب الإرادة العربية المشتركة وبلورتها وتحويلها إلى أفعال ملموسة باعتماد آليات ناجعة وفعالة.

إن صلاح الأمة يكمن في فرض الذّات الجماعية المشتركة في إطار احترام الذّوات القطرية. وهو يرتكن إلى المصالحة بين الأمة وأقطارها وفق مقاربة عقلانية واقعية تتغذى من العاطفة وتحقق المصلحة في صيغة المفرد وفي صيغة الجمع على حد سواء.


طباعة >> | إغلاق النافذة >>


afkar@afkaronline.org