ثوابت تونس.. ومواقف بن علي القومية

عبد الحميد الرياحي
رئيس تحرير جريدة "الشروق" التونسية

يعيش العرب من المحيط الى الخليج حالة مخاض غير مسبوقة.. وتتقاذف المنطقةَ العربية امواجٌ متلاطمة بين انتظارات ورغبات واستحقاقات داخلية وبين ضغوط خارجية باتت تتخذ من الاصلاحات الديمقراطية مطية للتحكم في مفاصل القرار العربي.. وبين هذه وتلك تنتظر الشعوب العربية القمة المزمع عقدها بتونس أواخر شهر مارس الجاري وكلها أمل وتطلّع.. أمل في رؤية الدفء يعود الى البيت العربي ومعه تعود الروح الى التضامن العربي والى العمل العربي المشترك.. وتطلّع الى رؤية الصف العربي وقد استعاد وحدته وعافيته لمواجهة التحديات المطروحة امام العرب وهي كثيرة ومتنوعة، بالنجاعة والحسم المطلوبين. ذلك أن الشعوب العربية التي ظلّت على مدى عقود تمنّي النفس باستعادة الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني وفي مقدمتها حقّه في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف، قد فتحت عيونها على حقيقة مرعبة تمثّلت في سقوط بغداد ووقوع العراق تحت الاحتلال المباشر.. ليس هذا فقط بل ان هذه الشعوب صدمت بسلسلة انهيارات كبرى عصفت بالتضامن العربي ووجّهت ضربة قاصمة لمفهوم الأمن القومي العربي وفتحت المنطقة العربية على تداعيات وضغوط باتت تقرع ابوابها بإلحاح شديد وتهدّد المستقبل العربي في الصميم..

ولعلّ هذه التداعيات وهذا السواد الذي يلفّ المشهد العربي وهذه التحديات الماثلة امام كل العرب هي التي تجعل الرهان على قمّة تونس مصيريا.
فهل تملك هذه القمّة ممهدات ومقوّمات النجاح؟
وهل الأمل جائز في رؤية وصفة الشفاء تصدر من تونس؟
وهل تكون هذه القمّة تأسيسا لمرحلة جديدة من الوفاق العربي؟

وللإجابة نقول ان العديد من الحقائق والمؤشرات تجمّعت وتصبّ كلها في خانة التفاؤل بقدرة القمة العربية بتونس على رفع التحدي وكسب رهان تفعيل العمل العربي المشترك واحداث المنعرج المطلوب في العلاقات العربية ـ العربية بما يستجيب لتطلعات الشعوب العربية من المحيط الى الخليج.

في طليعة هذه الحقائق نجد مواقف تونس العربية والثوابت القومية لقيادتها وهي مواقف وثوابت يُجمع عليها كل العرب وكانت على الدوام محل إشادة وتثمين وباتت تشكّل رصيدا بإمكان تونس التعويل عليه لرأب الصدع وإطلاق التضامن العربي على سكّة الفعل.. وحين نتصفّح هذا السجل تطالعنا قضية فلسطين كمحكّ أول أثبتت فيه تونس التزامها الكامل وتفاعلها اللامحدود مع الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني. فتونس التي احتضنت الثورة الفلسطينية عند خروجها من بيروت يشهد لها التاريخ والاشقاء الفلسطينيون بأنها فتحت قلبها واحتضنتهم ولم تسع أبدا للتدخل في شؤونهم الخاصة او التأثير في قرارهم المستقل.. وقد اعتبر الرئيس زين العابدين بن علي القضيّة الفلسطينية قضيّته الشخصية.. وتشهد مختلف المنابر الدولية والاممية ومختلف المحطات السياسية التي حملته الى كبريات العواصم العالمية أو مكّنته من استقبال رؤساء ومسؤولين كبارا بأنه كان صوتا مسموعا ينطق بمعاناة الشعب الفلسطيني ويصدع بحقوقه المشروعة وينبّه الى أن السلام في الشرق الاوسط يمر قبل كل شيء عبر استرداد الشعب الفلسطيني حقوقه كاملة وغير منقوصة.. وبالفعل فإن تونس شهدت مولد الاتصالات الاولى بين الادارة الامريكية وقيادة منظمة التحرير الفلسطينية.. وهي الاتصالات التي تطورت في ما بعد الى مفاوضات مباشرة شكلت الارضية الصلبة التي انطلقت منها مفاوضات السلام التي توجت لاحقا بعودة القيادة الفلسطينية الى ارض الوطن.

كما تشهد الوقائع بأن تونس لم تتردد في دعم نضال الشعب الفلسطيني ماديا كذلك لتخفيف معاناته ورفد صموده البطولي في وجه آلة البطش الصهيونية.. وفي دعم مواقف قيادته في حرب الارادات التي تخوضها ضد اسرائيل دفاعا عن الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني.

أما المحك الثاني والذي اثبتت فيه القيادة التونسية حنكة وبعد نظر كبيرين فيتمثل في أزمة الخليج التي تحوّلت الى طوفان أتى على كل شيء في طريقه.. فلئن اعلنت تونس منذ بداية الأزمة في 2 أوت 1990 وقوفها ضد غزو العراق للكويت ومطالبتها بالانسحاب الفوري من الكويت فإن ذلك لم يمنع قيادتها من الدعوة الى حل الأزمة في إطار عربي يبعد شبح التدويل ويفوّت فرصة التدخل الاجنبي الذي لن يكون هناك طرف عربي رابح في حال حصوله. وقد أكّد الرئيس بن علي قبيل قمة القاهرة التي أعطت تأشيرة التدخل للامريكان أنه يرفض شهادة الزور ويتمسك بالحل العربي الذي يجنّب المنطقة العربية برمّتها زلزالا عنيفا كان يراه بحكمته وتبصره قادما بكل تأكيد.. وبالفعل فقد جاءت حرب الخليج الثانية وكل تداعياتها من حصار شامل حرم الشعب العراقي من ابسط ضروريات الحياة ممثلة في الغذاء والدواء لتؤكد دقة التحليل وصواب الاستشراف الذي مكّن الرئيس بن علي من رؤية الخطر الداهم ومن التنبيه إليه قبل فوات الأوان..

وكل الشعوب العربية تذكر، وعلى مدى سنوات الحصار وما صحبها من تصعيد بين امريكا والعراق، بأن تونس لم تدخر جهدا في البحث عن حلّ مشرّف يمكّن من تطبيق قرارات الشرعية الدولية ويجنّب الشعب العراقي الشقيق ويلات حرب مدمّرة. وقد كانت الاجتماعات العربية على مستوى القمة او في إطار مجلس الجامعة، علاوة على الاتصالات الدولية التي اجرتها تونس مناسبات للتنبيه الى ضرورة لملمة الصف العربي وتنقية الاجواء العربية بما يفضي الى ايجاد حلّ سلمي ينهي معاناة الشعب العراقي ويعيد العراق الى الحضيرة العربية والدولية. وقد ثبت الآن وبما لا يدع مجالا للشك أن النظرة التونسية كانت هي النظرة السليمة والحكيمة.. وانها كانت كفيلة بتجنيب العراق هذا المصير المظلم وتجنيب العرب هذا المأزق الخطير الذي سببته تداعيات احتلال العراق وما افرزته من رغبة امريكية في "إعادة تشكيل" المنطقة العربية بما يخدم المصالح الامريكية.. والتي باتت تجد تجلياتها الآن في الدعوة الى "الشرق الاوسط الكبير" والى اعتماد وصفة امريكية للديمقراطية وحقوق الانسان كأساس للاصلاح السياسي في المنطقة العربية.

***
المحكّ الثالث مثلته قضية "لوكربي" وما أفرزته من حصار جوي على الشعب الليبي الشقيق.. وقد كان الرئيس بن علي مبادرا الى التعاطف مع الشعب الليبي والى تبني قضيّته بالكامل.. حيث لم يتوقف على مدى سنوات الحصار عن التحرك في كل الاتجاهات وعن طرق كل الابواب المؤدية الى حل سلمي ينهي معاناة الشعب الليبي ويجنب المنطقة مخاطر مواجهة عسكرية سيكون لها اسوأ الأثر على أمن واستقرار المنطقة برمّتها.. ومثل قضية الحصار المفروض على العراق فإن الحصار الجوي الذي فرض على ليبيا مثّل بندا قارّا في اهتمامات واتصالات وخطب الرئيس بن علي التي لم تخل واحدة منها من التحسيس بالمظلمة المفروضة على الشعب الليبي ومن الدعوة الى ايجاد حلّ منصف ينهي معاناة الشعب الليبي.. هذا دون الحديث عن تحوّل تونس وقتها الى رئة كبرى يتنفس منها الشعب الليبي الشقيق والى بوابة كبرى يطل منها على العالم ويتزود منها بكل احتياجاته. وقد شكّل هذا التلاحم زمن الشدّة عاملا إضافيا زاد في تمتين العلاقات الثنائية وفي تعميق رصيد الثقة بين القيادتين التونسية والليبية بما مكّن في ما بعد من إيجاد حلول سلمية لأزمة لوكربي ولملف الاسلحة النووية الليبية وكذلك لقضية طائرة "يوتا" لتخرج العلاقات التونسية ـ الليبية اكثر تلاحما واكثر ترابطا.

***
هذه القضايا الثلاث لم تكن المجالات الوحيدة التي تجلّت فيها المواقف القومية للرئيس بن علي.. بل إن قيم التضامن العربي والعمل العربي المشترك شكّلت على الدوام منارة تهتدي بها تونس وتدعو الاشقاء العرب للاهتداء إليها.. وهو توجّه نابع من استشراف دقيق لمنتهى التحولات الدولية التي بدأت رياحها تعصف بشدة منذ نهاية الثمانينات وبداية التسعينات. ولئن مكّن هذا الاستشراف الرئيس بن علي داخليا من تهيئة الاقتصاد الوطني للاندماج في الدورة الاقتصادية العالمية بما يقتضيه ذلك من اصلاحات جذرية وبلورة مشروع مجتمعي عماده الانسان المتجذّر في هويته الحضارية والقادر على التعاطي بإيجابية مع التحولات العالمية، فإنه مكّن الرئيس بن علي اقليميا من مصالحة تونس مع محيطها العربي والسعي بإصرار وثبات نحو إقامة فضاء مغاربي وفضاء عربي يمكنّان العرب من مواكبة التحولات العالمية وما افرزته من فضاءات وتجمعات اقليمية وجهوية.. ولأجل ذلك تحركت تونس مغاربيا وكانت السبّاقة الى المصادقة على كل المعاهدات والاتفاقيات التي ابرمت في اطار اتحاد المغرب العربي.. كما كان الرئيس بن علي الذي لم يتخلّف عن اية قمّة مغاربية حامل راية الحلم المغاربي الذي ضحت في سبيله اجيال واجيال.. هذا الرصيد الذي خلق حوله اجماعا مغاربيا تجلّى بوضوح في دعوة الاحزاب المغاربية المجتمعة بالجماهيرية عام 1998 الى مناشدته استغلال هذا الرصيد والتدخل لإنعاش الاتحاد المغاربي وانقاذه من الجمود الذي ضرب هياكله بسبب الخلاف الجزائري ـ المغربي حول قضية الصحراء الغربية.. وهو نفس الرصيد الذي مكّن تونس من جمع كل القادة المغاربيين في إطار قمة 5 زائد 5 لدول الحوض الغربي للمتوسط.
اما على المستوى العربي فإن الرئيس بن علي كان في مقدمة الداعين الى تنقية الاجواء العربية وتفعيل التضامن العربي والتفرغ لتأمين مستقبل الاجيال العربية من خلال انجاح عملية التنمية الشاملة. ويذكر التاريخ ان تونس كانت في طليعة الداعين الى اصلاح الجامعة العربية بما يمكنها من النهوض بدورها على الوجه الاكمل. وقد تجلّى ذلك من خلال اقتراح انشاء محكمة عدل عربية تتولى مهمّة البتّ في النزاعات العربية ـ العربية وذلك كمدخل لطمأنة كل الدول العربية على أن ما حدث عام 1990 لن يتكرر ولإزالة الشك الذي بات يطبع العلاقات العربية ـ العربية..

***
الأكيد أن كل هذه الحقائق تمثل ممهدات ومؤشرات تضمن لقمّة تونس العربية حظوظ النجاح.. لكنها لا تشكل كل الممهدات والمؤشرات بل انها مثلت ارضية ملائمة لظهور ضمانات تزيد في دعم فرص نجاح القمة وتدعم تفاؤل الشعوب العربية بمولد نظام عربي جديد مع اواخر شهر مارس الجاري.
من ذلك أن الواقعية التي تطبع أداء القيادة التونسية جعلت تونس التي ترأس القمة القادمة تسعى بتصميم واصرار الى توفير الحد الاقصى من ضمانات نجاح القمة وإعادة الوفاق للعلاقات العربية ـ العربية والتأسيس لمرحلة جديدة في التاريخ العربي الحديث قبل الاعلان رسميا عن انعقاد القمة في تونس.. ويذكر العرب جيدا تلك الزيارات المتكررة للامين العام للجامعة ولمسؤولين كبار في الجامعة الى تونس لمزيد الدرس والتمحيص والسعي لتوفير مستلزمات إنجاح القمة.. وهي اتصالات اراد من خلالها الرئيس بن علي توجيه رسالة الى اشقائه الملوك والرؤساء العرب.. مفادها أن المطروح على قمّة تونس هو ان تكون قمّة استثنائية في طرق تناولها للقضايا والملفات وفي نتائجها وقراراتها.. ومفادها ان المطلوب هو منعرج حاسم يعيد للتضامن العربي معانيه ومضامينه وإلا فإن القمة ستكون مضيعة للجهد والوقت.. واكثر من ذلك فإن فشلها لا قدّر الله سيؤدي الى انفراط العقد العربي نهائيا وسيصيب الشعوب العربية بإحباط لا خلاص منه.
والناظر الى الحركية التي تطبع الساحة العربية منذ اسابيع والتي ستتواصل الى حين انعقاد القمّة يدرك أن شيئا ما جديدا قد حدث وبات يطبع الأداء العربي بفعل ـ الرجّة الهادئة ـ التي احدثتها تونس بواقعيتها وبعقلانية قيادتها.. وكذلك بفعل التداعيات التي تلقي بظلالها على الساحة العربية والتي باتت تدعو الجميع الى تحمّل مسؤولياتهم التاريخية والى الارتقاء الى مستوى التحديات الخطيرة التي باتت تهدّد المستقبل العربي برمّته..
والرجاء كل الرجاء أن تساعد عودة الوعي الى العالم العربي وحساسية الظرف الذي تمرّ به الأمة العربية وما نشهده من ضغوط محمومة على القيادات العربية في جعل العرب يستفيدون من دروس الماضي ويستلهمون من عبقرية المكان ما يجعلهم يطوون صفحات الماضي ويركّزون على الحاضر والمستقبل بروح بناءة جديدة عمادها الإيمان بالأمة وبحقّها وحق الشعوب العربية في العيش بكرامة..

وتونس المعروفة باعتدالها.. وقيادتها المعروفة بحكمتها وتبصرها.. وشعبها المعروف بصدق مشاعره وعمق انتمائه العربي يفتحون احضانهم وقلوبهم وعقولهم لكل الاشقاء العرب عساهم يهتدون الى التخلّص من حبال الشك والريبة التي كبلتنا جميعا وأحالتنا الى هامش الاحداث.. فهل تصدر وصفة الشفاء من تونس؟
ممهدات ومقومات نجاح القمة موجودة والأمل جائز في ان تتحول تونس الى قمر ينير ليل العرب الطويل ويهديهم الى برّ الأمان.

طباعة >> | إغلاق النافذة >>


afkar@afkaronline.org