قمّة تونس.. نظرة متأنية

أسامة سرايا-رئيس تحرير مجلة "الأهرام العربي"

رغم الصعوبات التي تواجه المنطقة العربية، فإن قناعتي تتزايد بأن قمة تونس 2004 ستضع أساسا جوهريا للتغيير في المنطقة في أربعة مجالات:

ـ أولها: وأهمها وضع منظومة للتعاون العربي ـ العربي، وفي مقدمتها الجامعة العربية، أو البوتقة التي يلتقي الزعماء والقادة العرب في ظلها الآن ومعها، وحولها منظمات العمل العربي المشترك الأخرى.
ـ وثانيها: الإصلاحات العربية القطرية، التي يجب أن تبدأ ببرنامج وطني يتضمن الإصلاحات في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية فلا غنى للإصلاح الإقليمي عن الإصلاح القطري. وكلا الإصلاحين سوف يتفاعلان ويخلقان منظومة تصلح للمشاركة في الاقتصاد والسياسة العالميين.
ـ وثالثها: إيجاد أسلوب وسياسات التعاون الإقليمي، داخل منطقة الشرق الأوسط بما فيها إسرائيل، والتعاون داخل الشرق الأوسط الكبير الذي تقترحه الولايات المتحدة على مجموعة الدول الثماني الصناعية الكبرى.
ـ ورابعها: كيفية تنظيم العلاقات العربية السياسية، ليس مع الدولة الكبرى الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا فقط، بل مع مختلف أقاليم العالم، روسيا، والصين والهند.
وظهور سياسة عربية مشتركة، في الاتجاهات الأربعة السابقة أيضا لن ينقذ المنطقة فقط، ولكن سيحافظ على المكانة العربية، ويسمح لها بالنمو والتعامل والتعاون مع دول العالم على أسس من المصالح المشتركة، وبما يحقق أهداف شعوبها.
وإذا ـ لا قدر الله ـ استمر الموقف العربي على حالته الراهنة، فإن كل دولة، من حقها أن ترسم سياستها المستقلة بما يحفظ لها استقلالها الذاتي، ومكانتها الإقليمية، وقدرتها في عالم متلاطم التيارات، صارت تفرض الدولة الكبرى فيه، ليس انتهاج سياسات بل شكلا للتغيير يناسب رؤيتها الخاصة، ثم تنخرط في الشؤون الداخلية. ومما يزيد الأمر صعوبة هو أن للدولة الكبرى شريكا إقليميا هو إسرائيل، لا يخفي أطماعه، ولديه قدرات سياسية وعسكرية نووية واقتصادية، هدفها، ليس ابتلاع حق أشقائنا الفلسطينيين فقط، بل الهيمنة على الإقليم كله وتسخيره للعمل والسهر على مصالحها، فالدولة الإسرائيلية بكل أطرافها، معتدلين ومتشددين لن تتعامل مع العرب على قدم المساواة، فقادتها ينظرون بعنصرية بغيضة إلى العرب، وبيننا وبينهم صراع مرير سيؤثر على مجمل علاقاتنا الدولية والإقليمية، في المستقبل وإذا لم نتمكن من صياغة خطاب وأسلوب موحد للتعاون العربي ـ العربي، وسياسة مشتركة مع إسرائيل فإن الهيمنة الاسرائيلية ـ الأمريكية على المنطقة آتية لا ريب فيها، وسوف تتداعى حينئذ مكانة العرب الإقليمية، وقد ندخل نفقا مظلما محليا وإقليميا وعالميا. ولكن ما أقوله هنا ليس تهديدا أو إنذارا من أحد، بل هو تقرير حال، وأمر واقع، فالأرقام والمؤشرات تؤكد على ضعف العرب مجتمعين أمام إسرائيل، فما بالكم إذا ما واجهناها فرادى، في ظل حالة الدول العربية القطرية الممزقة والمتنافسة والمنقسمة في نفس الوقت.
فالأزمة لن تكمن في إسرائيل وحدها، بل في نتائج الحرب على الإرهاب التي اشتعلت عقب أحداث 11 سبتمبر 1002 في الولايات المتحدة الأمريكية وخلقت حالة من الجفوة بين العرب والعالم، وليس الولايات المتحدة وحدها، فالمسلمون صاروا الآن بمعتدليهم ومتشدديهم يواجهون نفس الأزمة.
فقد استقر في الضمير العالمي، بفعل الإعلام الأمريكي والإسرائيلي، أن العرب والمسلمين جميعا خرجوا على الحضارة المعاصرة،وليس المتشددين منهم فقط، ومن ثم فنحن نحتاج إلى تعاون إقليمي لمحاصرة هذه الظاهرة السلبية،والتعاضد في شرح الإسلام الحقيقي ووجهه السمح، أمام العالم بروح جديدة ولغة مختلفة.
كما أن الأوضاع الإقليمية التي خلّفتها حروب الخليج المتتابعة بدءا من الحرب الإيرانية ـ العراقية في الثمانينيات من القرن الماضي وحرب عاصفة الصحراء في التسعينيات ثم ما عرف بحرب حرية العراق في 2003 لاتزال تشكل بؤرة متفجرة في المنطقة وتحتاج إلى سياسة عربية مشتركة لإنقاذ العراق ومنطقة الخليج من التدخل الخارجي.

الجامعة العربية

من هنا فإن التمسك بالجامعة العربية صار ضرورة ملحة، فهذه الجامعة يجب ألا تتحمل أوزار الفشل العربي في السنوات الماضية، فقد ظلت منظومة للتعاون العربي في ضوء ما تحتمله الظروف العربية في ذلك الوقت ولكن تغييرها لا يحتاج إلى وثيقة عهد فقط، بل إلى رؤية مختلفة ومؤسسات جديدة، ويجب أن يشارك الرأي العام العربي في تلك الرؤية المرتقبة وذلك بظهور مؤسسات عديدة، تدفع للنشاط العربي والتطوير في كل المجالات، فالبرلمان العربي يجب أن يظهر للوجود، حتى يكون ضميرا عربيا، يدفع للتغيير ويراقب تحولاته ويشرّع للنظام الجديد القادم، ويقدم رؤية للمؤسسة التشريعية العربية الموحدة حتى نستطيع أن نطور قوانيننا، ونوحّد مواصفات السلع والخدمات العربية لنهيّئ المنطقة العربية للسوق الموحدة.
ولكن ظهور محكمة العدل العربية يجب أن يحتلّ أولوية مطلقة، حتى ولو حصلت على جزء من سيادة الدولة، وأفضل للعرب أن يتنازلوا لبعضهم البعض عن جزء من سيادتهم وللمؤسسات العربية، بدلا من أن يقعوا جميعا تحت براثن السيادات الأجنبية للقوى الكبرى وحلفائها.
ومنظمات التعاون الاقتصادي، وتطوير منطقة التجارة العربية البينية أصبحت حاجة ملحة لا يمكن الاستغناء عنها أو تأخيرها، لأن البطء في السير في إقامة السوق العربية المشتركة سيضعف كل الدول العربية أمام المبادرات القادمة من الخارج خاصة عندما ندخل في الشراكة الأوروبية والأمريكية التي يجب أن ندخلها متضامنين وموحدين.
ولما كانت تجربة الاتحاد الأوروبي تجربة ناجحة وإن الأسباب وراء نجاحها تتلخص في أن هذه الدول دول ناضجة، وبالتالي تتم عملية التكامل والتناغم بينها بإرادة المواطن لأنه يسهم في صنع القرار، فجوهر القضية هنا هو كيف نبني مؤسسات في داخل العالم العربي لخلق نموذج ديمقراطي يؤدي إلى وجود نظام إقليمي فعّال.

الوضع الاقتصادي

تكشف الأوضاع الاقتصادية في المنطقة العربية عن أنها تعاني اختلالات جوهرية تتمثل في:
ـ إن الوضع الاقتصادي والأداء الاقتصادي للدول العربية لا يفي بالاحتياجات الأساسية للمواطن العربي، ولا يستغل الإمكانات المادية والبشرية بكامل طاقتها.
ـ التنبيه إلى خطورة عدم الحركة، إذ سيفسح هذا، المجال لتقديم حلول من خارج المنطقة قد لا تعكس مصلحة الدول العربية في المقام الأول.
ـ إن النقاش العقيم حول العلاقة بين دور الدولة ودور السوق يجب أن يحسم بشكل قاطع وذلك بالتسليم بأن الدور الإيجابي للسوق يتطلب دولة تنويرية قوية لتصحيح إخفاقات السوق ولوضع الأسس والترتيبات لسيادة القانون.
ـ إن المجتمع المدني له دور أساسي في خلق التوازن بين دور الدولة ودور السوق وفي ضمان تحويل عملية التنمية لصالح المواطن العربي. فالهدف الأساسي للأداء الاقتصادي هو خلق فرص التشغيل المنتج، فالمعروف أن التحدي الأول للدول العربية هو الزيادة المطّردة في قوة العمل التي لا توازيها زيادة في خلق فرص التشغيل، فالمطلوب خلق فرص عمل لـ 50 مليون نسمة في العقد الأول من القرن 21 أي بمعدل 5 ملايين فرصة عمل سنويا، وقد نتج عن عجز الاقتصاديات العربية عن تحقيق هذا الهدف أن معدل البطالة 18% في المتوسط، هو أعلى معدل بطالة في العالم.
فمشكلة البطالة تتركز أساسا بين فئة الشباب 19 ـ 29 سنة، حيث يصل معدل البطالة إلى ضعف الرقم القومي من 30 ـ 40% وهذه قنبلة موقوتة تهدد الاقتصاد، وكذلك النسيج الاجتماعي. وبالتالي هناك حاجة ماسة إلى برامج اقتصادية وتنموية تناسب كل بلد عربي على حدة. وللإنقاذ يجب أن نتجه إلى تفعيل:
أولا: دور التكامل العربي:
بالحاجة إلى المدخل العلمي والوقائي لتفعيل الاتفاقيات التي ترجع إلى الخمسينيات ـ وهي الفترة التي بدأ العمل فيها في بذر نواة الاتحاد الأوروبي ـ والاستفادة من تجربة مجلس التعاون الخليجي رغم خصوصية أعضائه في تحقيق التكامل الذي كاد أن يصل إلى الاتحاد الجمركي، والاستفادة من التجارب الدولية وملامح سوق العمل العربية وكيفية تعظيم الفائدة، منها اتفاقية انتقال العمالة العربية.
ثانيا: دور المجتمع المدني:
صياغة دور جديد للمجتمع المدني يتفق عليه الجميع ويشمل:
ـ الانتقال من البحث إلى الفعل وتمكين مؤسساته ماليا ومؤسسيا.
ـ تجاوز مرحلة الدفاع Advocacy إلى مرحلة العمل.
ـ صياغة نوع من التنظيم لمؤسسات في المجتمع المدني في إطار الحكومة الصالحة.
انطلاقا من التداخل العميق بين حركية المجتمع السياسية والاجتماعية وطرائق التفكير بمنظوماتها الثقافية،فإنه من الضرورة السعي لتطوير عقلية المجتمعات العربية وفق أنساق جديدة تحقق تطلعاتها المستقبلية اعتمادا على الأسس التالية:
توصيف الوضع الثقافي ونقد مكوناته وتحديد نواقصه في ما يلي:
ـ شمول مفهوم الثقافة،وتفاعله مع المستويات الأخرى للتنمية وعلاقة النخبة بالثقافة العامة وتحرير الثقافة الشعبية.
ـ وضع مفاهيم الهوية المركبة والمتنامية موضع التساؤل بما يسمح بالتعدد ويؤدي إلى الاعتراف بالاختلاف وقبول الآخر.
ـ التساؤل حول فاعلية المؤسسات الثقافية وإطلاق حرية تشكيل الجمعيات الأهلية وإصدار الصحف والمجلات وتنمية المبادرات التي ينفذها المجتمع المدني لتشجيع الإبداع بعيدا عن وصاية الدولة.
ـ مزيد تحرير الإعلام والتعليم، وإتاحة الفرصة لمؤسسات المجتمع المدني للإسهام في تشكيل ثقافة الشباب بأقصى قدر من الحرية. وتتمثل أولويات الإصلاح الثقافي في:
ـ إعادة تنشيط حركة الإصلاح الديني، واسترجاع طابعها الحضاري التنويري باعتبارها داعية للنهضة والتقدم، ومقاومة تيارات التعصب والنزاعات العرقية.
ـ العمل بانتظام على سيادة العقلانية والتفكير العلمي وتجاوز الردة الخرافية للعقل الجمعي، بما يقتضي مراجعة مفاهيم التعليم وإستراتيجيات الإعلام ومنابر الدعوة الدينية لتوحيد اتجاهاتها من ناحية وتأهيل مؤسسات البحث العلمي والإبداع التقني من ناحية أخرى.
ـ تأصيل ثقافة الديمقراطية في المستويات التعليمية والعلمية والإعلامية، ومقاومة نزعات الهيمنة الذكورية وتهميش المرأة وقمع الطفولة لتشجيع المشاركة والفكر الإبداعي واستعادة الثقة في المشروع السياسي.

الاعتماد المتبادل في الثقافة العربية

ـ تفعيل القواسم المشتركة في الثقافة العربية، والعمل على نقد الجوانب السلبية في التراث وتعزيز روح التسامح مع الآخر، ونبذ العنف في التعامل مع الأقليات في الداخل، والاعتماد علي الحوار الحضاري والشراكة الحقيقية مع الثقافات الأخرى.
ـ العناية بثقافة الشباب في الوطن العربي والاهتمام بالمستقبليات ودخول عصر التواصل الرقمي بكفاءة، واستيعاب الطفرات التكنولوجية وأخذ زمام المبادرة فيها.
ـ توثيق الواقع الثقافي في بيانات وإحصاءات سنوية، وتطوير آليات المتابعة وتوحيد جهود المشروعات الموسوعية الرقمية وإقامة التناقض الحر مع الثقافات الأخرى على أسس علمية في إطار العولمة والمشاركة الفعالة في عصر المعلوماتية.
ـ تنمية مشروعات النشر الإلكتروني المتبادل للإنتاجيات الفكرية والإبداعية في الأقطار العربية، وتشجيع المؤسسات المدنية لتجاوز عقبات وصول الكتاب العربي وحرية تداوله لتنشيط التبادل الفكري وتدفق المعلومات العربية والأجنبية.
أما في حالة انتقالنا الى علاقاتنا بالدول الكبرى والتجمعات العالمية، فيجب أن نضعها في ضوء ظهور اتحاد عربي قوي، وأن يكون العمل السياسي مع العالم جماعيا، فإن الأوضاع الراهنة لا تتحمل أن تصوغ الدول العربية سياستها الخارجية قطريا.
ونعتقد أن برنامجا بهذا التكامل تخرج به قمة تونس 2004، سيحقق طفرة لأوضاعنا المحلية ويناسب ظروفنا الإقليمية، ويتيح للقادة العرب أن يرفعوا رؤوسهم أمام شعوبهم، ويحققوا الحد الأدنى الذي يسمح للمنطقة العربية بالنمو والتقدم لنخرج من حالة المهانة والهزيمة واليأس التي تعيشها الشعوب العربية على كل صعيد.
ولا شك ان تونس ـ هذا الفضاء الحضاري المتميّز الذي سيحتضن القمّة، وقد حقّقت تجربة التغيير فيه نجاحات باهرة وغير مسبوقة في دنيا العرب وفي شتى المجالات ـ ستفيض بعقلانيتها وبصواب مقاربتها السياسية وواقعيتها ونجاعتها على أشغال القمة ممّا يُبقي جذوة الأمل متّقدة في أن تكون قمّة تونس.. قمّة الانطلاقة الحقيقية لنظام اقليمي عربي أكثر فاعليّة وحضورا في عالم اليوم.

طباعة >> | إغلاق النافذة >>


afkar@afkaronline.org