تونس
: أسلوب رصين والتزام بهموم الوطن العربي
راضية الزيادي
صحفية ـ تونس
دون ضجيج أو تهافت،
تعوّدت تونس، أن ترفع عروبتها عاليا، وأن تكون جاهزة
للمساعدة ولمقاسمة الأشقّاء، ثقل العمل، كلّما اشتدّت
التحديات، وكلّما اختلطت السبل.
وفي تونس كان العرب
دائما يلتقون ليتصارحوا، وليجدّدوا العهد نحو تحقيق
أهدافهم، ونحو مواصلة مسيرتهم.
نقلوا جامعتهم الى تونس،
إبّان عُتْبهم على مصر. وفي تونس وجدوا الاطار الدافئ
الذي ساعدهم على التفكير وعلى توضيح الرؤية.. ومن تونس
قرّر العرب العودة الى مصر، وقررت مصر العودة الى الجامعة،
وقد حملت الجامعة، في طريق عودتها، بعدُ، أفكار الاصلاح
ومبادِئه. وها ان تونس، تحتضن مجدّدا قمة العرب الاولى
التي تنتظم طبقا لدورية الانعقاد، ليرتبط اسم "مّة
تونس" بمشاريع الاصلاح، وبانطلاقة جديدة للعمل
العربي المشترك، بعد خيبات جسام، جسّدها خاصة احتلال
العراق، ووسط تحديات هائلة، لعلّ البارز منها هي مشاريع
"لاصلاح" الداعية الى تشكيل "الشرق الاوسط
الجديد" بعيون ورؤى غربية عدة.. وعلى الرغم من
أن تونس، كبلد صغير، ظلت بعيدة نسبيا عن القيام بالأدوار
الكبيرة في السياسات العربية، كما ظلّت بعيدة عن الانخراط
في سياق النظريات والتوجهات القومية التي عرفها العالم
العربي، الا انها كانت حاضرة ـ وبقوة ـ في كل الأحداث
المفصلية التي عرفها العالم العربي.
تونس والثورة الفلسطينية
لقد احتضنت تونس الثورة
الفلسطينية عند خروجها من بيروت وطرابلس الشرق، ووفرت
لقيادتها الإطار الامثل الذي تحركت فيه بحرّية. ويذكر
الفلسطينيون لتونس حتى اليوم، أنها لم تضغط لتشكيل مواقفهم
أو لمحاصرتهم، بل انها فتحت لهم الأبواب لربط صلات واسعة
ومتينة مع عواصم اوروبية عريقة، وساعدتهم في بدء حوار
مع الولايات المتحدة الامريكية، وهو الحوار الذي أدّى،
بعد ذلك الى عودة القيادة الفلسطينية الى فلسطين. وعلى
الرغم من تنكّر اسرائيل لكل الاتفاقيات التي ابرمت،
انطلاقا من ذلك السياق التفاوضي الذي بدأ، بشكل أو بآخر
من تونس، الا أن عودة القيادة الفلسطينية الى الاراضي
الفلسطينية، خلق واقعا ايجابيا جديدا، وهو تمركز هذه
القيادة في ارضها، ارض فلسطين، على الرغم مما تتعرض
له اليوم من ظلم وحصار ومحاولات للالتفاف على دورها
ووجودها. وهو وضع جعل الشعب الفلسطيني، يبدو رغم كل
العوائق، الرقم الصعب في كل معادلات المنطقة. ويفخر
الفلسطينيون والتونسيون بالتاريخ المشترك الذي صنعوه
معا سواء في حمّام الشط، عندما هاجم الطيران الاسرائيلي
الضاحية الجنوبية للعاصمة التونسية مستهدفا مقرات القيادة
الفلسطينية، او عندما تسلّل الصهاينة الى مقرّات القائد
الفلسطيني خليل الوزير "ابو جهاد" واغتالوه،
مع بعض مساعديه وحرّاسه التونسيين، ليختلط الدم التونسي
والدم الفلسطيني، كما حدث ذلك سنة 1948 عندما تحرّك
المجاهدون التونسيون سيرا على الأقدام، نحو فلسطين..
ديبلوماسية رصينة
ومتوازنة
ولقد تابعت تونس بوجدانها
ومن خلال ديبلوماسية رصينة وملتزمة كل المصاعب التي
حفّت بالعمل العربي المشترك منذ بداية تسعينات القرن
العشرين، سواء خلال أزمة الثاني من اوت 1990، عندما
تمسّكت بضرورة إعطاء الاولوية للحل العربي، وكذلك في
تطورات تلك الازمة، وصولا الى الأيام القليلة السابقة
لاندلاع الحرب الاخيرة ضد العراق. فقد كان وزير الشؤون
الخارجية التونسي، السيد الحبيب بن يحيى، خر مسؤول عربي،
يتحول الى بغداد بتكليف من الرئيس زين العابدين بن علي،
في محاولة أخيرة لنزع فتيل الحرب، وكان ذلك سويعات فقط
قبل اندلاع تلك الحرب المدمرة التي فتحت البوّابة الشرقية
العربية على المجهول. وقد كانت تونس، تعمل في كل تحركاتها
خلال تلك الازمة، على إعطاء الأولوية للحل العربي، وسحب
البساط من الراغبين والعاملين على انفراط العقد العربي.
توازن وتكامل
واذا كانت تونس، ترنو
باستمرار نحو الشرق ومشاغله، فإنها ما فتئت تعمل على
توطيد دعائم المغرب العربي، في إطار نظرة شاملة، لمستقبل
العرب عموما، زَمَنَ التكتلات والتجمّعات الاقتصادية
والسياسية الكبرى. ولقد عمل الرئيس التونسي على إحياء
مسيرة اتحاد المغرب العربي، منذ 1989، والسعي بهذا الاتحاد
ليكون المخاطب الكفء، لكيان اوروبي ما فتئ يتطوّر باستمرار
نحو توطيد أركانه المؤسساتية والاقتصادية. وقد سعت تونس
لإقامة شراكة متكافئة مع الاتحاد الأوروبي، داعية الى
تحديد شروط وظروف جديدة لهذه الشراكة، تضمن تكامل الابعاد
السياسية والاقتصادية، وخاصة الاجتماعية، بالنظر الى
وجود جاليات مغاربية كبيرة عاملة في الشمال، وبالنظر
الى حرص هذه الجاليات على ان تنعكس تطلعاتها، في علاقات
الشراكة والجوار بين دول الوطن الأم ودول المسَتقَر.
وقد عكس الرئيس التونسي هذا الحرص وهذه المشاغل، في
خطابه امام البرلمان الاوروبي باللكسمبورغ في تسعينات
القرن العشرين، عندما تحدث باسم كل المغاربيين، وشدّد
على هذه الجوانب الاجتماعية، التي تشغل مهاجري المغرب
العربي..
وقد عملت تونس كذلك
على تطوير صيغ وأطر الحوار بين دول المغرب العربي، ودول
الاتحاد الاوروبي، كما عملت في السابق، على إيجاد حوار
عربي اوروبي عندما كانت تونس مقرّا لجامعة الدول العربية.
وقد كانت مرونة الديبلوماسية التونسية، وقدرتها على
ربط الصلات وإرساء الحوار، أحد خصوصيات هذه الديبلوماسية
التي ارتضاها العرب منسّقا لهم، في ما يعرف الآن بالجوار
الاورو ـ متوسطي.
هكذا هي تونس،
لم تشكل أبدا عبءا على العمل العربي المشترك، بل إنها،
وبحكم عوامل التاريخ والجغرافيا، مثّلت القلب دائما،
في العالم العربي، وحرصت بتوازنها الفطري، على ضمان
تواصل جناحي الوطن وتكاملهما.