تونس والعالم: تاريخ جديد ينشأ*
طريق العالم يبدأ من تونس
د.محمد البـدوي كلية الآداب
جامعي-سوسة -تونس
ونحن نحتفل على امتداد سنة 2006 بذكرى ابن خلدون، لا نستطيع إلاّ أن نستحضر عبارته الشهيرة التي لازمتنا حينا من الدهر، وارتبطت في خيالنا بهذا العلاّمة الفذّ سليل تونس الخضراء وعلمها قديما وحديثا. فقد قال: "إن التاريخ في ظاهره لا يزيد عن الإخبار، وفي باطنه نظر وتحقيق" . وهذه العبارة كانت حاضرة بإلحاح أثناء قراءة كامل صفحات كتاب "تونس والعالم : تاريخ جديد ينشأ " للمؤلفين الدكتور محمد البشير حليّم والدكتور الهادي مهنّي.
إنّ العلاقة بين هذا الكتاب والتاريخ علاقة متينة، تفتكّ منك الإعجاب والتقدير لهذا العمل الجليل الذي جاء على حساب أويقات الراحة القليلة وهو كتاب يعيدنا إلى السنوات التي كنّا نبحث فيها عن أنفسنا في كتب التاريخ المدرسية، فلا نجد غير حديث عن أثينا وروما والحضارة الإغريقية ...والسبب في ذلك أنّ كتب التاريخ هذه جاءتنا من وراء البحار محمّلة نظرة الآخر للتاريخ وقد عملت على إقصاء كلّ طرف أجنبي عن حضارتهم. فكنّا نتصفّح مختلف الصفحات في كتب التاريخ والموسوعات بحثا عمّا قيل عن تونس وحضارة قرطاج العريقة وعن العروبة والإسلام فلا نجد إلاّ فقرات يتيمة لا تسمن ولا تغني من جوع فيصيبنا الإحباط من نظرة الآخرين إلى تراثنا إلى أن صارت كتب التاريخ المدرسية تونسية تنصف ما كان مغبونا.
وإن أنسى فلا أنسى بداية التسعينات حين اكتشفنا الحاسوب والبرامج المصاحبة. كانت الصدمة مع برنامج بي سي غلوب PC GLOBE الذي كان عبارة عن موسوعة ضخمة في إخراج أنيق وكان يقدّم معطيات عديدة عن مختلف بلدان العالم مع إحصائيات وخرائط ورسوم بيانية ما أحوجنا إليها لنعرف أنفسنا ونعرف الآخرين. ويقودنا حبّ الإطلاع لنرى ما كُتب عن تونس فإذا التعريف بتاربخ بلادنا يبدأ من 1881(تاريخ بدء الحماية الفرنسية بتونس) في عبارة مهينة حاقدة تنفي قرونا عديدة من التقدّم والإسهام في الحضارة الإنسانية، فلا تملك إلاّ أن تلقي بهذا البرنامج وتبحث عن مصادر أخرى أكثر إنصافا. كان التعبير قاسيا وصادما من خلال نعته تونس بأنها بلد همجيّ قبل سنة1881 ( Un pays qui fut barbare avant 1881 ) وتضرب كفّا بكفّ أسفا وتعجّبا من هذا الجهل أو التجاهل لحضارة كانت سيّدة البحر الأبيض المتوسط قرونا عديدة. أين قرطاج والقيروان، وأين حنّبعل وماغون وحنون، وأين ابن الجزار وابن رشيق وابن خلدون والمازري والإمام سحنون وخير الدين وأين طارق بن زياد والكاهنة وأبو زكرياء الحفصي و..و..إلخ.
هل هو ذنب الآخر الذي صاغ التاريخ على هواه عن جهل أو تجاهل قد يكون ناتجا في أقصى الحالات عن غياب المعلومة؟ أم هو ذنبنا نحن الذين قصّرنا في حقّ أنفسنا وانتظرنا بطاقة الهوية من الآخر ونحن أولى بصياغتها وتحديد معالمها ومحتواها؟
في هذا الإطار وجدتني أنزّل كتاب "تونس والعالم: تاريخ جديد ينشأ" لأنّ التاريخ المكتوب قديما مشبوه ويحتاج إلى إعادة نظر.
بدءا أعرف أنّ المؤلفين ليسا من رجال الاختصاص في التاريخ، ولكنّ أهل تونس أدرى بشعابها. والكتاب يأتي احتجاجا على صمت المؤرخين وغياب مؤلفات مختصرة وعمليّة وأعمال إبداعية مكتوبة أو مسموعة أو مرئية، توفّر للقارئ المعلومة الدقيقة بأيسر السبل. (ولا أنسى أن أحيّى بالمناسبة كتاب التاريخ الذي صدر في عدّة مجلّدات وهو من تأليف جماعي صدر بمناسبة خمسينية عيد الاستقلال، فهو كتاب يثلج الصدور وينصف تونس تاريخا وحضارة وهو فخر لكلّ من ساهم في كتابته الثرية والدقيقة وإخراجه الأنيق وطباعته الجميلة)
ويأتي كتاب الدكتور محمد البشير حليّم والدكتور الهادي مهنّي، تتويجا للكتابين السابقين لهما "بن على أو الأخلاق في خدمة السياسة" ثمّ "تونس : طبيعة وثقافة". إنّها رحلة متدرّجة انطلق فيها المؤلّفان من الإٌنسان والقيم في الكتاب الأول إلى الوطن طبيعة وحضارة في الكتاب الثاني ومنه إلى العالم الرحب زمانا ومكانا في رحلة تنطلق من تونس وتعود إليها. إنّه كتاب عمليّ جدّا . فإلى جانب دسامته وكثافة المادة المعلومة، نجده يسيرا على كلّ قارئ ، واضح التبويب، جميل العبارة ، دون إطناب مُملّ أو اختصار مُخٍلّ . سار على نهج المؤرخين القدامى من أمثال الطبري وابن الأثير في استعراض أحداث السنين سنة سنة، مع أبراز أهمّ الأحداث وأشهر الأعلام خصوصا من الراحلين في كلّ سنة والتذكير بأبرز آثارهم.
وبالرغم من أنّ الكتاب يمسح السنوات التي عشناها وقد يتصوّر البعض أنها لا تفيدنا،لأننا ليست غريبة عنّا تحيَى فينا، إلاّ أنّنا نقبل عليه بشغف، نبحث فيه عن أحداث سالفة أو أعلام عرفناهم وافتقدناهم أو نبحث بطريقة واعية أو غير واعية عن أنفسنا وطفولتنا الغابرة وأيامنا المدبرة والزمن الضائع على حدّ عبارة بروست. فجملة التفاصِيل تُحيي ما اندثر وتعيد ذكرى من رحل، وأحداثا جساما هزّتنا سلبا أو إيجابا وطنيا وقوميا عبر السنوات المنصرمة، نجد صداها يتردّد في عديد الصفحات شاهدة على كلّ الأعمال مهما كان نوعها.
بنية الكتاب:
قام كتاب تونس والعالم على قسمين متكاملين يمسح الأول السنوات من 1954 إلى 1987 ويمسح الثاني بقية السنوات إلى حدود زمن التأليف 2006. وهذا التقسيم تعبير عن المرحلتين الهامتين اللتين عرفتهما تونس في تاريخها الحديث. وهذا التقسيم لا يعني أنّ بين المرحلتين تقابلا بل إنّهما تقومان على التكامل في تحقيق رسالة تاريخية متواصلة ومتطورة ومن شأن المرحلة الثانية أن تتجاوز سلبيات الأولى وتُواصل البناء الحضاري الذي يؤكّد من جديد منزلة "تـونس" هذه البلاد التي استطاعت رغم صغر حجمها أن تفرض نفسها ورسمها في عديد الميادين وأن تتفاعل مع العالم تأثرا وتأثيرا بما توفر لأبنائها من المعرفة والفكر والمهارة والقدرة على تحقيق الطموحات فردية كانت أو الوطنية.
وجاء كتاب "تونس والعالم" في شكل استعراض أحداث كلّ سنة، وهي طريقة الحوليات Les annales التي سار عليها عدد من المؤرخين وهي طريقة تقدّم الأحداث التاريخية بأسلوب مبسّط وعلى أهل الذكر تحليل الأحداث واستنتاج العبر. وبعد قراءة الكتاب كاملا لا بدّ من الإشادة بجملة من الخصائص المميزة لهذا العمل الجليل منها:
في الكتاب تنوّع في المصادر وسعي إلى عدم تهميش مرحلة أو علم من الأعلام، إننا نجد سعيا لإنصاف من غُبنوا في بعض المراحل لسبب ما وتُنوسيت أعمالهم. ففي كتاب "تونس والعالم" يلتقى الأحياء والأموات ويجتمع الفرقاء والمتخاصمون على مسرح الأحداث يستعيدون أدوارهم ويلبسون مُسُوحَهم. وقارئ الكتاب يصافح الزعماء الحبيب بورقيبة وصالح بن يوسف ومحمود الماطري ومحمد الأمين باي وغيرهم من شخصيات المراحل المعنية كما يشاهد أعلام المرحلة الحالية في سرد ملحمة يومية يدبّر شؤونها باقتدار الرئيس زين العابدين بن علي
في هذا العمل تقدير للإبداع بكلّ مقوماته ولا يتردد المؤلفان في الاحتفاء بأعلام تونس والكتابة عنهم بنفس التقدير الذي يناله أعلام الكتابة والفنون في أنحاء العالم. فمنور صمادح وفوزي ملاّح والبشير خريف ومحجوب العياري والمنصف المزغنّي ومنصور مهنّي ومحمود المسعدي إن هم إلاّ غيض من فيض، ينافسون أعلام الكتابة في المغرب والمشرق. وصليحة ليست أقلّ من جاك برال أو ليو فرّي وعبد اللطيف بن عمار ليس دون زيفرلّي ولا روسولّيني..
إنّنا نجد في الكتاب أحداث كلّ سنة تنطلق من تونس أوّلا، لتنفتح على المحيط المغاربي والعربي ثمّ الأوربي والعالمي في مختلف مناطق الأحداث، ومواقع القرار. وإضافة إلى الجانب السياسي نجد في سرد أحداث كلّ سنة قسما خاصّا بالثقافة فيه احتفال بالإنجازات الإنسانية في الآداب والفنون والعلوم، فيدرك قارئ الكتاب تطور المعارف والاكتشافات العلمية في مختلف الاختصاصات وعناوين الإصدارات الجديدة والتتويجات الأدبية العالمية والأعمال السينمائية الخالدة إضافة إلى التوقّف عند الراحلين ( أو الخالدين) ممّن أثروا المشهد الثقافي العالمي. ومن شأن مثل هذا الأسلوب وهذه المنهجية أن تترجم روح التونسي المنفتحة على العالم من غير أن تذوب في شيء أو أحد أيّا كان. وإذا كان الآخرون قد ظلمونا في مؤلفاتهم، وبعض كتبة التاريخ قد تناسوا دور تونس في ما أنجزوه فإنّ الدكتور الهادي مهنّي والدكتور محمد البشير حليّم لم يردّا المثل بالمثل، ولم يقعا في نفس الخطإ، بل دفعهما الحلم وعظمة النفس، إلى الوفاء للموضوعية العلمية والاستفادة من الانفتاح على العالم الواسع بكلّ تكتّلاته دون انبهار ولا ذوبان. فقد جعلا كلّ سنة، تكون تونس منطلقا لكلّ حدث أو حديث. وقد تعوّدنا في تونس أن نضيف لا أن نمحو ..
هذا العمل الذي قد يبدو في الظاهر استعراضيا توثيقيا لا يخلو من جملة من المزايا التي ترفع الكتاب من مستوى التوثيق العادي إلى مستوى العمل الإبداعي. فقد كانت الكتابة وفيّة لما عهدناه في أعمال المؤلفَين من جمال الصياغة، وبليغ العبارة ، وسلاسة الأسلوب، الأمر الذي يجعلنا نعيش لذّة النصّ التي حكى عنها رولان بارط في كلّ فقرة. فعلى سبيل المثال لا تخلو سنة من حديث عن موت كاتب أو مبدع لكنّ التعبير عنه كان جميلا يخفّف وقع الخبر ويجنّب التكرار. ففي بعض الأحيان يستعمل المؤلفان عبارات الموت المألوفة وحينا آخر يستبدلانها بما يفيد معنى الغياب والرحيل مستفيدين أحيانا من عناوين مؤلفات الأعلام .
- ص76:صليحة المطربة التونسية الأحسن والأكثر شعبية تنطفئ في سنّ الرابعة والأربعين .
- ًص82: في 23 جوان يودّع بوريس فيان B.Vian بلاط سان جرمان ونفيره ، إنّه يسقط صريعا في قاعة مظلمة حيث جاء لمشاهدة العرض الأول لشريط مأخوذ من رائعته "سأذهب لأبصق على قبوركم"
-ص100: السينما في حداد ، فالأيقونة مارلين مونرو تضع حدّا لأيامها...
-ص 182: الموسيقى الكلاسيكية والجاز تلبس ثوب الحداد فالعالم فقد أسطورتين إيغور سترافنسكي ولويس أرمسترونغ
-ص 200: عازف الكمنجة الإسباني بابلو كازال ...يلتحق بصديقيه جاك تيبو وألفريد كورتو. فبالنسبة لهذا الثالوث صار العالم الآخر هو الركح.
-ص:230: في هذه السنة (1977) نزلت الستارة على الركح وانطفأت أضواء المدينة وأنوار المسرح فشارلي شابلان المنتج والمخرج والموسيقي والممثل يستأذن في الانصراف إلى الأبدية
-ص23_: عالم الموسيقى والشعر يبكيان غياب العظيم جاك برال
-أحداث سنة 1983 تروي رحيل البشير خريف والصادق الزمرلي وحسن الزمرلي وتنّيسي وليامز وحمّادي الجزيري وجورج ريمي (أرجي) والرسام جوان ميرو وعن كلّ علم تعبير خاص .
-ص337: بالنسبة لصمويل بيكيت إنها "نهاية الجولة" . وهو لن ينتظر أحدا (إشارة إلى عمليه البارزين: نهاية الجولة وفي انتظار غودو)
في نفس السنة 1989 حديث بليغ عن رحيل صالفاتور دالي يمكن اعتباره قصيدة نثر فهو(دالي) يكسر الساعة التي لا يمتلكها (في ذلك إشارة إلى لوحة له مشهورة ) ..
ويطول الحديث عن مثل هذه الصور والحالات وتتعدد الأفعال والأمر واحد: يموت ، يرحل، يترك، ينطفئ ، يودّع ، يسافر، يمضي، يقضي...فهذا جاك بريفير يدخّن آخر سيجارة له، وآخر راقص يعلّق حركاته، وليو فرّي Léo Ferré يغادر الساحة الباريسية ويمضي مع الزمن المنساب Léo Ferré s'en va Avec le temps va, tout s'en va
إنّ هذا العمل الجليل رغم قيمته ككلّ عمل بشريّ يبقى منفتحا على مجموعة من المعطيات من شأنها أن تثري الكتاب وتدعم ما ذهب إليه المؤلفان ونرجو أن يتحقق هذا في الطبعات القادمة حتّى يكون في مستوى ما نريد لأعمالنا من الكمال والنجاح. ومن هذه الملاحظات نذكر ما يلي من غير قدح في الكتاب ولا في قيمته:
1) على الصعيد الرياضي : بقدر ما أغار شخصيا من الرياضة التي طغت على حياتنا وجعلت حياتنا الثقافية في درجة ثانية أو ثالثة ، فإنّ في بلادنا من البطولات ما نفخر به على مدى التاريخ. وقد خلتُ في بعض اللحظات أنّ الكتاب تناسى الجانب الرياضي غير أنّ استعراض أحداث 1967 لم ينس الاحتفال بالمدينة الرياضية في المنزه وبألعاب البحر الأبيض المتوسط، وفي أحداث سنة 2001 ذكر لألعاب البحر الأبيض المتوسط من جديد وإنشاء المدينة الرياضية 7نوفمبر برادس حسب المواصفات العالمية، وتصوّرت الأمر توقف عند الحديث عن المنشآت دون النتائج حتّى وجدت احتفاء بحصول تونس على كأس إفريقيا للأمم سنة 2004. وأمام هذه التفاصيل التي نعتزّ بها وددت لو أنّي وجدت حديثا عن ألقاب أولمبية حقّقها العدّاء محمد القمّودي في دورات عديدة في طوكيو ومكسيكو ومونيخ، ثمّ هل ننسى ملحمة الأرجنتين التي حقق فيها المنتخب التونسي أوّل انتصار عربي وإفريقي في تاريخ كأس العالم، فحدث بهذا الحجم جدير بكلّ تقدير وتدوين. ثمّ إنّ تونس ليست العاصمة وحدها ، ففي باقي مدن الجمهورية (سوسة ، صفاقس، المنستير...إلخ ) منشآت وإنجازات ونتائج باهرة جديرة بالاهتمام ومن واجب المنشغلين بالرياضة أن يفردوها بكتب خاصّة.
2) على الصعيد المغاربي : بقدر ما أحسست في المجال الثقافي بالاعتزاز بذكر عديد الأسماء من تونس والجزائر والمغرب والتذكير بأعمالهم فإنّي أرغب في قادم الطبعات أن أجدأسماء أخرى لامعة من بلدان أخرى تنتمي جغرافيا إلى المغرب العربي...ومن هذه الأسماء الجديرة بالاهتمام على سبيل المثال نذكر الدكتورخليفة التلّيسي والروائي الكبير إبراهيم الكوني وعبد الله القويري والصادق النيهوم والدكتورعلي مصطفى خشيم والشعراء على الفزاني وفوزية شلبي والجيلاني طريبشان ومحمد الشلطامي وسعيد الكشّاط وعلي الرقيعي و...و....إلخ والأديب الموريطاني خليل النحوي... ولا شكّ أنّ غياب المعلومة يعود إلى غياب الوثائق وعلى من يهمّهم الأمر أن يسعوا إلى الدعاية إلى مثل هؤلاء الأعلام وغيرهم. والأكيد أنّ استدراك مثل هذه الأسماء سيكون له خير الوقع حتّى لا يتّهم أحد المؤلفين بالتهميش وقد قاما بالعمل لأجل إنصاف أعلامنا في تونس وغيرها من الأقطار الشقيقة لأنّ ّ المغرب العربي إنجاز ثقافي وفكري قبل أن يصبح إنجازا سياسيا واقتصاديا...
3) على الصعيد الثقافي استبشرت بما وجدته في الكتاب من رؤية شاملة للثقافة تتجاوز الجانب الأدبي لتشمل الثقافة بمفهومها الواسع فنجد السينما والمسرح والعلوم وفنونا أخرى...لكن لو نظرنا في حظّ الفنون التشكيلية لوجدناه دون ما نطمح إليه جميعا من توثيق يعطي القارئ التونسي والأجنبي خاصّة صورة حقيقية عن تطور الإبداع الفنّي في بلادنا الزاخرة بعديد الرسّامين.....وكم نحتاج من رسّامينا أن يعرّفوا بأنفسهم وبأعمالهم، وإذا كان طبع الكتب الملوّنة مرهقا ويكلّف أصحابه كثيرا فإنّ شبكة الأنترنت والتصوير الرقمي يوفّران مجالا كبيرا للنعريف بمختلف الرسّامين ولوحاتهم في معارض دائمة على الشبكة العالمية رغم أنّ الصورة لا تعوّض الرسم في قاعات العرض...
4) في الكتاب فهرس للمصادر والمراجع المعتمدة وهي غزيرة، وعلى درجة كبيرة من الأهمية، تشهد للمؤلفين بسعة الاطلاع وغزارة المادة وتنوّع المراجع في موضوع شديد الحساسية. وكم يكون الأمر جميلا لو أنّ القارئ يجد في الطبعة القادمة فهرسين آخرين، أولهما للأعلام وثانيهما للأماكن والبلدان، ومن شأن هذين الفهرسين أن يسهّلا على القارئ العودة إلى بعض المعلومات الدقيقة بكلّ يسر على طريقة ما نجده في الكتب المحقّقة فندرك نسبة تواتر الأسماء والبلدان وحضور بعضها وغياب البعض الآخر.
إنّ هذه الملاحظات لا تنقص البتّة من قيمة الكتاب في شيء، ومثلما قلنا عن كتاب "تونس طبيعة وثقافة" إنّه ملحمة شعرية مطولة، وهو قصيدة حبّ في تونس ، فإنّ هذا الكتاب ظاهره تاريخ وباطنه إبداع أدبي. أليس عبارة عن جنس أدبي جديد يجمع بين فنّ الرواية و المسرحية،فالأحداث تدور على مسرح كوني يشارك فيها مئات الشخصيات من الأعلام يتقمّصون أدوارهم الحقيقية التي عرفوا بها في التاريخ. وفي هذه الرواية صراع وحوار وخصام ووئام بين الأفراد والشعوب وفيها سياسة وأدب وفنّ وعلم واقتصاد، أناس يدخلون المسرح وآخرون يخرجون أو يُسحبون أو ينسحبون. إنّها مشاهد نكاد تكون سريالية تدعو إلى التأمل حينا وإلى الضحك حينا آخر ولكنّه على حدّ عبارة المتنبي ضحك كالبكاء ... فالأسماء تتعدّد مثقلة بكثير مما يشحن النفس ..في السياسة: محمد الأمين باي، الحبيب بورقيبة ، شارل ديقول، جمال عبد الناصر، الملك فيصل، الحسن الثاني ،هواري بومدين ، فيدال كاسترو، صدام حسين معمّر القذافي، الخميني، شاهنشاه، بريجنيف، البابا، ريغان، نيكسون، وفي الأدب : سارتر ، كامو، نزار قباني، درويش، المسعدي ، الميداني ، منوّر، كاتب ياسين، أمين معلوف، بيكيت، إلخ.... وهكذا في كلّ الميادين السياسية والثقافية والعلمية. وتظلّ المسرحية متواصلة مسكونة بالإنجازات وبالفقد وهادم اللذات كذلك. أليست صورة للمعاناة الوجودية وقصّة الإنسان في ملحمة سيزيفية، حالما يبلغ فيها البطل مداه وتنضج تجربته ويعرفه النّاس ويقارب الوصول إلى قمّة الجبل أو بناء السدّ ، يستأذن الجمع في المغادرة أو يسافر دون وداع... فلا يبقى منه غير عناوين أعماله كتبا أو لوحات أو أشرطة أو موسيقى... وشاهدة تنعاه في بعض فقرات الكتاب... قبل المرور إلى السنة الموالية ومواصلة المسيرة ، وقد يتوقف القارئ لحظات عند كلّ محطّة مستذكرا ومعتبرا ، أليس التاريخ نظرا وتحقيقا واعتبارا...
إنّه حقّا مشهد يبدو في ظاهره طبيعيا عاديا لكنّ باطنه غريب سرياليّ يدعو ضمنيا إلى كثير من التأمل والتألم أحيانا... فما أكثر الذين مرّوا من هذا المسرح ولم يحسّ بهم أحد، ولم يرتفع لهم صوت بين الورى، ولم يتركوا شيئا يشهد على مرورهم أو أنّهم كانوا هنا... أو ليس هذا الكتاب حافزا للهمم كي نصنع تاريخها ونطرق بوابات العالم السبع بكلّ ما من شأنه أن يبقى شاهدا على أنّنا محظوظون بالحياة في وطن توفّر لنا فيه من الأمن والسلم ما يجعلنا طموحين إلى أن نساهم في إعادة ترتيب العالم على قيم الخير والحرية والعدل والإيمان... أليس الإنسان حديثا بعده ... وأنّ خير ما يترك المرء... ولد صالح أو صدقة جارية أو علم نافع ...وهذا الكتاب لا شكّ، علم نافع باق على مدى الدهور، حقّقه صاحباه في أوقات الراحة على حساب راحة البدن والفكر، إيمانا بأنّ الإنسان ما خلق إلاّ للعبادة، والعمل أشرف العبادات. إنّه مثال التضحية من أجل الوطن والآخرين ...وهو شهادة في حبّ تونس وقيادتها وشعبها وحضارتها... وما أجمل أن ينضاف هذا الكتاب إلى ما أنجزه الدكتور الهادي مهنّي والدكتور محمد البشير حليّم في ميادين الطبّ والعلم والسياسة والفكر إسهاما منهما في صياغة الوطن الجميل لنا جميعا وللأجيال القادمة.
*******************
* HALAYEM (Mohamed Béchir) et M'HENNI (Hédi), La Tunisie , le monde. Une nouvelle histoire se construit.1954-2006 , Tunis, Orbis éditions, 2006, 495 pages.
باعة >> | إغلاق
النافذة >>