المسرح التونسي وتوجّهاته

تنوّع التجارب...حرية في التعبير...ودعم حكومي متواصل

أ.محمد بن رجب
كاتب إعلامي – تونس

كل الذين شاهدوا مسرحيّة "خمسون" لفرقة "فاميليا" التي يديرها الفنان الفاضل الجعايبي سواء في تونس على ركح المسرح البلدي، أو في فرنسا على ركح مسرح "الأود يون" ازدادوا يقينا من أمرين هامّين، أوّلهما يتمثّل في الحرّية التي يتمتّع بها المبدع التونسي في شتّى مجالات الإنتاج الثقافي إذ هي تعالج في جرأة واضحة مسألة التطرف السياسي والفكري وكيفيّة التصدّي له وخاصّة التطرّف الذي تمارسه الجماعات الإسلامية الأصوليّة، وثانيهما يؤكد مدى التطوّر الفنّي الذي بلغه المسرح التونسي في السنوات الأخيرة وهو ما أبهر النقّاد وأحبّاء الفنّ الرابع في كامل التظاهرات المسرحيّة خاصّة والثقافية عامّة في البلاد العربيّة وفي بعض البلدان الإفريقية والأوروبيّة والآسيويّة حيث كان للمسرح التونسي الحضور الكبير.

وما كان للفنّ الرابع التونسي أن يحقق هذه الدرجة العالية من الإبداع الفنّي لو لم يكن المبدع في عهد التغيير متّمتّعا بالحريّة بعيدا عن كل أنواع الرقابة، ولو لم تكن الفرق المسرحيّة متّمتعة بالدعم المالي وفق سياسة مرسومة منذ 20 سنة توفّر للمسرح وسائر الإبداعات الثقافية الأخرى التي تتطلب نفقات مرتفعة في عمليّة إنتاجها ميزانية ترتفع أرقامها من سنة إلى أخرى مثل السينما والموسيقى ونشر الكتاب.

إن تونس هي البلد الوحيد في العالم العربي والإسلامي وكامل إفريقيا الذي يدعم الإنتاج الإبداعي الثقافي بشكل يكاد يغطّى كامل النّفقات التي يتطلبه، وهي تفعل ذلك في قطاع غير حكومي بنسبة تتجاوز 80 في المائة وهي لا تشترط على المنتج الثقافي شيئا سوى أن يكون الإنتاج ذا مستوى فنّي مقبول فلقد ألغت الدولة الرقابة على النصوص منذ بداية التغيير، واللجان التي تتولى عمليّة الدّعم المالي لا دور لها سوى المحافظة على المستوى الفني الجيّد، والعمل على تطويره وفق رؤية متكاملة للمشروع الثقافي التحديثي الذي وضعه الرئيس زين العابدين بن علي للنهوض بالثقافة التونسيّة التي ارتفعت ميزانيتها تدريجيّا من 0,5% من مجموع الميزانية العامة للدولة إلى 1,5 %، وهو الرقم الذي لم تبلغه بلدان كثيرة أخرى بما فيها البلدان المتقدمة حيث تخلّص المسرح مثلا من هيمنة الدّولة فوقع في هيمنة رأس المال الذي لا يدعم الإبداع إلاّ في حدود مصالحه السياسيّة العليا.

نبذة تاريخيّة عن المسرح التونسي

لم تعرف تونس العربية المسرح إلاّ في عام 1908 حيث قدمت إلى البلاد فرقة كوميدية شعبيّة يرأسها المثل المصري محمد عبد القادر المغربي التي قدّمت مسرحية "العاشق المتهم" وعلى إثرها تكوّنت فرقة باسم "النجمة" حاولت العمل المسرحي دون نتيجة تذكر، وفي أواخر سنة 1908 جاءت فرقة مصرية أخرى برئاسة الفنان المعروف سليمان القرداجي، وقدمت عدّة مسرحيات أثارت اهتمام أهل الثقافة بفن التمثيل للإمكانيات التي يحملها أدبيا وثقافيا وفنيا، وأيضا كوسيلة للرقي بالوطن والحفاظ على اللغة العربية التي يحاول الاستعمار الفرنسي آنذاك سحقها، وما لبث الشباب التونسي ان تجمع وكوّن "الجوق المصري التونسي" حيث مثل التونسيون والمصريون جنبا إلى جنب ثم توالت زيارات الفرق المسرحية المصريّة، وفي سنة 1912 تأسست رسميا أول فرقة مسرحية في تونس ضمن "جمعيّة الشهامة العربية" بعد محاولة "جمعية الآداب العربية" سنة 1911، وقدمت الفرقتان عدّة مسرحيات بنصوص مصريّة وفي سنة 1913 ظهرت أول مسرحية بنصّ تونسي هي "الانتقام" من تأليف الشيخ مناشو.

لكن لا بدّ من الإشارة إلى أن الربوع التونسيّة عرفت المسرح في العصور القديمة وتتمثل الآثار والمسارح الممتدّة من جكتيس إلى بلاّريجيا مروراً بالجم ودقة وقرطاج أدلّة تحدّت الزمن لتبرز عراقة هذا الفن وارتباطه بعادات وطقوس الرومانسيين والبيزنطيين.

وكان للمسرح الأوروبي في بداية القرن التاسع عشر حضور وانتشار ملحوظين خاصّة لدى الجاليات الإيطالية والفرنسيّة والمالطيّة ولدى الفئات المثقفة فبعض تلك الفرق عرضت أعمالها في القصر الملكي.

ولذا فإن الحركة المسرحية التي بدأت تتبلور في تونس في السنوات الأولى من القرن العشرين ليست سوى إعادة اكتشاف الفنّ الرابع العريق في البلاد. وهذه الناحية لابدّ من أن نأخذها بعين الاعتبار عند التأريخ للمسرح في تونس وعندما يتحدّث المؤرخون والباحثون عن المسرح في بلادنا بكونه بدأ رسميا عام 1910 فذلك التاريخ مرتبط فقط بالبعد العربي للمسرح.

وبالعودة إلى مسيرة المسرح العربي التونسي نذكر أن التونسيين أحبّوا هذا الفن وساندوه منذ بداياته... فبعد تأسيس "الشهامة" و"الأدب" ثم "جوق الاتحاد" للهادي الأرناؤوط المختص بالأعمال الفكاهيّة انتشر المسرح في سوسة و صفاقس و باجة و بنزرت وعند اندلاع الحرب العالمية الأولى أصبحت بعض الفرق تقدم عروضا تخصّص مداخيلها لجرحى الحرب والمحتاجين.

وكانت جلّ المسرحيات في بداية القرن العشرين باللغة العربية الفصحى إمّا تأليفا أو ترجمة أو اقتباسا... وكانت مواضيعها في أكثر الأحيان مستوحاة من البطولات العربية.

وفي بداية الثلاثينات ظهرت فرق أخرى مثل "المستقبل التمثيلي" و "السعادة" وفرقة الشيخ إبراهيم الأكودي و "جمعية التمثيل العربي" و"فرقة المستقبل الكوميدي" كانت جميعها تتنافس فيما بينها فأحدثت حركيّة ثقافية مميّزة.

وتواصلت عمليات بعث الفرق المسرحية مثل جمعيّة "الاتحاد المرحي" و "الكوكب التمثيلي" الذي أسسته الفنانة شافية رشدي ثم جمعية "تونس المسرحية".

وفي الخمسينات نجد أن بعض تلك الفرق قد غاب فظهرت فرق أخرى، أنتجت مسرحيات من التاريخ العربي ومن التراث الأدبي.. لكن المشكل الذي كانت يعاني منه المسرح هو العنصر النسائي الذي كاد يكون مفقودا في البدايات... ولم يكن يظهر بشكل واضح إلاّ في الأربعينات وفي بداية الخمسينات، ومن الطريف أن نذكر هنا أن الأستاذ المنصف شرف الدين أسس فرقة "المسرح الحديث" كنوع من التحدي لهذه المعظلة جلب إليها عددا من النساء بلغ العشرة... وقدّمت هذه الفرقة "عيطة وشهود" و "مدرسة الأزواج" كان ذلك عام 1949 وهي الفترة التي اعتنى فيها الفنان والكاتب حسن الزمرلي بمسألة تكوين الممثل التونسي وأسّس مدرسة حرّة أصبحت فيما بعد المعهد الوطني للتمثيل.

ومن أبرز المسرحيين التونسيين قبل الاستقلال نذكر خليفة الإستنبولي والهادي الأرناؤوط ومحمد الحبيب ومحمد عبد العزيز العقربي وحسن الزمرلي وفي بداية الاستقلال تأسست الفرقة البلدية التي انظم إليها الفنان علي بن عياد الذي يعتبر من أهمّ المسرحيين التونسيين إلى حدّ الآن إذ أحدث ثورة مسرحية وقدّم مسرحية "كاليغولا" في مسرح الأمم بباريس وأخرج عديد الأعمال مثل "العين بالعين" و "مدرسة النساء" و "عطيل" و "البخيل" و "مراد الثالث" و "يارما" و "الماريشال" و "صاحب الحمار" و "أقفاص وجنون" وهي المسرحيات التي تعتبر مراجع أساسية في المسرح التونسي.

ولم يعرف المسرح التونسي الهيكلة الرسميّة والإدارية إلاّ بداية من الستينات على إثر خطاب الزعيم الحبيب بورقيبة الذي دعا فيه إلى الاهتمام بالمسرح اهتماما خاصا لما له من دور أساسي في توعية الشعب وقد كانت البداية ببعث المسرح في المدارس الابتدائية والثانوية وهذه المبادرة أحدثت حركيّة واسعة وخاصة في نهايات السنوات الدراسية من خلال المباريات المدرسية التي كانت النواة الأولى الأساسية في الإبداع المسرحي المتطوّر الذي كان وراء تركيز الفرق الجهوية المحترفة في صفاقس وسوسة و بنزرت والقيروان والكاف وقفصة دون أن ننسى ظهور المسرح الجامعي.

ومن أهمّ الفرق التي لعبت دورا كبيرا في التنشيط المسرحي وفي الإبداع الثقافي نذكر فرقة الكاف بإدارة الفنان المنصف السويسي وفرقة قفصة مع محمد رجاء فرحات والفاضل الجعايبي والفاضل الجز يري ورؤوف بن عمر وفرحات يامون و جليلة بكار.

وبعد التجربة الناجحة للفرق الجهويّة بدأ القطاع الخاص يتبلور على أسس قويّة فظهرت سنة 1976 شركة مسرحية باسم "المسرح الجديد" مع الفاضل الجعايبي والفاضل الجز يري، ومحمد إدريس وجليلة بكار قدمت "التحقيق" و "العرس" و "الورثة" وغسالة النوادر" وفي سنة 1980 ظهرت فرقة "مسرح فو" مع توفيق الجبالي ورجاء بن عمار والمنصف الصائم ورؤوف بن عمر التي قدمت "تمثيل كلام" و "أمل" و "عرق" و "برج الحمام"، و "فاوست" وفي سنة 1981 ظهرت فرقة "المسرح العضوي" مع عز الدين فنون وفتحي العكاري وعزالدين العباسي قدمت مثلا "ليلة خريف" و "المصعد" وفي سنة 1984 ظهرت فرقة "مسرح الأرض" مع نوالدين الو رغي.

وفي سنة 1983 تأسس المسرح الوطني وهو مسرح عمومي حكومي بإدارة الفنان المنصف السويسي و تمّ تولي إدارته الفنان محمد إدريس.

وبالتالي فإن المسرح التونسي قد تعدّدت اتجاهاته وأنواعه وشهد حركية واسعة في نهاية السبعينات وفي كامل الثمانينات مدعوما بمركز الفن المسرحي وبالتربصات في الخارج مع دعم كبير من المسرح الجامعي والمسرح المدرسي فضلا عن فرقة الهواة التي انتشرت بشكل كبير في كامل البلاد وخاصة في دور الثقافة بعضها وقد أصبح من أهم الفرق المنتجة مثل فرقة الحبيب الحداد بباجة وفرقة "المسرح الشاب بنابل" و "الشباب المسرحي" بحمام سوسة و "الزيتونة" بتونس وفرقة المغرب العربي مع الأمين النهدي بعد تجربته القصيرة مع الفاضل الجعايبي والفاضل الجز يري.

تنوع ودعم رسمي

ومنذ نهاية الثمانينات، أي مع حركة التغيير تبلور المشهد المسرحي كالتالي:

- المسرح الحكومي يتمثل في المسرح الوطني وفي الفرق الجهوية التي تحوّلت إلى مراكز للفنون الدرامية في الكاف وقفصة وصفاقس تكريسا للتوجهات التي أقرّتها الدولة للعناية بمسرح القطاع العام ودعم وظائفه على مستوى الإنتاج والترويج والتكوين والتنشيط بعقلية محترفة جديدة وعلى بعث مؤسسات مرجعيّة تحصّن نفسها من حيث التسيير والتجهيز والدخول في تطوير الإنتاج.

- المسرح الخاص وهو يتمثل في فرق بدأت صغيرة ثم كبرت مع الأيام مثل فرقة فاميليا للمسرح مع الفاضل الجعايبي، وفرقة مسرح "فو" مع المنصف الصايم ورجاء بن عمار وفرقة "مسرح الأرض" مع نور الدين وناجية الورغي، وفرقة التياترو مع توفيق الجبالي. وفرقة مسرح الحمراء مع عزالدين قنون..

وقد توالت عمليات تأسيس الفرق بدعم الحكومة ويمكن لنا اليوم أن نشاهد أعمال مسرحية لأكثر من مائة فرقة خاصة أنشأها الشبّان يتخرجون مع المعهد العالي للفن المسرحي ومن معاهد أجنبيّة.

وكل هذه الفرق ما كان يمكنها أن تظهر في تونس لو لم تكن عمليات الدعم قويّة ومتواصلة من قبل الدولة.

مسرح الهوّاة:

عرف قطاع مسرع الهواة أوجه في الستينات وبدأ بمسرح شعبي ثم بمسرح متنوع الاهتمامات وله أهداف ثقافية وسياسية... ولئن عرف هذا القطاع في السنوات الأخيرة نقصا على مستوى الإنتاج فذلك يعود إلى ازدياد عدد الفرق الخاصّة المحترفة ذات الأعمال المسرحيّة المتطوّرة التي عرفت ثراء وتنوعا وإشعاعا بفضل الإجراءات الجديدة التي لم يعرفها القطاع المسرحي سابقا والمتمثلة في مختلف سبل الدّعم الذي توليه الدولة لهذا الفن باعتباره منصهرا في أشكال حيّة وممارسات يوميّة تحرّكها قيم عليا فكريا وحضاريا تساهم في بناء المجتمع المدني الذي يستهدفه مشروع التغيير بتطوير جوانب الخير والعدل مع التأكيد على جوانب الفنّ والجمال.

ونذكر ذلك دون أن ننسى وجود المسرح في المدارس والجامعات وفي المراكز العماليّة الكبرى. بل إن المسرح دخل مناطق لم يدخلها من قبل فلقد تأسست بعض الفرق في السجون وهي تساهم في إعادة تأهيل بعض الذين زلّت بهم القدم... كما ظهرت فرق في الجمعيات المهتمّة بالمعوقين بعضها قدّم أعمالا طيّبة على ركح المسرح البلدي في العاصمة وفي دور الثقافة الكبرى مثل "ابن خلدون" و "ابن رشيق" ويعتبر ذلك من المفاخر الثقافية والاجتماعية في عهد التغيير.

ونستطيع القول بأن المسرح التونسي منذ عقدين شهد إجراءات جديدة لم يشهد مثلها من قبل في تونس كما لم يشهد المسرح في أي بلد عربي وإفريقي مثلها، تمثلت في التطوّر الكبير الذي عرفته الإعتمادات المخصصة للإنتاج والترويج وهو ما ينعكس بالضرورة على عديد المشاريع التي تمّ دعمها وإنتاجها وكذلك على نوعيّة المشاريع التي تميّزت بتنوّع التجارب والرؤى وتبلغ هذه الاعتمادات سنويا حوالي 3 ملايين دينار موزعة كما يلي:

- 800 ألف دينار للإنتاج في المسرح المحترف.

- مليون و 400 دينار لاقتناء العروض المسرحية وتوزيعها على كامل البلاد.

- 650 ألف دينار للتشجيع على إنتاج المسرح في أوساط هواة المسرح.

- حوالي 200 ألف دينار تدخل في باب المتفرقات في النشر المسرحي والمساندة حسب الظروف لبعض الأعمال المتخصصة.

ولأن الدعم موجود والحريّات موجودة فإن عدد الفرق أصبح مرتفعا إلى درجة أن اللجنة الوطنيّة للتوجيه المسرحي التي تهدف إلى المحافظة على المستوى المسرحي والسهر على تطويره نكاد تشاهد يوميا الأعمال المسرحيّة التي يتم إنتاجها مما يدلّ على غزارة الإنتاج فلقد شاهدت هذه اللجنة خلال سنة 2006 أكثر من 170 مسرحيّة منها 60 مسرحية أنتجتها الفرق المحترفة و 80 مسرحيّة أنتجتها فرق الهواة. والبقية هي من إنتاج دور الثقافة والمسرح الجامعي.

وإننّا إذ نذكر الدعم المسرحي فإننا لم نقحم في تلك الأرقام ما تنفقه الدولة على المسرح الوطني، وعلى مراكز الفنون الدراميّة ذات الميزانيات الجيّدة التي ترتفع سنة إلى أخرى وينتمي إليها عدد كبير من المسرحيين الذين يحصلون على مرتبات شهريّة دون اعتبار للمكافآت على الإنتاج وعلى العروض.

كما أن للأطفال نصيبهم الكبير من خلال المركز الوطني لفنّ للعرائس الذي تأسس سنة 1993 لدعم مسرح الطفل ولهذا المركز ميزانيته واستقلالية التسيير.

التوجّهات المسرحيّة

يؤكد النقاد المختصّون في المسرح سواء في تونس أو في الخارج وخاصّة من البلاد العربيّة وفرنسا أن المسرح التونسي يقدم إنتاجا فنيا هو من أرقى الأعمال الإبداعية على المستوى العربي وإن بعض الأعمال المسرحيّة التونسيّة تتمتع بالبعد العالمي المتطوّر.

وتوجد في تونس اليوم كل الاتجاهات الفنيّة شكلا ومضمونا والمعروفة لدى النقاد.

المسرح الكلاسيكي:

ولئن عرف هذا التوجه انحسارا كبيرا يمكن أن نلمسه في الأعمال التي يقدمها المسرح البلدي الذي تموّله بلديّة العاصمة، وهذا المسرح ينتج على الأقل ثلاث مسرحيات في السنة ومن أبرز المسرحيين في المسرح البلدي نذكر منى نور الدين وعبد المجيد الأكحل.

المسرح الهزلي:

وقد تميّز بهذا التوجه الأمين النهدي وعبد القادر مقداد ورؤوف بن يغلان وسفيان الشعري وغيرهم.. وقد اهتم هذا المسرح بالمجتمع التونسي حيث ركز على القضايا الاجتماعية بشكل ساخر وضاحك ينتقد الظواهر الخاطئة وكل أشكال الانحرافات.

المسرح الجديد:

ظهر هذا المسرح منذ الستينات وأخذ بعده الثقافي والفكري المتميّز مع فرقة المسرح الجديد وفرقة فاميليا والتياترو و مسرح فو والمسرح العضوي، ومسرح الحمراء والفرق الجديدة التي تزايد عددها في السنوات الأخيرة بشكل كبير إلى أن بلغت سنة 2005 أكثر من 125 فرقة.

ومن أبرز المسرحيين الذين يصنعون ربيع المسرح الجديد والمتطوّر الفاضل الجعايبي وجليلة بكار ومحمد إدريس وتوفيق الجبالي وسليم الصنهاجي و عز الدين قنون وصباح بوزويتة ونادية بن أحمد والأسعد بن عبد الله والمنصف الصائم ورجاء بن عمّار مع عدد كبير من الشبان المسرحيين الذين ينتجون مسرحيات جيدة مثل أعمال نضال قيقة ومنير العرقي.

المسرح الأوبيرالي الغنائي:

لا يمكن أن نقول بأن لهذا المسرح انتشار كبير في تونس... فهو يظهر ليغيب لعدّة سنوات ولكنه موجود ولا بدّ أن نذكره.

مسرح الطفل:

هناك الكثير من الفرق المسرحيّة التي تنتج أعمالا خاصّة بالطفل لدعم ما ينتجه مركز فن العرائس.

متفرقات:

في هذا الباب يمكن أن نشير إلى وجود بعض الأعمال المسرحيّة التي يتم إنتاجها أحيانا باللغة الفرنسيّة، والمسرح الجامعي مثلا أنتج بعض المسرحيات الكلاسيكية باللغة الفرنسيّة كما أن هشام رستم ومحمد كوكة أنتجا في المدّة الأخيرة مسرحية في شكل متطوّر باللغة الفرنسيّة.

كتّاب المسرح

لا يمكن أن يوجد مسرح بدون كتاب، نقول ذلك رغم أن الكثير من المخرجين أصبحوا يعتمدون على الكتابات الركحيّة. ومن أبرز كتاب المسرح في تونس نذكر عز الدين المدني وسمير العيادي ومصطفى الفارسي وحسن المؤذن والحبيب بولعراس وعبد الحكيم العليمي ومحمد إدريس وجليلة بكار.

لكن لا بدّ أن نشير إلى أن عز الدين المدني صاحب عدّة مسرحيات مثل "ثورة صاحب الحمار" و "الحلاج" و "ابن رشد" يبقى من أبرز الكتاب باعتبار أنه قد أحدث ثورة في الكتابة المسرحيّة الزاخرة بالرؤى الفكرية و الممستلهمة جلّ موضوعاتها من التراث العربي الإسلامي لقراءة الأوضاع العربية الحالية وقد طرح عديد القضايا مثل الديكتاتورية وغياب الحريات ومخاطرها على تعطل المسيرة الفكرية والتنموية في البلاد العربية.

ويلي الأديب عز الدين المدني الكاتب سمير العيادي الذي كتب عدّة مسرحيات متطورة مثل "عطشان يا صبايا" و "عليسة" و "رحلة السندباد" و "هذا فاوست الجديد" و "قلب الحمام" التي أحدثت هي الأخرى منعرجات إيجابية في المسرح التونسي وأعطت الحركة المسرحيّة توجّها حديثا ذا روح إيجابية مع انغراس في تربة فكرية تقدميّة تطرح القضايا الهامة التي تشغل بال الإنسان التونسي.

المراة والمسرح

لا يمكن للمسرح أن يكون موجودا بلا دعم من المرأة التي هي أساسية في كل عمل فنّي، و قد كانت المرأة في الحركة المسرحيّة في النصف الأول من القرن العشرين، شبه غائبة من المسرح، وكان رجال المسرح يستنجدون بالذكور للقيام بأدوار نسائية.. ويضطرون أحيانا للتعامل مع عنصر نسائي لا علاقة له بالثقافة وبالمسرح كما تمّ الاستنجاد بالراقصات الشعبيات للقيام ببعض الأدوار المعيّنة ورغم ذلك برزت بعض الممثلات من أمثال شافية رشدي وفضيلة ختمي.

وبعد الاستقلال ظهرت منى نور الدين والزهرة فائزة وجميلة العرابي ثم منجية الطبوبي وخديجة بن عرفة وخديجة السويسي وممثلات أخريات كثيرات وفي السبعينات بدأت المدارس والمعاهد والجامعات تدفع إلى المسرح بممثلات رفيعات المستوى التعليمي والثقافي مثيلات جليلة بكار ورجاء بن عمار ونادية بن أحمد وصباح بوزويتة ونضال قيقة دون أن ننسى ناجية الورغي وليلى الشابي.

وفي المسرح الشبابي نجد اليوم عشرات الممثلات لمتخرّجات من المعهد العالي للفنّ المسرحي وهن يشاركن في الحركة المسرحية بامتياز.

ولم تعد في تونس قضيّة اسمها المرأة والمسرح فهي اليوم شريكة أساسية في الإخراج والكتابة والإنتاج وتأسيس الفرق في مجال الاحتراف وفي مجال الهواية.

المهرجانات المسرحية في تونس

تلعب المهرجانات في تونس دورا كبيرا في التنشيط الثقافي وتنمية الإبداع في كل المجالات ولنا في تونس مهرجانات مختصة في المسرح بعضها عالمي والبعض الآخر وطني.. وجهوي مع تخصص التخصص من مسرح محترف إلى مسرح هواة... إلى مسرح أطفال.

ففي الستينات والسبعينات كان هناك المهرجان الدولي بالحمامات الذي اعتمد في عروضه على الجانب المسرحي، ومهرجان البحر الأبيض المتوسط بحلق الوادي الذي نشط طويلا لأكثر من 20 سنة. ومهرجان أيام قرطاج المسرحية الذي فتح الآفاق للمسرح العربي والإفريقي وجعل أصل المسرح وأحبّاء الفنّ الرابع يتعرّفون كثب عن أهمّ الإنتاجات المسرحية في جانب جغرافي كبير من العالم.

- والمهرجانات المسرحية الأخرى هي على التوالي:

- المهرجان الوطني لمسرح الهوّاة بقربة.

- مهرجان خليفة الاسطنبولي بالمنستير.

- مهرجان مسرح التجريب بمدنين.

- مهرجان المسرح الحديث بالقيروان.

- مهرجان فرحات يامون للمسرح بجربة.

- مهرجان عمر خلفة بتطاوين.

- مهرجان إبراهيم الأكودي، بأكودة.

- أيام نيابوليس لمسرح الطفل بنابل.

- مهرجان ربيع المسرح بنابل.

- مهرجان ربيع المسرح بحمام سوسة.

- مهرجان المسرح بقفصة.

وهناك تظاهرات أخرى لها بعد مسرحي تنتظم بشكل قار أو بشكل عرضي.

وكل هذه التظاهرات هي متنفس كبير لأهل المسرح بكل توّجهاتهم لتقديم عروضهم وجلب الجماهير المحبّة للمسرح إلى انتاجاتهم.

ونذكر أن الفرق المسرحية تعرض أعمالها بشكل متواتر في كامل الجمهوريات خارج المهرجانات ويكفي أن نذكر أن وزارة الثقافة والمحافظة على التراث اقتنت 730 عرضا سنة 2006 لتوزيعها على كامل الجمهورية بمبلغ مليون و600 ألف دينار وذلك في قطاع المسرح المحترف كما اقتنت من فرق الهواة 615 عرضا توزعت على كامل الجمهورية أيضا.

هذا ولا بدّ من أن نذكر أن المسرح التونسي يشارك في المهرجانات والتظاهرات العربية والإفريقية والعالمية وهو ينال الجوائز المختلفة ويشدّ اهتمام النقاد الذين يعتبرون المسرح التونسي في طليعة المسارح العربية بعد أن كاد يغيب المسرح العراقي من التظاهرات العربية وبعد انغماس المسرح المصري في الهزل والترفيه إلى حدّ التهريج.

باعة >> | إغلاق النافذة >>


afkar@afkaronline.org