ندوة:


المرأة العربية والأورومتوسطية بمالطا:

مشاغل متجانسة...ورفض للخطابات السياسية المزدوجة

لافالات - مالطا- خيرة الشيباني

* في رسالة للسيدة ليلى بن علي حرم رئيس الجمهورية التونسيّة إلى المشاركات:

حرص تونس على تعميق الحوار والتعاون مع الفضاء الأورومتوسطي.

* المديرة العامة للمنظمة العربية للمرأة:

الحوار بين الطرفين من شأنه أن ينقل الخبرة والقدرة على قراءة الواقع بمعطياته المختلفة والتعامل معها دون انغلاق أو تعسّف.

* وزيرة شؤون المرأة بتونس:

ضرورة اكتساب الشراكة مضمونا فعليا ودعمها من منطلق الاشتراك العضوي في العالم لا من منطلق الظرفي التكتيكي.

* المدير العام للألكسو:

إقرار بخصوصيّة نظرة المرأة إلى الكون ووضع هذه الخصوصيّة في خدمة الحوار والثقافة المتضامنة بين الطرفين.

* رئيس مركز شمال / جنوب بمجلس أوروبا:

الفهم المشترك للديمقراطية واد ماج المرأة في مخططات التنمية ومشاركة المجتمع المدني من العوامل المؤثرة على هذه الشراكة.

* ممثلات المجتمع المدني و الهيئات الإقليمية والدولية:

- تنويه بالتجربة التونسيّة في تعزيز مكانة المرأة وتذكير بدور تونس في جعل قضيتها إحدى مبادئ وثيقة الإصلاح والتحديث العربية.

- النساء العربيات والأوربيات يتعرّضن لنفس التحديات ومعركتنا ضد التطرف واحدة.

- توصيّة بإحداث شبكة عربية أور ومتوسطية تعنى بنساء المنطقة وتوحيد جهودهن.

**************************

لا يمكن أن تعقد ندوة تهتم بقضايا المرأة العربية ودورها في دفع مسيرة التقدم في بلدانها وفي محيطها الإقليمي والدولي إلاّ ويتمّ استحضار تجربة تونس وريادتها وتميزها في تعزيز مكانة المرأة في كامل اختياراتها وبرامجها، وخاصة في مجالات المشاركة السياسية، والاندماج الاجتماعي والاقتصادي، حتى أصبحت حقوق المرأة التونسية من القيم الوطنية الثابتة. كذلك يتمّ استحضار مساهمة تونس بتجربتها الثرية في هذا القطاع، وبالتعاون مع الحكومات والمنظمات الإقليمية ومنظمات المجتمع المدني بالأقطار العربية في الرفع من قدرات المرأة العربية وتأكيد كفاءتها واثبات قدراتها في المساهمة في تنمية مجتمعاتها. وقد كانت تونس من الدول العربية السباقة إلى الانضمام إلى المنظمة العربية للمرأة التي انبعثت عام 2003 برئاسة الدكتورة ودودة بدران، كما دعمت المؤتمر الأول لهذه المنظمة المنعقد في ديسمبر 2006، والذي توجهت من خلاله السيدة ليلى بن علي حرم رئيس الجمهورية التونسية، إلى المشاركات فيه برسالة أكدت عبرها على ضرورة مدّ جسور منظمة المرأة العربية مع مختلف المجموعات النسائية الأخرى في العالم تعزيزا لقيم الحوار والاعتدال والتسامح بين سائر الثقافات والحضارات والأديان وترسيخا لمقومات العدل والوفاق والتعايش بين جميع الأفراد والمجموعات والشعوب.

ولا شك أن انعقاد الندوة الدولية حول "المرأة العربية والأورو متوسطية: شراكة وتنمية في عالم متحوّل" التي انتظمت بمالطا يومي 20 و21 فبراير 2007 في ظلّ رئاسة تونس للمجلس التنفيذي لمنظمة المرأة العربية في دورته الحالية يأتي في إطار هذه التوجهات التي أكدت عليها السيدة ليلى بن علي في الارتفاع بعلاقات الجوار مع المحيط الإقليمي إلى علاقات حوار فعالة ومثمرة، وهي نفس التوجهات التي سادت روح الرسالة التي بعثت بها حرم رئيس الجمهورية التونسية إلى المشاركات والمشاركين في ندوة مالطا، والتي تولت تلاوتها في الجلسة الافتتاحية السيدة سلوى العياشي اللبان وزيرة شؤون المرأة والأسرة والطفولة والمسنين بتونس ورئيسة المجلس التنفيذي لمنظمة المرأة العربية، حيث أبرزت السيدة ليلى بن علي حرص تونس على تعميق الحوار والتعاون مع الفضاء الأوروبي المتوسطي، وترسيخ ما يجمع النساء في هذا الفضاء من مشاغل متجانسة ورغبات مشتركة كفيلة بالتغلب على الكثير من المشاكل والصعوبات. كما نوّهت بجهود منظمة المرأة العربية في النهوض بأوضاع المرأة العربية ودعم مسيرة التقدم في المجتمعات العربية آملة أن تدعم هذه الندوة جسور التعاون بين النساء في الفضاء العربي والأورومتوسطي.

الجوار مدخل للحوار

وكانت السيدة دولوريس كرسيتنا وزيرة الأسرة والتضامن الاجتماعي بمالطا قد ألقت كلمة في بداية هذه الجلسة أبرزت من خلالها الروابط الثقافية التاريخية التي تجمع بلدان شمال المتوسط، وبالذات بلدها مالطا، ببلدان جنوب المتوسط حيث تلعب مالطا دور الوسيط بين الفضائين الحضاريين، كما أكدت الوزيرة المالطية أن انضمام بلدها إلى العديد من الشبكات الأوروبية لا يُغْنيها عن الانضمام إلى شبكة عربية أور ومتوسطية لأن التحديات التي تواجهها المجتمعات الأوروبية لا تحْدثُ نفس التأثير، وبالتالي فإن مشاغل المرأة المالطيّة هي في جزء منها قريبة من مشاغل المرأة العربية وتواجه تحديات مشابهة في مجال التربية والأسرة وقضايا البيئية وانعكاسات السياحة على النسيج الاجتماعي. وطالبت الوزيرة المالطية المرأة العربية والأوروبية بأن تكون – كما كانت دائما صانعة للتاريخ، مشاركة في إبداعه مؤكدة، على ضرورة تعزيز آليات التضامن والتعاون والشراكة من أجل بلوغ هذا الهدف.

وبدورها أكدت السيدة سلوى العياشي اللبان وزيرة شؤون المرأة والأسرة والطفولة والمسنين بتونس على ضرورة إكساب الشراكة العربية – الأوروبية المتجذّرة في التاريخ، مضمون فعليا يتجاوز مفارقات الماضي وتناقضات العصر، حتى نجعل من الحوار مدخلا إلى الحوار المتواصل المتكافئ، وإلى مزيد التضامن لكسب رهانات التنمية والمساواة والسلم في عالم متحوّل.

وأضافت الوزيرة التونسية أن المرأة العربية، وعلى الرغم من تطوّر أوضاعها وتنامي دورها في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لا تزال أوضاعها تحتاج إلى مزيد في التطوير، وهو ما يمثل جزءا من القوا سم المشتركة بين المرأة العربية والأوروبية بحكم التطلع المتواصل إلى مزيد تحسين أوضاع المرأة في كلتا المنطقتين، وهو ما يستوجب من النساء العربيات والأوروبيات على مزيد دعم التضامن لا من منطلق الظرفي التكتيكي وإنما من منطلق الاشتراك العضوي في العالم والترابط في الحاضر والمستقبل. كما أكدت السيدة سلوى العياشي اللبّان أن تونس، بتوجيه من الرئيس زين العابدين بن علي، تؤمن بأن الشراكة العربية الأورومتوسطية تمثل إطارًا ملائما للتغيير الإيجابي، ولتكريس قيم الحوار والتضامن، كما تؤمن بأن المشاركة النسائية تمثل أحد الشروط الأساسية لبناء هذه الشراكة، مؤكدة من جانب آخر على أن حرص منظمة المرأة العربية على رسم أهداف واضحة لتعزيز علاقات التعاون مع المؤسسات الإقليمية والدولية يمثل توجها في صميم مقاصد مسار برشلونة وهو ما يوفر أرضية مشتركة لمزيد التقدم على طريق تفعيل التضامن بين النساء العربيات والأوروبيات وفق رؤية مؤسسية وفي إطار برامج عمل تنفيذية.

المرأة العربية: ثراء التجربة الإنسانية

وتولّت بدورها الدكتورة ودودة بدران المديرة العامة لمنظمة المرأة العربية التعريف بأهداف المنظمة وبرامجها واعتبرت الدكتورة بدران أن هذا النشاط العربي الأورومتوسطي يندرج ضمن أجندة المنظمة التي تحتل فيها فكرة الحوار مكانة مركزية، وأضافت إننا ننظر إلى هذا الحوار وإلى هذه الشراكة كهدف ووسيلة. إذ إن الحوار هو في ذاته قيمة إنسانية وأخلاقية تنسجم مع فكرة الاختلاف والثراء الإنساني. كما إن الحوار من ثمّ التنسيق والتعاون والشراكة، هي آليات بالغة الأهمية لتحقيق الأهداف الطموحة الخاصة بواقع المرأة. كما أشارت المديرة العامة للمنظمة أن المرأة على جانبي المتوسط تتبادل الخبرات في مجال دعم حقوق المرأة وتعزيز مكانتها ومشاركتها في عملية اتخاذ القرار الاجتماعي والسياسي بما فيها القرار المتعلق بالشراكة ذاتها من حيث طبيعة هذه الشراكة، وأهدافها وآليات تفعيلها بما يضمن للمرأة نصيبها الاجتماعي العادل من ثمار الشراكة، وأشارت أنه ربما قطعت المرأة في شمال المتوسط خطوات أبعد من نظيرتها في جنوب المتوسط ونظيرتها العربية بشكل عام، وذلك على صعيد التنظير والتفعيل معا، إلا أن للمرأة العربية لديها، بدورها، ثراء التجربة الإنسانية وابتكار الحلول في التعامل مع تحديات الواقع وفي استيعاب مقتضيات الهوية وامتلاك أدوات التحديث، وهي خبرات جدّ هامة وثمينة لذلك فإن الحوار بين الطرفين من شأنه أن ينقل الخبرة المتعلقة بحساسية الوعي بما هو كائن وبما يجب أن يكون، و القدرة على قراءة الواقع بجوانبه ومعطياته المختلفة والتعامل مع هذه المعطيات بما تقتضيه مع عدم إسقاط بعد الخصوصية على هذا الواقع.

كما ألقى الدكتور المنجي بوسنينة المدير العام للألكسو والسيد ممثل مجلس أوروبا كلمات بهذه المناسبة.

تحديات العولمة والمخاوف الثقافية

وقد توزعت أعمال الندوة التي ساهمت فيها كفاءات ممثلة لمجموعة من المنظمات العربية والإقليمية كالألكسو وكوثر وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي بالإضافة إلى عضوات المجلس التنفيذي لمنظمة المرأة العربية ومجموعة من الخبراء والجامعيين المختصين من دول عربية وأوروبية على ثلاث محاور أساسية هي:

- المرأة وتحديات التنمية والعولمة: رهانات التمكين.

- المرأة والشراكة العربية والأورو متوسطية: الواقع والآفاق.

- حوار الثقافات والتنمية المتضامنة: أي دور للمرأة العربية والأورومتوسطية في عالم متغير؟

هذا إلى جانب ندوة مستديرة حول سبل استحداث آليات لتفعيل التضامن بين النساء في الفضاء العربي – الأورومتوسطي.

وقد تضرفت الدكتورة أمل الصباغ الخبيرة بالمنظمة العربية للمرأة ضمن المحور الأول للندوة إلى جملة التحديات التي يواجهها العالم العربي من ضمنها الصراع العربي الإسرائيلي، وتعثر المسار الديمقراطي في العديد من الدول العربية، وتفاوت مسارات التنمية وذلك بالرغم من التطوّر الملحوظ في مجالات التربية والصحة والمرأة.

إلاّ أن المرأة العربية، كما تضيف الباحثة الأردنية لا تزال تواجه عوامل معيقة لتقدّمها وتوسيع مجالات مشاركتها في الحياة العامة وهو ما يستوجب في رأي واضعي تقارير التنمية العربية وبعض الدراسات الأخرى تنفيذ استراتيجيتين تتمثل الأولى في الإصلاح المجتمعي والتأكيد على توفير الحماية القانونية لحقوق المرأة، فيما تقوم الاستراتيجية الثانية على قيام حركة واسعة تتجاوز الحركات التسوية بهدف تمكين المرأة العربية في مجالات أساسية كالتعليم والمشاركة في صنع القرار وحرية العمل اللائق دون استغلال. وأوضحت الدكتورة الصباغ أن مسحا شاملا لأوضاع المرأة العربية قامت به منظمة المرأة العربية أبرز أن برامج تمكينها لم تف بجميع شروطها حيث مازالت البنية الاجتماعية والثقافية المتحكمّة في عدد من المجتمعات العربية عائقا في طريق الإصلاح والتغيير، كما أن التخوّف من فقدان الهوية الثقافية، في ظلّ العولمة، ساهم في تكريس الثقافة الأبوية كجزء لا يتجزءا من الثقافة العربية الإسلامية، وطالبت الخبيرة العربية بإيجاد صيغة لإزالة هذه المخاوف المطروحة في العالم العربي وإزالة صيغ الشروط والفرض والهيمنة من الخارج، وذلك من خلال التوصل إلى آليات للعمل على دفع صيغة شراكة تتفادى الهيمنة والاشتراطات حتى هنالك تكون شراكة حقيقية في هذا العالم المتحوّل.

وفي إطار المخاوف الثقافية التي ساهمت العولمة في إثارتها أشارت البرلمانية التونسيّة السيدة سلوى التارزي في مداخلة عميقة ومطوّلة إلى أن وضع المرأة العربية المتدني في بعض المجالات لا يعود إلى تقصير الحكومات أو المجالس النيابية بل إلى رفض المجتمع الاعتراف بحقوق المرأة على مستوى الواقع. ولفتت الانتباه إلى أن مفاهيم جديدة قد ظهرت في إطار إدراج المرأة في مسارات التنمية مثل مفهوم التمكين وحرية اتخاذ القرار والتوجيه وهي مفاهيم تساعد المرأة على اكتساب المهارات الضرورية للإسهام الواعي في تنمية مجتمعها بل والمساهمة في توعيته، وأوضحت البرلمانية التونسية أن بعض المؤشرات والنسب والإحصائيات لا تكفي للدلالة على النهوض بأوضاع المرأة كنسب موقع المرأة في التعليم أو العمل إذ يمكن أن لا تحصل المرأة على نفس أجر الرجل في نفس فئة العمل وأشارت إلى دراسة قام بها مركزالبحوث والتوثيق حول المرأة بتونس تخصّ اندماج المرأة في عمليات التنمية السياسية والاجتماعية والاقتصادية بناء على مؤشرات مختلفة مثل لامركزية التنمية، الانصهار في مجتمع المعرفة، مواصلة المسار الديمقراطي والمساهمة في المجتمع المدني. وقد خلصت السيدة التارزي إلى المطالبة بإقرار خطط عمل عربية - أورومتوسطية تدعم الآليات المتاحة لترسيخ مكانة المرأة والعودة إلى مرجعيات هامة مثل إعلان بيكين وإلى تجارب مثل تجربة الاتحاد الأوروبي في مجال الشراكة وتكافؤ الفرص.

وركزت البرلمانية التركية قلسون بلجان والخبيرة عن مجلس أوروبا على اهتمام هذا المجلس بقضايا المرأة المهاجرة في أوروبا، وعرفت الخبيرة التركية بجملة من القوانين والإجراءات الصادرة عن مجلس أوروبا لمساعدة المرأة العربية والمتوسطية المهاجرة للاندماج في مجتمعات الاستقبال واحترام حقوقهن ومن ضمنها الحقوق الثقافية.

وفي نقاش للورقات المقدمة تمت الإشارة إلى مغالاة تقارير التنمية العربية في تصوير وضع المجتمعات العربية وإبرازها على غاية في السلبية وبالذات فيما يخصّ أوضاع المرأة في حين أن هنالك تجارب تحديث رائدة وناجحة في مجال المرأة، مثل تجربة تونس التي احتفلت عام 2006 بمرور 50 سنة على صدور مجلة الأحوال الشخصية وغيرها من التجارب العربية الأخرى التي خطت خطوات على قدر كبير من الأهمية في مستوى تعزيز مكانة المرأة. كما تمّ التساؤل عن عدم ضرورة إلتفات الدول الأوروبية إلى أسباب هجرة المرأة العربية بدلا من الاكتفاء فقط بالنظر إلى إفرازاتها وتأثيراتها على مجتمعات الاستقبال.

وذكرت الدكتورة ودودة بدران بدورها أن منظمة المرأة العربية قد اهتمت بقضايا المرأة المهاجرة وبقضية الحوار، وان للمنظمة برامج شبيهة بتلك التي أعدّها مجلس أوروبا ومنظمات الاتحاد الأوروبي و أن التنسيق بين هذه البرامج ضروري للوصول إلى الأهداف الموجودة.

الاشتراطات والخطابات المزدوجة

وعن واقع وآفاق الشراكة العربية – الأورو متوسطية في مجال المرأة ، تساءل السيد جوزي كارلوس كوريا نوناس المدير التنفيذي لمركز شمال / جنوب لمجلس أوروبا، هل لدينا نفس النظرة للشراكة في موضوع ندوتنا هذه؟، ودعا إلى ضرورة توضيح الأجندة والأهداف المرجوة والآليات المعتمدة لتنفيذ برامج الشراكة واستراتيجياتها، حيث أن دول الجنوب، حسب قوله، كثيرا ما تطلب اعتمادات من دول الشمال لتمويل برامج لا يتم تحقيقها أو تحوّل هذه الإعتمادات إلى برامج أخرى. كما تساءل: هل لدينا المؤسسات الكافية (من برلمانات ومؤسسات المجتمع المدني لتحقيق تطلعاتنا المقبولة، وكيف يمكن لنا أن نكرس هذه التطلعات على مستوى القرارات؟ كما تساءل عن المعايير التي تحكم هذه الشراكة، لأننا عندما نتحدث عن الديمقراطية فإن على الجميع أن يفهم منها ترسيخ الأجيال الثلاث لحقوق الإنسان. وهذا الفهم المشترك للديمقراطية والتركيز على مسألة الفقر وإدماج المرأة ومسألة الجندر في مخططاتنا ومشاركة المجتمع المدني والحكم الرشيد هي من العوامل التي تؤثر على هذه الشراكة.

وخلص المدير التنفيذي لمركز شمال /جنوب لمجلس أوروبا إلى تقديم العديد من التوصيات منها: إنشاء شبكة أورو متوسطية يشرف عليها مجلس أوروبا للعناية بقضايا المرأة. و دعم القوانين والنصوص التشريعية الهادفة إلى تحقيق المساواة بين المرأة والرجل في الفضاء العربي والمتوسطي ونشر ثقافة المساواة وإحياء سبل التفاعل الثقافي بين الفضائين.

وبروح نقدية فكرية عالية تحدثت الدكتورة فتحية معتوق الأستاذة بكلية العلوم السياسية والإعلام بجامعة الجزائر عن واقع الشراكة العربية الأورو- متوسطية وموقع المرأة منها، و أشارت إلى أننا نواجه، جميعا، متقدمين وغير متقدمين تحديا جديدا وهو خطر اتخاذ القرار في بيئة أصبحت مسافة المجهول فيها أكثر من مسافة المعروف نتيجة للاحتكار والسرعة الفائقة التي تغير بها مسار الأحداث. لذلك يمكن اعتبار مسألة الشراكة أمرا ناتجا عن قناعات تبين بأن المرحلة الراهنة ليست مرحلة عابرة، تحدث فيها الأحداث ثم تزول، وليست مجموعة من الظواهر الاقتصادية التي تهدف إلى تحرير الأسواق وإنّما هي ثورة تكنولوجية واجتماعية وثقافية يميّزها تصاعد العلاقات المتعدّدة الأطراف كما ترجع أهمية الشراكة إلى فكرة أنه لن يصنع التقدم، في هذا القرن، سوى "المزاوجة" الحيّة والخلافة بين الخصوصية والعالمية في إطار نسق من القيم تساهم في صنعه شعوب العالم من خلال حوار إيجابي بين الحضارات. ومن هنا تأتي أهمية إدماج المرأة العربية والأورو- متوسطية في الشراكة لأنها تمثل تدعيما للمساواة والمواطنة المسؤولة، خاصة أن للنساء العربيات حماس إصلاحي واسع إلاّ أنه يجب الانتباه ، كما تقول الباحثة الجزائرية أنه لا فائدة من مشاركة المرأة في هذه الشراكة إذا ما كانت مشروطة وتوجهها خطابات سياسية مزدوجة، كما أن هذه الشراكة يجب أن تتم في احترام وتنفيذ مجموعة من الحقوق والمبادئ منها: حق المرأة في الدفاع عن مصالح مجتمعها، وحقها في الدفاع عن خصوصية انتمائها وثقافتها، وحقها في المشاركة في الحوار والتفاوض واتخاذ القرار حتى تكون المرأة فاعلا في القرار وليس موضوع قرار.

وقد أثارت مسألة ازدواجية بعض خطابات الحكومات الأوروبية والهيئات الدولية اهتمام السيدة سلوى العياشي اللبّان وزيرة شؤون المرأة بتونس التي طالبت أثناء نقاش الورقات المقدمة هذه الهيئات المعنيّة بالشراكة مع البلدان العربية بإعادة النظر في المقاربات التي تعتمدها في مجال الشراكة بين الشمال والجنوب، حيث أن هذه الهيئات تنطلق من مفارقات عجيبة فهي من ناحية تطالب الدول العربية بالإصلاح والتغيير ودعم مكانة المرأة بها، ومن ناحية ثانية تدعم بشكل مطلق بعض منظمات المجتمع المدني التي تناهض الحداثة وتناهض حرية المرأة وتقاوم كل التجارب الرائدة في هذا المجال. وطالبت الوزيرة التونسيّة هذه الهيئات أن تكون لها استراتيجية واضحة في هذه المسألة وأن لا تغلق أبوابها أمام الحكومات العربية عندما تعكف على مسارات تنميتها قصد تطويرها وتطوير أوضاع المرأة وتطلب مساعدتها على ذلك، فيما تُفْتَحُ هذه الأبواب عريضة أمام منظمات غير حكومية تعرقل هذه المسيرة التنموية مرّة باسم الدين ومرّة أخرى باسم الأخلاق وهي في الواقع منظمات متطرفة تقف ضد التطوّر و تقاوم وجود المرأة كفاعلة في مسارات التحديث التي تنتهجها البلدان النامية.

تمايز إيجابي

لا شك أن تعزيز دور المرأة العربية والأورو- متوسطية لبناء شراكة وتنمية شاملة في عالم متحول لا يمكن أن يتحقق إلاّ في ظلّ حوار متواصل ومتكافئ تساهم المرأة أيضا بنائه خاصة أن المرأة كانت، دوما، كما أشارت الورقة المنهجية لهذه الندوة "في قلب التحولات الحضارية الكبرى لا كطاقه إنجابية فحسب وإنما بالأساس كطاقة إبداعية ناقلة للقيم السامية". وقد مثلت هذه المسألة محور المحور الثالث لهذه الندوة الذي ساهم فيه كل من الدكتور المنجي بوسنينة المدير العام للألكسو والدكتور نجيب بوطالب مدير المعهد الأعلى للعلوم الإنسانية بتونس الدكتورة كاتيرينا ستينو مديرة قسم السياسات الثقافية والحوار بين الثقافات باليونسكو.

وقد تساءل الدكتور بوسنينة في هذا الإطار عن أوجه الخصوصية والإفادة المتفرّدة التي يمكن أن تقدّمها المرأة في هذا السعي من طرف جانب من البشرية إلى بناء عالم جديد يقوم على الحوار بين الثقافات والتنمية المتضامنة. وبعد تعرضه إلى ماهية حوار الثقافات والتنمية المتضامنة، بعد أن أشار المدير العام للألكسو أننّا انتقلنا من مفهوم الحوار والتفاعل بين الثقافات والحضارات إلى مفهوم التحالف بينها، أبرز خصوصية نظرة المرأة إلى الكون عموما وإلى العلاقات الإنسانية خصوصا مما يعني أن هنالك "ثقافة نسائية" خاصة تتجلىّ في إحساس المرأة بالواقع وفي حسها العملي، والتزامها بقيم المشاركة والتآزر وهذه الخصوصية يمكن أن توضع في خدمة الحوار بين الثقافات والتنمية المتضامنة.

إلا أن المدير العام للألكسو اعترف أنه إذا كان من السهل الاقتناع بدور المرأة في هذا المجال فإنه من الأصعب أن توفر للنساء في هذا الوطن العربي، وفي الفضاء الأورو متوسطي، فرصُ أداء هذا الدور على أحسن وجه، فهذا يتطلب جهدا مشتركا بين دول ضفتي المتوسط والمنظمات الدولية والإقليمية المعنيّة ومؤسسات المجتمع المدني من أجل تيسير سبل مشاركة المرأة العربية والأورو متوسطية في أعمال ونشاطات تساعد على دعم الحوار بين الثقافات والتنمية المتضامنة. واعتبر الدكتور بوسنينة أن هذه الندوة تمثل منطلقا لمثل هذا العمل الجماعي من أجل الحوار وكذلك في مجالات أخرى تهم تعليم المرأة ومزيد إسهامها في المجتمع المدني، وفي العمل التنموي كما يمكن أن تهم "تمكين" المرأة عموما ومنحها فرصا أكبر للمشاركة في اتخاذ القرار وبذلك نكون من خلال هذه الندوة كما أكد، قد أضفنا بعدا آخر إلى ما يجمع بين ضفتي المتوسط وخطونا خطوة جديدة علي درب الحوار والشراكة بين منطقتين يجمع بينهما التاريخ والجغرافيا ومصالح مشتركة.

خلفيات فكرية مركزية

ومن جهته تساءل الدكتور محمد نجيب بوطالب مدير المعهد العالي للعلوم الإنسانية بتونس عن مكتسبات المرأة العربية في التنمية المتضامنة اليوم وعن التحديات التي تواجهها وعن العناصر العملية التي تحوّل الحوار الحضاري عامة والحوار من أجل تمكين المرأة خاصة من أمنية .. إلى واقع ملموس؟

و إجابة عن هذا التساؤل قدّم عالم الاجتماع التونسي قراءة نقدية لتقرير التنميّة العربية الأخير الذي يوجه نقدا فاضحا لواقع التمييز ضد المرأة العربية ينطوي، حسب الباحث التونسي، على كثير من التهويل وعدم مراعاة الواقع الاجتماعي ومستويات التقدم الحاصلة هنا وهنالك. كما أن هذا التقرير ينطلق، حسب الباحث أيضا، من خلفيّة فكرية وثقافية مركزية غربية تسلّم تسليما إيديولوجيا بأن ما يسود في البلدان الغربية من قوانين وتشريعات يمثل النموذج الأفضل والأرقى الذي يجب احتذاؤه، و أضاف أنه بالرغم من تفاوت درجات المشاركة فإن مشاركة المرأة العربية المعاصرة ليس بحاجة إلى استدلال أو تأكيد، حيث تدعمت عملية النهوض بحقوق المرأة في العقدين الماضيين بشكل جليّ في العديد من الأقطار العربية عبر تعزيز المساواة بين الجنسين، ووضع السياسات الاجتماعية التي عملت جاهدة على جعلهن شريكات فاعلات في التنمية الشاملة والمستديمة، و تحدث الدكتور بوطالب عن النموذج التونسي في هذا المجال، مبرزا العديد من المؤشرات والإحصائيات الدالة على المشاركة السياسية الحقيقية للمرأة التونسية واندماجها الاقتصادي والاجتماعي ممّا جعلها شريكا فاعلا في مسار التنمية. واعتبر أن المرأة المهاجرة يمكن أن تلعب دورًا بارزا في تعزيز الحوار بين الفضاء العربي و الأورو متوسطي.

تفكيك الصور النمطيّة

ولم تخْفِ السيدة كاترينا ستينو مديرة قسم السياسات الثقافية والحوار بين الثقافات باليونسكو وجود صور نمطيّة عن المرأة العربية في الغرب واعتبرت أنه من الضروري تفكيك هذه الصور السطحية وكذلك الثنائيات بين الشرق والغرب والمرأة والرجل، وهذا يتطلب في رأيها إدراج مفاهيم جديدة مثل مفهوم التمكين وتوسيع الدراسات في هذا المجال إلى العلاقات بين الأجيال وبين الجنسين والعلاقة بين المرأة والسياسة والعلاقة بالمساواة وبالحداثة.

كما أشارت إلى أن وسائل الإعلام في الغرب تنشر نفس الصور المشوهة عن المرأة في جنوب المتوسط حيث تختزلها في الأدوار التقليدية في حين أنها عرفت، في الفضائين، تقدما ملحوظا وتوسعا في المشاركة في الحياة العامة رغم ضعف مشاركتها في مراكز القرار، وتساءلت الخبيرة اليونانية هل على وسائل الإعلام أن تُعكس واقع المرأة وتكون مساهمة في تكريس واقع التمييز ضدّها أم على هذه الوسائل أن تساهم بشكل فعال في تغيير العقليات التي تقاوم أشكال تقدم المرأة؟ وطالبت بمشاركة المبدعة العربية والأورو متوسطية في صياغة المخيال الجماعي معتبره أن الثقافة هي إحدى وسائل التغيير البارزة للعقليات وبالتالي للمجتمعات ولموقع المرأة بها. إلا أن الثقافة كما تراها الباحثة اليونانية، لا تنحصر في الموروث الثقافي والاجتماعي وإنما هي مشروع تساهم المرأة في صنعة كلّ يوم بما يعني أن تكون الثقافة منفتحة أي متعددة، وهو ما يمكنّنا من العيش في فضاءات حضارية مختلفة وبالتالي التحاور دون توترات أو صراعات، وهذا لا يتم دون تمفصل ما هو محليّ وإقليمي ودولي، وهو يعني ضمن ما يعنيه عدم التقوقع في النسبية الثقافية والتعلّل بها للحطّ من مكانة المرأة.

محاربة الأصوليات

ولقد خصصت الندوة حلقة حوارية ترأستها الدكتورة سكينة بوراوي المديرة العامة لكوثر لوضع صيغ عملية لتعزيز التضامن ودعم الشراكة بين النساء في المجال العربي و الأورو متوسطي وتوضيح مفهم التشبيك كنشاط ومخرجات للتواصل والتأثير وتقييم التجارب الموجودة والتحديات المطروحة في هذا المجال. وقدمت الدكتورة خديجة هنيّ خبيرة الألكسو في مجال الحوار العربي الأوروبي مداخلة عن تجربة الألكسو في مجال التعاون المتعلق بتعزيز دور المرأة في التنمية في عالم متحوّل، كما تحدثت السيدة توليا كارتوني رئيسة منتدى المتوسط عن التجربة النسوية الإيطالية وعن المفارقات الموجودة بين قوانين وتشريعات الاتحاد الأوروبي، و بين الواقع الاجتماعي في بلدها الذي يحرم المرأة من العديد من الحقوق مثل حق الطلاق وطالبت الخبيرة الإيطالية بمحاربة الأصوليات مهما كان مأتاها. واعتبرت من جهة أخرى الدكتورة سالمة عبد الجبار مديرة مركز الحوار بين الأديان بليبيا أن وضع صيغ مشتركة بين الشمال والجنوب لخدمة السلم والتنمية وترقية أوضاع المرأة أمر ضروري. وتحدثت السيدة آمنة صولة عضو مجلس المستشارين بتونس عن معوقات العمل الجمعياتي وتخاذل بعض الهينات الأوروبية عن دعمها. وأشارت السيدة نجاة الطرابلسي البرلمانية التونسيّة عن دور تونس في وضع قضيّة المرأة و"تمكينها" في قلب عملية الإصلاح والتغيير في العالم العربي مشيرة بالخصوص إلى وثيقة الإصلاح الصادرة عن القمة العربية التي احتضنتها تونس والتي حرصت القيادة التونسية على تضمينها مبدأ وضع المرأة في قلب عمليات التحديث والديمقراطية والتنمية، واعتبار أن تعزيز مكانة المرأة في المجتمع هي المعارك الأساسية التي يجب أن تنجح في إدارتها المجتمعات العربية.

وقد أشرف الدكتور مايكل فرندو وزير الشؤون الخارجية بمالطا على اختتام فعاليات هذه الندوة، وأكد في كلمته أن مثل هذه الندوات التي تبحث في وجه من وجوه الشراكة العربية الأورو متوسطية على غاية من الأهمية لأنها تأتي بعد حقبة من الأزمات اتسمت بالحديث عن صراع الحضارات والثقافات. ولأنها تمثل فرصة ثمينة لتنمية سبل التعاون بين أبناء الفضاء العربي والمتوسطي وتطوير آفاقه وترسيخ دور المرأة كفاعل وشريك في هذا الإطار.

مرصد للمرأة العربية الأوروبية

وقد خلصت أعمال الندوة وما دار فيها من حوارات كانت أحيانا حماسية و ساخنة إلى العديد من التوصيات منها:

- ضرورة تقييم وتصحيح مسار المقاربات المعتمدة من قبل المؤسسات الأوروبية في مجال الشراكة ولاسيما في التعامل مع مكونات المجتمع المدني بما يساعد على تجاوز التناقضات والمفارقات بين المبادئ المعلنة والممارسات الفعلية تكريسا لمسار حقوق المرأة كركيزة أساسية من ركائز المنظومة الشاملة لحقوق الإنسان والديمقراطية وتعزيزا للتوجهات التحديثية بما يساعد على التصدي لكل مظاهر التطرف.

- ضرورة توخي مقاربات جديدة لتناول قضايا الهجرة في ظل التحولات المعاصرة والتكتلات الإقليمية المستجدة، وتوجيه المزيد من العناية لأوضاع ومصاعب المرأة المهاجرة وفق مبادئ العدالة والمساواة في الحقوق.

- إرساء آليات لتعميق الحوار بين نساء الشمال والجنوب وخلق شراكة مستدامة في إطار تكريس مفهوم التنمية المتضامنة و"تمكين" المرأة على أن يشمل مفهوم التمكين كل مجالات الحياة وتجسيم ذلك من خلال بعث شبكة توحد جهود النساء العربيات والأورومتوسطيّة، على أن تتولى منظمة المرأة العربية ومركز شمال جنوب التابع لمجلس أوروبا الإشراف عليها.

- احترام مبدأ التنوع الثقافي واعتبار الخصوصيات الثقافية عنصر إغناء وإثراء للمنظومات الحضارية المتوسطية وتوظيف كل فرص الاتصال كالهجرة والسياحة لصالح الشراكة والتنمية المتضامنة بين الضفتين.

- تأكيد المشاركين على أهمية دور الإعلام في التقريب بين الثقافات والشعوب ولا سيما في التعريف بالصورة الايجابية وغير النمطية للمرأة بين ضفتي المتوسط.

- إحداث مرصد للمرأة العربية والأورو متوسطية.

وفي اختتام فعاليات الندوة توجه المشاركون والمشاركات إلى السيدة ليلى بن علي حرم رئيس الجمهورية التونسية ببرقية شكر وتقدير على ما تضمنته رسالتها الكريمة من تشجيع ودفع لمسارات الشراكة بين النساء في المنطقة العربية والأورومتوسطية.

وأخيرا يمكن القول إن ندوة "المرأة العربية والأورومتوسطية: شراكة وتنمية في عالم متحوّل" جاءت تتويجا للأنشطة المكثفة التي قامت بها منظمة المرأة العربية خلال رئاسة تونس لمجلسها التنفيذي ومثلت منعطفا في عمل هذه المنظمة حيث دعمت انفتاحها على محيطها الإقليمي والدولي وعبّرت عن حاجة حيوية للنساء العربيات الباحثات عن الشراكة تتمتع بقدرة وكفاءة عالية لتحقيق أهداف مشتركة تحترم أخلاقيات تنظيم الشراكة وشروطها القائمة أساسا على الاحترام المتباد ل والمسؤولية والالتزام بالأهداف المشتركة.

طباعة >> | إغلاق النافذة >>


afkar@afkaronline.org