| الاستقلال... ومعارك تحصين السيادة
د.عبد السلام دمق
حقوقي، جامعـي - تونس "إن الاستقلال أمانة تاريخية كتبت حروفه بدماء شهدائنا وتضحيات مناضلينا والحفاظ عليه ودعم أركانه واجب وطني مقدّس على جميع التونسيين والتونسيات" (من خطاب الرئيس زين العابدين بن علي بمناسبة الذكرى السادسة والأربعين لعيد الاستقلال، قرطاج، 20 مارس 2002). تحتفل تونس يوم 20 مارس 2007 بالذكرى الواحدة والخمسين لاستقلالها. وذكرى الحصول على الاستقلال، هي ذكرى هامة في نفس كل مواطن تونسي، مهما كانت آراؤه، وأفكاره السياسية وانتماءاته الحزبية. ذكرى نفخر بها ونفاخر، ذكرى نعتبرها شهادة على وفائنا لأرواح الشهداء الأبرار. إن الحصول على استقلال البلاد كان تتويجا لنضال طويل، مضن، خاضه الشعب التونسي بأكمله منذ بداية الاحتلال سنة 1881، هذا الكفاح كان تقوده نخبة من المجاهدين، والمناضلين، والمقاومين، ضحّوا بحياتهم، ووهبوا دماءهم دفاعا عن الشخصية الوطنية، وحفاظا على وحدة تونس وسيادتها، فكسبوا إحدى أهم المعارك، وهي معركة التحرير. ومنذ الحصول على الاستقلال، انصرف اهتمام الشعب التونسي إلى بناء الدولة الحديثة. وقد واجهت تونس في بداية الاستقلال جملة من التحديات الكبيرة، إلا أنها استطاعت بفضل عزيمة شعبها أن تحقق جل أهدافها في التحصيل على استقلال البلاد، وتكريسه، وخوض غمار التنمية في مختلف الميادين. وتبعا لذلك حققت تونس مكاسب عدة لعل أهمها إرساء أسس الدولة الحديثة، والنظام الجمهوري، وسيادة القانون، ودعم القضاء الوطني... وهو ما تجسّم في أول دستور لتونس المستقلة فـي 1 جوان 1959. لقد كان هذا الدستور رمزا للسيادة الوطنية، و لاستقلال القرار، ولاستقلال البلاد من الأجنبي، كما كان رمزا لإلغاء الملكية، وإرساء الجمهورية، و مجسما لطموحات شعب ضحّى من أجل دستور يقيّد السلطات، ويحمي الحريات، بهدف تثبيت أركان دولة الشعب التونسي الفتية، وإقامة مؤسساتها، وإصلاح أوضاع البلاد. ويعتبر دستور تونس والذي يرمز لتحصيل تونس على استقلالها، سبّاقا في مجال تنظيم السلطات، وفصلها، وفي ذكر حقوق الأفراد بالنظر إلى وضعه في الخمسينات. ففي مجال الحقوق والحريات، جسّم دستور تونس المستقلة أهم الحقوق والحريات الأساسية المعروفة في ذلك الوقت، وهي حقوق الجيلين الأول والثاني من أجيال حقوق الإنسان. كما أعلن في تَوْطِئَتِهِ أن النظام الجمهوري هو خير كفيل لحقوق الإنسان. جسم دستور تونس المستقلّة إذا، جلّ حقوق الإنسان ضامنا بذلك أهم الحقوق المدنية والحريات السياسية، كحرمة الفرد وحرية المعتقد والقيام بالشعائر الدينية (الفصل 5)، مكرسا مبادئ العدالة والمساواة (الفصلان 6 و7) والحرية ، كحرية الفكر والتعبير والصحافة والنشر والاجتماع وتأسيس الجمعيات (الفصل 8)، وحرية التنقل داخل البلاد أو خارجها (الفصلان 10 و11). كما أقرّ عدة حقوق أخرى ذات طابع مدني كحق الملكية (الفصل 14). وضمن حرمة المسكن وسرية المراسلات (الفصل 9)، وأقرّ قرينة البراءة (الفصل 12) ومبدأ شرعية الجرائم والعقوبات (الفصل 13). فدستور 1 جوان 1959 هو من الدساتير القليلة التي كرست كل حقوق الأفراد آنذاك، وأرست مبادئ النظام الجمهوري، وفرّقت بين السلط. كما جاء في ديباجة دستور 1 جوان 1959 "أن النظام الجمهوري خير كفيل لحقوق الإنسان وإقرار المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات... وأنجع أداة لرعاية الأسرة وحق المواطنين في العمل والصحة والتعليم". وفعلا كرّس جيل الاستقلال الحق في الصحة ومجانية التداوي، كما قام بتحديد النسل. كما بادرت تونس المستقلة منذ سنة 1956، بإصلاح التعليم وتطويره. وقد أرسى الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة نظاما كانت علمانيته وعقلانيته إمتدادا مباشرا لاعتدال وعقلانية مشروع التنوير. فلا أحد يشك في المنطقة في مزايا إصلاح التعليم وتطويره بعيد الإستقلال، حتى أن كلمة "التعليم" وردت في توطئة أول دستور لتونس المستقلة مثلما تمت الإشارة إليه أعلاه. فكان قانون 1958 بمثابة الإنطلاقة لثورة علمية حديثة في مجال التعليم.فجاء هذا القانون الإصلاحي ليرسي عدة مبادئ تحديثية، أهمها توحيد التعليم في مختلف مراحله، وجعله متلائما مع واقع البلاد، وحاجياتها، ومسايرا لتطور العالم الحديث. وتواصل هذا المنهج الإصلاحي من خلال نشر التعليم، أفقيا وعموديا. كما برزت تونس المستقلة آنذاك بتكريس مبدأ إجبارية التعليم ومبدأ مجانيته، كما أدخلت عدة مواد هامة، كان هدفها آنذاك الإصلاح والتحديث. إصلاح الفكر من خلال تدريس اللغات، والعلوم الإنسانية كالتاريخ، والفلسفة والتي كانت تدرس في جامعة الزيتونة، وكذلك في المعاهد والكليات. وتدريب الفكر على الجرأة على النقد، وعلى حرية المبادرة، مما أثمر تعليما عقلانيا. كما كرس جيل الاستقلال حقوق المرأة، فقبل صدور مجلة الأحوال الشخصية صدر أمر 3 أوت 1956، والذي نقح مجلة الالتزامات والعقود الصادرة منذ سنة 1906، هذه المجلة، والتي تعتبر من أعرق المجلات القانونية في العالم، سوّت في فصلها السابع بين المرأة والرجل، فاعتبرت رشيدا كل إنسان ذكرا كان أو أنثى تجاوز عمره عشرين (20) سنة كاملة، كما منحت هذه المجلة في فصلها الثالث (3) الأهلية القانونية للمرأة والرجل على حد السواء. ثم جاء يوم 13 أوت 1956 ليكون أول إجراء نحو إرساء النظام الديمقراطي، الذي يرفض إقصاء أي من أبناء تونس وبناتها، فصدرت مجلة الأحوال الشخصية، مجلة سوّت بين المرأة والرجل، ومنعت تعدد الزوجات (الفصل 18)، ومنعت التطليق من جانب واحد، حيث أصبح الطلاق قضائيا (الفصل 30)، كما منحت للمرأة نفس حقوق الرجل عند وقوع الطلاق (الفصلان 31 و32). ثم ظهرت للوجود مجلة الشغل في 30 أفريل 1966، فمنعت التميز بين الجنسين، كما منعت تشغيل النساء في الليل لأكثر من 12 ساعة متتالية... ولقد تدعّمت هذه الحقوق التي برزت أشهرا قليلة بعد الاستقلال، في دستور تونس لسنة 1959، حيث أصبح مبدأ المساواة، والذي ناضلت من أجله كل نساء العالم، مبدأ دستوريا في تونس. وهكذا كرّس جيل الاستقلال حقوق المرأة، بل أن تونس تعتبر مثالا لتكريس هذا الحق، قصد تحصين الاستقلال من الأفكار الظلامية، ومن الجهل، والفقر، فتمكين المرأة من كامل حقوقها السياسية، والمدنية، والاقتصادية، والاجتماعية، هو حصانة لاستقلال البلاد، وخروج المرأة للعمل، هو حصانة للعائلة أوّلا، وللمجتمع ثانيا من الفقر والحاجة، وهذا ما تثبته التقارير الأممية التي تشدّد على أن المساواة بين المرأة والرجل في كل الميادين يقضي على الفقر، كما أن تمكين المرأة من التعلم على قدم المساواة مع الرجل يمكن المجتمع من التصدّي للأفكار الانتكاسيّة، والهدّامة، ويكرس قيم التحديث modernisme ، والتحرير libéralisme ، والتنوير les lumières . هذه الإجراءات التي تهم المرأة، والتعليم، والصحة، وتحديد النسل. ماذا أعطت؟ ماذا أثمرت؟ ماذا أنتجت؟ لقد أنتجت هذه الإجراءات والإصلاحات مجتمعا حداثيا، متحررًا، نيّرًا، لكنه حريص على التمسك بأصالته، وحضارته، وتاريخه المجيد. مجتمع متمدّن، أبهر الجميع. إلا أن "ما طرأ بالبلاد في آخر تلك المرحلة قد أضعف مؤسسات الدولة وأوشك أن يبدّل طبيعتها بسبب المخاطر التي هددت آنذاك استقرارها وأمنها واستقلالها فتداركنا الوضع بالتغيير وتصحيح المسار وأعدنا للدولة التونسية هيبتها وللمؤسسات الدستورية شرعيتها ولسيادة الشعب حرمتها وللحياة السياسية حيويتها واتّخذنا مجموعة من المبادرات والإصلاحات التي دعمت تماسك المجتمع وأثرت قطاعات التنمية ومكّنت بلادنا من أن تستأنف مسيرتها نحو الرقي والازدهار..." (من خطاب رئيس الجمهورية زين العابدين بن علي بمناسبة الذكرى التاسعة والثلاثين للاستقلال، قرطاج 20 مارس 1995). إن تونس سعت منذ التحول السياسي لسنة 1987، إلى تحصين استقلالها وحمايته، وذلك بإزالة عوامل التبعية، وبإعداد المواطن التونسي للمساهمة المبدعة، والفاعلة، والمتميزة تحقيقا لمشروعها الحضاري. إن صيانة الاستقلال لا تقل قيمة، ولا شأن عن الحصول عليه، وكسب معركة الاستقلال، لا يقل قيمة على كسب معارك أخرى، للحفاظ على الاستقلال. إن من المعارك التي تم كسبها نذكر معركة التنمية، وهو ما ورد في خطاب الرئيس بن علي في 20 مارس 1990، حين ذكر أن "معنى الاستقلال اليوم هو قوة اقتصادنا... واكتسابنا لمستوى عال من المهارات". فصيانة الاستقلال تكمن في تمتين الاقتصاد، وتثبيت مقومات التنمية الشاملة، وذلك بتطوير قدرة الاقتصاد على الابتكار والتجديد، وإعطاء دفع هام للأنشطة الواعدة، والرفع من مستوى الاستثمار وتنويعه، والرفع من نسق الإنتاجية، والنهوض بالعنصر البشري، وتطوير صناعة الذكاء. إن تحصين الاستقلال لا يتم إلا بالعمل، والبذل، والكد، وقد جاء في خطاب الرئيس بن علي في 20 مارس 1999 أن الاستقلال "بمعانيه المختلفة كسب قد لا يدوم إذا لم يصنه العمل، والبذل، والتضحية، ولم ترسخ مقوماته وفقا لما تقتضيه نسبة التطور على الصعيدين الوطني والعالمي". فبالنسبة للرئيس بن علي فإن من قيم الاستقلال اليوم ثقافة الإبداع، وروح المغالبة، كما أن الوطنية تقاس وتتجسم بالعمل، والبذل، وسخاء العطاء. إن صيانة الاستقلال تكمن في تحصين أركان النظام الجمهوري، وتمتين سيادة الشعب، وتكريس الديمقراطية، والتعددية، وحقوق الإنسان في مفهومها الشامل، وصيانة سيادة الدولة، وتجذير ثقافة المواطنة. إن صيانة الاستقلال تكمن إذا في قوة النظام السياسي للبلاد. وفعلا، وتكريسا لمبدأ سيادة الشعب وقاعدة الانتخاب، أذن رئيس الجمهورية زين العابدين بن علي منـذ 25 جويلية 1988 بتعديل الدستور ليلغي الرئاسة مدى الحياة، وليحدّد إعادة الترشّح لمنصب رئيس الجمهورية. وفي هذا السياق جاء في خطاب الرئيس زين العابدين بن علي بمناسبة الذكرى الأربعين لعيد الاستقلال ما يلي : "إن تونس استردّت بالتحول كامل سيادتها تماما كما كان الاستقلال لحظة الارتقاء التاريخية إلى تلك السيادة، فأعدنا إلى الدولة هيبتها وإلى الدستور علويته وإلى النظام الجمهوري مقوّماته وإلى القانون حرمته وإلى العمل السياسي أخلاقياته وإلى الشعب ذاكرته التاريخية محقّقين بذلك مصالحته مع هويته الوطنية وانتمائه الحضاري. ولم نقتصر على إعادة الاعتبار إلى كل ما بناه المصلحون وأجيال الكفاح والاستقلال بل عملنا على تجسيم طموحات شعبنا إلى نظام ديمقراطي تعدّدي..." (قرطاج 20 مارس 1996). إن تمتين الاستقلال يكمن كذلك في تجديد النظام الجمهوري، لذلك أتى الإصلاح الجوهري للدستور في 1 جوان 2002 لمجابهة متطلبات المرحلة القادمة. أتى ليهيّئ لمرحلة سياسية طموحة، ويؤسّس لجمهورية الغد. وفعلا كرس الإصلاح الجوهري للدستور لسنة 2002 فكرة التجديد الجمهوري، فدعم مبدأ سيادة الشعب، كما دعم فكرة مشاركة الشعب في تعيين الحاكم، من ذلك ترسيخ التعددية في الترشح إلى أعلى مسؤولية في الدولة. وأقر الإصلاح الدستوري لسنة 2002 مبدأ إخضاع الحكومة للمساءلة الحينية. كما ارتقى بعدة مبادئ نبيلة، وقيم سامية إلى مرتبة الدستور، لأول مرة في التاريخ الدستوري التونسي، كالالتزام بكونية حقوق الإنسان، وشموليتها، وترابطها، وتكاملها، ومبادئ التسامح، والتضامن، والتآزر، وحماية المعطيات الشخصية، والحماية القضائية للموقوفين... إنّ الارتقاء بمجمل هذه المكاسب التي تحقّقت منذ التحول السياسي سنة 1987 إلى مرتبة الدستور، ما هو إلا حرص من الرئيس زين العابدين بن علي على تطوير حقوق الفرد وضمان حمايتها. "إن تحرير الإنسان جزء لا يتجزأ من تحرير الوطن، وقد سخرنا جهودنا منذ التغيير لتحقيق هذه الغاية دعما لأركان الاستقلال وترسيخا لمناعة تونس وإحكاما لترابط الأجيال وتعزيزا لكرامة المواطن " (خطاب الرئيس بن علي في 20 مارس 2001). لقد بيّن الفكر السياسي الحديث أن تحرير الوطن لم يعد كافيا، بل لا بد أن يتبعه تحرير الإنسان. لأن في تحرير الإنسان مناعة حقيقية ومستديمة لسيادة الوطن، واستقراره و رفاهه. والقيم التي يتأسس عليها تحرير الإنسان، ليست قيم الحرية، أو التحرر فقط، بل كذلك قيم المبادرة، والتفاني، والإبداع. فالوطنية تقاس وتتجسّم بالعمل والبذل، وسخاء العطاء. لقد أكّد الرئيس بن علي في خطابه في 20 مارس 1996 أن "الاستقلال رهان متجدّد على مدى التاريخ تتغير ظروفه وتتطوّر أبعاده ومفاهيمه ولكن جوهره ورموزه واحدة...". ومن هاته الرموز إضافة إلى تحرير الإنسان، وإطلاق حريته السياسية، وضمان حقوقه الاقتصادية، والاجتماعية، إسهامه الحقيقي في البناء المشترك حتى يتحقّق الرفاه للجميع، وحتى نحصّن سيادة الدولة، ونحقّق العزة للوطن. إن تحصين السيادة ليست مسؤولية الدولة وحدها، وإنما مسؤولية المجتمع كله. إن معاضدة مجهود الدولة في المسيرة التنموية من قبل كل مكونات المجتمع، يشكل فضاء لإذكاء روح المواطنة، والمبادرة، والإبداع، والإفادة، ونشر قيم التضامن، والتآزر بين كافة شرائح المجتمع. وفي هذا السياق جاء في خطاب الرئيس بن علي أثناء إحيائه لليوم الوطني للجمعيات في 23 أفريل 2005، ما يلي : "... والاستقلالية التي نقصد لا تعني الاستقالة حين يتعلق الأمر بمصالح الوطن وصورته والحفاظ على سلامته واستقلاله وتحقيق طموحات المستقبل. فالدفاع عن سيادة الأوطان واستقلالية القرار في عالمنا اليوم ليس مسؤولية الدولة فحسب بل أصبح أمام توظيف بعض المفاهيم بمعايير مزدوجة مسؤولية مشتركة بين الدولة ومكونات المجتمع المدني التي يقع على عاتقها واجب السعي من أجل تعميم الوعي الوطني وتجذير الشعور بالانتماء حتى نواجه التحديات ونكسب الرهانات". فمن مظاهر المواطنة أن يحرص المواطن على تحصين سيادة وطنه من خلال الدفاع عن وطنه، ورفض الأفكار المتطرفة، والهدامة، والمساهمة في نشر ثقافة التسامح، والوسطية، والاعتدال، كيفما يكرّسه ديننا الحنيف. كما أن المواطنة، هي تمتيع الفرد بكل الحقوق دون استثناء، وبممارستها دون استثناء، وهي الاعتزاز بما تحقق كذلك، وهي كذلك التعريف بالإنجازات، والإصلاحات، وتثمينها. السيادة في تونس الحديثة إذا هي مسؤولية الدولة من خلال استقلال القرار السيادي، وحماية الاستقلال الترابي، وحماية حقوق الأفراد من كل انتهاك واستغلال، وهي كذلك شأن المواطن التونسي، فكل الإصلاحات السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، والثقافية، جعلت التونسي يفتخر بانتمائه لوطنه، ويعرّف بإنجازاته، ليحقق أعلى درجات المواطنة، باعتبار أن المواطنة وجها من وجوه السيادة. كما أنّ من مظاهر المواطنة واجب الدفاع عن البلد، فتوفير هاته الحقوق التي يتمتع بها المواطن داخل وطنه، تجعل للمواطنة معنى، ويحق بموجبها انتماء المواطن وولاؤه الإيجابي وتفاعله الإيجابي للدفاع عن وطنه وصونه، لتقوى سيادة الوطن. ثم إن الإصلاحات الاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية، الدستورية منها، أو القانونية، المتكاملة، والمتتالية، طبّقت قيم الحكم الرشيد أو الحكم الجيد la bonne gouvernance . والحكم الرشيد أو الحكم الجيّد هو مفهوم سياسي اقتصادي ظهر حديثا، وأصبح يقيم نجاح الأنظمة السياسية، وصحة اقتصادياتها. إن الحكم الرشيد la bonne gouvernance ، كيفما عرفته المؤسسات النقدية الدولية، هو كذلك الحكم الديمقراطي la gouvernance démocratique ، وهو ممارسة السلطة بشكل يحترم حقوق وكرامة وحاجات الجميع في الدولة، فالحكم الرشيد هو عقد اجتماعي جديد، هدفه تعبئة أفضل القدرات والمزايا من أجل إدارة أكثر رشدا وترشيدا لشؤون المجتمع والحكم. وبقراءتنا لمفهوم الحكم الرشيد، والذي يقوم على عدة قيم عالمية، منها : التضمينية، l'inclusivité ، والمساءلة la responsabilisation ، والشفافية la transparence ، نجده يتطابق ومفهوم الحكم في تونس. فتونس أقدمت منذ نهاية الثمانينات، على إدخال عديد الإصلاحات والتي أثّرت إيجابا وبشكل مباشر على الحياة الاقتصادية والاجتماعية، فحصنت استقلالها، ومتنت سيادة قرارها. فالاستفادة من الخدمات التي توفرها الحكومة، وتشريك الجميع في إدارة الحكم، وتأمين الفرص المتساوية، وإصدار تشريعات ضد الممارسات التمييزية، سواء كان ذلك بين الجنسين أو بين الجهات، والتوزيع العادل للثروات، وتوفير الدولة للخدمات العامة لأفرادها، وإرساء أنظمة وحوافز متعدّدة لتأمين الحكم الرشيد كفصل السلطات، ودعم استقلال القضاء وتثمينه، وإنشاء أجهزة رقابة، لتأمين شفافية الانتخابات، وشفافية الحكومة، وحرية الصحافة، والحق في الإعلام والمعلومة، والتنافسية، والاختيار، والتنافس بين الممثلين والسياسات وبدائلهم، والنقاش، وانفتاح المؤسسات السياسية ومستوى المشاركة، واحترام الحريات العامة، ما هي إلا مظاهر تطبيق تونس لقواعد الحكم الرشيد. إن تطبيق تونس لهذه القواعد، يؤكّد صحة اقتصادها، وسلامة إصلاحاتها السياسية، وقوة نظامها السياسي، كما أن في تطبيق تونس لقواعد الحكم الرشيد دعم لمصداقيتها دوليا، بما يؤكّد أن تونس نجحت بفضل قائدها الرئيس بن علي في كسب معركة الإصلاح، والتحديث، وفي تحصين الاستقلال وتمتينه. إن تونس تعيش فترة البناء الديمقراطي، الذي وصل إلى مرحلة جد متقدمة. وقد اعْتَبَرْتُ الديمقراطية في تونس في كل كتاباتي، بأنها "ديمقراطية طموحة" " Une démocratie ambitieuse "، وهي بحاجة إلى كل أفراد المجتمع، إلى كل التونسيين، على اختلاف أجناسهم، وأجيالهم، وأعمارهم، ودرجاتهم، ومستوياتهم، كما أن هذه الديمقراطية هي بحاجة إلى كل مكوّنات المجتمع لبناء هذه الديمقراطية. فيمكن أن نختلف في آرائنا، ونختلف في انتماءاتنا، وفي خياراتنا، لكن يجب أن نتفق وأن نلتقي حول شيء واحد وهو حب الوطن، والذود عنه، وعن استقلاله، واستقلاله لا يكون إلا باستقلال الرأي، ولا يتحقق إلا باستقلال القرار. إن تعزيز حقوق الفرد في تونس وتوسيع مجالها، يدفع بالمقابل إلى تحميل الفرد واجبات محدّدة تجاه وطنه. فتحصينا لاستقلال تونس، وتمتينا لسيادتها، دعم الإصلاح الدستوري لسنة 2002، واجب الولاء الكامل لتونس، وأدرج هذا المبدأ في دستور تونس لسنة 2002 (الفصل 15 جديد). فالدفاع عن حوزة الوطن واجب مقدّس على كل مواطن، وفي ذلك ترسيخ لمقومات الهوية ولقدسية الانتماء لتونس. وقد يعتبر البعض أن الولاء للوطن لا يحتاج إلى تقنين، فكل الأفراد وطنيون بالضرورة، إلا أن رواسب الاستعمار، ومستجدات العولمة، وتوظيف بعض المفاهيم بمعايير مزدوجة، يستوجب التذكير دائما بهذا المبدأ، وترسيخه مبدأ عالويّا به في أعلى قوانين الدولة، والرجوع إليه في كلّ مرة لتكريس المواطنة الفاعلة. فعالم اليوم أزيلت فيه الحدود، وتشعبت المصالح، وتزايد تدخل الأجنبي. وتحت غطاء حقوق الإنسان، وبدعوى النضال الإنساني من أجل مبادئ سامية، وظّفت أموال طائلة، واستعملت منظمات غير حكومية، واستخدمت أدواتها، وفضاءاتها، وسخّرت وسائل إعلام عديدة، لخدمة مصالح أجنبية بعضها واضح وبعضها خفيّ، على حساب مصالح هذا الوطن أو ذاك. إن الحق في الاختلاف لا بدّ أن يولّد واجبا في الوحدة. فالآراء المختلفة والبرامج المتعددة والمصالح المتنافسة يجب أن تلتقي حول شيء أسمى، هو حب الوطن وحمايته والمحافظة على استقلاله وسيادته وعلى سلامة ترابه. فالأرضية السياسية في تونس، أصبحت تقبل كل رأي، وتناقش كل برنامج وتقيم كل مصلحة، إلا أنها لا تقبل الرأي الذي يمس بقداسة الوطن، والمصلحة التي تضر بمصلحته العليا. "إن مناعة تونس اليوم وأمنها واستقرارها تواصل وترسيخ لأسمى معاني استقلالها" (من خطاب الرئيس زين العابدين بن علي بمناسبة الذكرى الأربعين لعيـد الاستقـلال، قرطـاج، 20 مارس 1996). اعة >> | إغلاق
النافذة >> |