جودة الخدمات الإداريّة

د.خالد قدّور دكتور في الاستشراف واستراتيجيا المنظمات - تونس

مقدمة

شرعت تونس منذ عدّة سنوات في تنفيذ جملة من البرامج القطاعية الرامية إلى تحسين جودة الآداء والاقتراب من المقاييس والمعايير العالمية.

وكان القطاع الصناعي أول مستفيد من هذه التجربة وذلك من خلال برنامج تأهيل النسيج الصناعي الذي تتولى الدولة تمويله بالتعاون مع الاتحاد الأوروبي، والذي يهدف إلى دعم القدرة التنافسية للمؤسسات وتيسير انخراطها في شبكات التوزيع العالمية من خلال العناية بعناصر الجودة وتنظير المقاييس المعتمدة مع المقاييس الدولية.

ومن أهداف البرنامج مساعدة المؤسسات على ارساء نظم التصرف في الجودة طبقا للمواصفات ايزو 9001 وايزو 14001 بالاضافة الى المواصفات القطاعية وأدوات الجودة الشاملة.

ويهدف نظام التصرف في الجودة ايزو 9001 الى ضمان التحكم في المسارات والتحسين المستمر داخل المؤسسة اضافة الى المتطلبات الاساسية لضمان الجودة.

أما نظام التصرف البيئي ايزو 14001 فانه يرمي إلى إرساء قواعد حفظ الصحة والسلامة ومتطلبات الحفاظ على البيئة وضمان تعهد المؤسسة بتطبيقها .

وقد مكن هذا البرنامج العديد من المؤسسات التونسية من الحصول على شهادات المصادقة على الأنظمة طبقا لهذه المواصفات.

كما شملت البرامج القطاعية تحسين جودة منظومة التعليم والتكوين بجميع أصنافه، وبرامج تحسين الخدمات الصحية وبرنامج تحسين جودة المنتوجات الفلاحية وبرنامج تحسين جودة ة خدمات النقل. كما حظي القطاع البنكي بجملة من الإصلاحات الرامية إلى تحسين جودة الخدمات البنكية.

الإطار المرجع لبرنامج الجودة في المصالح الإدارية العمومية

انخرطت الإدارة بدورها في هذا المسار وأولت مكانة محورية لتحسين جودة الخدمات الإدارية نظرا لما تكتسيه من أهمية بالغة في تحسين نوعية حياة المواطن وتعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد الوطني، وتسريع نسق التنمية.

وقد أبرز تقرير عرضه البنك العالمي خلال ندوة انتظمت بتونس خلال شهر ماي 2005 أن رفع نجاعة الإدارة العمومية عامل أساسي لتحقيق النمو الاقتصادي والرّفاه الاجتماعي لبلدان المغرب العربي، أي أن إرساء إدارة عمومية تعمل وفقا لمبادئ الجودة وتقوم بدور فعال في مجال إسداء الخدمات ومجال تطوير البنية الهيكلية الاقتصادية يساعد على رفع نسق النمو السنوي بــ %1 .

وقد طور البنك العالمي في هذا الاطار عدة مؤشرات لقياس أداء الإدارة منها مؤشر جودة الإدارة ومؤشر نجاعة الإدارة.

مؤشرات الجودة   والنجاعة في الإدارة العمومية

 

مؤشرات لجودة في الإدارة (%) العمومية

 

مؤشرات النجاعة في الإدارة (%) العمومية

 

2000

2005

2005

تونس

65

74

67

معدل بلدان شمال إفريقيا والشرق الأوسط

46

49

45

معدل بلدان التعاون والتنمية الاقتصادية

89

89

88

ا لمصدر : البنك العالمي: مؤشرات الحكم الرشيد و

« Economic Development and Prospects 2006 »

وتبرز هذه المؤشرات التموقع الجيّد للإدارة التونسية حيث أنها متحصلة على 74 % بالنسبة للجودة و 67 % بالنسبة للنجاعة. وبالرغم من أن تونس تحتل مرتبة أفضل نسبيا مقارنة بالمعدل الإقليمي، إلا أنه عليها قطع شوط هام من الإصلاحات قبل أن تتمكن من الاقتراب من معدل البلدان التي تهدف إلى اللحاق بها وهي بلدان الثلث الأخير لمنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية.

ويحتل موضوع جودة حياة المواطن بعدا استراتيجيا في سياسة الرئيس زين العابدين بن علي وهو أحد النقاط الأساسية في برنامجه المستقبلي لتونس الغد من خلال التأكيد المتواصل على ضرورة تحسين جودة الخدمات الإدارية، حيث أفرد الإدارة بالنقطة 11 من برنامجه الانتخابي وهي "إدارة تخدم المواطن وتهيئ لاقتصاد جديد" والتي وضعت الإطار الشامل "لتعميم نظام الجودة بالمصالح العمومية الإدارية".

وتجسيما لهذه الأولوية الوطنية، أكّد سيادة الرئيس في خطابه بمناسبة الذكرى الـ50 للاستقلال على أن "السنوات العشر القادمة ستشهد مزيد البذل والعمل والاجتهاد" من أجل تعزيز هذا الخيار والإسراع بتحقيق الأهداف الاستراتيجية للتنمية وهي الارتقاء بجودة حياة المواطن وبمستوى الرّفاه الاجتماعي واللحاق بمصّاف البلدان ذات المؤشر الأعلى للتنمية البشرية في آفاق 2009 (المرور من 0,766 حاليا إلى 0,8 سنة 2009)، ومضاعفة الدّخل الفردي مرّتين ليبلغ ثمانية آلاف دينار ( 6000 دولار) سنة 2016 و 13500 دولار سنة 2030 (10 آلاف دولار للبلدان المتقدّمة حسب مؤشر البنك الدولي)، وتقليص نسبة البطالة إلى حدود %10,3 سنة 2016 و % 6 في آفاق 2030.

كما أكّد في خطابه بمناسبة افتتاح ندوة البلديات لهذه السنة على تكثيف البرامج الرامية إلى تحسين أداء الإدارة ومزيد الارتقاء بجودة الخدمات الإداريّة واختصار آجال إسدائها.

أهداف برنامج الجودة

أصبحت الإدارة مطالبة اليوم بالتحسين المستمر للخدمات الادارية وبارساء المحيط الملائم لتسريع نسق النمو ودفع الاقتصاد وتطوير الانتاجية، وذلك بالتركيز على الجدوى والفعالية في تقديم الخدمة ، والتوجّه إلى تحقيق الأهداف والنتائج وإدارة الموارد العامّة باقتصاد وفعالية من أجل تحقيق الرّفاهة للجميع، والعمل على خدمة المواطن والمؤسسة الاقتصادية بما يقتضيه ذلك من نجاعة وسرعة استجابة وشفافية.

ومواكبة لهذا الدّور الجديد الموكول إلى الإدارة، يهدف المخطط الوطني للجودة بالمصالح العمومية إلى:

- تحسين نوعية الخدمات المسداة إلى المتعاملين مع الإدارة وكسب ثقتهم ورضاهم

- تطوير المردودية المؤسساتية

- الارتقاء بمؤشرات جودة الإدارة العمومية إلى مستويات البلدان المتقدمة

أهمّ إنجازات برنامج الجودة في المصالح الإدارية العمومية

تعددت المبادرات والإجراءات الرئاسية للارتقاء بجودة الأداء الإداري من خلال أجيال متعاقبة من الإصلاحات تمحورت بالأساس حول:

برنامج تحسين العلاقة ودعم الثقة بين الإدارة والمتعاملين معها من خلال تطوير قنوات التواصل و تكثيف آليات الإصغاء إلى المواطن قصد إيجاد الحلول الملائمة للصعوبات التي تعترضه في التعامل مع الإدارة، من ذلك إحداث مكاتب العلاقات مع المواطن وخطّة الموفق الإداري وفريق المواطن الرقيب.

برنامج تأهيل الإدارة العمومية من خلال إعادة تنظيم الهياكل الإدارية وإحكام ضبط مشمولاتها بما يتماشى وتدخلاتها الفعلية وتدعيم الهياكل التي تعنى بوظائف التنظيم والأساليب والإعلامية.

برنامج تبسيط الإجراءات الإداريّة وتقييسها وتقليص الآجال بهدف تيسيير قضاء شؤون المتعاملين مع الإدارة (حذف 360 ترخيصا من جملة 539 أو تعويضها بكراسات شروط ويتمثل الهدف في حذف أو تعويض 90 % من مجموع التراخيص مع نهاية سنة 2009)، وتبسيط الإجراءات المنظمة لقطاع الأعمال (حذف رخصة الوالي لاقتناء أو تسويغ عقار بمنطقة صناعية وسياحية مهيأة وذلك لفائدة المستثمرين الأجانب، وتنظيم دراسات المؤثرات البيئية بكراسات الشروط...).

برنامج العناية بالموارد البشرية من خلال وضع مخططات تكوين سنوية لكل الوزارات و تطوير أنماط التكوين وتنويع مجالاته .

إرساء مفهوم نظام الجودة بالمصالح العموميّة لتأهيل الإدارة وتمكينها من الاقتراب من المقاييس والمفاهيم العالميّة والاستفادة من التمشي المنهجي العالمي.

وقد أذن سيادة رئيس الجمهورية في هذا الإطار باعتماد برنامج نموذجي لإرساء نظام جودة بالمصالح العمومية وفقا للمواصفات العالمية.

وشمل البرنامج في البداية 7 مصالح ومؤسسات عمومية لها علاقة مكثفة مع المواطن وأثر بالغ في دفع الاستثمار، وهي الوكالة الفنية للنقل البري، الوكالة التونسية للتعاون الفني، وكالة النهوض بالاستثمار الخارجي، القباضة المالية بالمنزه السادس، مكتب مراقبة الأداءات بالمنزه السادس،مكتب الديوانة بتونس الميناء ومركز النهوض بالصادرات.

كما انخرطت 30 مصلحة ومؤسسة عمومية في هذه التجربة في مرحلة لاحقة وتمكنت من الحصول على شهادة مطابقة نظام جودتها لمواصفات إيزو 9001 إصدار 2000 رغم مرورها بصعوبات عديدة ومتنوعة، مثل البريد السريع والصيدلية المركزية والمركز الوطني للإعلامية ووكالة التجديد والتهذيب العمراني والشركة التونسية للكهرباء والغاز والشركة التونسية للملاحة وشركة الخطوط التونسية وبلدية الزهراء...، كما تضمن البرنامج ضبط جملة من التزامات الجودة في شكل "التزام بخدمة المواطن" تمّ تعليقه بفضاءات الاستقبال داخل الإدارات والمرافق العمومية.

وقد حرصت الإدارة على الاستفادة مما تتيحه المستجدات التكنولوجية الحديثة لتطوير نوعية الأداء وتقريب الخدمات من طالبيها والتفاعل مع حاجياتهم وتطلّعهم إلى خدمة أفضل وأكثر قربا ونجاعة، فاتسع بذلك إطار برنامج الجودة ليشمل سلسلة من الاجراءات أبرزها:

- الشروع في إرساء الإدارة الإلكترونية للإسراع في تقديم الخدمة والاقتصاد في الكلفة ودعم مبادئ الشفافية والإنصاف والمساءلة.

- تطوير مواقع الإعلام والإرشاد والتوجيه عن بعد.

- استغلال منظومة تسليم مضامين الولادة (مدنية 1). وقد أذن سيادة الرئيس باستكمال متطلبات تركيز منظومة "مدنية 2" خلال سنة 2007 ، وتعميم نفاذ المصالح العمومية إليها حتى يتم استخراج وثائق الحالة المدنية مباشرة، بدلا من مطالبة المواطن بتقديمها في كل مرّة.

- إحداث 17 نقطة للإدارة السريعة خارج المحيط الإداري قصد مزيد تقريب الخدمة من المواطن. و أوصى سيادة الرئيس بمزيد توسيع العمل بهذه التجربة.

- فتح بعض المصالح العمومية ذات الإقبال المكثف لفترات إضافية وتأمين حصص عمل استمراريّة ببعض المصالح الحيوية بهدف تيسير قضاء شؤون المتعاملين مع الإدارة وإضفاء مزيد من المرونة على عمل المصالح الإدارية.

مستلزمات تعميم نظام الجودة في المصالح الإدارية

إن تعميم نظام الجودة بالإدارة ليس بالأمر الهين، بل هو عمل طويل المدى ومكلف ولا يمكن إدراك نتائجه بصفة آنية، ذلك أن التصرف حسب الجودة مقاربة شاملة ومتكاملة تقتضي تغييرا للمواقف والسلوك والثقافة السائدة وتقوم على الانخراط الجماعي للموارد البشرية العاملة بالمصلحة من القيادات العليا إلى أعوان التنفيذ.

والجودة أداة للتحديث المستمر وليست هدفا في حد ذاتها، وهي آلية للرصد والتقييم تعتمد على مؤشرات قابلة للقياس بهدف التطوير والتدخل للتعديل والتصحيح في الوقت المناسب انطلاقا من المبدأ القائل "بأنه ليس في الإمكان مراقبة ما لا يتسنى قياسه" 1

ومن المقاييس المعتمدة عالميا والتي يمكن اعتمادها لوضع برنامج جودة بالإدارة العمومية ومتابعتها:

- درجة استجابة الإدارة لحاجيات وتطلعات المتعاملين معها (قياس درجة رضا المواطن الحريف)،

- مدى نجاعة المسالك المؤدية إلى إنجاز الخدمة،

- مدى جدوى التصرف الداخلي،

- طول وعدد الإجراءات المنظمة للخدمة.

- مدى احترام آجال إسداء الخدمة الإداريّة،

- معدل حالات رفض الإدارة للملفات الموجهة لها،

- عدد الشكاوى والعرائض الموجهة للإدارة وحصتها من حجم العمل الإجمالي،

- حجم النزاعات مع الإدارة،

- مدى توفر المعلومة ومدى تداولها (مدى تداول المعلومات بين الإدارات ومدى توفر الإعلام الصادر عن الإدارة نحو المتعاملين معها)

- مدى استقرار النصوص القانونية والترتيبية ونسبة تطبيقها،

نسبة تدوين الإجراءات والمسالك (أدلة الإجراءات والمسالك، وصف المهام، حصر المتدخلين).

- مدى تمكن الأعوان من الإجراءات والتراتيب الجاري بها العمل،

- مدى قدرة الأعوان على التأقلم وعلى تقبل التجديد،

- مدى نجاعة آليات المتابعة والتقييم.

ومن المؤكد أنه يصعب اعتماد المرجعيات والمقاييس العالمية لتحسين أداء الإدارة التونسية بدون صياغة رؤية شاملة ومتكاملة لعملية التحديث الإداري تأخذ في الاعتبار مختلف جوانب التصرف الإداري وتقوم على مبادئ الإدارة الرشيدة ، من ذلك ترشيد التصرف في النفقات العمومية وتطوير قدرات الإدارة والحد من كلفة "اللاجودة"، وضع خطة متكاملة لتطوير التصرف في الموارد البشرية والرفع من قدراتها بالتركيز بالخصوص على تكثيف برامج التأهيل و التكوين والتحفيز وإرساء ثقافة الالتزام والامتياز واستنباط طرق جديدة للتنظيم والرقابة والتنسيق وتحقيق مزيد من الشفافية.

وبناء على ذلك تتأكد الحاجة إلى ضرورة تطوير الجهاز الإداري كي يلتقي مع المقاييس الدولية للإدارة الحديثة، والى وضع إطار مبتكر يتم من خلاله تصميم عملية التجديد الإداري بالاعتماد على التوجهات الاستراتيجية للعشرية المقبلة مع الاستئناس بأفضل الممارسات في مجال التجديد والتحديث الإداري.

ويعتمد المخطط وطني للجودة بالإدارة العمومية على:

- المبادئ التوجيهية والأهداف المشتركة للعشرية التنموية 2007- 2016 للنهوض بجودة الخدمات الإدارية

- رصد التصنيف العالمي للإدارة التونسية وتحليل مكوناته من خلال تقارير المنظمات الدولية ووكالات الترقيم.

- العمل في اطار مرجعية عالمية للجودة بالإدارة العمومية.

ويشمل البرنامج الوطني للجودة:

- وضع ”أجندا قطاعية للجودة“تحدد الأهداف والآجال ومستلزمات التنفيذ، وتضبط مؤشرات كمية ونوعية للأداء الجيد.

- تعميم التجارب النموذجية للجودة على بقية المصالح المماثلة.

- تركيز وحدات الجودة بمختلف الوزارات والمصالح العمومية وتعيين مسؤول على متابعة برنامج الجودة.

- تنظيم أيام دراسية سنوية حول الجودة لتقييم الإنجازات والتعريف بالتجارب الناجحة في المجال.

- وضع برنامج تكوين مشترك بين الوزارات للرفع من قدرة الكفاءات المشرفة على برامج الجودة.

- تكثيف الحملات التحسيسية لنشر ثقافة الجودة بالإدارة العمومية.

- إعلان سنة 2008 ”سنة الجودة في الإدارة العمومية“.

- احداث معهد عال لتنمية قدرات كبار الموظفين.

إن نجاح هذا البرنامج يعتمد بالأساس على عمق الالتزام والحس الوطني للأعوان الإداريين وعلى مدى قدرتهم على المتابعة والتقييم والتطوير المستمر.

**********************

1 Lord Kelvin (inventeur de la température)

 

باعة >> | إغلاق النافذة >>


afkar@afkaronline.org