" المرأة في العلوم:
الواقع والتطلّعات ـ دراسة إقليميّة مقارنة"
إعداد: أم كلثوم بن حسين
أستاذة جامعية بكلية العلوم بتونس ورئيسة جمعية "المرأة والعلوم"
في إطار الاحتفال باليوم الوطني للأسرة، نظم مركز البحوث والدراسات, يوم الاثنين 20 ديسمبر/ كانون الأول 2004 والتوثيق والإعلام حول المرأة، ندوة لتقديم نتائج دراسة إقليميّة مقارنة تمّت مؤخراً بالتعاون مع اليونسـكو, تحت عنوان:"المـرأة في العلـوم: الواقـع والتطلعات", قامت بها في كل من الدكتورة أم كلثوم بن حسين ( المنسقة العامة للدراسة),من تونس ومن فلسطين الدكتورة تفيدة الجرباوي, ومن المغرب الدكتورة فاطمة بن تمزال .
ينطلق الإطار العام للدراسة من الموقع الهام والحيوي, الذي أصبح يحتله العلم والتكنولوجيا في حياتنا المعاصرة, ويشكّله, كل على حدة, وكلاهما معاً, كبعد أساسيّ, ومركزيّ للتقدّم,وللارتقاء بالمجتمعات,وبالإنسان خاصة, بهدف تحقيق الأمن والرفاه,على كافّة الأصعدة, من خلال الارتباط الوثيق, بين إنتاج الثروات اللازمة للتنمية من ناحية, وبين الإنتاج العلميّ, وتطبيقات العلوم في مختلف مجالات التطوّر, والنهوض الأفضل بالحياة, من ناحية أخرى,الأمر الذي يستدعي, أكثر من أيّ وقت مضى, المساواة الفعليّة, بين الرجل والمـرأة, في الدراسـة العلميّة, وفي البحث العلميّ, وفي الارتقاء إلى المستويات الجامعيّـة العليا, للاستفادة من جميع طاقات الإبداع والخلق.
إنّ إدماج, واندماج المرأة في العلوم, ومساهمتها في صياغة المعرفة العلميّة, أمـر أساسيّ لتحقيـق تنمية بشريّة, دائمة ومتكافئة, تضمن الرفاه لجميـع المواطنين , وتأخذ في الاعتبار هشاشة التوازن البيئيّ المحيط, وتقود إلى تعميـم رؤية أكثر إبداعاً, وخلقاً, للحياة, وهي بذلك, أي هـذه التنميـة البشريّـة الدائمة والمتكافئة, مشروطة اليوم بالمساواة بين الرجل والمـرأة في العلوم.كما أنّ المشاركة الكاملة للمرأة في مختلف مجالات العلوم والتكنولوجيا, لا تسمح فقط, بمضاعفة القدرات العلميّة البشريّة, ذات التأثير المهمّ على عمليّة التطوّر الاقتصاديّ للبلدان, وإنّما تسمح أيضاً بتنوّع كبير وواسع في صياغة المعـرفة العلميّة, وفي وضع معايير أخلاقيّة جديدة, في هذا العصر, الذي أخــذ فيه الذكاء (الذهب الرماديّ), يتبوأ مكان النفط (الذهب الأسود), وعليـه, فإنّ البلدان, تحتاج اليوم, أكثر من أيّ وقت مضى, إلى مساهمة المـرأة, وعطائها, جنباً إلى جنب مع الرجل,لضمان مستقبلها وازدهارها.ولهذا أظهرت المنظمات الدوليّة, في السنوات الأخيرة, انشغالاً خاصّاً بمكانـة المـرأة في العلوم, وفي البحث العلميّ, فقد خصّصت اليونسـكو,
في مؤتمرها حول العلوم, الذي ,حيّزاً هامّاً لهذه المسألة. انعقد في بودابست عام1999
الماضيين, قراراً خاصّاً 99 و 97 كما وضع الاتحاد الأوروبي, بين عامي حول وضع المـرأة, ومكانها في العلـوم, وفي التكنولوجيا, وتعدّدت الدوائر داخل الاتّحـاد, التي تعنى بهذه المسألة, وبمتابعتها, كالصندوق الاجتمـاعيّ الأوروبيّ, تحت عنـوان : " المســاواة في الحظــوظ, بين الرجـــل والمـــــــــرأة" , أو تحت عنـوان: "البحث العلميّ" . ويموّل الاتحـاد, في إطار برنامجه السـادس, مؤسسة مستحدثة تدعى:"المركز الأوروبيّ المركزيّ للمـــرأة والشباب في العلوم", الذي سيعمل على حفز النقاش حول وضـع المــرأة والشباب في العلوم, في المنطقة, وعلى تطوير الأدوات والوسائل التي ستكثّف من بروزهم, ومن مشاركتهم في مؤسسـات البحـث العلميّ الأوروبي.
ومن ناحية أخرى, وفي بلـدان مختلفة, فإنّ العديد من الجمعيّات, ترى النور, بمبادرة من نساء يعملن في العلـوم, من خلال وعيهنّ بضـرورة تعزيز وضع المـرأة, ومكانتها, في مختلف مجالات العلوم, أو بضرورة آلفة الفتيات الشابات بالعلـوم وبالتكنولوجيا.
وفي هذا الإطار, فإنّ دراسة وتحليل تمثيليّة المـرأة في العلوم, في بلداننا المعنيّة, يكتسيان أهميّة خاصّة, ومتميّزة, تنبع من كون أنّ التطـوّر الحاصل في وضـع المرأة, في هذه البلدان, حديث نسبيّاً, وهو ما يدفع إلى عرض كشف للواقع, وإلى مراجعة وتدقيـق أمينين, بهدف قياس المسافة المقطوعة, والتأشير على مناطق التطوّر فيها, واستشراف الآفاق, للتقدّم برؤية واضحة ومدروسة, نحو تحقيق التطلّعات, والطموحات, خاصّة وأنّ الأبحاث المتوفّرة, إلى حدّ الآن, حول الفروقات بين الجنسين في هذه المجالات غير كافيـة, أو منقوصـة, أو مجزوءة, في ظلّ غياب الإحصائيّـات الكاملـة والدقيقة, وغياب المؤشّرات المشتركة, اللازمة لإجراء مقارنة, والقيام بدراسة شاملـة, أو بحث متكامل, إقليميّ, أو بين الدول منفردة, حول علاقة المـرأة بالعلوم, وموقعها فيها,
أو التعرّف على المشكلات التي تعترضها في هـذه المجالات, وتحـدّ من مسيرتها العلميّــة,ومن تقدّمها, ونبوغها, وبلوغها أهدافها العلميّـة, وطموحاتها في التأثير, والتعصير, والخلق والإبداع, وتستدعي, وبشكـل مُلـحّ, وضــع استراتيجية واضحة, وفعّالة, لمعالجة هذه المشكلات, والحدّ منها, للنهـوض بالمرأة في العلوم, والنهوض بالعلوم, بمشاركة متكافئة ومتوازنة, من المــرأة فيها, وضمان تقاسم أكثر عدلاً, للمعارف العلميّــة, والتكنولوجيّة, ضمن منظور تحقيق التنميـة الشاملة والدائمة, والمنتجــة بدورها للسلام والرفاه والتقدّم.
وقد انطوت الدراسة على مجموعة من الأهـــداف العامة تمثلت في:
ـ المساهمة في وضع نظام للمعلومات حول المرأة في العلوم.
ـ الحصول على معطيات وافية, ومقارنة, تعطي صـورة واضحة, عن موقع المرأة في العلوم من ناحية, وتعتبر ضروريّة لتطوير السياسات المعنيّة, وتحسين وضع المرأة, وظروف عملها في العلوم, من ناحية أخرى..
ـ دراسة تطوّر الحياة المهنيّة للمرأة في العلوم, تمكّن من دراسة مقارنة واسعة لموقع المرأة في العلوم.
ـ معرفة مساهمة المرأة في تقدّم العلوم وتطبيقات ذلك في مجالات إنتاج المعــرفة العلميّـة, وفي اتخاذ القرارات المتعلّقة بالسياسات العلميّة.
ـ تحليل واقع انخراط المرأة في دراسة العلوم, والبحث, والتحديث.
ـ تحديد العقبات التي تعترض المـرأة في مجال التكـوين العلميّ.
ـ تقييم تواجد المــرأة في مواقع اتّخاذ القرار, والتسيير العلميّ.
ـ جمع وتحليل المعطيات المتعلّقة بالرجل وبالمـرأة في المجالات العلميّة.
ـ القيام بالتشخيصات الموضوعيّـة, والدقيقـة, لتعيين الأولويات الضروريّة بهدف وضع خطط العمل والاستراتيجيات.
ـ صياغة خلاصات وتوصيات لتحسيس صانعي القرار, والأسرة العلميّة, والمجتمع عامّة.
ـ تحديد مواصفات منهجيّة علميّـة موحّدة تساعد على وضع مؤشّرات وإحصائيّات مشتركة بين البلدان المشاركة.
ـ القيام بدراسات مقارنة تساعد على تحديد النشاطات ذات الأولويّة التي تهدف إلى تطوير مشاركة متساوية ومتكافئة للمرأة.
ـ المبادرة بإقامة شراكات وورشات تفكير مشتركــة إقليميّة.
أمّا الأهـــداف الخصوصيّة , فقد تلخّصت في:
ـ معرفة المناخ المهني للمرأة العاملة في مجالات العلـوم, وأسلوب تنظيمها لعملها, والطريقة التي تتعرّض فيها إلى إشكاليّة إنتاج المعرفة.
ـ التعرّف على الأعمـال المنجـزة, وتقاسم الأدوار, والمسؤوليّات, وكذلك على القيم, والدوافع, لدى المرأة المشتغلة في العلوم.
ـ التعرّف على مسيرة المرأة في العلوم, ومدى إشعاعها.
ـ معرفة الكفاءة العلميّة للمرأة المشتغلة في العلوم.
وقد اتّبعت الدراسة منهجيّــــة قامت على:
ـ جمع وتحليل البيانات الإحصائيّــة, والمعطيات حسب الجنس.
ـ معالجة وتحليل المعلومات التي تمّ الحصول عليها لدى عيّنة من النساء العاملات في مجالات العلوم, من خلال استبيان خاص أعدّ لهذا الغرض.
ـ معالجة وتحليل المعلومات والمعطيات حول مسيرة, ووجهة نظر العاملين في العلوم, رجالاً ونساء, فيما يتعلّق بانخراط المرأة في العلوم, ومشاركتها في اتّخاذ القرارات العلميّة, وذلك من خلال استبيان موحّد وضع لهذا الغرض.
وتلخّص الهدف من جمـــع المعلومات , حسب البطاقات التي وضعت خصيصاً لذلك, التعرّف على تمثيليّة المرأة في العلـــوم الصحيحة , من ناحية, وعلى موقعها في المياديــــــن المختلفة لهذه العلـــــوم , من ناحية أخرى.
أمّا الهدف من الاستبيان فقد رمى إلى معرفة:
ـ من هنّ هؤلاء النساء المشتغلات في العلوم؟
ـ أين هنّ؟
ـ ما الذي تقمن به؟
ـ ما هي الظروف التي أتت بهنّ إلى العلوم؟
ـ ما هي مساهمتهنّ في تقدّم العلـوم ( البحث, الإنتاج العلميّ ...).
ومن أهمّ النتائج التي خلصت إليها الدراسة, أنّ نسبة المـرأة في العلوم
الصحيحة, في البلدان الثلاثة, كمدرسة باحثة, قد بلغت حسب إحصائيات : عام2003
تتقارب فيها مع مثيلاتها في الدول المتقدّمة. في تونس, وهي نسبة %31 *
في المغرب. %21 *
في فلسطين. % 10 *
وفيما يخصّ المدرسات الباحثات برتبة أستاذ (أعلى رتبة في سلّم التدرّج المهني), فقد بلغت نسبتهنّ, حسب إحصائيّات نفس العام:
تتقارب فيها مع مثيلاتها في الدول المتقدمة. في تونس, وهي نسبة %13,8 *
في المغرب. %11,2 *
في فلسطين. %0 *
أمّا أكثر العقبات شيوعاً, والتي تعترض تقدّم المـرأة في العلوم, وتقف حائلاً دون استمرارها, أو نجاحها في تحقيـق طموحاتها, فهي ازدواجيّة الدور الذي تقوم به كمدرّسة باحثة من ناحية, وكأم مربية من ناحية أخرى, لم تسع المؤسسة بعد, إلى توفيـر الشروط المساعدة, لتسهيل مهمّتها الأولى, كإنشاء دور الحضانة الخاصة, والمقاصف المطعمية الداخلية...