التعليم العالي في تونس : خيار تحديثي
بقلم :جميل شاكر
أستاذ تعليم عال - جامعة تونس
التعليم العالي التونسي رهان حضاري. لأنه العمود الفقري لمجتمع المعرفة. لذلك أولى الرئيس زين العابدين بن علي في برنامجه الانتخابي 2004 للمدرسة والجامعة والتجديد التكنولوجي مكانة متميّزة في بناء الاقتصاد الجديد. وهو نمط مجتمعي اختاره رئيس الدولة لتونس وقد نال اجماع التونسيين لأنه أنموذج رائد وتقدمي.
وقد وردت في البرنامج الانتخابي 2004 النظرة الاستشرافية التي صاغها رئيس الدولة بكل وضوح حتى تتمكن الحكومة من انجازها حسب رزنامة معقولة وتدرّج مدروس من حيث توفر الموارد المالية وطاقة المجتمع على استيعاب هذا التغيير النوعي الذي يؤثر في العقليات ويفرز ذهنية جديدة في الاقتصاد وفي الحياة الاجتماعية بصفة عامة.
ومن بين الشعارات السياسية الهامة التي رفعها الرئيس بن علي للمرحلة القادمة ( 2004- 2009 ) الدعوة إلى إحداث أقطاب جامعية في كامل جهات الجمهوريةلتنمية كامل مناطق البلاد والرفع في عدد المؤسسات الجامعية حتى يبقى التعليم العالي التونسي ديمقراطيا مفتوحا يحقق مساواة الفرص ويضمن لكل حامل شهادة بكالوريا مقعدا في الجامعة، وذلك رغم تضخم أعداد الوافدين على التعليم العالي. وبالتالي تضطلع الجامعة بدور هام في تأمين التوازن المجتمعي وفتح آفاق النجاح و التألق أمام كل المواطنين. فديمقراطية التعليم تحرر الطاقات وتغذي الطموح وتدفع إلى الخلق والإبداع بما فيه مصلحة الأفراد والمجموعة الوطنية.
ويشهد التعليم العالي في الفترة الراهنة تطورات عديدة اقتضت مزيد تكريس لا مركزية الإدارة التي أصبحت ضرورية نظرا للتحديات المطروحة على القطاع من الناحيتين الكمية والنوعية، بما يجعل الجامعة تتجاوب مع متطلبات المرحلة سواء في مستوى مسايرة التطور التكنولوجي أو في ما يتعلق بالتأقلم مع تغيـّرات سوق الشغل أو تشغيلية المتخرجين من الجامعة.
وفي هذا الإطار، وتطبيقا لبرنامج إصلاح التعليم العالي تم إتخاذ جملة من الإجراءات تهدف في مجملها إلى تدعيم مشمولات الجامعة وتمكينها من المرونة اللازمة في التصرف وإعطائها قسطا أكبر من الإستقلالية.
والمتمعن في هذه الإصلاحات يدرك أنها تشمل جوانب هيكلية وتنظيمية أساسية مثلما تشمل الدروس الجامعية في حد ذاتها والنشاط البيداغوجي.
1 - النظام الجامعي – الهيكلة والتصرف
- يشتمل التعليم العالي التونسي سنة 2004-2005 على 13 جامعة عمومية. وارتفع عدد المؤسسات الجامعية ليبلغ خلال هذه السنة 159 مؤسسة.كما نالت 17 مؤسسة للتعليم العالي الخاص اعتراف الوزارة لاحترامها الشروط البيداغوجية و العلمية التي ضبطها القانون.
-توسيع مشمولات الجامعة
نص القانون عـدد 67 المؤرخ في 17 جويلية 2000 على صلاحيات جديدة للجامعة.وفي إطار تدعيم مشمولات الجامعة، وقع توسيع الصلاحيات الإدارية والمالية
و المحاسبية لرئيس الجامعة.كما أنه مكلف برئاسة كل من مجلس الجامعة واللجنة العلمية والبيداغوجية.
ويقوم رئيس الجامعة بإبرام الصفقات حسب الصيغ والشروط المنصوص عليها بالقوانين والتراتيب الجاري بها العمل، كما يقوم بإنتداب وتعيين الإطار الإداري والفني والعملة لسد حاجيات الجامعة والمؤسسات التابعة لها، وكذلك إبرام عقود التكوين والبحث ومتابعة تنفيذها.
كما يصدر القرارات المتعلقة بتكليف إطار التدريس والبحث أو الإطار المماثل له بالقيام بساعات تدريس إضافية أو عرضية، ويقترح على سلطة الإشراف المؤسسة التي يعين فيها المنتدبون الجدد من إطار التدريس، كما يبت في نقلهم بين مختلف المؤسسات التابعة للجامعة، ويتولى إنتداب الخبرات غير الجامعية والمعاونين من بين طلبة المرحلة الثالثة، وكذلك إنتداب المساعدين المتعاقدين لمدة محددة لغاية التدريس، وأخيرا إنتداب الحرفيين والمهنيين من ذوي الخبرة للقيام بالتدريب المهني للطلبة.
كما يتولى رئيس الجامعة إبرام عقود مع إطار التدريس والبحث التابعة لجامعات تونسية أخرى لغرض القيام بمهمة تدريس وبحث محددة في الزمن، ويبرم في إطار تفتح الجامعة على المحيط، إتفاقيات التعاون في مجال التعليم العالي مع الجامعات الأخرى أو مع الغير، كما يبرم عقود الخدمات والدراسات أو الإختبار، وذلك على أساس المعايير التي تقترحها اللجنة العلمية والبيداغوجية للجامعة.
ويقوم رئيس الجامعة بتعيين لجان مناقشة رسائل الدكتوراه ولجان التأهيل الجامعي، ويبت في نقل الطلبة وتنظيم مناظرات إعادة التوجيه، وتحديد شروط تسجيل الطلبة الذين إستوفوا حقهم في التسجيل.
وهو الذي يقوم بإعداد مشروع ميزانية الجامعة قبل عرضه على مجلس الجامعة كما يبدي رأيه في مشاريع ميزانيات المؤسسات التابعة للجامعة وكذلك تنقيح هذه الميزانيات وتوزيع الفواضل المسجلة بها.
-إحداث اللجنة العلمية والبيداغوجية
وسعيا إلى مزيد تحديث التصور التكويني والممارسة البيداغوجية للطلبة وبهدف مسايرة الهيكلة الجديدة للجامعات، أحدث القانون عدد 67 المؤرخ في 17 جويلية 2000 لجنة علمية وبيداغوجية لكل جامعة لها صبغة إستشارية. وتتمثل مهامها في إبداء الرأي في كل المسائل المتعلقة بالتنظيم العلمي والبيداغوجي، كما تقع إستشارتها في برامج التكوين الأساسي والمستمر وكذلك في برامج وعقود البحث المقترحة من قبل مختلف المؤسسات التاعبة للجامعة. وتبدي رأيها في مطالب التأهيل لتسليم الشهادات وفي مشاريع عقود التكوين والبحث.
ويمكن للجامعة أن تشتمل أيضا على هيئات ولجان علمية وبيداغوجيـة خاضعـة مباشرة لسلطة رئيس الجامعة من بينها لجنة للتقييم الجامعي ومكتب تنمية الموارد البيداغوجية والتقنيات الحديثة ومركز التكوين في البيدغوجيا الجامعية.
-تكريس مبدأ تعدد الإختصاصات
يتنـزّل تكريس هذا المبدأ في إطار تطبيق احكام القانون عدد 67 المؤرخ في 17 جويلية 2000 ، الذي نص على أن تكون الجامعات متعددة الإختصاصات، متقاربة جغرافيا، يؤمن بها التكوين المتكامل للطالب، وذلك لتيسير الإشراف على المؤسسات التابعة للجامعة.
وقد تأكدت الحاجة إلى مثل هذه الجامعات، في إطار تطبيق اللامركزية الجديدة التي تتطلب تنوعا للإختصاص، وتقاربا جغرافيا، وحجما مقبولا ييسر إدارة شؤون المدرسين والطلبة، وهو ما يهدف إليه الفصل الأول من الأمر عدد 2826 المؤرخ في 27 نوفمبر 2000 والمتعلق بتغيير تسمية الجامعات الذي ألغى الجامعات القطاعية التي كانت موجودة وأحدث جامعات متعددة الإختصاصات. ومما تجدر ملاحظته في هذا السياق أن التسميات الجديدة ليست مجرد إجراء شكلي بل هي تجسيد لعملية إعادة هيكلة عميقة وقع بموجبها الإنتقال من الطابع الإختصاصي للجامعات إلى هيكلة متعددة الإختصاصات.
2 - الاقتراب من المؤشرات الأوروبية
إن الحرص على التلاقي مع المجتمعات الأكثر تقدّما ييسّر العمل، بوجود مرجعية واضحة تمكّن في كلّ وقت من تقييم موقع تونس، ومن التعرف على ما يفصلها عن المجتمعات التي سبقتها في مؤشرات التعليم والتجديد.
وقد حرصت تونس على تعديل منظومتها الإحصائية لتيسّر المقارنات مع المجتمعات الأكثر تقدّما، في مجموعة بلدان منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية ( OCDE ), و في الاتحاد الأوروبي.
وبالنسبة للتعليم العالي، اعتمدت الوزارة منذ 2001 في منظومتها الإحصائية التصنيف الدولي الموحّد للتعليم ( CITE ), حتى يمكن لها تقييم سياساتها بالمقارنة مع الأنظمة التعليمية عموما. كما اعتمدت ، منذ 2002 ، مؤشرات الاتحاد الأوروبي في مجال التجديد التكنولوجي.
كما تم بمقتضى الأمر 2429 المِؤرخ في 16 أكتوبر 2001 تغيير تسميات الشهادات الوطنية في مجالات الهندسة والفنون والحرف والماجستير المهني ودراسات الدكتوراه لاكسابها أكثر وضوحا دوليا, تسهيلا لتنقل الطلبة وحاملي الشهادات.
3 - التربية للجميع
نصف شبابنا في الجامعات سنة 2009
رفع الرئيس زين العابدين بن علي في برنامجه الانتخابي 2004 شعار : " جامعة قادرة على احتضان نصف شبابنا ". فقد بلغت تونس اليوم معدّلات هامة في مجال التمدرس في التعليم العالي 33.3 % من الشريحة العمرية 19 - 24 .
وسوف تتمكّن تونس، في حدود 2009 ، من بلوغ نسبة تمدرس في العالي 50 % من نفس الشريحة العمرية. وتكون بذلك قد التحقت بمؤشرات المجتمعات الأكثر تقدّما، وحققت نجاحا باهرا، حيث لم تكن هذه النسبة سنة 1987 سوى 6 % .
و يبلغ الإنفاق على التعليم العالي و البحث العلمي بكل مراحله ما يناهز 1.8 % من الناتج المحلي الاجمالي و 5 % من ميزانية الدولة. وتواصل هذا الجهد منذ السنوات الأولى للاستقلال، وتدعّم في العقدين الأخيرين، وانضاف إليه الاهتمام بالبحث وبالتجديد. ويشكّل جهد الدولة أنبل مظاهر التضامن، بين الفئات وبين الأجيال وبين الجهات .
ونتج عن هذا المجهود الوطني تطور نسبة التمدرس بالجامعة التونسية وتحسن نوعي في التكوين والتدريس ومواكبة التقدم المعرفي و التكنولوجي.والتحدي الذي تريد تونس رفعه في المرحلة القادمة هو أن تجعل من هذه المكاسب الفرصة لتخريج أكبر عدد من حاملي الشهادات لرفع تنافسية المؤسسات الاقتصادية، ولإحداث المؤسسات الجديدة، خاصة في القطاعات الواعدة.
4 - التعليم العالي وتكافؤ الفرص
أ-الجامعة قاطرة التنمية في الجهات
يعتبر الانتشار التدريجي للجامعة في الجهات من ثوابت الاستثمار في التعليم العالي. وقد تم إحداث جامعتين بقابس (في الجنوب) وبجندوبة (بالشمال الغربي) سنة 2003 . وتلتهما جامعات المنستير والقيروان وقفصة في 2004 . وتجسيما للمقاربة التي تجعل من الجامعة محرك التنمية للجهة و التوازن بين الجهات رفع الرئيس بن علي في النقطة التاسعة من برنامجه الانتخابي 2004 شعار "احداث مؤسسات جامعية جديدة في الولايات الداخلية قادرة على استعاب 150 ألف طالب قبل موفّى 2009 " . وتوجد اليوم العديد من المؤسسات الجامعية في الكثير من المدن مثل بنزرت ( 5 ) و نابل ( 5 ) و غيرها. وهي تشكل نواتاة لجامعات تحدث مستقبلا.
كماتمّ تعميم شبكة المعاهد العليا للدراسات التكنولوجية على كامل ولايات الجمهورية حسب القرار الرئاسي في هذا المجال.
ب-المرأة في الجامعات
ساعدت سياسة التعليم على تحرير المرأة، وعلى إدماجها في الدورة الاقتصادية والسياسية. وكمؤشر على هذا في مجال التعليم العالي اليوم، نرى أن 57 % من الطلبة طالبات، و 38.5 % من المدرسين الجامعيين مدرّسات. وقد بدأت هذه التركيبة الطلابية تنعكس على الحياة العامة، وتساهم في تحقيق توازن مجتمعي رائد، وخوّلت للمرأة حضورا متصاعدا سوف يتضاعف في السنوات القادمة، في فضاء الأعمال، وفي الإدارة، وكذلك أيضا في المؤسسات السياسية والمدنية.
ج-المقاربة التضامنية للتعليم العالي
إن الاستثمار في التعليم العالي وفي التجديد ليس مدخلا لبناء اقتصاد المعرفة فحسب, بل هو أيضا مدخل حقيقي للرقي الاجتماعي لكل فرد وبلوغه أعلى المراتب مهما كان دخل أسرته، ووجه من أوجه العدالة الاجتماعية، وأداة للتضامن وللوحدة الوطنية. فالمدرسة هي الأداة المثلى للارتقاء الاجتماعي وللتقارب.
ومن خيارات تونس ، أن لا يكون دخل الأسرة حاجزا أمام أي طالب لمواصلة تعلّمه العالي، سواء من حيث معلوم التسجيل، أو من حيث كلفة السكن والأكل، وكذلك النقل والترفيه. 20 % من الطلبة ينتفعون بالسكن الجامعي وتسند المنح إلى أكثر من 31 % من مجموع الطلبة.
وينبني نظام التوجيه الجامعي على قيم الكفاءة و التضامن. إذ يقع توجيه حاملي الباكالوريا حسب كفاياتهم و نتائجهم, مما يمكن الفرد من تجاوز بعض الظروف الاجتماعية و العائلية الصعبة و العمل من أجل النجاح.
وقد تحسنت مردودية النظام، حيث بلغ معدّل النجاح في كل مؤسسات التعليم العالي 69.5 % ، ولم يكن سنة 1997 سوى 62.6 % . ومن الأهداف الرّاهنة دعوة المؤسسات القليلة التي يتدنى فيها معدّل النجاح إلى دراسة الأسباب ومساعدتها على تلافيها.
وقد سبق للوزارة أن رفعت شعار "صفر ضياع" في الجامعة.الغرض من هذا الشعار دعوة الجامعات إلى فتح آفاق للطلبة الذين أخفقوا في مساراتهم التعليمية العادية، وذلك بتمكينهم من فرص تكوين أخرى، خاصة في شعب قصيرة ممهنة، أو من خلال تكوين حسب الطلب ينظّم بالتعاون مع الصندوق الوطني للتشغيل. ويخول النظام الجامعي اليوم تثمين الوحدات التي حصلوا عليها، وتركيب تكوينهم للتخرّج بشهادات تتوافق في مستواها وفي نسق الحصول عليها مع مؤهلات الطلبة أو ظروف عملهم الخاص.
د -العودة إلى الجامعة
و فتحت آفاق جديدة للطلبة إثر خطاب رئيس الدولة في 20 جويلية 2000 حيث أعلن عن انتهاء عهد "الخراطيش" بالنسبة للطلبة الذين اجتازوا بنجاح السنة الأولى من التعليم العالي.
وقد تم فتح باب العودة إلى الجامعة لمن يرغب فيها في إطار تنفيذ الأمر عدد 2881 لسنة 2000. ويسمح هذا الاجراء بعودة ما يقارب 8000 طالبا سنويا ممن استنفذوا حقهم في التسجيل. وينجح منهم أكثر من 45 % سنويا .
و قد صدرت خلال السنتين 2001 و 2002 العديد من الأوامر لتقنين العودة إلى الجامعة حسب الاختصاصات.
5 - تأمين تشغيلية الخريجين
أصبحت التشغيلية من الأهداف الأولى للجامعة. واقتنع المشرفون على المؤسسات الجامعية والأساتذة بأنهم يعدّون الطلبة لمهن محدّدة، وأن عليهم صقل برامج التكوين، ومضامين الدروس باستشراف المهن الذي يعدّ لها كل تخصّص.
"ألف خيار أمام الطالب سنة 2009 "
وهو شعار رفعه الرئيس بن علي في برنامجه الانتخابي 2004 إذ من أوكد الاتجاهات اليوم في الجامعة التونسية استشراف المهن القادمة، وتنويع التخصصات بما يتلاءم مع المتطلبات الجديدة لسوق الشغل .
6 - من التشغيلية إلى إحداث المؤسسات
تجدّدت سنة 2004 استراتيجية التعليم العالي التي كان شعارها المركزي سنة 2000 التشغيلية. وكان الهدف الأساسي محورة الجامعة حول هدف التشغيل، بحيث يتمّ تغيير المسائل التنظيمية، وسلوكيات المسيرين والأساتذة، وكذلك الطلبة، حتى توجه الشعب وتعاد هيكلتها وتغيّر مضامين الدروس لإعداد الطلبة لمهن تتغيّر.
وقد نجحت الجامعة التونسية في جعل التشغيلية مرجع كل الإصلاحات والإحداثات في مجال التعليم العالي. وهذا يعتبر نقلة نوعية لما كان يحصل في وقت سابق، لما كانت الجامعة في برجها العاجي، تقتصر على تأمين "الوظيفة الأكاديمية".
الشراكة مع المهنيين
الشراكة مع المهنة لتحقيق تشغيلية أرفع للخريجين وللجامعة تقاليد في مجال الشراكة مع الهيئات المهنية، كاتحاد الصناعة والتجارة، والغرف التجارية، والمراكز الفنية، وإتحاد الفلاحين، ومع بعض هيئات المهن الحرّة، كما لها اتفاقات تربطها في مجال البحث التطبيقي، أو في مجال التكوين المستمر، مع مؤسسات منفردة.
ودُعي العمداء ومديرو مؤسسات التعليم والبحث للحرص على حضور ممثلي المحيط في اجتماعات المجالس العلمية، وتشريكهم في نشاطات المؤسسة، وبالخصوص في تيسير تأقلم البرامج، وفي مشاغل التربصات وتشغيل الخريجين.
كما تم التركيز على فتح الجامعة للإطارات الكفأة غير الجامعية، للتدريس، أو لإلقاء محاضرات، أو لتأطير بحوث، أو لمتابعة تربصات. وساهمت كفاءات متنوعة من المهندسين والخبراء المحاسبين والمحامين والحرفيين المتميزين وغيرهم في هذه الأنشطة في السنوات الثلاث الأخيرة ، وقد عدّلت عقود الخبرة وتضاعفت المكافآت المالية لتكون حافزا لهؤلاء للتدريس في الجامعة وتأطير البحوث.
غير أن السنوات الأخيرة أبرزت أهمية إحداث المؤسسات، مما جعل الدولة تسند وظائف جديدة للجامعة، تتمثل في إعداد خريجين قادرين على بعث مؤسسات.
لقد شرع في احداث محاضن مؤسسات في المركبّات الجامعية وذلك لغرس ثقافة المؤسسة لدى الطالب. كما تقرّر تعميم "الماجستير المتخصص في إحداث المؤسسات" على كل جامعة، وفي وقت لاحق داخل كلّ مدينة جامعية، وتعميم "وحدات التدريس حول إحداث المؤسسات" على كل التخصصات، بما فيها الانسانيات، وتخصيص مشاريع ختم الدروس، ومذكرات الأستاذيات، لإحداث المؤسسات، وتشبيك المؤسسة الجامعية مع بنوك المعطيات حول سجّل المؤسسات، والسجّل التجاري، وسجّل براءات الاختراع، حتى نوفّر للمدرسين الباحثين، وبالخصوص للطلبة، معلومات مقارنة، وإعطائهم المعلومة حول ما يجري في الخارج في اختصاصات مماثلة. وكما تقرّر إحداث "فضاء للمؤسسة" لدى كل جامعة، تتواجد فيه الهياكل المعنية بالتشغيل وإحداث المؤسسة (وكالة التشغيل، بنك التضامن، وكالات الاستثمار...)، يقدّم خدمات للخريجين في مجال التشغيل وإحداث المؤسسات وتوزع فيه للطلبة المعلومات المستجدة حول تسهيلات إحداث المؤسسات، والمنح والقروض، وعرض التجارب الناجحة.
كما تقرّر تعميم المحاضن، في كلّ المدن الجامعية حتى ييسر الإنتصاب المؤقت للمتخرجين الجدد الحاملين لمشاريع مؤسسات. وذلك في حدود سنة 2009 .
وأحدث مجلس وطني لبعث المؤسسات والمشاريع المجددة، تفرعت عنه في كلّ ولاية لجنة يحضرها الأساتذة الجامعيون والباحثون. وسوف تسعى هذه اللجان إلى إبراز خصوصيات كل جهة في مجال التعليم العالي والتشغيل، وقطاعات إحداث المؤسسات، وتشريكها في خلق تفاعلية مع الجامعات، لخلق جيل جديد من حاملي الشهادات، يكون في نفس الوقت الجيل المركز للإقتصاد المعرفي الذي تطمح إليه تونس.
7- السعي إلى التجديد
يتركز الاهتمام منذ مدّة على دفع عملية التجديد البيداغوجي، وإعادة كتابة الدروس، وإعادة كيفية تدريسها، بما يتلاءم مع الحاجيات المتغيرة للإقتصاد. فبالإضافة إلى استحداث التخصصات الجديدة، يتجه التركيز على الشعب القصيرة الممهّنة، وتحديث مضامين الدروس، وأدوات التدريس. كما أن هناك تجديدًا في التخصصات القصيرة، بإحداث ما يقارب 270 تخصص، لتلبية حاجيات ملموسة في السوق الوطنية، أو لآفاق تشغيل معولم.
ويتجه العمل مستقبلا بالنسبة لحاملي باكالوريا آداب بالخصوص، إلى دعم المجالات التالية: اللغات التطبيقية، والفنون الجميلة والحرف والملتميديا، وتصميم مواقع الواب. علما وأن التكوين في الإعلامية والاتصالات ارتفع بصورة ملحوظة، حيث كان عدد الطلبة لا يفوق 7500 سنة 1998 ، وأصبح في سبتمبر 2003 , 30.565 (أي 10,48 % ) ويرمي البرنامج الانتخابي الرئاسي إلى بلوغ مستوى 50 ألف طالب وطالبة في اختصاصات الإعلامية والاتصالات والملتيميديا في حدود 2009 .
ولعلّ أهم مشروع في المجال البيداغوجي يتمثّل في الكتابة الرقمية للدروس. وهي فرصة لتجديد محتوى الدروس، وإعادة كتابتها بصورة جماعية من قِبل أساتذة متميّزين في مجالات واعدة أو في مجالات مترابطة.
وتتولى الجامعة الافتراضية التي تمّ احداثها سنة 2001 عملية الإنتاج، بالتنسيق مع الجامعات ومتابعة ورشات التصنيع الرقمي المركّزة في مؤسّسات جامعية في اختصاصات مختلفة.. وبرمجت الجامعة الافتراضية إنتاج قرابة 400 محتوى بيداغوجي مرقمن إلى غاية نهاية المخطط العاشرالذي يهدف إلى بلوغ 20 % من التكوين عن طريق التعلم الغير الحضوري
و قد أنجزت بعض المؤسسات خطوات هامة في هذا المجال, منها كلية الطب بتونس التي قامت برقمنة 18 % من الدروس.
التعليم الجيّد للجميع
-1 الدعوة إلى التجديد البيداغوجي ركيزة من ركائز الجودة في التعليم العالي. وقد تجسّمت هذه السياسة باحداث شعب مجدّدة مثل البيتكنولوجيا والإعلامية والنانوتكنولوجيا، و بالتحديث الرقمي للبيداغوجيا الجامعية.
2 - وتبقى الشراكة مع الجامعات الأجنبية المرموقة من أهم الشراكات التي تقتضيها المرحلة القادمة، لاقتصاد يتعولم، ولتحقيق انتقال أو تبادل الطلبة، أو تنقل الخرّيجين لغرض مزيد التعلّم، أو للعمل.
وقد صيغت نماذج جديدة لاتفاقات التعاون الحكومي، تأخذ في الاعتبار المقومات التالية:
- تنشيط التعاون اللامركزي المباشر بين الجامعات، وبلغ عدد اتفاقات الشراكة مع الجامعات الأجنبية 445 (سنة 2004 ).
- التركيز في هذه الاتفاقات على تبادل الأساتذة الزائرين لفترات قصيرة، حتى تتمكن الجامعات من الانتفاع من أفضل الكفاءات التي لا يمكنها التغيّب لفترات طويلة،
- التشجيع على تنظيم الشهادات المزدوجة، وعلى التثمين المتبادل لوحدات دراسية معينة،
- إدماج البحث العلمي والتجديد في الشراكة بين الجامعات، والتشجيع على إدخال الشركات العاملة في القطاعات الواعدة من كلا البلدين كأطراف في مشاريع التجديد المشتركة، ولفت الاهتمام إلى الشراكة الثلاثية، وبالخصوص في الإطار الأورومتوسطي، والحرص على الانتفاع من فرص الدعم التي تعرضها المنظمات الدولية.
التربية على القيم
يعتبر هذا التوجه أساسيا في المنظومة الجامعية التونسية. إذ لا مجال إلى تكوين مواطن متسامح و متوازن دون أن تكون مغروسة فيه قيم الحوار و التفتح على الآخر. وبما أن الجامعة تضطلع بدور أساسي في تكوين المربين و المكونين للابتدائي و الثانوي و العالي, تبوأ تعليم القيم الانسانية مكانة مرموقة.
فبالاضافة إلى تعليم حقوق الانسان الذي وقع تعميمه على كل المؤسسات الجامعية, أحدثت العديد من الوحدات التعليمية و دراسات الماجستير المختصة في الأديان و الحضارات المقارنة, حتى يكتسب الطالب نسبية الانتماءات, يعمق معرفته للثقافات الأخرى و يتحرر من الأفكار المسبقة والأحكام السائدة.
كما وقع دعم تدريس اللغات الأجنبية في نطاق أقسامها و في كل الاختصاصات الاخرى باعتبارها نوافذ على الحداثة و وسائل تحاور و تفاهم.
كما أن المنظومة التربوية التونسية تستند إلى صقل الفكر النقدي لدى المتعلم بما يقيه من مخاطر التعصب و الانغلاق.