التنوّع الثقافي بين المبدأ الكوني
و التوظيف السياسي
د. عبد السّلام المسدّي
أستاذ اللّسانيات بالجامعة التونسية
في يوم 29 سبتمبر 2004 رجعت الولايات المتحدة الامريكية الى منظمة العمل الثقافي الدولي المشترك، تلك التي تسمى على وجه الاختصار باليونسكو اختزالا للحروف اللاتينية الأولى من اسمها الرسمي باللّغة الانجليزية "منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة" وبذلك استعادت عضويتها فيها بعد أن كانت قد انسحبت منها في 31 ديسمبر 1984. فما الذي دفع بالولايات المتحدة الى الخروج يومها من اليونسكو وما الذي حفّزها بعد عقدين من الأعوام على العودة إليها؟ وماذا كان وراء الانسحاب والمقاطعة ثم وراء العودة والانضمام من أسباب معلنة وأخرى مخفية ؟
تعال - أيها القارئ الكريم - نبحرْ معا في رحلة نتحسس أثناءها المسارب المنحجة عسى أن نستكشف بعض أزقة المسكوت عنه. ولنبادرْ الى تقديم صيغ احتمالية لما قد يكون عليه الجواب: فإما أن يكون الأمريكيون قد راقبوا اليونسكو طيلة العقدين اللذين انفصلوا فيهما عنها مراقبة حثيثة ساهرة فوجدوا أنها عدّلت سلوكها بما يرضيهم فعادوا، وإما أن يكونوا قد أدركوا أنها أمعنت في ما لا يرضيهم فراجعوا أنفسهم وقرروا تغيير استراتيجيتهم فعادوا لإثنائها، وإما أنهم قد استشعروا من أنفسهم قوة جديدة على الساحة الدولية فأرادوا أن ينجزوا في الحقل الثقافي ما أنجزوه في الحقل العسكري والسياسي.
إنها فرضيّات ثلاث قد تصدُق إحداها وتكذب الأخريان وقد تصدق اثنتان ولا تصدق الباقية وقد تتوالج ثلاثتها جميعا. ولكن قبل الإبحار المتأمل، لنا أن نتذكر أمرين: أولهما أن الولايات المتحدة قد وضعت شرطا لعودتها الى المنظمة وعادت دون أن تنتظر جوابا
أو تتلقى ما يؤكد أدنى الإجماع على الشرط الذي اشترطته. والثاني أنه عندما افتتحت هيئة الأمم المتحدة دورتها الثامنة والخمسين - أواخر سبتمبر 2003 - كان الخلاف على أشدّه بين الولايات المتحدة وفرنسا التي تزعمت جبهة الرفض في المسألة العراقية، فلم تيسّر مهمة استصدار قرار جديد من مجلس الأمن يقحم الأطراف الدوليين في تحمّل أعباء ما بعد الحرب. وما إن عاد الرئيس الفرنسي الى بلاده حتى نزلت بباريس السيدة لورا بوش، عقيلة الرئيس جورج بوش، جاءت تدشن عودة بلدها الى اليونسكو، فهبّ الرئيس جاك شيراك للاحتفاء بها، فكان من حق الجميع يومئذ أن يتساءلوا إن كان ذلك الاحتفاء حدثا مراسميّا عابرا أم كان موقفا ذا دلالات مشفّرة. وكان من حق الذي يرصد الشأن الدولي من خلال عدسات الهاجس الفكري أن يتساءل هل هو حدث سياسي ثقافي أم هو حدث ثقافي سياسي؟
علينا أن نستدعي شيئا من ذاكرة التاريخ كي يسهل علينا فك شفرة الأحداث، وفي مقدمة ما نستعيده الحيثيات التي حفت بنشأة اليونسكو. لقد بعثت هيئة الأمم المتحدة بموجَب معاهدة سان فرانسيسكو في 26 جوان 1945 عندما حطت الحرب العالمية الثانية أوزارها، وقد قامت في الحقيقة على أنقاض عصبة الأمم التي بعثت سنة 1920 ناشدة تعزيز السلم بين الدول، وواعدة بإقامة جدار من الصد يحول بين المجتمع الدولي ومنازع الحرب الضارية، ولكنها فشلت في الحيلولة دون إغراق الألمان في التسلح الجديد كما فشلت في الحيلولة دون اندلاع الحرب الإسبانية الضروس. قامت هيئة الأمم المتحدة إذن في منطلقها بوفاق إحدى وخمسين دولة واجهت المحور خلال الحرب الثانية، فمثلت رمزا كثيفا للشعور بالمأساة الإنسانية، فطفا على الوعي التاريخي إحساس بالمرارة العامة حينما اختلطت الأوراق كونيًّا بين شعوب مستعمِرة لغيرها وشعوب مستعمَرة بغيرها إذ تصدّع ناموس السياسة الدولية فوجد بعض هؤلاء مع بعض أولئك أنفسهم في خندق واحد يقاومون المارد الجديد الأعظم.
هذا الوعي الإنساني الجديد وهذا الإدراك الدقيق لتعال القضايا بين جوانب السياسة الدولية وجوانب القيم الإنسانية غير المقيّدة هما اللذان دفعا الى بعث مؤسسة دولية أخرى تكون بمثابة الوعي المضاد للحساب السياسي الدولي، فبعد سنة وبعض السنة من انبعاث هيئة الأمم المتحدة بعثت منظمة اليونسكو وذلك في 4 نوفمبر 1946. وربما بوسعنا أن نعيد قراءة ذاك الوعي الإنساني في لحظته التاريخية تلك ومن خلال لحظات الجنون التي عاشتها الإنسانية عندئذ، والتي أعادت الى المارد التاريخي سطوته قتلا ودمارا، ولم تنته إلا بمشهد الرعب الفظيع الذي استيقظت عليه الإنسانية صبيحة السادس من أوت 1945.
ها هي الحقيقة الكبرى: إن التعدد السياسي كثيرا ما يخفي وراءه توحدا ثقافيا كاملا، وأما التوحد السياسي فلا يعني بالضرورة توحدا ثقافيا، وصراع الهويات الثقافية لا يهزمه التوحيد السياسي الغاصب، والصراع السياسي بين الأنظمة لا يمكن أن يباعد بين الشعوب ان كانت تؤمن بالانتماء الثقافي الواحد. انفجر الأنموذج السوفياتي، وانفلق الأنموذج اليوغسلافي ولكن الشعب الألماني قد استعاد وحدته. ولن يأتي التاريخ على إحساس كل عربي أنه أقرب الى أي عربي من أي كائن ثقافي آخر. هكذا نفهم الفلسفة العميقة التي قامت عليها منظمة اليونسكو، إنها باختصار تام: البحث عن الوئام الحضاري من خلال الاختلاف الثقافي.
لقد اجتهد كل الذين تعاقبوا على إدارة هذه المنظمة الدولية في أن يترجموا هذه الفلسفة ترجمة عملية، واعتبروها ضربا من الميثاق غير المعلن، ولما جاء مختار مبو في
14 نوفمبر 1974 واصل الدرب الذي اختطه أسلافه، وربما أخذته الحماسة لأنه كان ابنا بارا للقارة السمراء التي دفعت أكثر من كل شقيقاتها ضريبة الاستعمار، وكان من السينغال وهو عريق الأصالة حمله التاريخ على أن يؤلف بين الأضداد، فشعبه مسلم في غالبيته، واللغة الرسمية للدولة هي الفرنسية.
عندما تسلم مختار مبو إدارة المنظمة كانت حركة التحرر بين شعوب »العالم الثالث" على أشدها، وكانت منظمة الوحدة الإفريقية على وشك الانفجار بين المهادنين للغرب والثائرين عليه، ولم ينقذها من التمزق إلا حصافة بعض القادة العرب في قمة الرباط
(12 جوان 1972) وبدأت الولايات المتحدة تنظر الى المدير العام بارتياب، وبدا لها أنه إن لم يكن حليفا صريحا للمنظومة الشرقية فإنه - على أقل التقديرات - مشاكس للثقافة الأمريكية كلما اختلفت مع الفرنسيين انحاز إليهم وجاهرها بالعداء.
أخذت الولايات المتحدة تشدّد المتابعة وتتعقب حيثيات التسيير الإداري متعللة بالخوف من استفحال البيروقراطية ومن انتشار سوء التصرف المالي لاسيما وأنها كانت تتكفل وحدها بربع ميزانية المنظمة، وانتهى بها الأمر الى الانسحاب من المنظمة فاختارت بذلك أسلوب الزجر، فكثير من مشاريع اليونسكو وآمال أعضائها وجدت نفسها في سلة المعاقبة، إنه سلوك "التأديب"" الدولي الذي بدأ يمدّ عنقه منذ لاحت بوادر انتهاء الحرب الباردة لصالح الولايات المتحدة، فهي التي تمسكت بمبدإ المقاومة المستميتة للإديولوجيا الشيوعية وعلى أرضها تكاتف في خندق المقاومة فيلق الساسة وفيالق المثقفين والمفكرين، أما في أوربا فإن المقاومة لم تكن على تلك الدرجة من الحدّة، والسبب دقيق جدا، ويعنينا جدا، لأنه شديد الالتصاق بقراءتنا هذه: كانت النخبة المثقفة في جل الأقطار الأوروبية - الليبيرالية الرأسمالية - منقسمة في الأعماق بين كتلة يمينية وكتلة يسارية. وكانت الريادات العلمية الأكاديمية - في معظمها - من شق اليسار المناهض للهيمنة والمقاوم للإمبريالية.
انسحبت الولايات المتحدة إذن وصاغت خطابها الرسمي على مبدإ ما تقول إنها لاحظته من سوء التصرف الإداري والمالي، وسكت الخطاب الرسمي عن كل الحيثيات الأخرى ذات الطابع المبدئي المتصل بفلسفة العمل الدولي المشترك وبفلسفة اليونسكو كما عرضناه تحديدا، وبين فلول الخطاب المعلن تتسلل مضمّنات الخطاب الغائب: فالعمل في منظمة اليونسكو يأتمر بمعيار الأغلبية في الاقتراع، والأغلبية لا تنصاع بالضرورة للرغبات التكتيكية ولا للرؤى الاستراتيجية المرسومة من وراء المحيط الأطلسي، وهذه الأغلبية عنيدة لأنها تألفت من تحالف صامت بين دول أوروبية ذات وزن ثقافي ثقيل ودول العالم النامي. فكان من الطبيعي - في الرؤية الامريكية ذاتها - أن تتشظى المؤسسة تحت وقع »التناقض" كما يراه الأمريكيون، فحالهم تقول: ليس من الإنصاف أن نتكفل بالقسط الأعظم من ميزانية مؤسسة كل ما فيها يعرقل رؤانا الاستراتيجية، وليس من مجال لحمل اليونسكو على اقتفاء أثر مجلس الأمن بإرساء مبدإ النقض.
يوم جاءت السيدة لورا بوش الى باريس وهبّ الرئيس جاك شيراك للاحتفاء بها كانت الولايات المتحدة قد أبلغت إدارة المنظمة أنها تعترض على ميثاق "التنوع الثقافي"ولكن السيدة لورا بوش جاءت لتؤديَ دورا ديبلوماسيا عاليَ الإتقان، فكان لزاما أن تصطحب معها آليات الخطاب المحيك على مناسج التضمين. من على منبر المنظمة قامت تخطب لتُعليَ من شأن التربية بوصفها الضمانة الأولى في القضاء على الأميّة وهذا بديهي إذ هو من تحصيل الحاصل، ولكن بوصفها - حسب سيدة الولايات المتحدة الأولى - سلاحا لمقاومة الإرهاب. وبناء على هذه المصادرة أعلنت السيدة لورا بوش عن المعادلة السياسية في قالب يسمّيه أهل الرياضيات بالمتراجحة المبنيّة على قانون التناسب العكسي: "كلما تأخر الجهل تقدّمت السلم"" المشكلة هي أن هذا القانون يطّرد وينعكس، فطبيعي أن تستنبط منه ما نصه : حيثما غابت السلم ساد الجهل !
في صبيحة ذلك اليوم - كما أكدته صحيفة لوموند الفرنسية (1 - 10 - 2003) - كان الرئيس جاك شيراك قد استقبل قرينة الرئيس جورج بوش في قصر الإيليزي فقالت له: "أظن أننا سنظل أصدقاء حتى ولو كان بيننا خلافات حول بعض القضايا، وإني آمل أن تعول الولايات المتحدة دائما على صداقة فرنسا" وليس بسيطا ولا هيّنا في أعراف السياسة الدولية أن تتوسل لورا بوش من المعجم السياسي بمصطلح الصديق والصداقة وألا تستخدم قاموس الحليف والتحالف، وتلك رسالة تضمينية أخرى على جدول الإيحاء.
عادت الولايات المتحدة الى منظمة اليونسكو في محفل بهيج يوم 29 سبتمبر 2003 وكانت السيدة لورا بوش هي التي جاءت باريس لتمثل بلدها في المؤتمر الدوري الذي حضر إليه ثلاثمائة من وزراء مائة وتسعين دولة، واعتلى منصته خمسة رؤساء دول، واجتمع فيه ثلاثة آلاف من الأعضاء الممثلين لبلدانهم.
عادت إذن بعد غياب دام عشرين عاما، واشترطت أن تكون لها العضوية في المكتب التنفيذي الذي يقوم مقام المجلس الإداري، وربأت بنفسها عن محاذير الاقتراع بالتصويت حسب ما تنص عليه المواثيق، فتم الضغط على البرتغال واليونان واللوكزمبور وموناكو ليسحبوا ترشحاتهم فسحبوا، عادت وبيدها صكوك المساهمة في ميزانية المنظمة بنسبة
22 في المائة، ومقدار ذلك 610 مليون دولار لسنتي 2004 - 2005.
على مدى العقدين الماضيين تشكلت لدى اليونسكو رؤية حددت بحصافة بالغة خط تماسّ بين الشأن الثقافي والشأن السياسي في أبعادهما الدولية، وكان لها هامش من الاستقلال مكّنها من ترسيخ مبدإ العمل الدولي المشترك على أسسه الإنسانية النبيلة، وانتهى الأمر - لمن يقرأ الأحداث بالمجهر النقدي - الى حصول المفارقة العجيبة بين ما آلت إليه أساليب العمل في هيئة الأمم المتحدة وخاصة في مجلس الأمن وما أجمعت عليه الدول الأعضاء في منظمة اليونسكو أثناء غياب الولايات المتحدة رغم عسر المخاض و آلام الولادة.
نشطت منظمة العمل الثقافي الدولي المشترك نشاطا حثيثا ساعية الى تجسيم فلسفتها الأولى : الوئام الحضاري عبر الاختلاف الثقافي، وكان من أبرز مشاريعها في ذلك العملُ على صيانة التراث الإنساني، فتعددت المعالم العمرانية والمعالم الأثرية التي استظلت برعاية اليونسكو لصيانتها والحفاظ عليها ولا سيما بين البلاد النامية، كما عملت اليونسكو على إعادة كتابة تاريخ العلوم على المستوى الإنساني، والسبب في ذلك أن كثيرا من الموسوعات تشيد بإنجازات الغرب وتزهد في إسهام الثقافات الأخرى، وترتب عليه أن الجامعات في أوروبا وأمريكا تقدم لطلاب العلم فيها حقائق مشوّهة عن الشعوب فتغرس فكرة الأفضلية الغربية المطلقة على الثقافات الصينية والهندية والفارسية والعربية..
ولكن الملمح الأهم في عمل اليونسكو خلال ذينك العقدين هو انكبابها على مسألة الخصوصيات الثقافية، وقد تبلورت فكرتها وتشكلت منذ مطلع الثمانينات في المؤتمر الذي عقدته المنظمة في المكسيك عام 1981، انطلقت الفكرة بحرص خاص من المدير العام مختار مبو ثم جاءت المساعي من الذين يتجاوزون دوما العقد التاريخية المرحلية ليقفوا سندا يعاضد سلّم القيم الثقافية في ينابيع مرجعيّاتها الإنسانية، فأعلنوا عن ضرورة الحوار بين كل الأطراف المساهمين في صناعة تراث الإنسان، وسيق القول مساق الشعارات المغرية الى أن تركّز في صيغته النافذة: »حوار الثقافات". فتحوّل الى مبدإ حضاري ليكون المسوّغ النبيل الذي يترجم بأمانة عن مفهوم التواصل من حيث هو آليّة مستمدة من منوال المحاورة حيث كل الأطراف باثون، وبين الجميع رسائل يتبالغون مضامينها وفق نظام نسقي من تركيب الدوالّ لتوشيح المدلولات بواسطة ما بينها وبين مراجعها من قرائن.
احتضنت الفكرة ومشاريعَها كلّ من فرنسا وكندا وحولهما خمسون دولة من المجموعة الفرنكوفونية، وأيدت المشروع أيضا دول الجنوب المعروفة بمجموعة السبعة والسبعين، وقد تجسمت مسألة الدفاع عن الخصوصيات الثقافية على مرحلتين: أعلنت اليونسكو عن تكريس عشر سنوات لدراسة الموضوع من كل جوانبه فكان ما يسمى بالعقد الثقافي،
أو بالعشرية الثقافية التي حددت من عام 1988 الى عام 1997، وقد تولّى خافير دي كويلار رئاستها حالما انتهت مهمته على الأمانة العامة لمجلس الأمن أواخر 1991.
عندما أنهت اللجنة أعمالها أعدت تقريرها النهائي فجاء في مجلد ضخم، كان نص عنوانه بالإنجليزية: "تنوّعُنا الخلاق: تقرير اللجنة العالمية للثقافة والتنمية"وقد تولى نقله الى العربية المجلس الأعلى للثقافة في مصر ضمن المشروع القومي للترجمة وجعل عنوانه "التنوع البشري الخلاق.."في مقدمة هذا التقرير كتب خافير بيريز دي كويلار: "إن مجهودات التنمية أخفقت لأن أهمية العنصر البشري تكمن في أنه مزيج معقد من الروابط والمعتقدات والقيم والحوافز، وذاك المزيج هو الذي يشكل جوهر الثقافة"". وقد أفاض في رسم هذه المرجعيات المبدئية د. جابر عصفور الذي أشرف على ترجمة الكتاب وحرر للنسخة العربية مقدمة تأليفية لافتة.
تأتي هذه المقدمة لتضع المسألة في سياقها الإنساني المنخرط في الميثاق العالمي للأخلاق السياسية، ولا تخفى نبرة النضال الذي تربى عليه كاتبها والذي طوّع قلمه في خدمته بصورة منتظمة : "قد مضت أزمنة التسلط والتسيّد منذ أن تعلمت الشعوب الدفاع عن حقوقها في الوجود المتكافئ الذي تؤكده معاني الحرية والعدالة والمساواة، وإنما تهدف الى احترام الاختلاف بوصفه سبيلا للاتفاق، والاعتراف بالتباين بوصفه دليلا على العافية، وتأكيد أنه ما من أمل في سلام البشرية ما ظلت حضارة من الحضارات أو ثقافة من الثقافات أو أمة من الأمم تمارس قهرا سياسيا أو فكريا أو أخلاقيا على غيرها من الحضارات أو الثقافات أو الأمم"".
ويكفي لمن رام استطلاع الكوامن الحافزة من وراء جولة ليّ الذراع بين اليونسكو والولايات المتحدة أن يتابع بروية ما جاء في هذا المجلد الخطير عن الثقافة والبحث عن أخلاقيات عالمية، والالتزام بحل الصراعات سلميا، وعدالة التفاوض، ثمّ يكفي أن نقرأ فيه ما يلي: "ومهما كان المنطق وراء المصالح القومية الخاصة فمن المقدّر للمبادئ الأخلاقية أن توجّه التعاون الدوليّ. فإذا كان النفاق هو الضريبة التي يدفعها الفساد للفضيلة كما يقال فإن الإفراط في الحرص على المصالح القومية الخاصة من جانب أهل السياسة يبدو كأنه الضريبة التي تدفعها الفضيلة للفساد. والمواطنون غالبا ما يسبقون الساسة في إظهار انتمائهم والتزامهم ومشاعرهم إزاء إخوانهم من البشر ممن يتعرضون للخطر، كما يتبين من ردود أفعالهم تجاه الكوارث والطوارئ وليس هناك ما يدعو الى توقف الأخلاق عند حدود الدول"". (ص 51).
في مؤتمر اليونسكو - يوم 29 سبتمبر 2003 - كان كل شيء جاهزا كي تتحول جهود عقدين من الزمن الى ميثاق يعطي المشروعية الكاملة لمعاهدة دولية تكون بمثابة "الإعلان العالمي عن التنوّع الثقافي" وتكون ملزمة، ومن أهم بنودها قرار حق الدول في انتهاج السياسات الثقافية التي تحددها لنفسها، وإقرار مبدإ حماية المنتج الثقافي الخاص بكل شعب من الشعوب. والأهم في ذلك كله هو أن تكون المعاهدة ملزمة للمنظمة العالمية للتجارة بحيث تصبح محمولة على تعديل قوانينها بما لا يمس من بنود المعاهدة الثقافية.
وهنا كل بيت القصيد، فالولايات المتحدة عادت الى منظمة اليونسكو معلنة رفضها لمشروع التنوع الثقافي، ولا أحد بمعترض على عودتها، فإن لم يكن خوفا فأملا في انتعاش جوهري لميزانية العمل الثقافي الدولي. وكانت الصحافة الأمريكية المنحازة الى اليمين الجديد قد أمعنت في تداول العبارة الساخرة حول فكرة التنوع الثقافي ناعتة إياها
بـ : Bad Idea فبم نخرج من كل ما سلف ؟
فأما على صعيد السياسة الدولية فتأكيد حقيقة كثيرا ما شكك فيها أصحاب السرائر البيضاء والمقاصد الناعمة: وهي أن العولمة كل لا يتجزأ، وأن الثقافة داخلة تحت طائلة السياسة، وسيف الاقتصاد مسلول على جوانح الثقافة، ثمّ تأكيد الحقيقة الأخرى وهي أن القول بالخصوصيات الحضارية كالإيمان بالتنوع الثقافي الخلاق يعرقل آليات التعميم الذي أبحر فيه الخطاب المسوّق للتهم الجاهزة المعلّبة.
وأما على صعيد التأمل النظري عند التنقيب عن حيثيات نشأة الأفكار وملابسات رواجها فمن المهم أن نراجع مقولة صدام الحضارات وذلك على مستويين، أولهما أن نشأتها سابقة في الزمن للفترة التي اكتسحت فيها فجأة عالم التداول الثقافي والجدل السياسي، فهي - كما قد كشفه بعض المفكرين الغربيين الشرفاء - مقرونة بما صاغه الباحث البريطاني برنار لويس منذ عام 1964 قبل أن ينتقل الى الولايات المتحدة عام 1974، ومنذئذ انخرط سياسيا في منتدى غلاة المحافظين فنشر كتابين، الأول:" ما الذي حدث؟ الإسلام والغرب والحداثة". والثاني "الإسلام في أزمة". ثمّ حصل استثمار هذه الأفكار بنهج مكيافلي يسّرته الحيثيات التاريخية.
أما المستوى الثاني فيتصل بضرورة "التحييث" الصحيح، فكلّما انتعشت به فكرة صدام الحضارات كنقيضة مباشرة لمبدإ حوار الثقافات لا يمكن فك شفرته إلا في ضوء تلك الأنفاق التي كان يمور فيها الجدل داخل قلعة اليونسكو في الغياب الرسمي للولايات المتحدة.
في العالم النامي - وفي جل أقطارنا العربية تحديدا - كانت الثقافة دوما هي كبش الفداء عند حصول أدنى ضائقة اقتصادية، وشيئا فشيئا تحولت الثقافة الى كبش الفداء عند أولى مفارقات السياسة الدولية، وهكذا ما انفك الشأن الثقافي يحمل أعباء السياسة ثم يقع تطويعه كي يكون رأس القاطرة في الحملة النسقية التي تسعى الى صهر الهويات الإنسانية في "هوية" استباقية جديدة ستكون هي بالفعل "الاهوية".
مقولة "التنوع الثقافي"" تعيد الى أذهاننا مقولة أخرى عرفت نشأتها في الولايات المتحدة واعتنقتها فرنسا بعد أربعين عاما، إنها مقولة "الميز الإيجابي" ففي مطلع الستينات من القرن العشرين اشتد عنفوان النضال في صفوف السود الأمريكيين، وكانوا يمثلون الشريحة الأعظم بين صفوف الفئات المهمّشة، فاستحدث الرئيس نيكسون شعار "الميز الإيجابي" ليخفف به من وطأة الشعار الذي رفعه السود وهو "الميز الاجتماعي". يقضى هذا الإجراء بأن تنتدب المؤسسات الجامعية سنويا عددا من أبناء الطبقات المهمّشة انتدابا مباشرا دون أن يمروا بعقبة المناظرات، وكان المقصود على وجه الخصوص المؤسسات النخبوية التي تتطلب درجات عالية في سلّم الشهادات. وفي عام 2001 نحت فرنسا هذا النحو وبدأت بأكاديمية العلوم السياسية.
عندما عادت الولايات المتحدة الى اليونسكو منادية بإلغاء ميثاق التنوع الثقافي كان شيء ما في سماء الذاكرة يضطرب منذرا بالتأوّه: منذ أربعين سنة كان قرار الرئيس نيكسون أنموذجا أعلى لفتح الأبواب أمام ذوي البشرة السمراء، وبفضل قراره تمكن كولن باول وكندليزا رايز من ولوج مؤسسات أكاديمية عن طريق "الميز الإيجابي" لا عن طريق المناظرات العلمية.