ندوات

في ندوة حول الممارسات الثقافية في مجتمع المعلومات والاتّصال:

هل ابتلعت وسائل الاتّصال

الحديثة أشكال الثقافة التقليدية؟

- طرافة التجربة التونسية في التحكّم في التكنولوجيا الحديثة وبناء مجتمع المعرفة

- تلفزيون القمامة يُروّجُ لثقافة الطاعة.. وحرب الصور والرموز غير متكافئة

- الفصل بين الثقافة والاتّصال فصل واهم.. والاتّصال ينخرط في جملة القيم التي تُنْتجُها الثقافة

- الثورة الاتّصالية طوّرت مسالك الترفيه.. والوقت الحرّ يخضع لتوزيع الأدوار بين المرأة والرجل

تونس ـ أفكار أونلاين ـ خيرة الشيباني

بالرّغم من حداثة الثورة الاتصالية فإنّها نجحت في إحداث تغييرات جذرية على مستوى الممارسات الثقافية للمجموعات والأفراد. ولم تنجُ من هذه التأثيرات المجتمعات ذات البُنى الاجتماعية التقليدية والثقافات المحافظة، او تلك التي تعيش حراكا دائبا على المستوى الاجتماعي وانفتاحا على المستوى الثقافي. وهو ما يَطرحُ العديد من الاسئلة حول نوعية وعمق واتجاه هذه التغييرات التي لا تعبّر بالضرورة عن اشكال من التفاعل الحقيقي بين وسائل الاتصال الحديثة والمضامين التي تمرّرها وبين المجتمعات والثقافات التي اخترقتها هذه الوسائل أو انفتحت طوعا عليها.

بعض هذه الأسئلة كانت محلّ اهتمام المركز الوطني للاتصال الثقافي، إحدى أبرز مؤسسات وزارة الثقافة والمحافظة على التراث التونسية، حيث نظم بتونس فيما بين 16 و17 ديسمبر 2004 ندوة، كان منسّقها عالم الاجتماع د. نجيب بوطالب، حول الممارسات الثقافية في مجتمع المعلومات والاتصال بمساهمة العديد من الباحثين والجامعيين التونسيين المختصّين.

طرافة التجربة التونسية

الدكتور بوبكر خلوج مدير المركز الوطني للاتصال الثقافي أبرز أهمية عقد هذه الندوة التي تجمع بين "مسألة الثقافة، عملا وممارسة ميدانية، محدّدة في الزمان والمكان" وبين "مجتمع يرتبط ارتباطا متزايدا بالمعرفة في شكلها المعلوماتي وبتكنولوجيا الاتصال الحديثة التي أصبحت تخترق الزمان والمكان وتتجه نحو عولمة الثقافة، أشكالا ومضامين"، مشيرًا إلى مدى وعي التجربة التونسية بالرهانات التي تطرحها سرعة التطوّرات التكنولوجية وآليات البثّ والتقبّل والتأثير عن بعد والامكانيات الهائلة التي توفّرها الاكتشافات الحديثة في مجال المعلوماتية والوسائل المسموعة والمرئيّة، باعتبار ان الثورة الاتصالية هي "مدخل الحداثة التي تَسْعى الدول والشعوب الى مواكبتها والتكيّف معها والاستجابة الى مقتضياتها لضمان نسق نموّها كبلد صاعد".

وقد اشار الدكتور خلوج الى بعض مؤشرات هذا الوعي التونسي بأهمية التحكم في التكنولوجيات الحديثة وبناء مجتمع المعرفة ومن ذلك الاستراتيجية المتناسقة الأبعاد والاهداف التي وضعتها تونس لتحقيق هذه الغايات، وطرافة تجربتها في سبيل السيطرة على الفجوة الرقمية وتحقيق العدالة في امتلاك المعرفة واستغلال الامكانيات التي توفّرها التكنولوجيات العصرية، وهو ما "برّر جدارتها باحتضان المرحلة الثانية من القمّة العالمية للمعلومات سنة 2005 التي ستكون بلا شكّ تتويجا لاستراتيجية أثبتت نجاعتها" بعد ان توفّرت لها الشروط والضمانات التشريعية والتكنولوجية والمؤسساتية.

وفي إطار التعرّض للإشكاليات والتحديات التي تطرحها وسائل الاتصال الحديثة على المجتمعات وثقافتها استعرض الدكتور خلوج بعض الاسئلة التي اهتمّ بدراستها المساهمون في هذه الندوة ومنها:

ـ ما هي خصائص التحوّلات الثقافية، ممارسة ومضامين، في المجتمع المعاصر؟

ـ ما هي الأشكال الجديدة للعمل الثقافي التي تتيحها ثورة المعلومات والاتصالات، وما علاقتها بأشكال الثقافة التقليديّة؟

ما هي آليات العمل الثقافي في العالم وما هي خصائص تونس للحفاظ على هويتها وتراثها؟، ما هي الادوار التي تلعبها ثقافة الصورة في تعميق واثراء الممارسات الثقافية؟

وأخيرا، ما هي اشكال التفاعل التي ينتجها الاعلام الثقافي في مجتمع الاتصال والمعلومات؟

الرموز الثقافية

مقدّمة نظرية للإجابة عن هذه الأسئلة، اختار الدكتور محمود الذوادي عالم الاجتماع التونسي الذي أثرى المكتبة العربية بالعديد من اصداراته، أن يقدم لنا "أبجدية الثقافة: الرموز الثقافية في عصر الاتصال" وهو يَعْني بالرموز الثقافية المقوّمات الأساسية للثقافة التي تميّز الجنس البشري، وعلى رأسها اللغة، والفكر بجميع مستوياته، والعلم والمعرفة، بالاضافة الى العقائد والديانات والقيم والاعراف الثقافية. وقد توقّف الدكتور الذوادي عند خاصيات هذه الرموز، مثل اللامادية والثبات وسرعة الانتقال، وقدرتها على شحن الطاقات وتفجير ما أسماه بالشُحنِ الماردة. وأوضح أنّ هذه الخاصيات هي التي تجعل إمكانية الحوار بين الثقافات واردة، إلا انه لاحظ بكل أسف، ان هذا الحوار غير متكافئ بين الشرق والغرب لأن المنتمين الى الدائرة العربية ـ الاسلامية أكثر انفتاحًا على الغرب، فهم يتقنون أكثر من لغة أجنبية في حين انه من النادر ان يُقْبِلَ الغربيون على فك الرموز الثقافية العربية ـ الاسلامية وعلى رأسها اللّغة العربية.

كما أبرز الدكتور الذوادي أهمية الثقافة في المشاريع التنموية.

ثقافة الخنوع..

ان احدى أبرز الخاصيات الأساسية للرموز الثقافية، كما أوضح آنفا الدكتور الذوادي، هي سرعة الانتقال، وقد اطّرد نسق سرعة انتقالها مع بروز وسائل الاتصال الحديثة وانتشارها في الزمان والمكان واختراقها لنسيج المجتمعات والثقافات. وقد ساهم كل من الاساتذة الباحثين احمد خواجة ومحمد عبازة والمنجي المبروكي والمهدي المبروك في تجلية العلاقة بين الثقافة ووسائل الاتصال الحديثة. وقد اختار الأستاذ أحمد خواجة استاذ علم الاجتماع بكلية العلوم الانسانية بتونس ان يدرس انعكاسات ثقافة الصورة على الافراد والمجموعات من خلال بحثه "تأثيرات التلفزيون على العلاقات الاجتماعية" وقد انطلق الدكتور خواجة من أبحاث إدغار موران في هذا المضمار حيث وصف ثقافة التلفزيون بثقافة الجمهرة التي انتشرت خاصة مع انتشار المسلسلات والبرامج التلفزية الأمريكية التي أثارت جدلا عريضا في أوروبا وخاصة في فرنسا، وتمّ الحديث عن حقّ الاستثناء الثقافي لحماية الثقافة الوطنية من أنماط السلوك والتفكير التي تروّج لها تلك البرامج. ومع عولمة الصورة وانتشارها ومركزيتها تمّ تسييسها، كما يضيف الدكتور خواجة، حيث أصبحنا نعيش حرب الصور والرموز التي عشناها مع حرب الخليج الثانية والحرب الامريكية على العراق وسقوط بغداد، ورأينا كيف يُجهز جندي أمريكي على عجوز حيّ في الفلّوجة، وكيف تخترق 20 طلقة جسد طفلة فلسطينية، وقد انتقلت هذه الصور عبر العالم لإبراز، لا فقط الاحتكار الامريكي للاعلام وخوضه حربَ رموز عبرها، بل أيضا لإبراز الهيمنة الامريكية على العالم. وأشار الباحث التونسي الى مسودة قانون عرض على الكونغرس الامريكي للتصدّي لمعاداة السامية ومن ضمن بنوده البند الرابع الذي يدين صراحة برامج ومسلسلات عربية تدافع عن القضية الفلسطينية وتبرز أبعاد مأساة الشعب الفلسطيني ممّا يؤكد ان حرب الصور وحرب الرموز حرب غير متكافئة، بالاضافة الى ذهاب هذه الحرب الى تطويع المتفرّج وقبوله او تطبيعه مع العُنْف المُرَوّج.

ومع برامج تلفزيون الواقع الذي اشار الدكتور خواجة الى نعت بعض الباحثين له »بتلفزيون القمامةأو "تلفزيون الزبالة" تمّ الترويج لثقافة الطاعة والانقياد والخضوع للاستاذ أو المدرّب مع نكران الذات ولم تعد الموهبة كافية للتربية والتكوين، ولصنع مشروع حياة، هذا بالاضافة الى التطبيع مع الانكشاف حيث يتمّ القبول بكشف الذات وانتهاك الحرمات الخاصة دون أية مساءلة لهذا الواقع الذي يعرض علينا ومساءلة علاقته بالواقع الذي نعيشه. واشار الباحث الى ندرة المقالات العربية الجادّة التي تتناول أبعاد "تلفزيون الواقع " رغم رواج نسخه في التلفزيونات العربية، ودعا الى بعث مراصد لدراسة مثل هذه الظواهر الناشئة عن تأثير وسائل الاتصال الحديثة، كما دعا الى تربية الناشئة العربية على اعلام مسؤول والتعامل مع الصور المتداولة بشكل تعدّدي نافيا ان تكون وسائل الاتصال الحديثة قد قلبت تماما أدوار العائلة او اغتصبتها اغتصابا.

وقد دعا الدكتور نجيب بوطالب في سياق تفاعله مع هذه المداخلة بدوره الى دراسة هذا التحوّل في القيم كالتطبيع مع العنف ومع انكشاف الذات، متسائلا ان كانت هذه "الواقعية" التي يُنعَت بها التلفزيون هي استعادة لسؤال الشعبية التي رُوّج لها في السبعينات من القرن العشرين أم هي مشحونة بمضامين وخلفيات أخرى؟

المثقفون ووسائل الاتصال

وفي ذات السياق تساءل الأستاذ منجي المبروكي الباحث في مجال سوسيولوجيا الاعلام وقضايا الشباب: "ماذا تفعل وسائل الاتصال بالثقافة؟ وماذا تفعل الثقافة بوسائل الاتصال" وذلك في مداخلة بعنوان "ثورة الاتصال وتأثيرها على المضامين الثقافية" حيث أوضح ان الارتباط بين وسائل الاتصال والثقافة يُطرَح عادة بطريقة اشكالية منفصلة كلما طرأ مستحدث تقني في تكنولوجيات الاتصال في حين انه، تاريخيا، احدثت كل الاكتشافات الاتصالية هزات ثقافية، ويمكن القول حينئذ ان جدل العلاقة بينهما قديم قِدمَ التحوّلات التي شهدتها وسائل الاتصال.

واعتبر الباحث انه من الخطإ، بسبب هذه العلاقة الجدلية، الفصل بينهما شكليا ومنهجيّا لأن "هذا الفصل يعيقنا منهجيّا عن فهم العلاقة المتحرّكة بينهما".

وفي "تصنيف انتقائي للثقافة" يعتمده المختصون في سوسيولوجيا الإعلام والثقافة ميّز الباحث بين ثقافة النخبة وثقافة وسائل الاعلام التي وصفها بالفسيفسائية، والثقافة الشعبية واعتبر ان وجود هوّة بين هذه المستويات يقود الى مستوى من مستويات الانفصام الثقافي، وذكر ان وسائل الاعلام مدعوّة الى ان تستمدّ مضامينها من اتساقها مع الحياة اليومية للمجتمع بمقاربة تُزاوِجُ فيها بين وظائفها الرئيسية وهي الإخبار والتثقيف والترفيه والرقابة على البيئة، كما ان هذه الوسائل مدعوّة الى مواجهة تحديات خارجية وداخلية جمّة ومنافسة شديدة وهو ما يتطلّب اعتمادها على كل مقومات الثقافة، بالإضافة الى اداء وظيفتها في مناخ تسوده حرية الرأي والتعبير وتشارك فيه كل الكفاءات الوطنية القادرة على الابداع والتجديد والتواصل مع الآخر، وهو ما يوفّر على حدّ قول الاستاذ مبروكي "فرَصَ انخراطٍ متوازنٍ في ما يصطلح عليه بمجتمع المعلومات".

كما أثَار الباحِثُ التونسي قضيةً تظلّ دائما مثار جدل وهي علاقة المثقفين بوسائل الاتّصال واصفًا هذه العلاقة بالطلاق الذي لم يكتمل بالثلاث، وهو ـ كما يراه ـ طلاق ناتج في جانب كبير منه من التباين بين خصائص الثقافة التي تنتجها تلك الوسائل بالمقارنة مع خصائص ثقافة النخبة، الا أن واقع الحال، كما يلاحظ الباحث، يفترض ان يغيّر من طبيعة علاقة هذه الأخيرة بوسائل الاتصال، لا من حيث اعتبارهم يُصنّفُونَ افتراضيا ضمن جمهورها، بل باعتبارهم مدعوين الى تعزيز فرق الانتاج والتجديد والابتكار داخل مؤسسات الاعلام التي تخوض حاليا حرب البقاء وكسب معركة المنافسة التي يفترضها الاعلام المُعَوْلَمُ.

القيمة التواصليّة

وإذا ما بدت العلاقة بين وسائل الاتصال والثقافة على مثل هذا الوضوح والتكامل بالنسبة الى الأستاذ مبروكي، فإنها ليست كذلك بالنسبة لأستاذ علم الاجتماع الدكتور مهدي مبروك حيث يلاحظ التباس هذه العلاقة ويؤكّد انه ليس من السهل الحسم فيها متسائلا ان كانت الثقافة بصدد الذوبان في الاتصال حيث ان العالم كان في العقود الأخيرة مشغولا "بالحكايات الكبرى" على حدّ تعبير فرانْسوا ليوتار (الايديولوجيات والنظريات الكبرى)، وكانت وسائل الاعلام تنقل هذه المشاغل الا انه مع سقوط هذه الحكايات الكبرى أصبح الاعلام معنيّا بالحكايات الصغرى، بالتفاصيل الحميمية، كما هو شأن »تلفزيون الواقع وغيره، وكأنّنا نشهد موت الثقافة. إلاّ ان الدكتور مهدي مبروك يشير الى بوادر الاهتمام باعادة تأسيس العلاقة الممكنة بين الثقافة والاتصال الذي دشنته بخطى محتشمة انتربولوجيا التواصل في المدرسة الأمريكية، والذي عمّقه هابرماس عندما حاول انقاذ الاتصال من المفهوم الأداتي ومن تذويبه في الاعلام وشحنه بالقيم والرموز. وهكذا يصبح للاتصال قيمة تواصلية تتجاوز القيمة المعلوماتية للاعلام، وتُصْبِحُ سِجلاّت الاتصال أثرى من سجلات الاعلام.

ان الاتصال بهذا المفهوم يصبح أقرب للثقافة لأنه لا يقتصر على جملة التبادلات بين الأفراد والمؤسسات بل هو جملة التفاعلات الناطقة والصامتة على حدّ السواء بيننا وبين أشياء محيطنا، فالهاتف الذي لا يرنّ له قيمة تواصلية شأنه شأن النبتة والصخرة والنور وما الى ذلك، من الأشياء التي تنخرط في سياق ثقافي، وهو ما يعني ان التواصل ينخرط في جملة القيم التي تنتجها الثقافة، ويصبح بالتالي الفصل بين الثقافة والاتصال فصلا واهما.

وعلى حدود ابراز القيمة التواصلية للمنتج الثقافي يمكن قراءة مداخلة الدكتور أرسلان شرف الدين الأستاذ بالمعهد العالي للتنشيط الشبابي والثقافي بتونس التي قدّمها بعنوان "الثقافة والعولمة" حيث يؤكد الدكتور شرف الدين انطلاقا من قراءة لكتاب ادوارد سعيد "الثقافة والامبريالية" ان الثقافة الأوروبية كانت دائما داعمة للآلة الاقتصادية والسياسية الكامنة في المركز المادي من الامبريالية، بحيث يمكن الكشف عن التواطؤ الكلي والتشابك الحميمي بينها وبين الامبريالية. وانطلاقا من انتاج كتّاب كالروائي الفرنسي ألبير كامو ثم فرانسوا فانون والفيلسوفين دي توكفيل وفوكو وغيرهم، أبرز الباحث كيف ان انتاجات هؤلاء الأدبية والفكرية قد منحت مشروعية للسلط القائمة في مشاريعها الامبريالية.

وَخُلصَ الدكتور شرف الدين الى أن معظم التشكيلات الثقافية المنتجة في الغرب افترضت بداهة "ان سيادة القوى الامبريالية باقية أبدا، وبأن هيمنة هذه القوى على الشعوب والأمم غير الاوروبية كالقضاء والقدَر الذي لا رادّ له" الا أنّ ارادات الشعوب وثقافاتها المقاومة كانت لها الغلبة في نهاية المطاف، على حدّ تعبير الباحث.

التراث والاتصال

ولكن هل ستقاوم الثقافة الشعبية بالقدر الذي يمنحها قدرة على الامتداد والبقاء رغم شراسة هجمة ثقافة العولمة الذاهبة في اتجاه تمييع الثقافات المحلية في بعديها الشعبي والنخبوي في ثقافة منمّطة ورغم محاولات التوظيف السياسي أو السياحي؟

هذا السؤال طرحه الدكتور محمد عبازة أستاذ المسرح بالمعهد العالي للفن المسرحي في مداخلة بعنوان "العمل الثقافي والتراث". وقد انطلق من أهمية التراث باعتباره احدى التعبيرات الثقافية المرتبطة بالهوية والجذور مذكرا ان التراث ملك للجميع ولا يحق لأية جهة التصرّف فيه والمتاجرة به او تشويهه.. ولأنه ملك للجميع فهو يحتاج الى عناية العديد من الأطراف والى العديد من المختصين بعيدًا عن ايّة نظرة دونية كثيرا ما تغلب علينا في التعامل مع التراث. ونعى الدكتور عبازة محاولات التشويه التي تلحق بالتعبيرات الثقافية التراثية وتقديمها على سبيل الفرجة، وبطريقة متحفية، في حين انها تسكن النسيج الاجتماعي. كما تسكن ذاكرتنا وضمائرنا ووجداننا، وطالب بإقامة مرصد لرعاية التراث والعناية به وحفظه وتطويره وتوظيف وسائل الاتصال الحديثة في هذا الاتجاه.

وقد أثارت مداخلة الدكتور عبازة نقاشات عدّة منها ضرورة الارتقاء بالتراث الى مستوى الاشكالية العلمية بدلا من مقاربته بشكل التعاطف أو الانفعال، ومنها التساؤل عن مشروعية الحديث عن حيوية التراث في حالة اندثار او تحوّل البنى الاجتماعية التقليدية التي أنتجته؟

فضاءات الترفيه

ان الحديث عن الثورة الاتصالية كثيرا ما يقود الى الحديث عن الانعكاسات السلبية لهذه الثورة، وكثيرا ما ننسى ان هذه الثورة قد شجعت القطاعات الثقافية على النموّ بما قلّص من المسافات بين الشعوب والمجموعات وعلى تقاسم أشكال الانتاج الفكري والفنّي وفضاءات التثقيف والترفيه والترويح خصوصا بفضل ما أدّت إليه التحوّلات العميقة في مفهوم العمل والأنشطة الملزمة، وهكذا أصبح المختصون في علم اجتماع الثقافة يتحدثون عن اتساع مساحة الوقت الحرّ، وبدأوا يهتمون بالثقافة المتداولة في هذه الفضاءات مثل دور الثقافة والمكتبات ودور الشباب والمقاهي وغيرها.

وفي إطار هذه الندوة اعتنى الدكتور هشام عيسى بمدارس واتجاهات الترفيه وعلاقتها بمبحث الثقافة وذلك من منظور تربوي ونفسي واجتماعي. وأشار الى ان هذه المدارس اهتمت بالدور الذي يلعبه الترفيه في تربية الأفراد وتنمية قدراتهم ومداركهم ومعارفهم، كما يلعب دورا في ديناميكية المجتمع لأنه يمكن ان يكون مؤشر تقدّم أو تقهقر اجتماعي، كما ان الترفيه يعدّ عاملا مساعدًا على تمثل مقوّمات ثقافة مجتمع ما، وقد ساعدت الثورة الاتصالية على تطوير مسالك الترفيه وسهولة تواصل الثقافات، وتقاسم الأفكار والقيم والمواقف وأشكال السلوك. ويعدّ الانترنيت، في العديد من الدول، المجال الأوّل للترفيه خاصة بالنسبة للشباب.

وقد اعتنى الدكتور حبيب الدرويش أستاذ علم الاجتماع بكلية الآداب والعلوم الانسانية بصفاقس بفضاءات الترفيه لدى الشباب وذلك في مداخلته "أية علاقة للثقافة بفضاءات الوقت الحرّ؟ " .

وقد أشار الدكتور درويش الى جدّة البحث في سوسيولوجيا الترفيه والوقت الحرّ مشيرا الى الاهتمام الرسمي في تونس بفضاءات الوقت الحرّ حيث يركّز الخطاب الرسمي على ضرورة تثقيف الشباب بعد ان كان التركيز فقط على تعليمه في العقود الماضية.. وأكد الباحث ان الإعلان العالمي لحقوق الانسان قد نصّ على حقّ المواطن في ولوج مجال ثقافي بالاضافة الى تمتّعه بكافة حقوقه الثقافية. وقد تكفلت الدولة التونسية بهذا الحق، ومن ذلك توفيرها للعديد من دور الشباب والثقافة. وذكر الدكتور درويش ان الرهان الموكول لهذه الدور يعطي مشروعية للتساؤل عن تمثلات المواطن التونسي لأدوارها سواء من الشباب الذي يرتاد هذه الفضاءات أو المؤطرين أو المسؤولين عن هذه الدور وذلك مع الأخذ في عين الاعتبار المتغيّرات المؤثرة في سلوك الانسان مثل متغيّر الجنس، والمحيط العائلي والمنحدر البيئي.

وقد خرج الباحث، من دراسة ميدانية لهذا الموضوع، بالعديد من الاستنتاجات منها ان أجوبة الشباب تشير الى غياب تقاليد البرمجة والتنظيم للوقت الحرّ وان كان هنالك وعي بضرورة الترفيه.

ومن ضمن استنتاجات الباحث أيضا ان التعامل مع الترفيه يخضع لمنطق توزيع الأدوار بين الرجل والمرأة داخل الفضاء الأسري وذلك بالرّغم مما تحقق من تحوّل في وضع المرأة التونسية، حيث أن أعباء الوقت المُلْزِم او الاجباري تتواصل داخل البيت أيضا ممّا يقلّص أوقات الترفيه ويجعلها تكاد تنحصر في مشاهدة التلفزيون. كما لاحظ الباحث حرص الآباء على مراقبة أبنائهم وحرصهم على تخصيص أوقاتهم الحرّة للدراسة أيضا، كما لاحظ ما أسماه بإحكام قبضة التلفزيون على الشباب، وتساءل هل نحن نعيش عصر ما يسمّى »بالمشاهد المذهول أو المشاهد الحيّ/الميّت الذي يَفصِلُ فيه جهازُ التلفزيون المشاهِدَ عن محيطه.. أما عن تمثلات القائمين على فضاءات الوقت الحرّ فلقد برز من خلالها حرص هذه المؤسسات على تحصين الشباب من الثقافات الوافدة ومن الغزو الاعلامي، كما تحدث بعض المسؤولين عن تدرّب الشباب ـضمن هذه الفضاءات ـ على ثقافة الحرية، وذلك بعيدًا عن كلّ ضغوط حيث ينمّي الشباب معارفه ومداركه وقدراته في فضاء للتبادل الحرّ.

ثقافة المقهى

اذا كان الشباب، حسب بعض القائمين على فضاءات الترفيه، يتدرّبون على ثقافة الحرية في إطار هذه الفضاءات فهل الأمر كذلك في فضاءات المقهى؟

قد نجد جوابا عن هذا التساؤل في مداخلة الدكتور سالم لبيض أستاذ علم الاجتماع بالمعهد العالي للعلوم الانسانية بتونس الذي ارّخ لتاريخ المقاهي في تونس وعدّد وظائفها السياسية والثقافية قبل استقلال تونس وبعده حيث تواصلت هذه الأدوار السياسية والنقابيّة والثقافية والاقتصادية أيضا بالاضافة الى الأدوار الترفيهيّة. وقد أشار الباحث الى ان كلّ التيارات السياسية في تونس وجدت لها مقرّا في المقاهي للنقاش والجدل وتنظيم العمل أيضا، كما ان المقاهي دخلت في معمار مقرّات الاتحاد العام التونسي للشغل حيث نجد في العديد من مقرّاته مقهى يتبعها. كما تحدّث الدكتور لبيض عن رمزية المقهى، فهنالك المقهى الذي يسعى الى تأصيل نفسه ضمن إطار تقليدي ويعمل على التواصل مع إرثه الثقافي، وهنالك المقهى على الشاكلة الاوروبية. وهذه الرمزية تمتدّ الى أسماء المقاهي مثل "مقهى السلام" و"مقهى تونس" و"مقهى فلسطين" و"مقهى باريس" و"ميامي" وغيرها.. وخلص الباحث الى ان وجود المقهى دليل على الحراك الاجتماعي، لذلك نجد تحوّلات في المقهى حيث انتقلنا الى "السيباركافي"، ومقهى الانترنيت، وغيرها، وفي هذه المقاهي يتمّ تداول ثقافات مغايرة تتصل بواقع الثورة الاتصالية التي ألغتْ عُنْصُرَيْ الزمان والمكان وخلقت أشكالا جديدة من التفاعل الثقافي، وكان من جملة النقاشات التي أثيرت حول هذه المداخلة عدم تطرّقها الى واقع ارتياد المرأة للمقهى كمؤشّر لتحرّرها، وظهور أصناف عديدة من المقاهي لفئات جديدة، ولمستويات معيشيّة مختلفة، ودراسة المقهى كفضاء للتبادل الرمزي والعاطفي وكفضاء للهروب من أعباء الأسرة والتزاماتها الخ..

السياحة والفرص الضائعة

وفي عصر تسارع أشكال التبادل بين مختلف مناطق العالم وانفتاح بعضها على بعض، كان لا بدّ من مقاربة دور السياحة في عمليات التبادل هذه، فهل هي تحقّق شكلا من أشكال الحوار الثقافي أم أنها تعتبر مدخلا لهيمنة ثقافة على ثقافات أخرى؟

توفر لنا مداخلة الدكتور عادل الوشّاني التي جاءت على قدر كبير من العمق والجديّة "السياحة الدوليّة في البلدان العربيّة: حوار بين الثقافات أم مدخل للهيمنة الغربية على البلاد العربية" بعض عناصر الاجابة، حيث يلاحظ الباحث ان السياحة الدولية في البلاد العربية هي ذات وجهٍ وقفا حقيقيين، يشمل الوجه حضورًا للغرب في البلاد العربية مغايرًا تماما لتجربتها التاريخية معه، حيث التفاعل بين الثقافتين العربية والغربية، كما يصوّره هذا المشهد، متكافئ تماما بل يتعدّاه الى نوع من الرومانسية التفاعلية بينهما، أما القفا فهو الذي عكف الباحث على دراسة أبعاده الظاهرة والمُضْمرة، وذلك من خلال ثلاث مسائل تخصّ التفاوض اللامتكافئ بين الحكومات الوطنية والوكالات العالمية للسياحة، وقضية المواطن العربي في مطويات الإشهار السياحي، والمسألة الثالثة تخصّ التفاعل الجنسي بين الشباب والسائحات المسنّات.

ومن خلال طرحه لهذه المسائل أكّد الدكتور الوشّاني على تخارج الاقتصاد السياحي العربي وارتباطه البنيوى بالاحتكارات الرأسمالية الغربية التي تمثلها وكالات الأسفار الدولية سواء في مستوى مرابيحها أو مؤسساتها. كما أوضح من خلال دراسة تحليلية معمّقة لمائة وخمسين صورة اشهارية تقوم بتوزيعها وكالات الاسفار هذه، أن هذه الصور تقدم صورة متحفية للانسان العربي، وهي لا تجانب في مضامينها القول الاستشراقي، فالإنسان العربي »لا يزال ذلك الكائن التراثي الغرائبي، والتاريخ لا يزال سكونيا لا تطوّريا، والتراث لا يزال بنية متأبّدة لا ينفصل فيه الحاضر على الماضي، والأرض لا تزال بكْرًا..

ان هذه الأرض البكر تمثل مقصدا سياحيا لشريحة مهمّشة من الأوروبيات المُسنّات اللواتي يجدن لدى عدد من الشباب العربي الفقير والمحروم المادّة الاجتماعية السهلة للتعويض والتفريغ والتصعيد، واذ يتحقق التبادل بين شباب يبحثون عن حلول فرديّة لمغالبة التهميش الاقتصادي ويحلمون بالزواج المختلط او حتى بالهجرة وبين مُسّنات يقدمن المال بحثا عن الحبّ والجنس، فإن هذا التبادل غير متكافئ على حد قول الباحث، اذ لا يعيش هؤلاء الشباب ذواتهم كفاعلين ايجابيين وكمُخلّصين احرار لطاقاتهم الحيوية..

ان هذا الوجه الآخر للسياحة الدولية في البلاد العربية يوضح أنها تندرج ضمن سياق هيمني يمارس فيه الغرب الرأسمالي بآليات وادوات متنوعة عمليات الاخضاع والتحجيم للبلاد العربية، بدلا من استثمار فرصة لا تتكرّر للحوار بين الحضارات، وهو ما يحيلنا الى ما قاله الدكتور الذوادي في بداية أشغال الندوة من ان العرب اكثر رغبة وإقبالا على حوار الحضارات من الغرب، وهو أمر يستحق مزيد التأمّل والدراسة.


afkar@afkaronline.org