ندوات

ندوة صورة المرأة في الإعلام التونسي

صباح المحمودي – "أفكار أونلاين" -تونس

في نطاق اهتمام الوزارة التونسية لشؤون المرأة والأسرة والطفولة والمسنّين برصد مختلف المتغيّرات والمؤشرات الأساسية المتعلقة بوضع المرأة والأسرة في تونس، نظّمت الوزارة في منتصف ديسمبر 2004 يوما دراسيا حول موضوع "صورة الأسرة في وسائل الإعلام الوطنية". وذلك بمساهمة عدد من الباحثين في علم الاجتماع ورجال الإعلام.

وقد افتتحته السيدة سلوى العياشي اللبّان وزيرة شؤون المرأة بكلمة بينت فيها أن صورة الاسرة في وسائل الإعلام والاتصال ترتبط ارتباطا وثيقا بالتحوّلات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية وبخصائص البناء النفسي والاجتماعي للأفراد والمجتمعات وأن الاستراتيجية الإعلامية والاتصالية هي أداة من أدوات النهوض بالأوضاع الأسرية وترسيخ حقوق أفرادها، وهي أيضا آلية مهمّة للتثقيف الجماهيري وتوجيه الرأي العام في ظلّ بيئة حضارية معولمة جعل منها الاتصال وأدواته الحديثة لغة عالمية تعكس مضامين متنوّعة ومرجعيّات مختلفة.

التحديات الجديدة والأسرة

وفي ظلّ هذه التحوّلات وجدت الأسرة نفسها أمام ضروب عدّة من البرامج السمعية والسمعيّة/البصرية يتعرض لها الأطفال والمراهقون وهو ما من شأنه أن يغذّي فيهم تمثّلات غريبة عن بيئتهم يحذّر منها المختصون ويصفونها بـ "التورم في الخيال"
إذ التعرّض المتواصل للاعلانات والمغامرات والبطولات من شأنه أن يفصل الأطفال والشباب عن واقع الحياة ليقودهم الى واقع فيه الكثير من الزيف والوهم.

وأضافت الوزيرة أن الحديث عن صورة الأسرة في وسائل الإعلام والاتصال يعني قطعا صورة المرأة وأيضا صورة باقي أفراد الأسرة ككلّ لا يتجزّأ لا بد أن يتوفّر لكلّ أفرادها أسباب التطوّر والازدهار المتوازن.

نصيب الإعلام في إدارة صورة الأسرة

ومن جهة اخرى أكّدت الوزيرة على أن استقراء صورة الاسرة في الإعلام يسهم في تحديد جوانب هامّة من خصوصيات هذه الصّورة كمنظومة متكاملة يعمل الإعلاميون والاتصاليون من موقعهم على إبراز دورها من منطلق وعيهم بمنزلة الأسرة في بناء المجتمع المتوازن ورفع رهانات التنمية.

وطرحت الوزيرة سؤالا مركزيا: كيف يمكن للإعلام أن ينهض بصورة الأسرة وأن يسهم في دفع الفرد والاسرة الى مستوى تكريس مبادئ حقوق الانسان والحرية والمساواة على غرار ما سنّ من قوانين واتخذ من إجراءات في ظل ارادة سياسية ثابتة تؤمن بدعم مكانة الاسرة وتطوير وظائفها واستنهاض قدراتها بطريقة تعكس الروح التقدمية للتشريعات وبما يطوّر العقليات في اتجاه تكريس مبادئ المساواة والتضامن بين المرأة والرجل وبين كل أفراد الأسرة؟

وأضافت ان الحاجة ملحّة الى حسن توظيف وسائل الإعلام والاتصال في تجذير حقوق الإنسان وتأسيس كيان مجتمعي يقوم على مبادئ المساواة والتضامن والعدل والحرية.

فالأهداف الاستراتيجية للوزارة تحثّ على الارتقاء بدور الإعلام الموجّه للأسرة في إطار رؤية شاملة ومتطوّرة تأخذ بعين الاعتبار التدفّق الإخباري والإعلامي الفضائي والصناعة الثقافية.

سؤال التحوّلات

في مداخلته بشأن "الأسرة والتحوّلات الاجتماعية" ركّز الأستاذ الجامعي صلاح الدين بن فرج أستاذ علم الاجتماع بكلية الآداب والعلوم الانسانية بجامعة المنار بتونس على التحوّلات العميقة التي تعيشها الأسرة التونسية في ظلّ تحديات متنوّعة، فاقت مرحلة التغييرات. إذ تؤشّر الاحصاءات التي وردت في تقرير التعداد العام للسكّان والسكنى لعام 2004 مقارنة بتعداد العشرية الفائتة الى تحولات بنيوية مرجعها انخفاض مؤشر النمو السكاني وبالتالي معدل عدد أفراد الأسرة وتأخّر سن الزواج والتحسّن الملحوظ في مستوى دخل الأسرة ومستوى رفاهيتها. وتساءل الأستاذ بن فرج إن كانت هذه التحوّلات الملموسة واكبها تحوّل في الذهنيات والسلوكيات الأمر الذي يحيل على المبحث الثقافي والحضاري ويطرح ذلك مسألة النماذج التي من شأنها أن تشكل مرجعا، وضرب لذلك أمثلة منها العلاقات بين الأزواج وحدود الثنائي الحديث وإدارة عدم الرضا ( Gestion des Crises Conjugales ).

وبالإضافة الى هذه التحوّلات الاجتماعية الملموسة، توقّف الدكتور صلاح الدين بن فرج عند الثورة الاتصالية وما أحدثته من انقلابات سواء على مستوى الأدوار داخل الأسرة
او على مستوى انتظارات الافراد الذين اصبحوا يتقبلون كمّا هائلا من المعلومات التي تعمل على توجيه حياتهم. وأشار الباحث التونسي الى المفارقة التي وضعت فيها هذه الوسائل متقبّلي رسائلها اذ هي تعزلهم من ناحية عن محيطهم في الوقت الذين تربطهم بمجتمعات وثقافات أخرى، وما تنتجه تلك الثقافات من أشياء مادية ومن قيم ومعايير.. وهي بهذا الشكل تربك الأدوار التي تؤديها الأنساق التربوية والثقافية التي تعمل على تنشئة الأفراد كما تؤثر على جملة القيم والمعايير والتصوّرات التي يتم استبطانها.

ورغم كلّ التحوّلات الاجتماعية التي شهدها المجتمع التونسي خلال العشرية الماضية،
أي بين تعدادين للسكّان، ورغم الأوضاع الجديدة التي خلقتها الثورة الاتصالية، فإن الأسرة التونسية حسب الباحث، تظل أسرة تونسية متوازنة متمسّكة بقيمها العربية الاسلامية مع انفتاحها على قيم الحداثة.

وهذا الوضع يستوجب، كما يضيف الباحث، أن تقوم وسائل الاعلام الوطنية في تونس بدورها في مواجهة أشكال الغزو الاعلامي وأن تقوم بدور استشرافي في طرح الأسئلة التي تهمّ مستقبل الاسرة التونسية، بل ومستقبل المجتمع بأسره كالأسئلة التي تمسّ العلاقة بين الاجيال، والعلاقة مع كبار السن، والعلاقة بما يُطرح من ثقافات وأفكار دخيلة. كما تساءل الباحث الى أي مدى تواصَل الاعلام التونسي مع أهداف الخطة الوطنية للأسرة؟

الإعلام بين الواقع وتمثّلاته

وفي اطار التمهيد النظري لقضية صورة الاسرة في وسائل الاعلام ذكر الدكتور يوسف بن رمضان أستاذ علم الاجتماع بالمعهد العالي للصحافة وعلوم الاتصال ان الخطاب الاعلامي حول الأسرة رهين نظريتين أساسيتين وهما النظرية الليبرالية للاعلام والمرجعية الثقافية المدياتيكية التي تعتمد الرسائل الاتصالية في أبعادها التعبيرية والجمالية. واوضح الباحث انه سيعتمد في مقاربته على النظرية الثقافية المدياتيكية لأنها توفر معطيات وعناصر عميقة ونظرا لحداثتها ايضا. ولا ترى هذه النظرية الثقافة الا في بُعدها المتمثل في الوقائع حيث ان الرسالة الاعلامية الممتازة هي التي تكون قريبة من الواقع.

الا انه لاحظ ان الواقع، وحسب العلوم الانسانية، هو ذلك الذي نبنيه وهو نتاج رؤيتنا له، اذ لا يمكن ان نحيط بجميع عناصره بل اننا نركّز على بعضها دون البعض الآخر. وهو ما يعني ان الاعلام في النهاية يعكس رؤانا وتمثلاتنا وتصوّراتنا.

استراتيجية طموحة

واستعرضت السيدة حبيبة الماجري الشيخ المديرة العامة للاتصال بوزارة شؤون المرأة والاسرة والطفولة والمسنّين الاستراتيجية الإعلامية والاتصالية التي تتضمن أبعادا إعلامية تثقيفية واتصالية، مبيّنة أن التطوّر النوعي الذي تعيشه الاسرة التونسية يضعها أمام تحديات جديدة وجب مواجهتها منطلقة من دواعي ارساء هذه الاستراتيجية. وتتمثل هذه أساسا في :

- تصحيح المفاهيم الاجتماعية الموروثة أو الدخيلة.

- مزيد التعريف بالرصيد التشريعي الوطني الرّائد وترجمته الى ممارسات يومية ملموسة.

- تهيئة العقليات لتقبل القيم الكونية الإيجابية ورفض المفاهيم الخاطئة والانحرافات السلوكية.

- نحت شخصية متوازنة لمواطن متجذّر في هويّته منفتح على القيم الكونية السليمة ومحصّن ضدّ التأثيرات الإعلامية والاجتماعية المضرّة بالفرد والمخلّة بالتوازن الأسري وبالتطوّر الاجتماعي السّليم. كلّ ذلك في إطار أهداف نوعية ترمي الى تطوير الوعي المجتمعي مع الحفاظ على الهوية التونسية وترسيخ القيم الكونية لحقوق الانسان داخل الأسرة والمجتمع والرفع من قدرات الأسرة لكي تؤدي دورها على أحسن وجه مع الرجوع الى نموذج أسري متوازن ومتضامن.

كما شرحت المديرة العامة للاتصال منهجية العمل التي تتعلّق بتصنيف الفئات والرسائل الاعلامية وتكوين المتدخّلين.

ازدواجية الخطاب الاعلامي والاتصالي

في تعقيب لها، قالت الصحفية سارة عبد المقصود إن الأسرة التونسية دخلت فضاء الحداثة بما تعيشه من تحولات عميقة قطعت مع مفهوم الطاعة والاستبداد لتنتهج مفاهيم جديدة تتجلّى خاصة في الجدل والعدل. إلاّ أن الخطاب الإعلامي ينطوي على الازدواجية في مواكبته لهذا الواقع الأسري الجديد وبالخصوص في بعده التشريعي كما يتبيّن الاختلاف في التطرّق للمسائل الأسرية حسب الأداة الإعلامية، إذ تقول الصحفية سارة عبد المقصود إنه من خلال البرامج التلفزيونية نستشف دخول الأسرة التونسية الحداثة ولكن بأسلوب مزدوج بين ثقافات الحداثة والموروث. ويظلّ ذلك النهي والإرشاد فضلا عن حضور الخطاب الواحد الذي يخلو من الإضافة بعيدا عن التنشئة الديمقراطية.

الأسرة التونسية تعكس الصورة التي تريدها

ركّز تعقيب حفيظة علّوش الصحفية بالتلفزة التونسية على استخلاصات لشهادات عايشتها من خلال برنامج "المنظار" وغيره رأت فيها كثيرا من التحفّظ والتبرير تتغير فيها المواقف وفق الصورة التي يريد فرد من أفراد الأسرة إعطاءها وكذا الصحفي الذي يختار شهادات بعينها دون أخرى وما يطرأ عليها من تعديلات خلال مراحل الإخراج.


afkar@afkaronline.org