ندوات
التونسي والآخر
نقاط من ضوء في عالم شديد القتامة...
أفكار أونلاين ـ خاص
إنه اليوم لمن غير العسير ملاحظة أن العالم لم يصبح بأفضل حال على الرغم مما عرفته وسائل الاتصال وخاصة الجماهيرية منها من تطور هائل وما رافق ذلك من سهولة في تدفق المعلومات.
إن العالم لم يصبح بأفضل حال مما كان عليه قبل ظهور ما يعرف اليوم بثورة الاتصال التي دفعت من الاتصاليين إلى الذهاب بعيدا عن تفاؤلهم والتنبؤ بزوال الحدود وتحوّل العالم إلى مجرد قرية صغيرة. ويكاد يسود الاعتقاد أن البلدان لم تخفف في الرقابة على حدودها، بل تراها تتحصن أكثر فأكثر خلف أسوار فعلية ورمزية.
وخلافا لما كان متوقعا، فإن السيّل المتدفق من المعلومات وسهولة الاتصال بالزوايا الأربع من العالم لم يسمها بزوال مختلف أشكال سوء الفهم بين البشر. بل لعلّ مشاعر التجافي وحتى الحقد والكراهية هي التي تسود اليوم. ومختلف الحروب وما تحمله من فظاعات والصراعات التي تقوم على خلفية أو على أساس الانتماء العرقي، ما هي إلا نتائج حتمية لما يحمله الناس من مشاعر تنافر ورفض كل واحد للآخر. كل ذلك يحدث اليوم، للأسف، في الوقت الذي كان من الممكن أن يكون الإنسان أكثر تفهمّا للآخر وهو الذي أوتي أدوات تيسّر له عملية فهم الكون بفضل ما أحرزه العلم والتكنولوجيا من تقدم.
إزاء ذلك، يكاد يسود الاعتقاد بأننا نسير باتجاه مستقبل لا يبعث بالضرورة على التفاؤل، وقد نغلّب النظرة المتشائمة بخصوص مستقبل أفضل للعالم نرى فيه استعداد كل فرد للقبول بالآخر على اختلافه معه في العقيدة ولون البشرة الخ...
ولكن تلوح لنا من حين لآخر بعض خيوط الضوء وتبعث فينا شيئا من الأمل... ولعلّ بلادنا تونس أصبحت اليوم من أكثر البلدان حرصا على خلق المناسبات التي تكسر الحواجز بين الناس. وفي مناسبات كثيرة يجتمع في بلادنا أصحاب الديانات والإيديولوجيات المختلفة يجلسون إلى مائدة واحدة للحوار دون حاجة إلى إخفاء آرائهم ومذاهبهم.
وقد يكون من المفيد التذكير في هذا السياق بأننا في تونس لسنا بمعزل عن بقية أنحاء العالم، فنحن وإن كنا في مأمن عن الصراعات التي تغذيها المعتقدات وتزيدها يوميا تأججا، فإننا نتأثر حتما بما يحدث من حولنا وخاصة في المنطقة العربية. فالقضية الفلسطينية تبقى جرحا بليغا ينخر جسد الأمة العربية. أما الحرب على العراق ثم احتلاله فقد زادا الجراح عمقا.
مثل هذه الجراح، وإذا ما أضفنا إليها رهانات كثيرة ومن بينها الخروج من التخلف الذي تعاني منه المنطقة العربية مقارنة مع العالم المتقدم، كل ذلك يجعل التونسيين وهم جزء من الأمة العربية يشتركون مع أبناء جلدتهم في كثير من المخاوف والهواجس ويطرحون تساؤلات كثيرة تهم المستقبل... فالمعركة هي اليوم معركة وجود. وهي فعلا كذلك لأنه لا يخفى على أحد أن العرب والمسلمين هم المتضررون بدرجة أولى وأساسية مما يسمى بالحرب على الإرهاب.
ومن منطلق الوعي يما يتوعد العالم من مخاطر إذا ما تواصلت اللامبالاة، ومن منطلق الوعي بأن هذا الخطر لا محالة لا يستثني أحدا، فإن بلادنا تحرص على استغلال كل فرصة من شأنها أن تخدم توجهاتها كدولة تؤمن بضرورة تغليب لغة الحوار من أجل حل الخلافات وإنهاء الصراعات.
في الفترة الأخيرة، احتضنت تونس تظاهرة ثقافية شاملة تواصلت على امتداد شهر كامل وذلك من 18 نوفمبر إلى 18 ديسمبر 2004 حملت عنوان : "ما هو أبعد من الأدب" واشتركت في تنظيمها هياكل ثقافية فرنسية وأوروبية.
ومن أبرز اللقاءات التي انتظمت بهذه المناسبة لقاء داء يوم 2 ديسمبر ببيت الحكمة بقرطاج بالعاصمة حول الدين في هذا القرن تلاه في اليوم الموالي لقاء أدبي جمع عددا من الأدباء من تونس وأوروبا بأحد فنادق العاصمة... وكانت التظاهرة فرصة للقاء ومزيد من التعارف.
كما نظم كرسي بن علي لحوار الحضارات والأديان، وهو كرسي جامعي محدث ببادرة من رئيس الدولة ويتولى إدارته الأستاذ محمد حسين فنطر وهو رجل تاريخ ومتخصص تحديدا في تاريخ قرطاج، نظم هذا الكرسي إذن ملتقى علميا هامّا بالعاصمة حول الديانات الإبراهيمية ودورها في بناء السلم في العالم.
كان ذلك يومي 8 و9 ديسمبر 2004، وقد تميز هذا اللقاء بمشاركة مكثفة لعدد من ممثلي هذه الديانات الثلاث (وهي على التوالي، الإسلام والمسيحية واليهودية) والدارسين لها وهو ما يعني اجتماع رجال الدين مع علماء هذه الأديان والمختصين في تاريخ الظاهرة الدينية وعلماء الاجتماع وغيرهم، وقد قدموا من عدد كبير من البلدان الأوروبية وحتى من الولايات المتحدة واليابان إضافة إلى تونس البلد المنظم وعدد من البلدان العربية لتبادل الآراء والمعارف. وقد دار اللقاء فقي جو ودي وبعيدا تماما عن التشنّج.
ولا تكمن أهمية مثل هذه اللقاءات ذلك الذي احتضنته بيت الحكمة وضمّ عددا من الجامعيين والمؤلفين حول الظاهرة الدينية من تونس وأوروبا وقد توصلوا إلى الإقرار بما أسموه صحوة الشعور الديني لدى الكثيرين في العالم، ودعوا علماء الدين بالخصوص إلى الاضطلاع بدورهم في تقديم قراءات نقدية للنصوص الدينية وملاءمتها مع ظروف هذا العصر، أو ملتقى تونس حول الديانات التوحيدية الإبراهيمية. لا تكمن إذن أهمية مثل هذه اللقاءات فقط في الفائدة العلمية المحصلة من ورائها وإنما تكمن بالخصوص في إتاحة الفرصة للجمهور الذي غالبا ما يتابع هذه التظاهرة باهتمام كبير للاستماع لأصوات مختلفة والتحاور معها مباشرة، وكسر الحواجز التي تحول دون التواصل مع الآخر، ولكنها فرصة أيضا لرجال الدين وعلمائه للالتقاء على اختلاف دياناتهم وآرائهم، فليس من قبيل العادات المتواصلة في أيامنا هذه أن يجتمع إمام جامع كبير أحبار اليهود. وقد حدث هذا في تونس خلال ملتقى الديانات التوحيدية الإبراهيمية.
إذن تبذل بلادنا بما أتيح لها من إمكانيات متواضعة جهودا كبيرة تصبّ في إطار قدرة هذا البلد الصغير واستعداد شعبه وبخاصة رجال الفكر فيه لتحمل مسؤولية تاريخية تتمثل في المساهمة في تحقيق السلام في العالم.
لذلك لا تتوقف على امتداد العام التظاهرات واللقاءات الأدبية والفكرية التي تحرص على تعارف أكبر بين الناس على أرض تونس. وفي بلادنا يجتمع التونسي والعربي ككل والأوروبي والأمريكي والياباني والصيني وغيرهم بلا تفرقة أو تمييز. وفي بلادنا ما زالت تسود بعض القيم القديمة ومن بينها أن الضيف قبل صاحب البيت أحيانا.