توجّهات المسرح التونسي:
البدايات والمشهد الحالي

محمد بن رجب
ناقد إعلامي- تونس

بعد كلّ عرض مسرحي تقدّمه فرقة مسرحيّة تونسيّة في مهرجان عربي ثقافي عامّ أو مسرحي مختصّ، تصدر الصحف بمقالات ودراسات يؤكّد فيها أصحابها – كثيرا ما يكونون كبار النّقّاد والباحثين- بأنّ التّجربة الفنيّة المسرحيّة في تونس متطوّرة، والبعض منهم ينتهي بالقول بأنّ المسرح في تونس يحتلّ الصّدارة في الحركة المسرحيّة العربيّة. كما أنّ الفرق المسرحيّة التّونسيّة التي تشارك من حين إلى آخر في المهرجانات الأجنبيّة تنال هي الأخرى نفس الحظوة وتُلفت نظر النّقّاد والفاعلين المسرحيّين وهو ما حدث مع جماعة "فاميليا للإنتاج الفنّي" بإدارة الفاضل الجعايبي في فرنسا على إثر تقديم مسرحيّة " خمسون " سنة 2006، وفي اليابان بعد عرض مسرحيّة " جنون " في طوكيو.

ويندر أن نقرأ كتابا دراسيّا يتناول التّجربة المسرحيّة العربيّة لا ينوّه فيه صاحبه بالمسرح التونسي (1) حيث يتمّ التّركيز على ثراء هذا المسرح وطليعته وأبعاده الفكريّة الحداثيّة وعلى تقدّمه على المستوى التّقني.

فهل أنّ المسرح التونسي من وجهة نظرنا متطوّر فعلا ؟ وهل أنّ كامل التّجربة المسرحيّة التّونسيّة في السنوات الأخيرة تستحقّ الإشادة والتّنويه، أم أنّ ذلك يقتصر فقط على بعض الأعمال الجيّدة المنفلتة ؟ وما الذي جعل الرئيس زين العابدين بن علي يقرّ إعلان العام المقبل 2008 سنة وطنيّة للمسرح في خطابه ليوم الثّقافة كان دعا فيه أهل المسرح في تونس إلى دراسة الأوضاع المسرحيّة من جميع جوانبها للنّهوض بها ودفعها إلى أن تكون على أفضل حال وأن تكون أرضيّة خصبة لإنتاج مسرحي أكثر جودة يساهم في تطوّر الثّقافة التّونسيّة ويوفّر الأسباب التي تسمح بالرّقيّ برجل المسرح وبكلّ العاملين في القطاع الفنّي المسرحي ؟

I - رؤية عامـّـة:

يقول الكاتب سمير العيّادي راصدا اتّجاهات المسرح التونسي: » لا نكاد نستطيع حصر الإتّجاهات المختلفة في الطّرح المسرحي وفي التّركيب الفنّي والإنشاء لأنّ التّنوّع أصبح ميزة واضحة في التّجربة المسرحيّة التّونسيّة النّامية باطراد بفضل تزايد التّشجيعات والمحفّزات وتكاثر الفرق وهياكل الإنتاج ودعم الدولة للمسرح إنتاجا وتوزيعا وبعث المهرجانات المحليّة والوطنيّة والدّوليّة ورصد الجوائز من قبل عديد المؤسّسات  «  (2)

ويصل الحماس بالكاتب المسرحي إلى القول بأنّ التّجربة الفنيّة المسرحيّة في تونس مغامرة شيّقة ومفتوحة لجميع الصّيغ والمواضيع ومطبوعة بالنّفس المسرحي الرّكحي فكان تنوّعها هو ثراؤها الذي بوّأها للتّفوّق في عديد التّظاهرات المسرحيّة العربيّة والدّوليّة. (3)

وليس سمير العيادي وحده الذي تعامل مع المسرح التّونسي بحماس العاشق وبتفاني المحبّ بل إنّ التّجربة المسرحيّة التّونسيّة قد شدّت إليها جلّ النّقّاد التّونسيّين، (بعضهم مارسوا العمل المسرحي كتابة أو إخراجا أو تمثيلا)، أمثال عز الدين المدني، ومحمد المديوني، ومحمد عبازة، وعبد الحلم المسعودي، ومحمد مومن والمنصف شرف الدين وعلي بن العربي وغيرهم.

II - البدايـــــــات:

إن التّجربة المسرحيّة التّونسيّة في السّنوات الأخيرة هي حصيلة قرن كامل من المسرح شهد حراكا فنيّا متنوّعا منذ أن بدأت الكتابة المسرحيّة في تونس (بمعنى التّأليف لا التّرجمة و الإقتباس) على يدي محمد الجعايبي في سنة 1909 بمسرحيّة » السّلطان بين جدران يلدز « ونشرها في كتاب بعناية مؤلّفها الذي وصفها بأنها رواية سياسيّة تاريخيّة، وقد كان هذا هو المهمّ والأوْكد لدى جيل الرّوّاد في معظم نصوصهم المحرّرة بالفصحى فهم حريصون في ظلّ الحماية الفرنسيّة على إثارة التاريخ الوطني والعربي الإسلامي للتّأكيد على مقوّمات الشّخصيّة التّونسيّة والإنتماء العربي حضارة ولغة والخوض في مسائل الحكم والقوانين الدّستوريّة والوفاء للوطن إلاّ أنّ ذلك لم يمنع بروز نصوص ذات إهتمامات إجتماعيّة ميلودراميّة. وما يلاحظه القارىء في نصوص الرّوّاد بصورة خاصّة هو البحث عن البطولات أو المواقف البطوليّة التي كان مقصدها بعث الحماس في نفوس المتفرّجين من غير التّفريط في العناية بفصاحة الحوار وشاعريّة الأسلوب بحسب موهبة الكاتب على حساب التّركيب الدرامي التّحليلي التّصاعدي المشوّق أحيانا (4).

بتلك الروح إذن انطلق المسرح التّونسي وهي الرّوح التي لم تفارق المسرحيّين التّونسيّين في شتّى الظروف السياسيّة والإجتماعيّة والحضاريّة التي مرّ بها الإنسان التّونسي خلال القرن العشرين.

فلقد عرف التّونسيّون المسرح في واقع الأمر من قديم الزمان "إذ ترجع جذور الفنّ الرّابع في الرّبوع التّونسيّة إلى العصور القديمة وتمثّل الآثار والمسارح الممتدّة من "جكتيس" إلى بلاّريجيا مرورا بالجمّ ودقة وقرطاج أدلّة تحدّت الزّمن لتبرز عراقة هذا الفنّ وارتباطه بعادات وطقوس أهل هذه الرّبوع. وكان للمسرح الأوروبي في بداية القرن التاسع عشر حضور وانتشار ملحوظيْن خاصّة لدى الجالية الإيطاليّة والفرنسيّة والمالطيّة ولدى الفئات المثقّفة التي كانت شغوفة بالعروض الحيّة لما فيها من موعظة وترويح وفكاهة، وقد أعاد التّونسي اكتشاف هذا الفنّ في بداية القرن العشرين مع الفرق القادمة من مصر والشام ولبنان في مسرحيّات مقتبسة ومعرّبة نسج التّونسيّون على منوالها وبرزت فرق مثل فرقة "الشهامة الأدبيّة" و"النجم التمثيلي" وجمعيّة الآداب العربيّة" (5).

ويمكن أن نعتبر أنّ الفرقة المصريّة الأولى التي جاءت إلى تونس سنة 1908 وكان يرأسها الممثّل محمد عبد القادر المغربي (الشهير باسم كامل وزوز) والتي قدّمت مسرحيّة "العاشق المتّهم" مقتبسة من الإيطاليّة ثم عرضت 72 فصلا فكاهيّا، هي التي كانت وراء ظهور أوّل فرقة مسرحيّة تونسيّة أطلق عليها مؤسّسها اسم "النجمة" وفي أواخر 1908 وفدت على تونس فرقة الممثّل المعروف سليمان القرداحي وقدّمت عددا من المسرحيّات كان لها التّأثير الكبير في انطلاقة المسرح التونسي إذ بعد وفاة سليمان القرداحي وخوفا من عناصر فرقته من تلاشيها كوّن الشّاب التّونسي فرقة "الجوق المصري التّونسي" حيث مثّل الفنّانون التّونسيّون والمصريّون جنبا إلى جنب وقد مثّل في عام 1909 مسرحيّتهم الأولى بعنوان "صدق الأخلاّء" للكاتب المصري إسماعيل عاصم المحامي (6).

ومن يومها وتونس تنتج المسرح وتؤسّس الفرق التي لم تقتصر على العاصمة بل أصبحت تظهر أيضا في المدن الأخرى مثل صفاقس وسوسة وبنزرت دون أن ننسى أنّ الولادة المسرحيّة كانت شاقّة جدّا تحدث بإمكانيّات بسيطة ولكن بحماس فيّاض.

وما يجب قوله أنّ الأربعينيّات من القرن العشرين كانت ثريّة بالعطاء المسرحي، وقد بلغ ثراؤها درجة عالية ممّا دفع بعض المهتمّين بالمسرح عام 1945 إلى الدّعوة إلى الإحتراف المسرحي والدّعوة إلى تعليم المسرح وبعث لجنة لضبط الكتب والمسرحيّات التي يمكن تعريبها والإرشاد إلى مصادر الوحي والإستمداد في التّأليف المسرحي وتكوين الثّقافة المسرحيّة في المتفرّجين وإنشاء بناية تونسيّة للمسرح المحلّي وإحداث مكتبة مسرحيّة وإصدار نشرة دوريّة تكون أداة للوصول إلى الغاية المنشودة.

وقد أنشأ هؤلاء المهتمّون بالشّأن المسرحي لجنة للدّفاع عن المسرح التونسي يوم 18 أكتوبر 1945 برئاسة الشيخ محمد العربي الكبادي وعضويّة حسن الزمرلي وعثمان الكعاك ومحمد صالح المهيدي ومحمد النملاغي ومصطفى خريف والهادي العبيدي والصادق الوافي والمنوبي السنوسي، وبلحسن بن شعبان والمنصف الكعاك. (7)

III - احتراف وتأسيس :

ويمكن أن نعتبر أنّ أوّل فرقة مسرحيّة محترفة ظهرت في تونس هي الفرقة البلديّة بتونس العاصمة (1953) التي تولّى إدارتها في البداية الفنان حمادي الجزيري العائد من باريس حيث درس الفنون المسرحيّة. وقد تمّ تنظيم هذه الفرقة تنظيما إداريّا محكما في نهاية 1955 بالتّعاون مع الفنان المصري زكي طليمات الذي أنجز بعض المسرحيّات مع هذه الفرقة ومنها مسرحيّة شكسبير، وبعد مدّة تسلّم إدارتها الفرقة الفنّان عبد العزيز العقربي ثمّ الفنّان علي بن عيّاد الذي أعطاها قفزة فنيّة رائعة.

وبعد الإستقلال، ومع الحركيّة السياسيّة الجديدة والمتدفّقة من أجل بناء الدّولة المستقلّة الحديثة كان المسرح في مقدّمة القطاعات التي شهدت تطوّرا كبيرا وفاعلا وقد أولت الدولة اهتماما واضحا بالمسرح بداية من مطلع الستينات إذ تأسّست الفرق الجهويّة المحترفة في صفاقس مع جميل الجودي ثمّ في الكاف مع المنصف السويسي وقفصة مع رجاء فرحات ثم عبد القادر مقداد.

وفي السّبعينات بدأ المسرح الخاصّ يظهر من جديد وبتنظيم جديد يحمل القائمون عليه رغبة واضحة في ترسيخ الحرفة المسرحيّة وإطلاق الإحتراف المسرحي من عقاله وكانت فرقة "المسرح الجديد" مع الفاضل الجعايبي والفاضل الجزيري ومحمد إدريس وجليلة بكّار والحبيب المسروقي أوّل شركة مسرحيّة محترفة على أسس واضحة ثم تأسّست فرقة "مسرح فو" مع توفيق الجبالي والمنصف الصائم ورجاء بن عمّار ورؤوف بن عمر وظهرت فيما بعد فرقة المسرح العضوي مع عز الدين قنون وفتحي العكّاري وعز الدين العباسي وفرقة "مسرح الأرض" مع نور الدين الورغي، وفرقة المثلّث مع الحبيب شبيل التي قدّمت مسرحيّة "موّال".

ثم توالت الفرق المسرحيّة الخاصّة وأصبحت الآن تعدّ بالعشرات العديد منها قامت بحماس الشباب المتخرّج من المعهد العالي للفنّ المسرحي نذكر كلّ ذلك دون أن ننسى "المسرح الوطني" الذي أسّسته الدّولة عام 1983 بإدارة الفنّان المنصف السويسي، ثم بإدارة الفنان محمد إدريس ودون أن ننسى ما قام به مسرح الهواة. وما قامت به المهرجانات المختصّة مثل "أيّام قرطاج المسرحيّة" (العربيّة الإفريقيّة) ومهرجان قربة لمسرح الهواة والمهرجان الدّولي بالحمّامات ومهرجان مسرح التجريب بمدنين فضلا عن مهرجانات أخرى كثيرة بعضها تخصّص في مسرح الطفل (أيّام نيابوليس بنابل) الذي ما كان ليظهر لولا عناية الدّولة بمسرح الأطفال من خلال دعم الفرق المسرحيّة ذات التّوجّه الخاصّ بالطفل ومن خلال بعث مركز فنّ العرائس وهو مركز وطني يندر وجوده في الوطن العربي.

تلك هي إذن الأرضيّة المعطاءة التي جذّرت المسرح التّونسي وجعلته ثريّا ومتنوّعا ونسأل الآن ما هي التّوجّهات والمدارس المسرحيّة في تونس في السّنوات الأخيرة ؟ وماذا ينقص المسرح التّونسي حتى يزداد تجذّرا ويزداد إشعاعا ؟.

IV - التّغيــيــر :

شهد القطاع المسرحي تطوّرا في عهد التّغيير على مستوى الهياكل وعلى مستوى الدّعم، فلقد تحوّلت الفرق المسرحيّة الجهويّة القارّة إلى مراكز للفنّ الدّرامي والرّكحي "لا تعمل فقط على الإنتاج بل أيضا تقوم بدور تكويني ثقافي تنشيطا لكامل المناطق المتواجدة فيها وهي الكاف وقفصة وصفاقس وهو ما يدعم ما يقوم به المعهد العالي للفنّ المسرحي والمسرح الجامعي ومسرح الهواة.

وقد أعطى التّطوّر الكبير الذي عرفته الإعتمادات المخصّصة للمساعدة على الإنتاج المسرحي وترويجه قفزة نوعيّة للمسرح الذي عرف ثراء وتنوّعا وإشعاعا وتبلغ هذه الإعتمادات سنويّا في الوقت الحاضر حوالي 3 ملايين دينارا موزّعة بين دعم الإنتاج ودعم اقتناء العروض (8).

V - الـتّـوجـّهــات :

ولئن تزايدت الدّراسات التّونسيّة حول المسرح في السّنوات الأخيرة فإنّها لم تركّز على البحث في التّوجّهات بل هي تركّز على تجارب الفنّانين حسب رؤاهم المختلفة أو تركّز على ثراء المسرح من مرحلة إلى أخرى فنحن نجد بحوثا عن تجربة الرّوّاد، وبحوثا حول العمل الفنّي للفنّان علي بن عيّاد ضمن المسرح البلدي بالعاصمة ودراسات حول المنصف السويسي وتوجّهه الشّعبي والحضاري الجديد وحول الفاضل الجعايبي أو محمد إدريس أو توفيق الجبالي وأبعادهم الحداثيّة والأمين النهدي وأسلوبه الهزلي وسنحاول هنا أن نستقرأ المسرح التونسي حسب توجّهاته.

1) المسرح التّراثي:

منذ البدايات كان المسرح التّونسي مركّزا على التّراث تأليفا أو اقتباسا أو ترجمة حيث كان الأوائل يعودون إلى استلهام تجارب الأبطال العرب المسلمين لتحفيز الهمم من أجل الخروج من التّخلّف أو من أجل توعية الشّعب للتّصدّي للإستعمار الفرنسي.

وقد كانت جلّ المسرحيّات باللّغة العربيّة الفصحى وفي شكل كلاسيكي كثيرا ما تفتقر إلى روح تجديديّة وكذلك كان المسرح العربي كلّه الذي بدأ من التّراث وشبّ وترعرع مع التّراث ولم يبتعد عنه رغم المحاولات العديدة التي أرادت أن تتوجّه به إلى الإبداعات العالميّة ولا نبالغ إذا قلنا أنّ المسرحيّات العربيّة التي بقيت عالقة في الذّاكرة العربيّة الجماعيّة هي المسرحيّات التي خلقت من التّراث فأبدعت به مثل "شهرزاد" لتوفيق الحكيم و"حلاّق بغداد" لألفريد فرج و"الباب" ليوسف الصايغ و"الحلاّج" لعز الدين المدني (9) و"عهد البراق" للحبيب بولعراس و"علّيسة" لسمير العيادي.

البدايات إذن كانت مع التّراث "في صيغ مختلفة من كاتب إلى آخر ومن مسرحيّة إلى أخرى فقد يأخذ التّراث شكل واقعة تاريخيّة أو أسطورة من الأساطير أو حكاية شعبيّة أو مثل شائع أو مقتطف من كتاب مقدّس، أو عمل أدبي شهير، أو غير ذلك، وليس المهمّ هنا كم شكلا استخدمه الكتاب بقدر ما هو مهمّ أن نسأل هل نجح الكاتب في توظيف هذا الشّكل أم لا ؟"

إلاّ أنّ هناك من يعتبر التّأسيس لكتابة مسرحيّة حديثة في تونس إنّما تمّ على يدي الحبيب بولعراس بمسرحيّة "مراد الثالث" سنة 1966 (ثمّ بمسرحيّة "عهد البراق سنة 1979").

والأستاذ محمد عبازة في كتابه "تطوّر الفعل المسرحي" يقول بأن تلك المسرحيّة مثّلت حدّا فاصلا بين عهديْن في المسرح التّونسي.

وسرعان ما تعاقبت النّصوص التّراثيّة التي تدخل في مرحلة ما بعد جيل الرّوّاد وضمن التّوجّه الحداثي الذي أسّسه الحبيب بولعراس ويمكن أن نعتبر أنّ مسرح عز الدين المدني في الكتابة التّراثيّة قد مثّل قفزة نوعيّة إلى الأمام إذ هو يعتمد التّراث والتّاريخ ليقرأ الحاضر برؤية عربيّة جديدة.

وعز الدين المدني يحاول في المسرح التونسي أن يقدّم المسرحيّة العربيّة شكلا ومضمونا والمستندة إلى أعمق ما ترسّب في وجدان المتفرّج العربي من أفكار وأحاسيس.

وقد بدأت هذه المحاولة عام 1968 كما حدّدها المؤرّخ الدّكتور علي الراعي إذ قال: "في هذه السّنة أخذ فريق من المسرحيّين الشباب في تونس يفطنون إلى أهميّة استخدام مأثورات الشعب في موضوعات لمسرحيّة يُرجى أن تجذب اهتمام الجمهور الواسع إلى العروض المسرحيّة ومن ثمّ قام كلّ من سمير العيادي ومحمد ارناؤوط ومحمد رجاء فرحات بإعداد مسرحيّة شعبيّة على أساس إحدى القصص التي وردت في كتاب لعز الدين المدني بعنوان "خرافات" وهي رأس الغول".

وتفرّغ عز الدين المدني فيما بعد للمسرح المستمدّ من التّراث والتّاريخ فكتب "الحلاج" وديوان الزنج" و"ثورة صاحب الحمار" و"الغفران" و"مولاي السلطان الحسن الحفصي". وواصل هذه التّجربة مع مسرحيّة "إمرأة" و"كتاب النّساء" وأخيرا "ابن رشد".

وهو يكتب ذلك من رؤية واضحة إذ يرى أنّ المسرح العربي الحالي عربيّ بالإسم واللّغة والشّخصيّات فقط ولكنّه ليس عربيّا بالإهتمامات فالإتّجاه إلى استخدام الأشكال التّراثيّة لا يكفي في حدّ ذاته لخلق المسرح العربي بل لابدّ من الغوص في التّراث وفهمه على ضوء الحاضر والمستقبل مع الإمتناع عن تقديسه أو معاملته معاملة القطع الفنيّة.

ولأنّ هذا النّوع من المسرح قد غاب أو يكاد عن المسرح التّونسي فإنّ المسرح الوطني بإدارة محمد إدريس عاد إلى مسرحيّة الحبيب بولعراس وأنتجها من جديد بعنوان "مراد الثالث"، إلاّ أنّ التّوجّه العامّ لم يعد مرتكزا على التّراث العربي بل على التّراث العالمي، ولذا نرى أيضا أنّ المسرح الوطني عاد إلى مسرحيّة "عطيل" كما أصبح الكاتب سمير العيادي بعد تجربته مع التّراث التّونسي القديم (علّيسة) والتّراث التونسي العربي الحديث ("عطشان يا صبايا" التي تبحث في جوانب من حياة بيرم التونسي) يستلهم مسرحيّاته في السنتيْن الأخيرتيْن من التّراث العالمي ويعطيها بعدا عربيّا أو يلوّنها بالواقع التّونسي.

وتظهر حاليّا ضمن إنتاجات الشّباب المسرحي الجديد من حين لآخر مسرحيّات مستلهمة من التّراث العالمي أو هي مقتبسة من المسرح الكلاسيكي العالمي، وهو ما يؤكّد أنّ المسرح في تونس قد أصرّ على التّراث لكنّه لا يقتصر على العربي منه وهذا دليل على الثّراء أوّلا وعلى التّفتّح ثانيا. وما نشير إليه هنا هو أنّ الطّروحات المسرحيّة في هذا الجانب تعتمد قراءة الأوضاع العالميّة الجديدة وتنتقد العولمة والحروب الإستعماريّة التي تشنّها الولايات المتحدة على العراق وأفغانستان وتهدّد بها سوريا وإيران والسودان.

2) المسرح الجديد:

عندما نتحدّث عن المسرح الجديد فلا نعني به المسرح الذي جاء بعد المسرح التّراثي أو بعد المسرح الكلاسيكي، أو المسرح الشّعبي إنّما نعني به المسرح الذي أسّسه جماعة المسرح الجديد وهم الفاضل الجعايبي والفاضل الجزيري ومحمد إدريس وجليلة بكّار، فهي شركة خاصّة أحدثت منذ مسرحيّتها الأولى "التّحقيق" ثورة في المسرح التّونسي، إذ هي تتناول الواقع التّونسي بطريقة مسرحيّة مستحدثة ترتكز على فكرة معيّنة ثم تتطوّر مع الجماعة على الرّكح ولذا سمىّ بعض النّقّاد التّونسيين هذه التّجربة بالكتابة المسرحيّة أو بالكتابة الرّكحيّة.

وقد أنتجت هذه الفرقة أعمالا كثيرة منها "الورثة" و"الأمّ" و"غسّالة النّوادر" و"عرب"، وكانت كلّها في الواقع التّونسي المأزوم اجتماعيّا وسياسيّا، جاءت في شكل يكاد هو نفسه في كل الإنتاجات يرتكز على الحكاية والرّواية بفنيّات عالية تمثيلا وإخراجا.

وقد انفجرت هذه الفرقة حيث أسّس الفاضل الجعايبي "جماعة فاميليا" التي أنتجت عدّة مسرحيّات آخرها مسرحيّة "خمسون" التي أحدثت ضجّة في تونس خلال العام الماضي ربّما لجرأة الطّرح السّياسي فيها، وقبلها مسرحيّة "جنون" التي تطرح قضايا المجتمع التّونسي الحديث بشكل جريء أيضا.

أمّا الفاضل الجزيري فإنّه أصبح ينتج المسرحيّات الإستعراضيّة فيها استغلال للتّراث الفنّي التّونسي المرتبط بالواقع الثّقافي والسّياسي للبلاد منها عرض "النوبة" الذي تغيب فيه اللّغة الحواريّة ويعوّضها اللّحن أو الموسيقى وهو عبارة عن لوحات غنائيّة وراقصة عبر عدد من الممثّلين تجاوز المائة.

ثم واصل الفاضل تجربته الجديدة مع عرض "الحضرة" التي جمع فيها الغناء الصّوفي والمدائح والأذكار الدّينيّة فأحدث بها تحوّلا كبيرا في المسرح الإستعراضي التّونسي ونال بها خطوة كبيرة ذلك أنّ الإقبال عليها كان شديدا ومازالت تجد الإقبال رغم مرور سنوات عديدة على إنتاجها وأصبحت مدرسة بحالها في تونس حيث أنّ الكثير من الفرق أنتجت أعمالا يُحتذى بها ومنها "المنسيّات" التي أنتجها مركز الفنون الدّراميّة والرّكحيّة بالكاف بإدارة الأحمد بن عبد الله دون أن ننسى العرض الكبير الذي أنتجه سمير العقربي الذي كان عمل مع الفاضل الجزيري في "الحضرة" وقد تمّ افتتاح مهرجان قرطاج الدّولي بهذا العرض المسرحي المرتكز على الغناء الصوفي والأناشيد الدّينيّة التي كانت منتشرة في تونس.

3) المسرح الهزلي:

المسرح الهزلي والفكاهي موجود في تونس كما هو موجود في كامل الوطن العربي منذ البدايات وقد أنتج في تونس مئات المسرحيّات وعشرات الأسماء، لكنّ مسرحيّة "الكريطة" مع الأمين النهدي ونور الدين بن عياد والمنجي العوني بإدارة الفاضل الجعايبي في البداية أي في منتصف السّبعينات مثّلت المنعرج الحقيقي لظهور مسرح هزلي متطوّر على جميع المستويات.

وقد استقلّ الأمين النّهدي بعد "الكريطة" بنفسه وأصبح ينتج مسرحيّات هزليّة متنوّعة مثل "فر فر" ونجح نجاحا واسعا رغم أنّ بعضها لم يكن في المستوى الفنّي المطلوب.

وفي التّسعينات حدثت لتجربته قفزة فنيّة ملفتة لمّا تعاون مع الفنّان والمخرج المنصف ذويب في مسرحيّة "المكّي وزكيّة" التي كانت راقية فنيّا وجلبت مئات الآلاف من المتفرّجين في تونس كما عرضها خارج تونس ونالت حظوة واسعة فهل نعتبر أن أفضل فنّان هزلي في تونس هو الأمين النهدي ؟

الحقيقة أنّه فنان متميّز ولكنّ العمق المسرحي والبعد الفنّي الحضاري في هذا الجانب لا يكتسبه إلاّ الفنان توفيق الجبالي مؤسّس فرقة التياترو التي أنتجت بإدارته وتمثيله وإخراجه عددا من الأعمال الرّاقية في المسرح الجادّ/الهزلي وفي مقدّمتها سلسلة "كلام اللّيل" التي يعتبرها النّقّاد أرقى الأعمال في هذا النّطاق خاصّة وأنّها تجمع ممثّلين متميّزين وفي مقدّمتهم توفيق الجبالي نفسه ورؤوف بن عمر ومحمود الأرناؤوط وكمال التواتي.

كما أنتجت هذه الفرق مسرحيّات أخرى كثيرة غاية في الجدّيّة دون أن تفقد الخصوصيّة الهزليّة التي تميّزت بها.

كما يمكن أن نضمّ في هذا النّطاق الفنّان عبد القادر مقداد الذي أنتج عدّة مسرحيّات مع فرقة قفصة التي يديرها بنجاح منذ سنوات عديدة تتجاوز الثلاثين سنة بداية من مسرحيّة "البرني والعطراء" مع فرحات يامون مرورا بمسرحيّات "حمّة الجريديّة" و"الدّاموس" و"عمّار بالزّور" ووصولا إلى المسرحيّات التي أنتجها في السّنوات الأخيرة ضمن مركز الفنون الدّراميّة والرّكحيّة بقفصة.

ورغم الإختلاف في الرّؤية والتّوجّهات بين توفيق الجبالي وعبد القادر مقداد ومحمود الأرناؤوط وكمال التواتي فإنّنا نعتبرهم في طليعة المسرح الهزلي الذي يتناول المجتمع التّونسي من خلال حراكه التّاريخي والحضاري والسّياسي بجرأة عموما تكون ملفتة للنّظر وقادرة على الإضحاك مع الإفادة وليس في المسرحيّات التي شاركوا فيها أو أنتجوها السّخرية الهابطة والمبتذلة التي يلجأ إليها الهزليّون لإضحاك النّاس على حساب أناس آخرين.

4) المسرح الفردي:

لقد ظهر المسرح الفردي والذي يطلق عليه خطأ "ألوان مانشو" منذ نهاية السّتّينات مع الفنّان يوسف الرقيق الذي ترك المسرح منذ أكثر من 30 سنة ليتفرّغ للفنّ التّشكيلي، ثم تطوّر على أيدي عدد من المسرحيّين في العشرين سنة الأخيرة ومنهم الأمين النهدي وكمال التواتي ورؤوف بن يغلان وليلى الشابي وحليمة داود في تجربتها مع سمير العيادي وصولا إلى الممثّل الشّاب جعفر القاسمي في تجربته المسرحيّة مع المخرج منير العرقي بداية من مسرحيّة "كونترباص" ومسرحيّة "واحد منّا".

لقد تركّزت ظاهرة المسرح الفردي في تونس بشكل واضح وأصبحت توجّها متكاملا وله خصوصيّاته وتوجّهاته وبرزت بعض إنتاجاته التي نالت الحظوة والإستحسان ممّا يدعو النّقّاد إلى دراسة هذه الظّاهرة بعمق وهو الأمر الذي لم يحدث بعد.

وقد توسّعت هذه الظّاهرة إلى درجة أساءت إلى المسرح، ذلك أنّ بعض المتّهمين أنفسهم بالإحتراف المسرحي قد تصوّروا أنّه عمل سهل وأنّه مجرّد نكت تلقى على الرّكح وتستدر الإضحاك تهافتوا على السّاحة الفنيّة ووجدوا الآذان الصّاغية خاصّة وأنّ التلفزة الوطنيّة قد تعاملت معهم في المنوّعات التي أنتجتها في السّنوات الأخيرة فاعتقد الجمهور أنّهم فعلا رجال مسرح وهم أبعد ما يكون عن المسرح وكلّ الأعمال التي قاموا بتقديمها لا تعدو أن تكون عمليّة تركيبيّة لمجموعة من النّكت والطّرائف التي تبعث الضحك.

وقد حارب النّقّاد الجادّون ظاهرة التّطاول على المسرح الفردي وتمكّنوا من التّقليص منها ولكنّها مازالت خطرة على المسرح ممّا يستدعيهم إلى مواصلة النّضال الجادّ ضدّها لتنقية السّاحة من المتطفّلين عليها.

5) مسرح الجماليّات:

ظهرت في السّنوات الأخيرة ظاهرة أخرى بدأت تترسّخ شيئا فشيئا وأصبح لها الكثير من الأنصار، وهي ظاهرة مسرح الجماليّات أي المسرح الذي ألغى النّصّ من القاموس الفنّي المسرحي والتّركيز فيه على الجانب الجمالي.

لقد أصبحنا نشهد عروضا كثيرة على السّاحة يمكن أن نسمّيها عروض راقصة.. ويمكن أن نسمّيها لوحات فنيّة تعبيريّة.

إنّ إلغاء النّصّ المسرحي يعني إلغاء جانب أساسي من العمليّة المسرحيّة خاصّة وأنّ النّصّ هو الحامل للموضوع وهو الذي يثري الأفكار ويساهم في العمليّة الحضاريّة للبناء المسرحي.

من الطبيعي أن لا نرفض الأعمال الفنّيّة التي تركّز على الجانب الجمالي، ولكن لا يجب اعتبارها من المسرح حتّى لا يساهم الفنّانون بأنفسهم من قبل العمليّة المسرحيّة التي هي مغامرة رائعة وشيّقة يقودها النّصّ المسرحي الذي يحمل رؤية الكاتب ورؤياه وهو الذي يجعل الحياة المسرحيّة أجمل فالإنسان في حاجة دائمة إلى المسرح ليتحاور معه لأنّ للمسرح تأثير كبير على المشاهدين فهو يمكّن من تقريب جماعة المتفرّجين من القضايا الهامّة التي تشغل باله وتدفعه إلى التّفكير.

خاتمـــة:

المسرح في تونس بتوجّهاته المختلفة وببعض انحرافاته التي يتسبّب فيها المتطفّلون أو الرّاغبون في التّغيير والتّحديث على أسس فنّيّة لكن لا علاقة لها بالمسرح يتقدّم بثبات إنّما أيضا يشهد الكثير من النّقائص على مستوى الهياكل المسرحيّة خاصّة إذ لا توجد مسارح في تونس لها المواصفات التي يتطلّبها العمل المسرحي باستثناء المسرح البلدي.

صحيح أنّ الأمل الآن أصبح معقودا على مدينة الثّقافة التي هي بصدد الإنشاء في العاصمة والتي ستتضمّن قاعة مسرحيّة حديثة وقاعة للأوبرا ومع ذلك لابدّ من إثارة هذا الموضوع بعمق حتّى يكون للمسرح فضاءاته الحقيقيّة في كلّ مدينة.

ويحتاج المسرح التّونسي أيضا إلى تعميق الإحتراف وجعل الفنّانين المسرحيّين يطمئنّون أكثر إلى حياتهم المهنيّة دون أن ننسى الحاجة إلى التّكوين والدّراسات ومعالجة مسألة المسرح وعلاقته بالنّصّ ومسألة المتطفّلين.

كلّ ذلك أصبح في حاجة إلى بحث وتدقيق والسّلطة السّياسيّة على أعلى مستوى واعية بذلك فلقد دعا رئيس الجمهورية إلى جعل عام 2008 خاصّا بالإستشارة الوطنيّة حول المسرح.

ولذا فإنّ تونس ستشهد سنة 2008 مئات النّدوات ومئات الدّراسات حول المسرح في نطاق الإستشارة الوطنيّة كما أنّ رجال المسرح خاصّة ورجال الثّقافة عموما سيكونون مجنّدين لإنجاح النّدوات والمساهمة فيها بالرّأي وبالإقتراحات حتى تتمكّن الدّولة من تحقيق طموحات رجال المسرح بكلّ أنواعهم دون أن تعوّضهم فنحن في تونس اليوم لا نعيش ثقافة الدّولة بل نتعامل مع دولة الثّقافة.

الإحـالات:

1- انظر كتاب "المسرح في الوطن العربي" طبعة ثانية، في سلسلة "عالم المعرفة" العدد 248، تأليف الدّكتور علي الراعي. وكتاب "السّياسة والمسرح" للأستاذ علي عقله عرسان، عن الدّار العربية للكتاب (ليبيا – تونس، 1991) وكتاب "نصوص دراميّة" للمسرحي الفلسطيني جواد الأسدي، عن دار الفارابي بيروت 2002.

2- "أنطولوجيا المسرح التونسي" جمع وتقديم سمير العيادي، صادر عن اتحاد الكتاب التونسيين سنة 2005. مجموعة ضفاف – أنظر المقدمة.

3- نفس المرجع (2).

4- نفس المرجع.

5- راجع كتاب (خمسة عقود من العمل الثقافي (1956-2006) صادر عن وزارة الثقافة والمحافظة على التراث – الفصل الخاص بالمسرح ف يتونس.

6- المسرح في الوطن العربي، عالم المعرفة عدد 248، د. علي الراعي، فصل خاص بالمسرح في تونس بداية من الصفحة 434.

7- انظر كتاب "مغامرة الفعل المسرحي في تونس" لمحمد المديوني، عن دار سمر للنشر سنة 2000، ص. 216.

8- وثيقة صادرة عن إدارة المسرح بوزارة الثقافة والمحافظة على التراث.

9- كتاب مقاربات للمسرح التراثي، للدكتور محمد عبازة، دار سـمر للنشـر،(ص. 14).

نفس المصدر (ص. 15).

طباعة >> | إغلاق النافذة >>


afkar@afkaronline.org