المسؤولية المجتمعية للمؤسّسة الاقتصادية بتونس

د. الحبيب الدرويش
أستاذ علم الاجتماع بجامعة صفاقس
نائب رئيس الجمعية التونسية لعلم الاجتماع

يمثّل موضوع المسؤولية المجتمعية للمؤسّسة الاقتصادية موضوع الساعة بالنسبة إلى المشتغلين بالحقليْن الاقتصادي و الاجتماعي و هو يندرج ضمن حركة التنمية المستديمة التي لا تعني حركة ً إيكولوجية فحسب بل تتضمّن في الواقع رهانات متعدّدة تمسّ الإيكولوجي و الاجتماعي و الاقتصادي. و يُعتبر نجاح هذا المفهوم في شدّ الانتباه إليه من قِبَل الجهات الرسمية و مسؤولي المؤسّسات ترجمة لمقتضيات مجتمعية ملحّة ولّدتها التغيّرات اللافتة محلّيا و دوليّا ما جعل أدوارَ المؤسسة مرشّحة ً لتجاوز ما هو اقتصادي لتمتدّ إلى باقي القضايا المجتمعية المحيطة من مثل قضايا التشغيل و البيئة و العمل المدني و مشاكل الإقصاء و التهميش و البطالة وغيرها... .

و تسعى هذه الورقة إلى تقديم السياقات الحافّة ببروز مفهوم المسؤولية المجتمعية للمؤسسة و استقصاء بعض التعريفات المتداولة حوله، كما تحاول تبيّن اتجاهات المؤسسة التونسية في هذا المضمار من خلال محاولة استقراء مواقف بعض مسؤولي المؤسسات الاقتصادية و ممارساتهم التدبيرية ومدى حضور المسائل الاجتماعية فيها.

المسؤولية المجتمعية للمؤسسة: سياقات نشأة المفهوم

عرف بروز مفهوم المسؤولية المجتمعية للمؤسسة تمهيدات عبّرت عنها المنظمات الإقليمية و الدولية منذ ثمانينات القرن الماضي حين وقع تداول مفاهيم مثل التجارة العادلة، التنمية المستديمة ثمّ الاقتصاد الإتيقي (الأخلاقي) و صارت مواضيعَ مطروحة ً للجدل بين مختلف الدوائر السياسية و الاقتصادية وقوى المجتمع المدني.

و يمكن القول إنّ للمفهوم الحالي للمسؤولية المجتمعية للمؤسسة عدّة َ مصادر يمكن إيجازها فيما يلي:

- التدهور المتزايد لأوضاع البيئة نتيجة الاستنزاف الصناعي المفرط ما أدّى إلى انشغال دولي عبّرت عنه قمّة الأرض بريو دي جيناريو سنة 1992 عندما أقرّت الترابط بين فكرة حماية البيئة و فكرة تأمين التنمية المستديمة.

- الاقتناع المتنامي بالعلاقة الارتباطية بين المسؤولية الاجتماعية و البيئيّة للمؤسسة ومردوديتها الاقتصادية و نجاعتها المالية، هذا الاقتناع المتولّد عن التأكيدات المستمرّة من قِبَل النقابات و سائر قوى المجتمع المدني على ما يترتّب عن الاهتمام بالبعد الاجتماعي من منافع اقتصادية بالنسبة إلى المؤسسة، وهي تأكيدات وجدت سندا لها في تلك النجاحات التي حقّقتها العديد من التجارب و المبادرات في هذا المجال.

- تسارع نسق الخصخصة وتراجع الدور الاقتصادي للقطاع العام ما جعل مسؤولية التنمية المستديمة تُلقـى على عاتق القطاع الخاص عوضا عن الحكومات من خلال تحمّـُلِه التدريجي لمسؤولياتٍ اجتماعية.

- تنامي ظاهرة مواثيق السلوك Codes de conduite التي صارت تعتمدها الشركات وتدعو شركاءها إلى تبنّيها، و هي مواثيق تمنع أشكال الاستغلال و التفرقة و تدعو إلى إيلاء أهمّية للعنصر الاجتماعي داخل المؤسّسة و خارجها.

لقد صار مفهوم المسؤولية المجتمعية للمؤسسة يسجّل حضورا لافتا في الحقل العلمي منذ أواخر التسعينات من القرن العشرين و ذلك من خلال تخصيص العديد من الجامعات و المعاهد العليا شعبٍ و وحداتٍ تعليمية متخصّصة في هذا المفهوم، كما بات المفهومُ متداولا في العديد من المؤلّفات و المقالات و مواقع " الواب" بل إنّ صحفا بأكملها خُصِّصت للتداول بشأنه، كذلك كان هذا المفهوم وراء العديد من مبادرات آلاف المؤسسات التي أقدمت على اعتماد العديد من المواثيق الخاصّة بحسن السلوك و باحترام معايير العمل و المعايير المتعلّقة بالبيئة وبحقوق الإنسان و بمبادئ الحكم الرشيد و هي البنود المؤسسة لمفهوم المسؤولية المجتمعية 1 .

لقد بدا اللجوءُ إلى هذا التوجّه المركّز على أهمّية المسؤولية المجتمعية للمؤسسة تمشّيًا فرضته التغيّرات الراهنة التي عرفها المجتمع الإنساني على مختلف المستويات، فالمجتمعات الحديثة هي بصدد البحث عن نقاط استدلال جديدة Nouveaux repères تهتدي من خلالها إلى حلّ إشكاليات متصلة بالتغيرات التي ولّدتها العولمة و كوننة الاقتصاد و اتّساع دائرة حركة التصنيع و احتداد مظاهر الاستنزاف البيئي و الاستغلال البشري...إلخ.

وإذا كانت هذه هي سياقات بروز البعد الاجتماعي في الفعل الاقتصادي الحديث فكيف يُعرَّفُ مفهوم المسؤولية المجتمعية للمؤسسة؟ وماهي الآليات المعتمَدة لتنفيذه؟

في المستوى المفاهيمي، تطوّر المفهوم تدريجيا و اتّصلت به عدّة مفاهيم تقرّبه مثل " المؤسّسة المواطِنة L'entreprise citoyenne "، و" التسيير المجتمعي Management sociétal " و "أخلاقية الأعمال Ethique des affaires " ، وهو يُتَداوَل في اللغة الإنجليزية وِفق عبارة " Corporate social responsibility " أمّا في الحقل الفرانكفوني فنجد ترجمتيْن لهذا المصطلح إذْ هناك من يستعمل عبارة " La responsabilité sociale de l'entreprise " ما يقابلها في اللغة العربية مصطلح " المسؤولية الاجتماعية للمؤسسة "، في حين يعتمد آخرون مصطلح " La responsabilité sociétale de l'entreprise " الذي يُترجَم في العربية بعبارة " المسؤولية المجتمعية للمؤسسة" . و المسألة برأينا ليست تلاعبا بالألفاظ بقدر ما هي تعبيرٌ عن رؤية معيّنة لأدوار المؤسسة و مسؤولياتها، فقد يُحيل المصطلح الأوّل (المسؤولية الاجتماعية للمؤسسة) على أدوارٍ للمؤسسة تحصرها في القضايا الداخلية المتصلة بالمناخ الاجتماعي للعمل و تُسقِط بالتالي من حساباتها كلّ ما يتّصل بالقضايا التي تُطرح خارجها كالمسألة البيئية مثلا، أماّ المصطلح الثاني(المسؤولية المجتمعية للمؤسسة) فهو يبدو أشمل من خلال إمكانية ضمّه للبعديْن الداخلي والخارجي للسياسة الاجتماعية للمؤسسة، لذلك خيّرنا في هذه الورقة تبنّيَ هذا المفهوم الذي يعبّر بدوره عن التوجّهات العامّة لما يُراد أن تنتهجه المؤسسة التونسية موضوع دراستنا.

و يمكن في هذا السياق استعراض بعض التعريفات الأكثر تداولا و تعبيرا عن جوهر التوجّه الاجتماعي للمؤسسة، فحسب المجلس الأمريكي للشؤون الدولية لسنة 2001 " تفترض مسؤولية المؤسسة التزامها بتفعيل دورها داخل المجتمع كمنتج و مشغّل وفاعل نشيط داخل السوق و كحريف و مواطن، و ذلك بشكل مسؤول و دائم، ويمكن أن يتضمّن هذا الالتزام جملة من المبادئ الطوعية ( التي تتجاوز المقتضيات القانونية الجاري بها العمل)، و التي ترمي إلى أن يكون للمؤسسة تأثير إيجابي على المجتمع الذي تنشط فيه ". و يتفق هذا التعريف مع تعريفات صادرة عن هيئات أخرى نذكر منها تعريفا ورد في موقع "واب" سنة 2001 لمؤسسة " Response Consulting " المتخصّصة في مجال المسؤولية المجتمعية للمؤسسة الذي يرى أنّ هذه المسؤولية " تشمل كلّ الأعمال التي يمكن إنجازها خارج ما يقتضيه القانون " ، في حين نجد الإعلان الصادر عن المفوّضية الأوروبية في جويلية من سنة2002 يقدّم المسؤولية المجتمعية للمؤسسة على أنّها " مفهوم يمكن بفضله للمؤسسات أن تُدمج المسائل الاجتماعية و البيئية في معاملاتها التجارية و في تعاملها مع الأطراف المعنية على قاعدة إرادية " 2 .

إنّ ما يُلاحَظ في هذه التعريفات و غيرها من تلك المتصلة بمفهوم المسؤولية المجتمعية للمؤسسة هو إجماعها على الصبغة الطوعية الإرادية للالتزام بهذه المسؤولية ما يجعلها معبّرة عن المواطنة و السلوك المدني الملتزِم اجتماعيا، من هنا نفهم أهمّية التنشئة من أجل المواطنة التي تمسّ الأفراد كما المؤسّسات من أجل رؤية مجتمع مدنيّ فاعل و شريك حقيقي مساهمٍ في مسار التنمية.

أمّا في مستوى التطبيق و الممارسة فقد عبّرت عن مفهوم المسؤولية المجتمعية للمؤسسة عدّة آليات و معاييرَ و علامات Des certifications,des normes et des labels صارت تُعتمد لقيس مدى الالتزام الاجتماعي و الإنساني والإيكولوجي للمؤسّسة الاقتصادية، من هذه المعايير و الآليات نذكر:

علامة SA 8000 وهي اختصار للعبارة الإنجليزية " Social Accountability Standard 8000 " و هي علامة اقتُرحت من قِبل مجلس الأولويات الاقتصادية Concil Economic Priorities و هو يهمّ تحسين ظروف العمل و منع العمل الشاقّ وعمل الأطفال ، و يتمّ انخراط المؤسسات في هذه العلامة من خلال إمكانية الحصول عل شهادة تثبت التزامها بمعايير هذه العلامة أو من خلال امتلاك صفة عضو بالمجلس .

معيار ISO 14000 ، يهمّ نظام التسيير البيئي Système de management environnemental (SME).

معيار ISO 14001 : هذا المعيار يهدف إلى قيس الانعكاسات المترتّبة عن أنشطة المؤسسات على البيئة، اقتُرِح سنة 1996 ووقعت مراجعته سنة 2000، إنّه يأخذ في اعتباره مسائل بيئية ذات مؤشرات دالّة: ما ينبعث في الهواء، ما يُرمَى في المياه، ما يُردَم في التربة، كيفيّة التصرّف في النفايات واستعمال المواد الأولية و الموارد الطبيعية.

معيار 26000 ISO و هو معيار بصدد البلْوَرة والإعداد قصد اعتماده بداية من سنة 2009 و يهمّ مسألة إدماج معايير المسؤولية الاجتماعية،احترام مبادئ الحكم الرشيد، و الالتزام بأخلاقيّة الأعمال .

الاتفاق العالمي ( Global compact – Pacte mondial ) : يمثّل الاتفاق العالمي حول المسؤولية المجتمعية للمؤسسة مبادرة ذات بعد عالمي وُجِّهت إلى المنتدى الاقتصادي العالمي بـ "دافوس" بسويسرا سنة 1999 من قِبَل الأمين العام للأمم المتحدة آنذاك " كوفي عنان " و يتضمّن دعوة مسؤولي القطاع الاقتصادي للانضمام إلى مبادرة الاتفاق العالمي المستمَدّةِ مبادؤها من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان و من إعلان المنظمة العالمية للشغل بشأن المبادئ و الحقوق الأساسية في العمل و من إعلان " Rio " بشأن البيئة والتنمية و اتفاقية الأمم المتحدة المتعلّقة بمقاومة الفساد، لذلك اشتمل هذا الاتفاق على عشرة مبادئ تعتبر ميثاقَ سلوكٍ للمؤسسات من ضمنها مبدآن(رقم 1و2) يهمّان حقوق الإنسان، أربعة مبادئ(3،4،5و6) تتعلّق بالقوى العاملة و معايير العمل، ثلاثة مبادئ تتّصل بالبيئة ( 7،8و 9) أمّا المبدأ العاشر فهو يهمّ مقاومة الفساد 3.

إنّ المفاهيم و الآليات المذكورة آنفا و المتّصلة بموضوع المسؤولية المجتمعية للمؤسسة تتمظهر كانعكاس لإرادة جماعية تسعى إلى سنّ قواعد اقتصادية، اجتماعية و إيكولوجية جديدة تمكّن من تعايش أفضل بين مختلف الفاعلين داخل المجتمع، وهي تبدو مرتكزةً على جملة من المعايير المعبّرة بدورها عن مقولة التنمية المستديمة ، هذه المعايير هي :المعايير الاقتصادية،المعايير الاجتماعية،المعايير البيئية و معايير التتسيير الرشيد التي تُفضي مراعاتها إلى تحقيق توازن بين المتطلّبات الاقتصادية و المقتضيات الاجتماعية و البيئية، هذا التوازن الذي نُظِر إليه في وقت سابق كهدف يكاد يكون مستحيلا على اعتبار صعوبة المزاوجة بين المنطق الربحي و المنطق الاجتماعي، غير أنّ التغيّرات العميقة التي ميّزت العشريّتيْن الأخيرتيْن متمثّلة في انهيار المعسكر الاشتراكي واضمحلال نظام القطبيْن شجّعت عديد الاقتصاديين إلى إعلان نهاية علاقات القوة داخل المؤسّسة و التخلّي بالتالي عن نظريّة الألعاب La théorie de jeux القائمة على مبدإ أنّ ما يربحه طرف يخسره الطرف الآخر مع ما يعني ذلك من التحوّل بالمؤسّسة من وضعيات صراعية إلى وضعيات تعاونية ممكنة. لقد بدأنا نشهد تحوّلا في ترتيب أولويات المؤسسة الاقتصادية إذْ صار أصحاب المؤسسات و الأجراء على حدّ سواء يسعوْن – و لو بدرجات متفاوتة – إلى الالتفاف حول فكرة إرضاء الحريف ومراعاة المحيط الداخلي و الخارجي للمؤسّسة، بمعنى آخر، بدأت تترسّخ في الحقل الاقتصادي الفكرة التالية: "لنعملْ معًا لتطوير المؤسّسة و المجتمع" .

و إذا سلّمنا أنّ توجّهات المؤسّسة تخضع إلى جملة من الأولويّات التي يفرضها تبدّل الظروف و السياقات يجوز لنا التساؤل حول اتجاهات المؤسسة التونسية إزاء مسؤولياتها المجتمعية في ظلّ التحوّلات الحديثة.

المسؤولية المجتمعية للمؤسسة التونسية: حدود العلاقة بين الرؤى التسييرية والممارسة.

يجب التـنويه في هذا المجال إلى أنّ تونس عملت على تنفيذ برنامج التأهيل الشامل للمؤسسة منذ 1996 و هو يمثّل ترجمة ً لاتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي الموقّع منذ سنة 1995 و القاضي بالإلغاء التدريجي للحواجز الجمركية، فهذا الاتفاق اعتُبِر تحدّيا جديدا للاقتصاد التونسي على اعتبار أنّه يقتضي الاستجابة - إلى جانب الشروط الاقتصادية كالجودة و السعر التنافسي.... – إلى معايير اجتماعية و بيئية من مثل احترام البيئة و الحدّ من التلوّث، حمل المنتوج لعلامة اجتماعية label social du produit ( بمعنى أن تكون عمليّة الإنتاج قد أُنجِزتْ في ظروف إنسانية ملائمة بعيدا عن التفرقة و الانتهاك و الاستغلال ....) .

في هذا السياق دُعِيت المؤسسات التونسية منذ سنة 2004 إلى الانخراط في مشروع الاتفاق العالمي المشار إليه في العنصر السابق من هذه الورقة، هذا المشروع الذي اختيرت بعض الدول لاحتضانه ونشر مبادئه و دعمها عُرِف بتونس تحت اسم " الاتفاق العالمي في تونس: التنمية المستديمة ضمن الاتفاق العالمي"، و يعكس هذا الاختيار ثقة المنظمات الدولية المشرفة على هذا الاتفاق في إمكانية أن تكون تونس إحدى قواعد نشر القيم و المبادئ الجديدة للاستثمار الاقتصادي المسؤول اجتماعيا، و يمكن استحضار ثلاثة أسباب - على الأقلّ – تبرّر هذا الاختيار:

- مشروع " التنمية المستديمة بفضل الاتفاق العالمي " هو مشروع قرّرتْ تمويله وزارة الخارجية الإيطالية منذ سنة 2003 و كلّفتْ منظمة العمل الدولية O.I.T بتنفيذه بالتنسيق مع برنامج الأمم المتحدة للتنمية PNUD و منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية ONUDI و منظمة التعاون و التنمية الاقتصادية OCDE . ومن المعلوم أنّ إيطاليا هي أحد البلدان الهامّة المكوّنة للاتحاد الأوربي و ترتبط مع تونس بمعاملات استثمارية و تجارية متنوّعة، ويهمّها كثيرا أن تكون المؤسسات الاقتصادية المشتغلة بتونس المحلّية منها و الأجنبية مسؤولة اجتماعيّا.

- انخراط تونس في الاتفاق العالمي حول المسؤولية المجتمعية للمؤسسة قام على إجماع ثلاثي الأطراف بمعنى أنّه كان محلّ مشاركة ممثلي الحكومة و ممثلي أصحاب العمل و ممثلي العمّال فاعتُمِدَت تَبَعًا لذلك مساهمة وزارة الشؤون الاجتماعية و التضامن و التونسيين بالخارج و وزارة البيئة و التنمية المستديمة ووزارة الصناعة و الطاقة و المؤسسات الصغرى و المتوسطة إضافة إلى منظّمة الأعراف و المنظّمة النقابية وهما الاتحاد التونسي للصناعة و التجارة والصناعات التقليدية UTICA و الاتحاد العام التونسي للشغل UGTT . و من الطبيعي أن تكون المشاريع التي يُكتب لها النجاح و التقدّم هي تلك التي تكون ثمرة إجماع و تشارك واسعيْن، لذلك ليس من الغريب أن تسعى الأطراف الفاعلة في " الاتفاق العالمي " إلى منح تونس هذا الامتياز لتوفّرها على العناصر المؤسّسية و التشريعية المساعدة على تطبيق مبادئ الاتفاق و إنجاحها.

- مبرّر آخر يُضاف إلى المبرّريْن السابقيْن يتمثّل في كثافة النسيج الاقتصادي التونسي و تنوّعه (مؤسسات محلية و أخرى أجنبية، مؤسسات كبرى و أخرى متوسّطة و صغرى) إضافةً إلى ديناميكيته و انفتاحه على الخارج من خلال انخراط تونس في جلّ معاهدات الشراكة و اتفاقات التعاون ما ييسّر أساليب التعامل خاصّة إذا علمنا أنّ أغلب وكالات الأمم المتّحدة تمتلك فروعا لها في تونس.

لقد بدا مشروعُ تطوير المسؤولية المدنية للمؤسسة الاقتصادية بتونس مشروعا جماعيّا حائزا على إجماع مختلف الفاعلين في المجالات السياسية و الاقتصادية والاجتماعية اقتناعا منهم من أنّ ذلك سيمكّن عالم المال و الأعمال من المساهمة في إيجاد حلول للمشاكل الاجتماعية و البيئية التي طرحها مسار التصنيع و حركة العولمة.

لكن، و بعيدا عن الأهداف المعلنة لمفهوم المسؤولية المجتمعية للمؤسسة، ما هي انشغالات المسؤولين و أولويّاتهم؟ و كيف تبدو ممارساتهم التدبيريّة؟ و أيّ حضور للاجتماعي فيها؟

وِفق بحث أنجزناه حول المسؤولية المجتمعية للمؤسسة من خلال إجراء بعض المقابلات المعمّقة، غير الموجّهة مع بعض المسؤولين وأصحاب المؤسسات الاقتصادية و استقراء بعض الممارسات التسييرية والمبادرات، بالإضافة إلى العودة إلى دراسات سابقة حول الموضوع 4 أمكن لنا الخروج بالملاحظات و الاستنتاجات التالية:

نظريّا، يؤكّد المسؤولون و أصحاب المؤسسات على أهمّية الجانب الاجتماعي في أنشطة مؤسساتهم مثمّنين الإطار التشريعي و المؤسّسي المشجّع على الاضطلاع بمسؤوليات اجتماعية (امتيازات ضريبيّة عن كلّ التبرّعات ذات المنحى الاجتماعي التي تقدّمها المؤسسة، منح تسند من طرف الدولة للمؤسسة المساهمة في جهود التشغيل و الإدماج المهني للمعاقين و حمايـة البيئـــة....) ، وهم يُبدون الاستعداد للانضمام إلى الاتفاق العالمي حول المسؤولية المجتمعية للمؤسسة ، كذلك أبدَوْا إدراكهم بأنّ الضغوطات الاجتماعية و البيئية تزداد حدّة يومًا بعد يوم و أنّه يحسُن بالمؤسسات تبنّي مواقفَ تقوم على فكرة أنّ أهداف المؤسسة لا تتوقّف عند إرضاء حرفائها و مساهميها و أُجَرائها فحسب بل يجب أن تتصرّف كمواطن مسؤول و متضامن، بمعنى أن تكون معنيّةً بقضايا البطالة و الإقصاء الاجتماعي و المشاكل البيئية للجهة التي توجَد بها. كذلك هم يساندون وجود أقسام (مصالح) اجتماعية داخل مؤسّساتهم تُعنَى بتطوير قُدُرات الموارد البشرية للمؤسسة وتسهر على الاعتناء بالظروف المهنية و الاجتماعية لمختلف مستويات الأجراء من خلال تنمية الحوار الاجتماعي كما تعمل على مدِّ قنوات التواصل مع المحيط الخارجي. كما وجدنا من بينهم من يساند فكرة إعداد تقارير اجتماعية سنويّة وجوبيّة وهي تقارير تطالب بها المنظمات الدولية الراعية لـ"الاتفاق العالمي".

لكن ما تجدر الإشارة إليه في هذا السياق هو وجود بعض التردّد من قِبَل المسؤولين و أصحاب المؤسسات حول تعميم معايير المسؤولية المجتمعية للمؤسسة على كلّ الدول المنخرطة في "الاتفاق العالمي" بنفس الكيفيّة ومحاسبتها بنفس المقياس، على اعتبار اختلاف ظروف المؤسسات و إمكاناتها من دولة إلى أخرى و حتّى في إطار البلد الواحد، كذلك تبايَنَ ترتيبُ الأولويّات لدى هؤلاء فيما يتّصل بمسائل حقوق العمّال و احترام المستهلكين و تحسين ظروف العمل وحماية البيئة و تطوير الحوار الاجتماعي. و عمومًا يمكن القول إنّ الشأن الداخلي للمؤسسة سواء كان اقتصاديّا أو اجتماعيّا هو الهاجس الأكبر لدى المسؤولين في حين تأتي القضايا ذات الصبغة العامّة و الخارجية من مثل مقاومة الفقر،مقاومة التفرقة و المساهمة في التنمية المحلّية و الجهويّة و الوطنيّة في مراتب لاحقة، و لعلّ هذا ما أكّدته دراسة مؤسسة " استشارات اجتماعية " Social Consult حول المسؤولية الاجتماعية للمؤسسات بتونس بتنسيق مع فريق مشروع" الاتفاق العالمي" في تونس من خلال استبيان في الموضوع أُجرِي سنة 2005 مع عيّنة تتألّف من 144 مؤسسة تختلف من حيث الحجم و الوضع القانوني و الجنسية، إذ تشمل شركات وطنية خاصّة و أخرى عمومية إلى جانب شركات متعدّدة الجنسية 5.

من ناحية الممارسة حاولنا تبيّن إلى أيّ مدًى تجد مبادئ المسؤولية المجتمعية للمؤسسة تطبيقا لها في السلوك التدبيري للمسؤولين فوجدنا أنّ الدافعيّات والمبادرات و التدخّلات تختلف من مؤسّسة إلى أخرى، فبعض المؤسّسات الكبرى( المحلّية أو متعدّدة الجنسية المنتصبة بتونس) أظهرت فعلا مواطَنتها من خلال عدّة تدخّلات معبّرة عن مسؤولية مجتمعيّة، و إن كان المجال لا يتّسع لذكر الشهادات الدالّة على الالتزام الاجتماعي لبعض المؤسسات فيكفي القول إنّها شمِلت مجالات مختلفة: مساعدة قرى الأطفال، المساهمة في بناء منشآت رياضية 6 ، التبرّع للجمعيات، تخصيص اعتمادات للحدّ من التلوّث و التصرّف في النفايات ، المساهمة في مساعدات العودة المدرسية و جوائز نهاية السنة الدراسية....إلخ، هذا فضلا عن الحرص على إجراء حوار اجتماعي دوري مع مختلف الأطراف الفاعلة داخل المؤسسة. أمّا فيما يتّصل بتلك المؤسسات الصغرى و المتوسّطة فقد لمسنا أنّها تواجه بعض الصعوبات التي تعرقل عمليّة الارتقاء بمسؤوليتها الاجتماعية رغم أنّنا وجدناها مساهِمة في بعض الجهود التضامنية ذات البعد الوطني ، كالمساهمة في التبرّعات الموجّهة إلى صندوق التضامن 26-26 ، و معلومٌ أنّ التبرّع لهذا الصندوق كان موضوع تحريض وتعبئة واسعة مسّت كافّة قطاعات المجتمع التونسي و مؤسّساته و جميع فئاته ما جعله في مرتبة الواجب لذلك يصعُب أن نتّخذه لوحده مؤشّرا على رسوخ سلوك تحمّل المسؤولية المجتمعية لدى هذا الصنف من المؤسسات ، كذلك توجد بعض الضبابية في كيفيّة التصرّف في الموارد البشريّة للمؤسسة خاصّة فيما يتعلّق باعتماد منظومة التكوين و الارتقاء المهني و التأجير.

و حسَب ما عاينّاه و استمعنا إليه و قرأنا عنه يمكن تلخيص العوامل التي تقلّل من إمكانية الالتزام الاجتماعي لعديد من المؤسسات الصغرى و المتوسطة فيما يلي:

- نقص الاقتناع بجدوى المسؤولية المجتمعية للمؤسسة الصغرى و المتوسطة من قِبَل أصحابها و مسؤوليها، بمعنًى آخر، لا يوجد اقتناع بقدرة الاستثمار المسؤول اجتماعيّا على جلب منافع مالية للمؤسسة وتحقيق الربح و النماء و التطوّر لها.

- وجود أولويّات أخرى تتقدّم عن المسؤولية الاجتماعية، بل قد لا تكون هذه المسؤولية من ضمن مخطّطات المؤسسة، خاصّة لدى المسؤولين الذين لم يُبدوا معرفةً بمحتوى مشروع الاتفاق العالمي أو لم يسمعوا عنه أصلاً.

- ارتفاع كُلفة التدخّلات الاجتماعية بالنسبة إلى مؤسسة صغرى أو متوسّطة تعاني صعوبات ملية مستمرّة.

إجمالا يمكن القول إنّ معاينات هذه الدراسة مكّنتنا من تبيّن أنّ المؤسّسات التونسية الخاصّة منها و العمومية هي بصدد تبنّي اتجاهات تتلاءم باطّراد مع القضايا الاجتماعية و البيئية المطروحة، لكنّ هذه الاتجاهات تبدو مصطدمة بضغوطات مالية و عوائق ثقافية يمكن تجاوزها متى نظر المسؤولون إلى المؤسسة الاقتصادية على اعتبارها مؤسسة اجتماعية و اقتنعوا أنّ السلوك التسييري المسؤول اجتماعيا لا يحرّكه شرط تجاريّ فحسب، بل تُمليه بالأساس قيم المواطنة.

الهوامش

1انظر كتيّبا صادرا عن الاتحاد العام التونسي للشغل بعنوان : " دور النقابات في تنمية الحوار الاجتماعي حول المسؤولية المجتمعية للمؤسسة " ، قسم الدراسات و التوثيق، تونس، ماي 2005، ص 22.

2المرجع أعلاه، ص 21.

3لمزيد الاطلاع و التوسّع حول المبادئ العشرة للاتفاق العلمي حول المسؤولية المجتمعية للمؤسسة انظر الموقع الإلكتروني الخاص بمشروع الاتفاق العالمي بتونس: www.pactemondialtunisie.org

4 Voir : Enquête sur la responsabilité sociale des entreprises en Tunisie, (Rapport final), Enquête conçue et réalisée par SOCIAL CONSULT avec la collaboration de l'ISTIS, Tunis, Mai 2OO5.

5Enquête sur la responsabilité sociale des entreprises en Tunisie,….op.cit, p16

6Voir : Faker BOUZGHAYA : L'entreprise citoyenne, Le supplément économique du journal " Le Temps", Mardi 18 Octobre, 2005, p1.

Bibliographie

  • La gestion des droits de l'homme'. Déconstruction des politiques de responsabilité sociale des entreprises ' , Ph. Robert-Demontrond (ed.), Editions Apogée, 2006.
  • La Responsabilité sociale des entreprises ( corporate social responsibility ) : concept, pratiques et droit , Emmanuel de Cannart d'Hamale, Eva De Walsche, Nicolas Hachez et Pol Cools, préface de Céline Louche, Editions Vanden Broele, 2006.
  • L'Entreprise responsable. Sociale, éthique, « verte »… et bénéficiaire ? , de Cécile Jolly, préface de Corinne Lepage, Ed. du Félin, 2006.
  • Entreprises et ONG face au développement durable : l'innovation par la coopération . Farid Baddache. Editions L'Harmattan. 2004.
  • L'Entreprise verte : le développement durable change l'entreprise pour changer le monde . Elisabeth Laville. Village Mondial. mars 2006
  • Responsabilités des entreprises et corégulation , de Thomas Berns, Pierre-François Docquir, Benoit Frydman, Ludovic Hennebel et Gregory Lewkowicz, Ed. Bruylant, 2007, 230 pages,
  • "La responsabilité sociale d'entreprise" , Michel Capron, Françoise Quainel-Lanoizelée, La Découverte / Repères, 2007.

طباعة >> | إغلاق النافذة >>


afkar@afkaronline.org