الحاكمية الرشيدة... أو خارطة طريق الألفيّة الثالثة

د. فيصل الذويبي
المعهد العالي للدراسات التطبيقية في الإنسانيات بتوزر- تونس

1- مفهوم يتسلّل ثم ينتشر ويعتمد

عديدة هي المفاهيم التي تتسلل إلى المعجم السياسي المتداول دون أن تستأثر في بداية ظهورها باهتمام خاص، وقبل أن تحدّد لها مسبقا، وبالدقة المطلوبة تعريفات واضحة، لا سيما إذا تسللت ضمن ديكور كادت تذوب فيه طبع المشهد العالمي بتحولات جذرية وسريعة وشاملة.

وينطبق هذا الواقع بشكل واضح على مفهوم "الحاكمية الرشيدة" الذي طفا وانتشر على غرار- بقعة الزيت- وتبنته الأطراف والمنظمات الدولية الفاعلة ليصبح محل جدل أسال حبرا غزيرا ولا يزال لعدة اعتبارات أهمها أن هذا المفهوم لم يتنزل بعفويّة تاريخية وفي سياق طبيعي بولادة دون أوجاع بل تبيّن لنا الآن أنّه مفهوم "مهيكل" ( structurant ) يؤسس لبناء إيديولوجي قد يحدّد المشهد السياسي العالمي الجديد والذي ما انفكت تبشّر به القوى المهيمنة على مجريات الأحداث لا سيما الاقتصادية والسياسية في العالم.

ولعل العود إلى مسح تاريخي موجز لبروز وتسلّل وانتشار هذا المفهوم يؤكّد بجلاء أنّه لم يكن نتاجا فرديا أو شخصيا لمفكر ما، كما لم يكن إفرازا لتطور علم من العلوم بل كان مفهوم الحاكمية الرشيدة نتاجا جماعيا، متعدّد المصادر التاريخية شاركت في صياغة تعريفه أطراف عدّة على مراحل متعددة ولا تزال، لذلك يحيل هذا المفهوم على الجدل لأنّه يدغدغ بهدوء وعقلانية جوانب تتعلق بقيم أصبحت كونية وسامية دون أن يحدد الأشياء بدقة، كما سوف نتبيّن لاحقا أن مفهوم"الحاكمية الرشيدة" يعوزه التنسيق والتناغم بل ويعكس أحيانا تنافرا واضحا، وبالعودة لأصل الكلمة "الحكم"نتبين أنّ الحكم والحكومة والحاكمية تعنى منذ القرن 13 نفس الشيء وهو "فن وطرق التسيير".

وانتقل في القرن 14 إلى اللغة الانقليزية بنفس المعنى ( governance ) ثم دخل بعد ذلك مرحلة إهمال ليعود بقوة في نهاية الثمانيات في خطاب البنك العالمي والهيئات والمنظمات التابعة له ويتطوّر بذلك مفهوم الحكم الرشيد في المبحث المعرفي من خلال الدراسات والملتقيات والتوصيات الخاصة بترشيد الحكم والتي تتمحور حول"اتهام الحكومات باحتكار التصرف في الشأن العام" و"اقتراح بدائل تعديل وتحميل المسؤولية بمعنى المساءلة وأخذ القرار بصفة جماعية.

وتجد هذه التوصيات والشواغل حسب PNUD مبرراتها في أزمات تسيير الشأن العام التي عصفت ولا تزال بعديد الحكومات وأدّت إلى انتشار بؤر التوتر في العالم وانتشار الفقر والبطالة وتراجع نسب النمو في العديد من الدّول والتفاوت المتزايد بين أفراد المجتمع الواحد وبين الجهات وبين الدول، وعدم إشراك مكونات المجتمع أفرادا ومنظمات مجتمع مدني في أخذ القرار وعدم اعتماد الديمقراطية وعدم احترام حقوق الإنسان.

وترجع PNUD أسباب هذه الأزمات إلى اعتماد طرق تسيير بدائية وإلى حكم إكراهي قسري أساسه احتكار السلطة والقرار وبالتالي انعدام جدوى وفعالية إدارة الشأن العام.

وانطلاقا من تشخيص الداء (في الحقيقة أكثر من داء واحد إلا أنّ لغتنا العربية لا يوجد فيها جمع لهذه الكلمة) تحدّدت غائيات الحكم الرشيد على النحو التالي:

- إدراج الارتباط المتبادل ( Interdépendance ) بين مختلف الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والبيئية، كمبدأ ثابت عند تحليل ودراسة هذه النظرية أو المفهوم.

- اقتراح جملة من الإصلاحات الكفيلة بتحقيق التحولات الاقتصادية والاجتماعية الضرورية لبناء مجتمع متماسك ودائم.

وينتهي التشخيص وضبط الغائية إلى صياغة تعريف الحاكمية الرشيدة على أنّها "ممارسة النفوذ الاقتصادي والسياسي والإداري لغاية تسيير الشأن العام من خلال آليات ومسارات وهياكل منتخبة تؤمن ترابط مصالح الأفراد والجماعات، وتمكينهم من ممارسة الحقوق المنصوص عليها بالدساتير، ومن أداء واجباتهم ومن اعتماد الحوار والتفاوض وسيلة لفض النزاعات".

وتتضح الرؤية أكثر لمتصفّح التقرير الصادر عن البنك العالمي سنة 1989حول القارة الإفريقية كنموذج لحكم غير رشيد ومتأزم حيث يوصى التقرير وفي نفس السياق الآنف الذكر باعتماد:

- رؤية إستراتيجية بعيدة المدى

- إشراك جميع مكونات المجتمع

- احترام الشرعية وعلوية القانون

- الشفافية الكاملة

- تطوير القدرة على الاندماج

- السعي إلى الوفاق

- العدل

- النجاعة والفعالية efficacité et efficience

- المسؤولية السياسية بمفهوم الضمانة السياسية والمساءلة.

ولم يتوقف تحديد تعريف دقيق لمفهوم الحاكمية الرشيدة عند هذا الحدّ باعتباره مفهوما متعدّد الاختصاصات والجوانب multipolaire ، بل تضاف له من حين لآخر بعض التفرعات لينتهي به المطاف على الأقلّ لحدّ الآن إلى كونه مسعى تعبويّا يرمى إلى تهيئة كل الظروف لتنمية دائمة انطلاقا من:

1) ظرف سياسي ووضع اقتصادي وبنية اجتماعية مؤهلة للمشاركة الحقيقية في التسيير والاندماج والمنافسة

2) جهاز إداري وقضائي ناجع وفعال ولا ممركز

3) اعتماد الديمقراطية واللامركزية والحوار الاجتماعي

4) الحد من الفوارق بين المواطنين وحماية ذوي الاحتياجات الخصوصية والدخل المحدود

5) تثمين رأس المال البشري

6) دعم قطاعي التربية والتكوين

7) حماية المحيط بما يؤمن تنمية دائمة

ويتطلب النجاح في إرساء أسس وأدوات الحكم الرشيد اعتماد قوانين وقواعد يتحتم احترامها كضوابط ومعايير للديمقراطية والعدالة التي أجمع الفكر الحديث على كونيتها وتتلخص في مبادئ التعددية السياسية والحق النقابي ودورية الانتخابات بما يؤمن حق المواطن المقدس في المشاركة في صنع القرار الذي يهمّه أو يهم المجموعة التي يعيش ضمنها.

وهكذا يكتمل المشهد وتتحدّد بعض أوجه وآليات وغائيات الحكم الرشيد من خلال عديد الأطراف المتدخلة ومن خلال محطات تاريخية متواصلة ليعتمد مبدأ الحكم الرشيد كمعيار رئيس في تقييم وترتيب ومساعدة الدول التي تروم النهوض بأوضاعها ومواكبة العولمة كمسار لا خيار لأي كان فيه، وسوف نتناول بالبحث في الجزء الموالي الحكم الرشيد كمعيار قبل أن نتعرض في الجزء الثالث لمدى وجاهة هذا الطرح لا سيما وأنه عاد بقوة لواجهة الأحداث ضمن إستراتيجية البنك الدولي وخياراته في الثمانيات وهي إستراتيجية لا تخلو من الانتقادات والتحفظات.

2- العولمة- التنمية - الإنصاف:

شعارات مشروع تنمية الألفية

وأنا أعدّ مقالتـــي هذه حول الحكم الرشيد استوقفني خير حصول Angel luria أمين عام منظمة التعاون والتنمية الاقتصاديـــة OCDE على لقب" Mondialiste de l'année " باعتباره داعية لنظرية التضامن العالمي وأسند له هذا اللقب من طرف -Conseil international du Canada- وذلك لإسهاماته المتميزة في تجديد الحكم في العالم وترشيد العلاقات الاقتصادية الدولية.

والجدير بالملاحظة أن منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية تضم أكثر من 30 دولة عضوا وتعنى بإعانة الدول النامية على تحقيق التنمية على خلفية محددة تصبّ أيضا في تدعيم الحكم الرشيد وتعتبر المنظمة أن الحكم الرشيد يجمع القيم والقواعد والوسائل القادرة على تمكين الأفراد والمنظمات من تحقيق الأهداف المشتركة ومن أخذ القرار الصائب وفرض علوية وهيبة القانون في إطار الشرعية.

وتعتبر المنظمة أن دمقرطة الحياة السياسية كركيزة أساسية للحكم الرشيد قد انعكست تقريبا في كل دول العالم خلال العقدين الآخرين وتسجّل المنظمة هذا التطور في 81 بلدا تمكنت من تحقيق خطوات هامة في مجال الديمقراطية والتأسيس لمؤسسات دائمة وناجعة وفي مجال تطور قطاع التسيير العمومي والنظام القضائي وحماية حقوق الإنسان ودعم المجتمع المدني والسلم وتوقّي النزاعات، وتعتبر ذات المنظمة أن الحكم الرشيد يدعم الرفاه الاقتصادي ويدعم التنمية الدائمة بالمحافظة على المحيط والاستغلال الأمثل للموارد الطبيعية ودعم ثقة الرأي العام في الجهاز الإداري.

وتلتحق المستشارة الألمانية Angela Merkel بالمجموعة السمفونية لتؤكّد في قمة مجموعة 8 في جوان 2007 أن أولى أوليات هذه المجموعة هي:

- حماية العولمة

- دعم التنمية في القارة الإفريقية

ولا أرى هذه المقترحات تصب في غير خانة الحكم الرشيد إنْ في عالية النهر en amont (المبادئ الكونية للعولمة) أو في سافلته en aval (دفع دول العالم النامي للالتحاق بالعولمة) وإذ قصدت "اقتطاف" بعض التصريحات لأطراف فاعلة ومتنوعة (البنك الدولي – PNUD كندا – ألمانيا- OCDE ) فلكي أبرز هذا التناغم وهذا التّساتل Convergence الذي يعكس التقاء المصالح وإجماعا يجسّده ساركوزي ضيف البيت الأبيض بتحويل السياسة الفرنسية من التنافس إلى التطابق على خطى "بلار" و"تشرشل" الذي قال "لو خيرت بين قارّتي أوروبا والأطلسي لاخترت الأطلسي".

ويرتكز الإجماع على معالجات تستند إلى وفاق أملته التحولات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والبيئية التي تتخلص في العولمة ويتجسد هذا الإجماع في دعوات متزايدة إلى ممارسة السلطة من خلال هذه الزوايا دون غيرها وما انعقاد مجلس لوزراء دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ( MENA ) أيام 28 و 29 نوفمبر 2007 بدعوة من منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية حول الاستثمار والحكم الرشيد، إلا دليل على أن المسألة تتجاوز الشعار إلى مسعى تعبويّ يهدف إلى الوقوف على تقدم الإصلاحات الخاصة بتطوير الاستثمار وتجويد تسيير الحكم في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

والوقوف على تنفيذ التوصيات يعني حتمًا التقييم والترتيب الذي يحيل مباشرة إلى أولوية الدّعم بالإعانات والقروض التي أصبحت رهينة مدى تقدم الإنجاز في هذا الإطار. وبذلك يدفع بالحكم الرشيد إلى واجهة المعايير الأساسيّة ليعتمد في ما أسمته Merkel بالمحافظة على العولمة وما أطلق عليه كولن باول بالشرق الأوسط الجديد وما يدعو إليه الخضر les verts من عالم نقي من الملوثات ويستطاب فيه العيش وما يرنو إليه مواطن العالم النامي من تحرّر وديمقراطية ونماء وكما لم يكن لنا خيار في امتطاء قطار العولمة فلن يكون لنا خيار في ترشيد الحكم رغم كل التحفظات والانتقادات العديدة والجوهرية التي تخامر أذهاننا من إستراتيجية جدّ متقنة ( bien ficelée ) لم نستشر في توخيها.

ونظرية التضامن العالمي بما تقتضيه من ترابط للمصالح تحيل حتما على مشاركة جميع دول العالم وخاصة منها الأغلبية التي لا زالت رغم ما تحقق لها من انجازات في مجال الحكم تعاني من الفساد وعدم احترام حقوق الإنسان وخاصة المرأة وقلة جدوى ونجاعة الخدمة العامة بالإضافة إلى الحروب وذلك يحول حسب المؤسسات النقدية الدولية دون تحقيق أهداف الألفية ( le projet du développement millénaire )

وبديهي أن نتساءل عن مدى قابلية هذه الإستراتيجية للتطبيق والنجاح، وماهي المعوقات التي تعطّل تحقيق الأهداف؟وهل يمكن تنفيذ الإصلاحات المطلوبة لبلوغ أهداف الألفية التنموية؟ وباختزال شديد ماهي مدى وجاهة مفهوم الحكم الرشيد كشرط أساسي لتحقيق التنمية والديمقراطية والإنصاف.

3- في وجاهة الحكم الرشيد: أي حكم رشيد نريد؟

تطمح كل شعوب العالم بدون استثناء إلى أن تنعم بسلطة تحترم الحقوق والكرامة من خلال عقد اجتماعي يهدف إلى تعبئة أفضل الطاقات والمزايا من أجل إدارة رشيدة لذلك ظلت طريقة تسيير الشأن العام هاجسا قائما على مرّ العصور وازداد الهاجس بريقا في أواخر الألفية الماضية ليصبح هاجس المستقبلية ومطمحا مشتركا بل وضرورة تقتضيها المبادئ الكونية للحرية والنماء الدائم والعدل الديمقراطية. وبقطع النظر أيضا عن موقف حكومات الدول النامية فإن استحقاق هاجسيه الحكم الرشيد يعكس مطلبا شعبيّا متوهّجا لدى الإنسان بطبعه ومنذ أقدم العصور إلا أن الإجماع حول أهمية وتأكد اعتماد مبدأ الحكم الرشيد لا يعني حتما الاتفاق حول طروحات وسبل تنفيذه لأن هذا الأخير ظل في ارتباط غير عفوي بالمصالح المباشرة لبعض الأطراف دون غيرها بحيث لم ينفصل عن الواقع الاقتصادي وتحولاته ولا أدل على ذلك من أن عولمة الحكم الرشيد لم تكتمل ولم تنضج إلا باكتمال مشهد العولمة الاقتصادية وما ترتب عنها.

ومن هنا، ولأنّ العولمة الاقتصادية في حدّ ذاتها، أفرزت عديد التحفظات والإشكاليات فطبيعي أن يفرز طرح الحكم الرشيد نفس التداعيات لا سيما بالنسبة لعديد الدول التي تدفع دفعا لاعتماد الرشد في الحكم بقطع النظر عن خصوصيات هذه الدول وموروثاتها الحضارية وتجاربها الديمقراطية المختلفة والتفاوت الواضح بينها من حيث النموّ. ولا يجب أن نفهم من ذلك اعتراضا على اعتماد الرّشد في الحكم الذي نعتبره دعاته الديمقراطية الحقيقية إلا أن طرح هذا التمشي تعوزه البراءة والعفوية من جانب الدول المتقدمة الداعية إليه كما من جانب الدّول المدعوّة إلى اعتماده بحيث ظلت الوصفة الطيبة المقترحة من طرف أصحاب النفوذ، في شكل أقراص عصيّة الابتلاع على من وضعت له هذه الوصفة وإن كان ذلك بدرجات متفاوتة من دولة لأخرى، ولا غرابة في ذلك طالما أن 135 دولة في العالم اختارت لنفسها النظام الجمهوري لممارسة الديمقراطية.

ولكن السؤال الذي يفرض نفسه الآن هو:أي حكم رشيد نريد وهو سؤال اعتبره محوريا وسؤال الألفية فهل هو الحكم الرشيد الذي أطنب الغرب في وصفه وتحديده و أسلفنا تفصيله؟ أم هو الحكم المحمول على أجنحة الطائرات النفاثة والمنطلق من منصّات الصواريخ؟

أي قطار للديمقراطية نمتطي؟ هل من نموذج نتأسى به؟

فمن زاوية الرؤية الغربية للمسألة، يعتبر على صواب كثير من المحللين إن سياسة الولايات المتحدة الأمريكية على نقيض فلسفة الأنوار تعبّر عن موقف استعماري ضد فكرة تطور التاريخ نحو الإنعتاق والتحرر والديمقراطية فهذه السياسة دعمت ظاهرة الإرهاب وأسست لها في أفغانستان كما دعمت ما يسمّى بالإسلام السياسي في عديد من الدول العربية ولا تزال، ولا أحد يجهل دعم الولايات المتحدة اللاّ مشروط للكيان الصهيوني. وتزعم الولايات المتحدة الأمريكية إنها تمثل الأسلوب الأمثل والنموذج الأرقى للديمقراطية، فتستبيح لنفسها احتلال العراق ونهب ثرواته كمقدمة حسب كولن باول"لتغير خارطة الشرق الأوسط".

وهكذا نرى أن ظاهرة العولمة، عوض أن تؤسس فعلا للحكم الرشيد ونعنى مبدأ احترام الحريات العامة وحقوق الإنسان باعتبارها دعائم لأي تجربة ديمقراطية ارتبطت بظاهرة قديمة جديدة تعيدنا قرونا إلى الوراء ألا وهي ظاهرة الاحتلال العسكري المباشر وظاهرة الحرب على الإرهاب التي تستبيح بها وبدعوى الدفاع عن أمنها، الهيمنة والاحتلال العسكري على أي بقعة من العالم (أفغانستان، العراق....) وتنظّر لما تسميه بالحروب الوقائية والاستباقية.

وقد كانت لهذه السياسة انعكاسات خطيرة على مجال حقوق الإنسان إذ انتهكت حقوق الأقليات في الغرب، وسنت قوانين جديدة للهجرة وحدّت من منح الجنسية لأنباء الجنوب لتشدّد الخناق على "المسلمين"خاصة، بل ونلاحظ غضا واضحا للطرف عن انتهاكات حقوق الإنسان في عدة أصقاع من العالم يكفي أن تكون حليفة للولايات المتحدة في حربها ضد الإرهاب وشرّعت بذلك قمع الإرهابيين والتحرريين ولا غرابة أن يتحدث بعض المفكرين عن عولمة متزايدة لانتهاك حقوق الإنسان بدلا عن عولمة للحكم الرشيد!!!

أما من زاوية الدول المدعوة إلى اعتماد الحكم الرشيد، وإذا ما اعتمدنا مثال الجامعة العربية انطلاقا من طرح متأكد فيها لقضايا الإصلاح الديمقراطي والمنبثق عن القمة 16 المنعقدة بتونس 2004 والتي تناولت مفهوم التطور السياسي ومفهوم الديمقراطية ومفهوم الحرية ومفهوما المجتمع المدني وحقوق الإنسان وصولا إلى طرح الحكم الرشيد صراحة لكن بقيود عديدة تعكس ذاتية الطرح من وجهة نظر هذه الدول فتربط تقدم مسيرة التطور السياسي بالخصوصية الدينية والثقافية ومراعاة وتيرة التطور الخاص بالمجتمع العربي بل وتربط التطور السياسي بما يتفق مع قيمها ومفاهيمها وظروف كل دولة وإمكانياتها لتفتح الباب على مصراعيه أمام الاجتهاد والتأويل الذي سينتهي بالتنصّل من الإصلاح.

والأغرب من ذلك أن تفصل وثائق الجامعة العربية بين الحكم الرشيد ومفاهيم الإصلاح بصفة عامة وفي ذلك قفز واضح على حقيقة أصبحت ثابتة وهو أن الحكم الرشيد لا يتم إلا بإصلاح ديمقراطي.

ومن خلال نموذج الولايات المتحدة وطرحها الواضح وممارساتها الأوضح في إطار دعم "الحكم الرشيد" ونموذج الجامعة العربية وطرحها الخصوصي لتبنّي مفهوم الحكم الرشيد نتبين أن هذا المفهوم يحد نفسه بين فكي تنّين، تتجاذبه الأهواء والمزايدات وتزداد أمامه التحديات ذات الطابع الدولي والتحديات ذات الطابع الوطني وذلك يتطلب حتما تضامن جهود جميع قوى المجتمع الحيّة ومنظمات حقوق الإنسان لضبط استراتيجيات واضحة تعتمد التنسيق المستمر وإقامة الأحلاف مع المنظمات الدولية النزيهة لحقوق الإنسان حتى أن بعض المفكرين يدعون إلى مجتمع مدني دولي يتعالى على المصالح الضيقة والأطروحات غير البريئة ليعمل على المتابعة والنصح والدعم من مجال إرساء قواعد موضوعية لحكم عالمي رشيد يراعي فعلا المصالح الكونية والبيئية ويعمل على تقريب وجهات النظر بين الأطراف المختلفة وعلى تضييق الهوة بين الدول الغنية والدول الفقيرة وأخذ مطالب وتحفظات دول الجنوب مأخذ الجدّ في موضوع الهجرة وتحقيق خطوات أسرع في دعم التنمية في العالم بما يؤسس لعالم يحلو فيه العيش ويدوم ويتداول فيه على السلطة بشكل سلمي مقبول ويحترم فيه الرأي والرأي الآخر وتحلّ فيه الخلافات بالحوار وعن طريق منظمات دولية فاعلة وعادلة بعيدا عن أيّ فيتو أو تجاوز.

فليكن الحليف الأفضل هو الذي ينجح في كسب معارك التنمية والديمقراطية فعلا على غرار العديد من الدول النامية وذات الموارد المحدودة مثل تونس وتجربتها الواعدة في هذا الإطار لا على أساس التحالف ضد الإرهاب أو ما شابه ذلك من تحالفات تكتيكية طارئة لن تؤدّي بالضرورة إلى الحكم الرشيد وما يستتبعه من انفتاح سياسي وديمقراطية اجتماعيّة واحترام شامل لحقوق الإنسان.

طباعة >> | إغلاق النافذة >>


afkar@afkaronline.org