تساؤلات في الخوصصة والخصوصيّة والتّنميط الثّقافي؟
خالد خليفي
باحث في علوم وتقنيات الفنون- تونس
قد يبدو الطرح غريبا، أوجديدا، مبهما للبعض، وقد يبدو شائكا ومتعدّد القراءات والتّأويلات للبعض الآخر. خوصصة الثقافة في علاقتها بالخصوصيّة والتّنميط؟ ما الذي يبرّر طرح هذا الموضوع الآن؟
هذه التّساؤلات لا تفضي بالضرورة إلى طرح علاقة الدولة بالثقافة وعلاقة الثقافة بالدولة وعلاقة ذلك بالشركات الدّوليّة العابرة للحدود بل تثير عددا آخر من الإشكاليّات حول مواضيع عولمة الثقافة أو خصوصيّتها في عصر التقنيات الحديثة للاتصال والإعلام، كما تطرح مسألة وموقع الثقافة في المقاربة الوطنية التّحديثيّة.
وقبل الحديث عن موضوع خوصصة الثّقافة وخصوصيّتها، وجب تعريف الثقافة لغويا واصطلاحيا. وأصل كلمة ثقافة في اللغة العربية، هي الحذق والتّمكّن. "يقال "ثقفت الشيء حذقته" و"ثقف يثقف ثقافة: فطن وحذق، وثقفه يثقفه ثقفا: غلبه في الحذق، والثّقيف: الحاذق الفطن". و"ثقف ثقافة: صار حاذقا، وثقف الكلام فهمه بسرعة" 1. فالثقافة هي إدراك الفرد و المجتمع للعلوم والمعرفة في شتى مجالات الحياة. فكلّما زاد نشاط الفرد ومطالعته واكتسابه الآداب والعلوم والخبرة في الحياة زاد معدل الوعي الثقافي لديه، وأصبح عنصرًا بنّاءً في المجتمع.
وكان ابن خلدون قد تنبّه إلى مفهوم الثقافة قبل ظهور المصطلح اللاتيني فاستعمله للتعبير عن اختلاف "ثقافة البداوة" و"ثقافة الحضر". فالثقافة حسب ابن خلدون هي آداب الناس في أحوالهم في المعاش كالعمران والصنائع والفنون والدراية في مجالات الحياة اليومية. وتتشكّل آداب الناس بالتعليم والاكتساب وأعمال الفكر . 2
أمّا أوّل من استعمل مصطلح ثقافة ليقابل به لفظة culture في العصر الحديث فهو سلامة موسى . إذ يقول "كنت أوّل من أفشى لفظة الثقافة في الأدب العربي الحديث ولم أكن أنا الذي سكّها بنفسه فإني انتحلتها من ابن خلدون، إذ وجدته يستعملها في معنى شبيه بلفظة ( culture ) الشائعة في الأدب الأوروبي الثقافة هي المعارف والعلوم والآداب والفنون يتعلّمها الناس ويتثقّفون بها، وقد تحتويها الكتب ومع ذلك هي خاصة بالذهن" 3.
ويستخدم مصطلح الثقافة وفق المفهوم الحديث للإشارة إلى ثقافة المجتمعات الإنسانية، وهي كل ما يميّز مجموعة بشريّة عن مجموعة أخرى من "طرق حياة" ونوعيّة عيش. والثقافة تتمّ عبر تناقل وتعلّم الأفراد والمجموعات لها من جيل إلى آخر؛ ويقصد بذلك مجموعة من الأشياء المرتبطة بنخبة أي فئات "قادة رأي" ذلك المجتمع أو المتأصّلة بين أفراد ذلك المجتمع، ومن ذلك الموسيقى ، الفنون الشعبية ، التقاليد المحبّبة، بحيث تصبح قيما تتوارثها الأجيال ومثال ذلك الكرم عند العرب، الدّقّة عند الأوروبيّين ، أو رقصات أو مظاهر سلوكيّة أو مراسم تعبّديّة أو طرق في الزّواج 4.
ورغم صعوبة تحديد مفهوم الثقافة، اتّفق السوسيولوجيّون والأنثروبولوجيّون على مفهوم عام وآخر ضيّق إن صحّ التحديد انطلاقا من خصوصيّة الثقافة وتشعّب مفهومها. ويعرّف المفهوم الأوّل الثقافة بكونها استجابة الإنسان لإشباع حاجاته، من خلال نماذج معيشيّة أو نماذج للفكر والعمل ابتدعها الإنسان في سبيل البحث عن إشباع هذه الحاجات المعيشيّة، وهى نماذج مكتسبة يصل إليها الإنسان إمّا بالتّفكير والعقل كاستجابة للوسط الذي يعيش فيه، أو عن طريق النقل من المجتمعات الأخرى، كما تتميّز الثقافة بأنها اختراع أو اكتشاف إنساني ينتقل من جيل إلى جيل مع القابليّة للإضافة وللتّعديل والتّغيّر 5.
أمّا مفهوم الثقافة بمعناها الضّيّق فيقصد بها مجموع الأنشطة الفكريّة والفنيّة التي يمارسها الإنسان، وينحصر هذا المعنى في الآداب والفنون بشكل أساسي وكذلك بعض أشكال الإنتاج الفكري الأخرى.
دولة الثقافة و ثقافة الدولة
ومع ولادة المجتمعات الإنسانية الحديثة واحتلال الثقافة بمفهومها العام والضيّق على حد السواء مكانة هامة في هويّة الدولة الدينية أو القومية، حرصت مجمل الدول باختلاف مناهجها أو إيديولوجياتها السياسية أو أنماط الحكم فيها على بناء ثقافات خاصة بها تميّزها عن غيرها من الدّول، وسعت إلى تشكيل أو تعزيز هويّتها وخصوصيّتها الثقافية في التّميّز عن بقيّة الأمم والشعوب. ويظهر حرص الدول على تشكيل ثقافاتها الوطنية من خلال جملة البرامج والمشاريع واستراتيجيات التنمية الثقافية المعلنة أو غير المعلنة.
وتسعى الدول ضمن مقاربات مختلفة وطرق متشابهة أو متضاربة الوسائل والأساليب والغايات إلى "رعاية الثقافة" أو "التّحكّم" فيها ليصبح الحديث عن "ثقافة الدولة" بدلا من "دولة الثقافة". فبقدر ما تنفتّح الدولة نحو القطاع الخاص بقدر ما تنفتح آفاق الإبداع والخلق أمام المبدعين والمثقّفين. وبقدر ما تسيطر الدولة على فضاءات الثقافة والإبداع بقدر دعم الإبداع والخلق ضمن معايير "الثقافة الرسمية" الدولة.
وتتباين فلسفة الدول في تدخّلها في القطاع الثقافي حسب مقاربتين مختلفتين في الوسائل والطرق متقاربتين في الأهداف والنتائج. فالمقاربة الأنجلوساكسونية لتدخل الدولة في القطاع الثقافي تنحصر في توفير الدعم المادي لهيئات مستقلة مكلفة بتوزيعها على المؤسسات الناشطة في الحقل الثقافي، بينما تتولى وزارات الثقافة بمختلف هياكلها المركزية والجهوية والمحلية كما في المقاربة الفرنسية تحديدا إدارة تدخل الدولة بشكل مباشر عبر وضع البرامج وتنفيذ المشاريع الثقافية. وهناك مقاربة ثالثة تعتمد اللامركزية في إدارة الثقافة التي تتولاها الأقاليم على أن تحتفظ الإدارة المركزية كما هو الشأن بالنسبة لألمانيا ببعض المجالات مثل حقوق المؤلف ووضع السياسات الجبائية.
وتشكّل مسألة التمويل المالي للمشاريع والبرامج الثقافية أحد أهم عناصر تدخل الدولة في المجال الثقافي. وقد ارتبط تمويل الثقافة تاريخيا برعاية الآداب والفنون التي كان يقوم بها عادة الأمراء والحكام الذين كانوا في الغالب، يستخدمونه كأداة من أدوات تكريس السلطة السياسية. فثقافة الدولة العربية الاسلامية كما في عهد الدولة الاموية أو العباسية وفي عهد الدولة الأغلبية والفاطمية والحسينية كما هو الحال في تونس هي الأدب، نثراً وشعرا وانضاف إليه الفقه. فالنثر الفني عاش في دواوين الدولة وكان الكتّاب والشعراء ورجال العلم يعيشون من الدولة ويكتبون ويصنّفون لها كما يكتبون لأنفسهم، وكان الكتّاب بوجه عام أفضل حالاً من الشعراء.
إذ كان الشعر، الألصق بالسلطة، ومجمل شعراء تونس قبل انتصاب الحماية مكرَّسين للإرتزاق. ولا يعني ذلك بالضرورة انعدام عنصر الإبداع، بل يمتزج الإبداع بالارتزاق ويلتصق فن النّظم بالمال والشعر بالتقرب للأمير والحاكم في علاقة متعدّدة الأبعاد متداخلة العناصر، تربط الشاعر بالأمير وبرعيّة الأمير وحاشيته جوهرها الأدب وهدفها المال ودعم السلطة ومشاريعها ومذهبها. على أن شعراء الهجاء برغم أنهم يصنّفون دائما خارج هذا الاطار إلا أنهم يدورون في فلك السلطة ومصالحها في تضاربها مع مصالحهم ومصالح قبائلهم ومذاهبهم.
وكان الدعم الثقافي في صيغ دعم الكتّاب ورجال العلم موجّه في معظم الحالات إلى ما يمكن أن نصطلح عليهم "بالنخبة" المنتصبة بالحواضر والمدن وحول الجوامع والمدارس المزدهرة ما قبل الحماية. أمّا الغناء الشعبي والاحتفالات والأعياد وغيرها فتظل من منتجات المجموعات المختلفة من القبائل البربرية والعربية في تجانس باهر وتناغم متميز تميز وثراء الثقافة الوطنية.
وفرض تطوّر المجتمعات في القرن العشرين أسلوبا جديدا في تمويل الثقافة الذي أصبح "حقا من الحقوق العامة"، ولم يعد خاصا برعاية الحاكم للآداب والفنون، بل يشمل المجال الثقافي الواسع. وأيضا لم يعد يقتصر على فئة محدّدة، بل يضمّ مختلف أوجه النشاط الثقافي والفني. ويتمّ التمويل الثقافي بطريقتين: الأولى، تتبعها الدول ذات الاقتصاد الموجّه التي تجعل القضية الثقافية كلها في يد الدولة وتتولّى تمويل الثقافة وإدارتها تصل إلى درجة جعل الفنان المبدع موظفا في أجهزة الدولة. وعلى الرغم من أنها قد تستخدم الثقافة لهدف سياسي، وقد لا تنشر إلا ما يروق لها، ولكنها، من جهة أخرى، تفتح المجال أمام جماهيرها للاستفادة من الإنتاج الثقافي. أمّا الطريقة الثانية، فتتبعها الدول ذات الاقتصاد الحر، وتقوم بتمويل بعض النشاطات الثقافية كالمتاحف والمعارض والمسارح والمكتبات العامة. ويقوم القطاع الخاص بدعم النشاطات الثقافية وتمويلها ويعدّ عبر ذلك رافدا هاما لنشر الثقافة في المجتمعات الليبرالية. ويتيح هذا النوع من التمويل جانبا واسعا من الحرية يفسح المجال للمبدعين للتعبير عن طاقاتهم وقدراتهم الإبداعية. وبالرغم من هذه المزايا إلا أنه قد يضع الثقافة تحت وطأة الشركات الاقتصادية، لاسيّما وأن بعض الدول لا تعير الثقافة الجماهيرية اهتماما. 6
"تعليب الثقافة" والبحث عن الخصوصيّة
وتحت تأثير التيارات الليبرالية التي اجتاحت البلدان الغربية بداية من الثمانينيات وتقلّص الإمكانيّات المادية المخصّصة للثقافة، انحصر تدخّل الدولة في الحقل الثقافي وتعاظم دور القطاع الخاص الذي أصبح يلعب دورا محوريا في التنمية الثقافية وتمويل المشاريع والبرامج الفنية.
ومع أن تدخّل القطاع الخاص في الحقل الثقافي ليس بالجديد في أوروبا التي عرفت التّبنّي الثقافي منذ عصر النهضة إلاّ أن تنامي دوره وتعدّد أشكال الدعم المالي للمبدعين والفنانين جعل الكثير من النقاد يتفقون على أن الفن خضع لمنطق السوق مثل أي سلعة أخرى. فبتطور أشكال الدعم الفني وظهور شركات متعددة الجنسيات تهتم بالإنتاج الثقافي أصبحنا نتحدث لغة السوق داخل الحقل الثقافي ونستعمل مصطلحات من قبيل "صناعة الثقافة" و"تصدير المنتوج الثقافي" وحتى "تعليب الثقافة".
إننا اليوم أمام ثورة ثقافية كبرى تعتمد "صناعة الذوق" أو تنميط "الذوق العام" عبر "منتجات ثقافية" مصنّعة من طرف شركات عالمية كبرى وشبكات عالمية للتصنيع والنشر والتوزيع والترويج.
وعملت الشركات متعددة الجنسيات على رعاية الاداب والفنون عبر التبني والاستشهار. وعلى اعتبار أن هذا التدخل في المجال الثقافي غير مؤثر بالشكل الكبير، إلا أن دخول الشركات الكبرى مجال الانتاج الثقافي للعالم باسره، على غرار الشركات المنتجة للسينما والموسيقى أو مؤسسات النشر العالمية وغيرها قد غيّرت موقع الثقافة المحلية على الساحة الدولية.
ويظل الاقتصاد عبر المؤسسات الدولية للانتاج الثقافي وعبر طرق التبني والاستشهار يهيمن بشكل واضح وخفي على صناعة الثقافة في المجتمعات الغربية وعلى مجتمعات العالم النامي. وفي هذا الإطار يرى منظرو النقد الثقافي بأن الفنون قد خضعت لمنطق السوق شأنها شأن السلع الأخرى، ووقع تعليبها لتصل المستهلكين بمختلف اجناسهم ومذاهبهم ومشاربهم في جميع اصقاع العالم.
وهنا يطرح السؤال التالي: هل يمكن أن يقع الحفاظ على الخصوصية الثقافية في ظل هيمنة الثقافة المعلبة ؟
تراهن الإنسانية اليوم على تعزيز التنوع الثقافي والحوار بين الحضارات. وتسعى إلى تدعيم الانفتاح على الآخر والقبول به بعيدا عن الانغلاق التّام أو الصّدام. واعتمدت المجموعة الدولية الإعلان العالمي للتنوع الثقافي في الدورة 31 للمؤتمر العام لليونسكو. وأعادت المجموعة الدولية سنة 2001، التأكيد على قناعتها بأنّ التنوع الثقافي يشكّل أحد جذور التنمية، وأنّ أهميته بالنسبة إلى الجنس البشري شبيهة بأهمية التنوع البيولوجي بالنسبة للطبيعة. كما رفضت هذه مجموعة الدول رفضاً قاطعاً فكرة أنّ لا مناص من وقوع صدام بين الثقافات والحضارات. وتأكّد هذا الأمر باعتماد الإعلان من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2002، والتي أعلنت يوم 21 ماي "اليوم العالمي للتنوع الثقافي من أجل الحوار والتنمية".
فهل تسمح هذه الجهود الدولية بحماية الخصوصية الثقافية المحلية ويمكن التحدث عن امكانية المحافظة على التنوع الثقافي زمن التنميط ؟ للاجابة عن هذا السؤال قد تكون الشراكة بين القطاعين الخاص والعام لدعم الصناعات الثقافية المحلية في البلدان النامية هي السبيل الوحيد لبلوغ هذا الهدف. يضاف إلى ذلك ضرورة تطوير سياسات وخطط جديدة رامية إلى الحدّ من الخلل التجاري في مجال المنتجات الثقافية، ولا سيما بين الشمال والجنوب، ومقاومة القرصنة وضمان احترام حقوق المؤلف على الصعيد الدولي في الوقت ذاته.
ومع أن المجموعة الدولية واعية بأهمية التنوع الثقافي وبضرورة تعزيزه إلاّ أن تكريس "ثقافة الدول المهيمنة" واقع معاش. إذ أن التنميط الثقافي على الشكل الغربي واقع يومي في كل بلدان المعمورة. وتبقى جهود القطاع الخاص في هذا السياق ذات اهمية كبرى، إذ يسمح باثراء منتجات ما يمكن أن يطلق عليه "الثقافة الرسمية" ويدعم حضور الثقافة المحلية بالدول النامية.
الثقافة سند المشروع المجتمعي الحديث
تحتلّ الثقافة مكانة متميّزة في المشروع المجتمعي الحديث لتونس إذ تندرج في صلب فلسفة التغيير. ثقافة مرتكزة على قيم متأصلة وثوابت حضارية، في إطار نظرة استشرافية متأصّلة ومنفتحة على الآخر.
وهو ما عبّر عنه الرئيس زين العابدين بن علي بوضوح بمناسبة اليوم الوطني للثقافة في 27 أكتوبر 1989 حين قال: "إن الثقافة التي نريدها لشعبنا هي تلك التي بها يندرج في الحضارة ويحتلّ مكانة بين الأمم ويسهم بمقتضاها بقسطه في زاد الإنسانية وينحت من خلالها مستقبله".
وعملت تونس ضمن هذه المقاربة على توفير الآليات الكفيلة بمزيد دعم الثقافة وتعميق الوعي بقضاياها ايمانا بأن دفع النموّ وتطوير المجتمع انما يكتمل بشمول الثقافة لكل فئاته حتى تكون النقلة النوعية مؤسسة على اقتناع الفرد بمسؤولياته وادراكه لقدراته والاندفاع في نشاطه بما يجسّم التّغيير نحو الأرقى.
ومن هذا المنطلق تركزت جهود الدولة على تجذير الاصلاحات الهيكلية والتنظيمية لمختلف الأنشطة الثقافية وتنفيذ برامج ترمي الى تشجيع الخلق والابداع وتوفير المادة الثقافية لمختلف الفئات والاحاطة بالمبدعين والعناية بالتراث وحسن توظيفه وتطوير الصناعات الثقافية وتحفيز الخواص للاستثمار في الميدان الثقافي وترشيد مبادرتهم.
فالدولة التونسية لم تستثن الثقافة من مسيرة التنمية بل اعتبرتها جوهرها وهدفها الاسمى ضمن توجه ينبني على دعم الابداع والخلق ونشر الفنون لدى فئات المجتمع من جهة ودعم القطاع الخاص والمبدعين من جانب آخر. إذ أن السياسة الثقافية للدولة التونسية الحديثة تعتبر الإنسان جوهر كل شيء وهدفه فانبنت على مبدأ دعم الدولة للمشروع الثقافي بوجه عام من خلال تمويل البرامج وبعث المؤسسات الثقافية وأسست لتدخل الخواص والشركات الخاصة في الحقل الثقافي رغم إيمانها العميق بخصوصيته.
فالمقاربة التونسية في مجال الثقافة ليست بالليبرالية البحتة المنقطعة عن تطلعات وآمال الجمهور العريض وليست بالمهيمنة والمتحكمة في المثقف وفي الابداع والخلق ضمن "ثقافة رسمية" مدعمة. فميزة المشروع الثقافي للرئيس زين العابدين بن علي، دعم الابداع والمبدعين داخل الحقل الثقافي بالمؤسسات العمومية المختلفة وفي فضاءات الثقافة غير التابعة للدولة. فالذوق العام يصنعه المبدع مهما كان انتماءه ولونه السياسي وليست الدولة، إذ الدولة لاتستطيع التحكم فيه وليس هو كذلك من صنع المؤسسة الخاصة إذ لا تستطيع السيطرة عليه ضمن فضاءاتها وفلكها الربحي.
وضمن هذه المقاربة المجددة المنبثقة من جوهر الخصوصية التونسية عملت الدولة على اعتماد خطة جديدة "لتمويل الثقافة" بعد أن تبيّن أن المتطلبات والحاجيات متزايدة والمجهود العمومي غير قادر على تحمّل كافّة الأعباء.
ففتحت الباب أمام المبادرة الخاصة عن طريق الاشهار والتبنّي والشراكة.
ويرى المختصون أن تونس وعت رهانات العولمة فشجعت الخواص على دخول الحقل الثقافي لدعم تنافسية القطاع وتعزيز تموقعه في محيطه الاقليمي و على الساحة الدولية، لايمانها العميق بأن الثقافة هي رهان المستقبل وجوهر التنمية في السنوات القادمة. فالتحولات التكنولوجية المتسارعة التي أصبحت تحكم العصر تنبني أساسا على الثقافة والخصوصية الثقافية في مواجهة مباشرة مع تيارات التنميط والعولمة.
إن مستقبل الثقافة في هذا العصر رهين ارتباطها بالمسيرة التنموية وتفاعلها مع الدورة الاقتصادية، إنتاجا وتمويلا وتسويقا." 7هكذا قال الرئيس زين العابدين بن علي في خطابه بمناسبة اليوم الوطني للثقافة. فالثقافة لم تعد فعلا ثقافيا من أجل الثقافة فحسب بل أصبح دورها محوريا في التنمية الاقتصادية.
في ظلّ هذه التحولات التي يشهدها الواقع الثقافي العالمي تبدو المقاربة التونسية واضحة متجانسة مع محيطها الاقتصادي والاجتماعي.
فقد عملت من هذا المنطلق على التأسيس لثقافة قوية الجذور تدعم الهوية ومقومات الشخصية التونسية، قادرة على الإضافة والإسهام في المخزون الإنساني، وعلى الحضور الفاعل في محيط معولم تفاقمت فيه مخاطر الغزو الثقافي والتنميط. وشملت المقاربة التونسية دفع مبادرات الإبداع والتجديد وتعزيز أركان الثقافة الوطنية المبنية على القيم الانسانية النبيلة، قيم الإعتدال والتسامح والتضامن والتفتح والاجتهاد. فكانت دعوة قرطاج التاريخية لحوار الحضارات والأديان محورا أساسيا للمشهد الثقافي التونسي وتوجها ثابتا في علاقاته الثقافية مع بقية الشعوب والامم والحضارات.
********************************************
1- نقلا عن مالك بن نبي، مشكلة الثقافة، ترجمة عبد الصبور شاهين، دار الفكر، بيروت، دمشق، ط 4 ، 2000 ص 19
2- مخلوف بوكروح ؛ حنان الحاج علي ؛ مارينا برهم ؛ بسمة الحسيني، الدليل إلى الإدارة الثقافية، دار شرقيات للنشر والتوزيع، 2006، ص. 15
3- سلامة موسى: الثقافة والحضارة - مجلة الهلال
4-موسوعة وكيبيديا الحرّة
5- معجم العلوم الاجتماعية، الشعبة القومية لليونسكو والهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1975، و موسوعة علم الإنسان المفاهيم والمصطلحات الأنثربولوجية، ترجمة محمد الجوهري وآخرون، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 1998.
6- Pierre Antoine Pontoizeau, La Communication Culturelle , Armand Colin Editeur, Paris, 1992, p p 51-53
7- خطاب الرئيس زين العابدين بن علي بمناسبة اليوم الوطني للثقافة. قرطاج 2 جوان 2007.
طباعة >> | إغلاق
النافذة >>