الدولة والعولمة :
الإستراتيجيا التونسية من المبادرة إلى مراكمة المنجزات

  * عبد الوهاب عبد الله
وزير الشؤون الخارجية - تونس

شهدت الساحة الدولية خلال القرن العشرين تحولات هامة أدخلت تغييرات جذرية على المفاهيم التي سادت العلاقات الدولية لفترة طويلة بحيث أضحت العلاقات بين الدول أكثر ترابطا وتداخلا على مختلف الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وقد شملت هذه التطورات لا سيما خلال العقدين الأخيرين من القرن العشرين كافة مكونات المجتمع الدولي كما أسست لبداية مرحلة تاريخية جديدة في العلاقات بين الدول.

ولا شك أننا نستحضر جميعا التطورات المتلاحقة التي أفرزتها نهاية حقبة الحرب الباردة وما رافقها من بروز مفاهيم ونظريات جديدة حاولت استيعاب مميزات وخصائص عالمنا الراهن واستكشاف مظاهره واستشراف ملامح تطوراته.

وتعتبر ظاهرة العولمة أحد أبرز سمات عالمنا اليوم، بحيث أصبحت العلاقات والأوضاع والتطورات الدولية متشابكة ومؤثرة على بعضها البعض مما لم يترك مجالا للدول لأن تعيش في عزلة أو أن تنأى بنفسها عن التعاون والتنسيق في ما بينها في سبيل رفع التحديات المشتركة الماثلة أمامها.

وقد دخلت المجموعة الدولية هذه المرحلة الجديدة التي بدأت مع حلول القرن الحادي والعشرين، وهي تحاول استكمال بلورة نظام عالمي جديد أكثر عدلا يتيح للجميع التمتع بثمار العولمة والاستفادة من الثورة الهائلة التي حدثت على صعيد الاتصالات والتكنولوجيا الرقمية.

ولئن تمكنت بعض الدول من الانخراط الفاعل والمؤثر في العولمة، فإنها مثلت تحديا كبيرا لعدد كبير من الدول خاصة النامية منها على صعيد قدرتها على مجابهة تحديات التنمية وتوفير شروط ديمومة الدولة الناشئة وتعزيز مقومات وجودها.

ولازال هذا الوضع يتفاقم يوما بعد يوم مع نزوع الدول إلى إقامة تكتلات إقليمية اقتصادية وتعاظم دور المجتمع المدني والمنظمات والهيئات غير الدولية في العلاقات الدولية الأمر الذي يدعونا وبإلحاح إلى التطرق إلى طبيعة الدور الذي يمكن للدولة أن تلعبه في العلاقات الدولية في القرن الحادي والعشرين وما مدى إمكانية التوفيق بين مقتضيات السيادة الوطنية وضرورات التأقلم مع مختلف التأثيرات فوق الوطنية والاستجابة لمتطلباتها.

وأود أن أشير في هذا الصدد إلى أن العلاقات الدولية قامت على مبدأ احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها. ويعتبر هذا المبدأ أحد أهم الركائز القانونية التي أقرها ميثاق الأمم المتحدة إذ نصت الفقرة الأولى من المادة الثانية من الميثاق على أن هيئة الأمم المتحدة تقوم على مبدأ المساواة بين جميع أعضائها، مهما كان حجم الدولة أو درجة نموها أو قدراتها الاقتصادية أو العسكرية.

كما حظرت الفقرة الرابعة من المادة الثانية من الميثاق لجوء الدول إلى استخدام القوة أو التهديد باستعمالها ضد الحرمة الترابية أو الاستقلال السياسي لأية دولة أو على أي وجه آخر لا يتفق ومقاصد الأمم المتحدة.

وعلاوة على ذلك فإن الفقرة السابعة من المادة الثانية من نفس الميثاق، نصت هي الأخرى على أنه لايمكن للأمم المتحدة أن تتدخل في الشؤون التي هي من صميم اختصاص الدول، باستثناء تلك المسائل التي تتعلق بالمس بالأمن والسلم الدوليين والتي تحكمها مقتضيات الفصل السابع من الميثاق.

ومن الواضح إذن أن مبدأ سيادة الدول حسب ميثاق الأمم المتحدة هو مبدأ مقدس لا يمكن بأية حال من الأحوال خرقه إلا بما يتيحه الميثاق نفسه، ولاشك أن واضعي ميثاق الأمم المتحدة، أعطوا هذه الأهمية لهذا المبدأ لأنهم رأوا فيه ركيزة أساسية لتوازن العلاقات الدولية وتفادي التجاوزات التي قد تخلّ بقواعد الاحترام وتسبب التوتر والتنازع بين الدول.

بالرغم من أن المجموعة الدولية قد أقرت احترام مبدأ السيادة وتعاملت على هذا الأساس طيلة العقود الماضية ودونت هذا المبدأ في العديد من المواثيق، إلا أن مفهوم السيادة الذي عرف العديد من التجاذبات خلال فترة الحرب الباردة، أضحى على أهميته محل نقاش خلال السنوات الأخيرة حيث شهد العالم العديد من التحولات والأزمات ارتبطت باختلال موازين القوى بين الدول ومتطلبات الالتزام بقواعد القانون العام وترتيبات التكامل الإقليمي والدولي وتأثيرات العولمة.

ولئن لم يكن تأثير هذه القيود على سيادة الدولة في السابق واضحا ولافتا بالشكل الذي بلغه اليوم، فإن المتغيرات الدولية المتسارعة أدت إلى تفاقمه على نحو لا يمكن تجاهله.

وفي ظل الوضع الجديد للعلاقات الدولية، ظهرت تيارات وتوجهات فكرية تدعو إلى تقليص سيادة الدول وتحاول تقييد صلاحيات الدول في إدارة شؤونها الداخلية بطريقة لا تتعارض مع التزاماتها ومسؤولياتها الدولية، ولا تمس بحقوق ومسؤولية والتزامات المؤسسات الدولية.

ويعتبر أصحاب هذا التوجه الخطير أن الدولة لم تعد الطرف الوحيد المؤثر في العلاقات الدولية، وتنفرد بالمسؤولية الكاملة عن تأمين رفاهية مواطنيها وأمنهم بل من حق القوى الجديدة على الساحة الدولية أن تنافس الدولة وتشارك وتؤثر في رسم السياسة الدولية وفي صنع القرارات وصياغة الخيارات.

ولعل من العوامل التي أسهمت في ترجيح كفة هذا الاتجاه عدم وضوح الخط الفاصل بين ماهو شأن داخلي وما هو شأن دولي وضوحا قاطعا في القانون الدولي فضلا عن تآكل دور الدولة في العلاقات الدولية بسبب بروز قوى إقليمية ودولية أخرى منافسة على غرار المنظمات الدولية الحكومية بمختلف مجالات اختصاصاتها والشركات متعددة الجنسيات والمؤسسات التجارية والاقتصادية الإقليمية والعالمية وغيرها مما ساعد على ظهور شبكات وخرائط جديدة للتفاعلات والمصالح الدولية لا تتطابق بالضرورة مع خريطة التقسيم السياسي للعالم على أساس الدول القومية.

وقد ساهم التطور الهائل في وسائل وتكنولوجيات الاتصال ووسائل الإعلام في اختراق سيادة الدول حيث لم يعد باستطاعة أية دولة أن تحتكر الإعلام والحفاظ على مقومات هويتها وذلك بسبب الكم الهائل من الأخبار والمعلومات والأفكار والصور المتدفقة دون شروط أو قيود من خارج حدودها عبر الأقمار الصناعية والقنوات الفضائية وشبكات الإنترنت مما يدفع الدول إلى تكثيف مجهودها في ميدان الإنتاج الثقافي والإعلامي حتى يصل إلى مستوى يمكّنها من الحد من التأثير الخارجي. كما أضحت المنظمات غير الحكومية، تحت تأثير بعض الدول المصنعة ومختلف منظمات الأمم المتحدة وهيئاتها المتخصصة بدورها قوى تنافس الدولة حيث بدأت تلعب دورا ملحوظا في العلاقات الدولية وفي السياسة العالمية في ظل نظام عالمي تمثل قيم الديمقراطية وترشيد الحكم وحقوق الإنسان ركائز أساسية في خطابه الإيديولوجي والإعلامي.

فبعد أن بدأت الدول تولي أهمية أكبر للمسائل المتصلة بحقوق الفرد، أصبحت عديد الأطراف تخول لنفسها حق التدخل في شؤون الدول الداخلية تحت ذرائع النهوض بحقوق الإنسان وحماية البيئة وتحقيق السلام والتنمية ومراقبة الانتخابات ومكافحة الجريمة والإرهاب والمخدرات ومساعدة ضحايا الحرب والكوارث وحماية الأقليات. وعلى صعيد آخر، ما انفك دور المؤسسات المالية والاقتصادية والتجارية العالمية يتفاقم بشكل أوشك على تقويض سلطات بعض الدول النامية لما تمتلكه هذه المؤسسات من قدرات وإمكانيات تأثير هائلة مكنتها في أغلب الأحيان من فرض وجهات نظرها وقواعدها الخاصة في التنمية التي كثيرا ما تتعارض مع مصالح هذه الدول.

وفي هذا الإطار أود الإشارة إلى أن تعريف السيد كوفي عنان الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة لمفهوم السيادة الذي تقدم به إلى الجمعية العامة في دورتها 54 يعكس هذا التغيير المتنامي الذي طرأ على مفهوم سيادة الدول كما وضعه مؤسسو منظمة الأمم المتحدة حيث أكد "أن السيادة لم تعد خاصة بالدولة القومية التي تعتبر أساس العلاقات الدولية المعاصرة ولكن تتعلق بالأفراد أنفسهم وهي تعني الحريات الأساسية لكل فرد والمحفوظة من قبل ميثاق الأمم المتحدة".

ولا يسعني في هذا السياق إلا التذكير بما أولته تونس من أهمية كبرى للمسائل المتعلقة بالديمقراطية وحقوق الإنسان. فمنذ تحول السابع من نوفمبر وقبل سقوط جدار برلين وانعقاد مؤتمر فيينا حول حقوق الإنسان وانتشار المد الديمقراطي في العالم، بادرت تونس العهد الجديد إلى وضع مقاربة تهدف إلى تكريس مبادئ حقوق الإنسان وتوفير أسباب الديمقراطية والتعددية وتركيز أسس دولة القانون والمؤسسات.

ويرتكز توجه تونس في ميدان حقوق الإنسان على مقاربة شمولية أساسها النهوض بالإنسان وتأمين كافة حقوقه سواء كانت سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية أو ثقافية، انطلاقا من أنه ليس هناك قوالب جاهزة لهذه المفاهيم قابلة للتنفيذ دون اعتبار لخصوصيات الدول ومستوى نموها وتطلعاتها ومقتضيات محيطها الجغراسياسي. كما أنه لا بد من التأكيد على ضرورة احترام سيادة الدول في اختيار السياسة التي تراها الأنجع ووضع برامجها التنموية طبقا لأولوياتها وتعزيز مقومات الديمقراطية وحقوق الإنسان تماشيا مع تطلعات شعوبها وفق التدرج والنسق الذي يناسب خصوصياتها التاريخية والثقافية والاجتماعية.

إن التحولات الدولية المتسارعة تتسبب في إحداث اختلالات عميقة على موازين القوى في النظام الدولي بما يؤثر بشدة على سيادة الدول.

ومن أهم هذه التأثيرات يمكن الإشارة إلى:

ـ الضغوط المتزايدة لترجيح الكفة لصالح الشركات العابرة للقارات والمنظمات الدولية غير الحكومية أو المجتمع المدني وذلك على حساب الدولة والمنظمات الدولية والحكومية.

ـ إعادة تشكيل خريطة وموازين القوى في النظام الدولي لصالح القوى الاقتصادية والعلمية والتكنولوجية، وخاصة في مجال تكنولوجيات المعلومات، على حساب المفهوم التقليدي للقوة.

ـ إعادة ترتيب الاولويات على جدول أعمال النظام الدولي وتراجع الاهتمامات التقليدية، حيث تقدمت قضايا البيئة وحقوق الإنسان وأسلحة الدمار الشامل والإرهاب على الاهتمامات المتعلقة بالتنمية الشاملة والرقي الاجتماعي.

ـ السعي إلى تغيير الأسس والمبادئ التقليدية التي يقوم عليها النظام الدولي والوظائف التي تؤديها أو يتعين أن تؤديها أجهزة هذا النظام.

ـ تراجع فكرة السيادة المطلقة للدولة وانتفاء الحدود بين الشأن الخارجي، حيث أصبحنا نرى بعض القوى تتدخل في أمور كانت تعتبر في الماضي شأنا داخليا.

ويدعم الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة هذا التحول الذي طرأ على مفهوم السيادة في ظل النظام العالمي الجديد حيث بيّن في تقريره لسنة 1999 أن "مفهوم سيادة الدول يمر في جوهره وفي معناه العميق بعملية تحول كبرى لا تعود فقط إلى وقوعه تحت ضغط قوى العولمة والتعاون الدولي. فالدول ينظر إليها الآن باعتبارها أدوات في خدمة شعوبها وليس العكس"، مستخدما عبارة "سيادة الفرد أو الإنسان" ومطالبا بإيجاد تعريف أكثر رحابة لمفهوم المصلحة الوطنية" يتناسب مع متطلبات القرن الحادي والعشرين".

ويعزى تراجع مفهوم سيادة الدول إلى الضغط المتزايد للمجتمع الدولي. وفي هذا المجال اعتمدت قمة الألفية، التي التأمت في نيويورك في شهر سبتمبر 2005، وثيقة ختامية تكرس مبدأ مسؤولية المجتمع الدولي في حماية الأقليات داخل الدول. وتقتضي هذه المسؤولية تدخل المجتمع الدولي للحماية في حالة ابادة أو تطهير عرقي وإنقاذ الأقليات المضطهدة في حالة عدم تمكن الدولة من القيام بدورها في هذا المجال.

وفي هذا الصدد، تندرج مسألة التدخل الإنساني التي كثر النقاش بشأنها في السنوات الأخيرة وزاد عدد الدول التي تعمل على نشرها وتغليبها. وإن ما يفسر اللجوء المتزايد لمفهوم التدخل الإنساني هو أن أغلب الصراعات والنزاعات المسجلة اليوم تقع داخل حدود الدولة الواحدة. وهذه الأوضاع تطرح التوفيق بين حماية المدنيين واللاجئين في حالة الأزمات ومبدأ احترام سيادة الدولة.

وقد أكدت تونس في المحافل الدولية لاسيما في منظمة الأمم المتحدة على ضرورة التفكير الجدي في جميع مظاهر هذه المسألة والتدقيق في كل الآثار التي تترتب عنها. وإن بلادنا ترى أنه إذا كانت هناك أسباب إنسانية معينة تفرض تدخلا عاجلا لتفادي تدهور الأوضاع، فإن ذلك يجب أن يتم في إطار القانون الدولي وثوابت ومرتكزات العلاقات الدولية ومقتضيات ميثاق الأمم المتحدة.

ونحن نعتقد أن سيادة الدولة تمثل أحد الثوابت المركزية التي لا يمكن بأي حال تناسيها أو تجاهلها بتعلة تحقيق أغراض إنسانية.وإن المس بهذا المبدأ لأي سبب من الأسباب من شأنه أن يحدث اختلالات في التوازن الدولي ويهدد بانتشار الفوضى.

من المفاهيم المرتبطة بالتحولات الإقليمية والدولية مفهوم عبر القطرية (أو عبر الوطنية) الذي يطلق على ظواهر تتجاوز حدود الأقطار في حركة الأشخاص والبضائع والخدمات والأموال والمنتجات الثقافية عن طريق منظمات وشركات ومؤسسات وهيئات سياسية تمثل أطرا مجتمعية وجغرافية جديدة ترسّخ تلك العلاقات بحيث تُفرض تلك التشريعات والآليات على أنظمة وقوانين تلك الدول.

ولئن لعبت ترتيبات التكامل العالمي والإقليمي دورا في فرض قيود على سيادة الدول، فإن تخلي الدول عن جزء من سيادتها غالبا ما يتعلق بمسائل اقتصادية وتجارية ومالية هو نتيجة لاختيار هذه الدول الطوعي الانضمام إلى هذه التكتلات الإقليمية والدولية. ولا شك أن الإتحاد الأوروبي يعتبر النموذج الأكثر تداولا في هذا الشأن بما وصلت إليه دوله الأعضاء من تشابك في المصالح وما ظهر داخله من اندماج على مستوى المؤسسات السياسية والاقتصادية والقضائية وتشريعات تتجاوز السيادات الوطنية.

وتعتبر اتفاقية إنشاء الاتحاد الأوروبي نموذجا في ما يسمى بـ "فوق القطرية "(أو فوق الوطنية ) في ما يتعلق بتعاطي الشعوب الأوروبية مع آثار تلك الاتفاقية حيث يمكن للمواطنين الأوروبيين أن يتعاملوا مباشرة مع المؤسسات الأوروبية (المفوضية ومجلس الوزراء والبرلمان والمحكمة) باعتبار تلك المؤسسات آليات فوق قطرية لا تتجاوز حدود الأقطار الأوروبية فقط بل تتفوق أيضا على آلياتها الداخلية.

وتجدر الإشارة إلى أن هذا التراجع في أهمية ومفهوم السيادة لم يعد مقتصرا على بعض الدول دون غيرها بل أصبح يطالها جميعا، ولكن بنسب متفاوتة حسب ما لكل دولة من إمكانيات ووسائل تسمح لها بلعب دور مؤثر في النظام العالمي.

إننا نعتقد أن دور الدولة وتأثيرها في العلاقات الدولية – وإن تقلص وتراجع عمليا لفائدة قوى النظام العالمي الجديد – يبقى أساسيا في تكريس مبدأ السيادة وتفعيل الأسس والقواعد التي يرتكز عليها النظام الدولي طبقا لميثاق الأمم المتحدة وقراراتها، وكذلك في المساهمة مع بقية الدول في تحقيق الأمن الجماعي، لاسيما في ظل تفاقم مخاطر الإرهاب والجريمة المنظمة.

وليس تنامي مفهوم عبر القطرية بتوسع مجالات العولمة علامةً على قرب زوال الدول بقدر ما يعكس وعيا دوليا متزايدا بحتمية التعاون والتنسيق بين أعضاء المجتمع الدولي من أجل عالم أكثر عدلا وتضامنا.

فلا شك أن مقتضيات الشأن الدولي المعاصر دفعت مجددا بدور الدولة إلى الصدارة بصفته عنصرا أساسيا في العديد من القضايا ذات البعد متعدد الأطراف مثل مكافحة الإرهاب وحماية البيئة ومنع انتشار أسلحة الدمار الشامل بالإضافة إلى مكافحة الفقر وجسر الهوة الرقمية والوقاية من الأوبئة والأمراض السارية ومقاومة الآفات الزراعية وغيرها من القضايا التي تستوجب استراتيجية والتزاما وفاعلية وذلك بالتنسيق والتشاور والتعاون بين دول ذات سيادة لا يمكن بدونها نجاح أية خطة.

كذلك تظل الدولة كتنظيم سياسي وإداري وقضائي واجتماعي الصيغة الأنسب للحفاظ على هويات الشعوب ومصالحها وثروتها وإبراز خصوصياتها وتأمين سبل التنمية البشرية وتحقيق التكامل الاجتماعي وصون الهوية الوطنية وضمان وسائل الأمن والعدل.

فالدول تبقى عماد القانون الدولي الذي تنبني عليه المعاملات في عالمنا المعاصر حيث تنظم المعاهدات والاتفاقات الدولية وتعمل من أجل تطوير العلاقات الدولية في جميع مجالات النشاط البشري وتتولى في إطار تعاون محكم بين الأطراف الدولية المحافظة على الأمن والسلم في العالم.

وإن تنامي دور وإشعاع المنظمات الدولية غير الحكومية على المستوى الدولي ينم عن مدى نضج النسيج الجمعياتي صلب المجتمع المدني في العديد من الدول ومنها بلادنا التي تحتل في هذا المجال إحدى مراكز الطليعة على المستويين العربي والإفريقي.

وينصهر دور هذه المنظمات غير الحكومية في إطار المعاهدات والمنظمات الدولية ويسهم في دعم وإثراء أنشطة هذه المنظمات في مجالات اختصاصها. أما على الصعيد الداخلي، فإن قيام هذه الجمعيات بأنشطتها المختلفة حسبما يضبطه القانون يشكل رافدا هاما لمعاضدة مجهودات الدول التنموية.

أما في عدد من الحالات فتقوم بعض هذه المنظمات بدور سلبي للدعاية المغلوطة دون معرفة وإطلاع على واقع البلدان مما يؤثر على إصدار أحكام خاطئة عليها.

إنه بات من الضروري أن تتكيف الدول مع متطلبات المفاهيم السياسية الجديدة مثل الحكم الرشيد والشفافية وتكريس الديمقراطية، والمقاييس الدولية للتنمية البشرية وتطوير المجتمع المدني للانسجام مع روح العصر.

وقد حرصت تونس بقيادة الرئيس زين العابدين بن علي على الانخراط في مسيرة الإصلاح والتأهيل حيث عملت على تنقيح دستورها لتأمين المزيد من المشاركة في الحكم وتضمين حماية حقوق الإنسان فيه وشجعت تطوير النسيج الجمعياتي وعززت الأخذ بالوسائل الحديثة للاتصالات والمعلومات مكرسة تطوير أساليب الحكم.

وعلى الصعيد الدولي، ما فتئت تونس تنادي بضرورة التأسيس لعلاقات دولية أكثر تضامنا وعدلا قوامها المبادئ الأممية والمتمثلة خاصة في الالتزام بالشرعية الدولية واحترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية ودعم القضايا العادلة وتنمية علاقات التعاون والمنفعة المتبادلة والعمل على إيجاد مناخ من التعايش السلمي بين الدول.

* ألقيت هذه المداخلة ضمن الندوة 17 للتجمع الدستوري الديمقراطي : "الدولة في القرن الحادي والعشرين: أي دور؟ ".

 

طباعة >> | إغلاق النافذة >>


afkar@afkaronline.org