الترجمة
: أسئلة حول الحداثة والعولمة
من خلال تجربة في اتّحاد الكتّاب التونسيين

  * عثمان بن طالب
- أستاذ اللسانيات والترجمة بجامعة تونس المنار
هناك في فوضى الأفكار العربية المنتشرة في المنشورات ووسائل الإعلام، خلط بين الحداثة والعولمة، لا يخرج غالبا عن عمليات تسويغ فكر العولمة باسم الحداثة، أو رفض الحداثة تحت لافتة الغول العولمي.

من هذه الزاوية نظرت إلى مداخل التفكير الممكن في العلاقة بين "الترجمة" كموضوع للنقاش والعولمة التي تخرج اليوم عن دائرة قدرتنا على التفكير. لأن التفكير هو إنتاج للفكر، أو للفكر المضاد. ولا يبدو أنه لنا، كعرب، فكر يحمل هذه الهوية بالطاقة المعرفية التي تؤثر في سياق منظومة العولمة. مجمل خطاباتنا حول العولمة لا تتعدى التعبير عن موقفين متناقضين: موقف إيديولوجي معاد ورافض، وموقف براغماتي يتعامل مع ثنائية الفرص والتحديات. موقف قومي مقنّع يحتمي بالهوية الهلامية، وموقف قطري إقليمي واقعي ينشد طريق الخلاص بمنطق الطريق الثالثة والديمقراطية الوطنية، وهو الطريق الأسلم في ظل الأوضاع الراهنة.

في سياق هذا الجدل المتشعب، أعتبر أن اهتمامنا بالترجمة هو جزء من وعينا بمطلبات الحداثة كمعرفة شاملة لمجابهة العولمة مجابهة ثقافية معرفية منتجة. الثقافة هي التي تحفظ الهوية من مظاهر الاستلاب رغم الهزائم الإيديولوجية والاقتصادية والعسكرية. والترجمة، في نظري، هي باب من أبواب الاجتهاد في هذا العصر في معركة وجود حضاري تفرضها العولمة بثورة المعلومات وتقنيات الاتصال الحديثة. الاجتهاد الفكري الأول هو في التمييز بين الحداثة كشرط للنهضة والمساهمة في الحضارة الكونية، وبين العولمة باعتبارنا جزءا منها في واقع معقد ومتشابك يتحرك خارج إرادتنا بمنطق النفوذ والاختراق المنظم.

علينا أن نراجع مفاهيمنا. الموقف السلفي يرفض الحداثة ويمارس طقوس الجمود والعنف التاريخي تحت شعار حماية الذات من العولمة. والموقف التغريبي يقود إلى تدمير الهوية ويولد ردود فعل حمائية متطرفة تنادي بصراع الحضارات والحروب المقدسة. الثقافة العربية، وهذا هو المأزق، لم تساهم لا في التأسيس التكنولوجي ولا في التبشير الإيديولوجي للعولمة.

لذلك نجد هذه المواقف الدفاعية أو العدائية. أسوق مثالا على ذلك، ما كتبه حسن حنفي: "العولمة هي تعبير عن مركزية دفينة في الوعي الأمريكي تقوم على عنصرية عرقية، وعلى رغبة في الهيمنة والسيطرة، وبعد عمليات التحرر الوطني أراد الغرب أن يغرز أشكالا جديدة للهيمنة عن طريق خلق مفاهيم وزجها خارج حدوده مثل العولمة، نهاية التاريخ، صراع الحضارات، ثورة اتصال، العالم قرية واحدة، الكونية، وهذه المفاهيم المنتجة غربيا يراد منها سيطرة المركز على الأطراف".

هذا الكلام الغريب لمفكر عربي محترم يفتقد إلى العقلانية ويستند إلى نظرية المؤامرة. الغرب ينتج أفكاره وآليات نفوذه ومعارفه، ونحن في الغالب ننتج نظرية المؤامرة وعلينا أو نستهلك ما ينتجه. هذه سمات الهوية التقليدية التي لم تعد قادرة على مجابهة المتغيرات أو على تعديل صورتنا لدى الآخرين. الهوية العاقلة والعارفة بأسباب ضعفها هي الهوية النقدية القادرة على خلق شروط التعايش والتكافؤ والحوار مع الثقافات الأخرى.

من هذه الزاوية، سأقدم بعض الأفكار حول ترجمة الأدب العربي إلى اللغات الأجنبية، أولا من منطلق النظر في شروط الحوار الثقافي وواقع حركة الترجمة الأدبية والفكرية في الثقافة العربية، وثانيا من خلال تجربتنا في اتحاد الكتاب التونسيين في مجال الترجمة.

الإنسان بطبعه عدوّ لما يجهل

عندما منح نجيب محفوظ سنة 1988 جائزة نوبل لمجمل أعماله الروائية نشر أحد النقاد الألمان في اكبر صحيفة ألمانية انتشارا مقالا فيه كثير من الاستغراب يقول فيه "نزلت إلى المكتبات وسألت عن أعماله المترجمة إلى الألمانية، فلم أعثر إلا على ترجمة لرواية بوليسية عنوانها " اللص والكلاب"، وقيل لي أن ترجمة لرواية أخرى قد صدرت في برلين الشرقية، ولكنها غير متوفرة في المكتبات وما فاجأني أكثر من ذلك هو أن الصحافة لم تتفق حتى على شكل واحد لكتابة اسمه. فهناك من يسميه "مخفوتس"، بينما يدعوه آخرون "مهنوس" أو "مهفوس". وأنا أتساءل:" كيف تمنح جائزة نوبل لأديب لا يعرف الرأي العام اسمه الصحيح" 1 .

عندما نفكر مليا في دلالات وخلفيات رد الفعل هذا، ندرك على الأقل ثلاثة أشياء رئيسية:

أولا: أن الجانب الكمي من الأعمال الأدبية، أو الفكرية، التي ترجمت إلى اللغات الأجنبية هو أقل بكثير من الأعمال الأجنبية التي نقلت إلى العربية. فحركة الترجمة العربية لا تقوم بدورها في التعريف بإبداعاتنا وأفكارنا في فضاءات الثقافات الأخرى. وبالتالي، فإننا لا نملك القدرة الحقيقية على التأثير في مجرى تلقي ثقافتنا لدى الآخر وتعديل صورتنا في اتجاه إرساء علاقات حوار متكافئة مع الثقافات الأخرى. نحن نتلقى أكثر مما نعطي. ورغم أننا لا نتوفر حقيقة على معلومات دقيقة ومعيّنة من أدبنا وحضارتنا إلى اللغات الأجنبية، فإن الصورة واضحة.

وفهرس الترجمات الذي يصدر عن منظمة الأمم المتحدة، رغم أنه غير تام، يؤكد ذلك.

ثانيا: لقد أصبح من مصلحتنا أن نهتم بمسألة تلقي أدبنا في الخارج، لأن هذه العملية، في سياق العولمة واختلاف التوازن بين المركز الغربي وهوامشه الثقافية، قد تعني الآخر لأسباب جمالية أو فكرية تهم ثقافته، ولكنها تعنينا نحن بالدرجة الأولى."لا بد من التأكيد على أننا،نحن العرب، لنا مصلحة ثقافية كبيرة في أن يستقبل أدبنا في العالم الخارجي بصورة مناسبة كما ونوعا"(...) هذه المصلحة تتمثل في تعديل ميزاننا الثقافي الخارجي كي لا يكون خاسرا، إن لم نقل كي يكون رابحا" 2 .

لكل حضارة ولكل ثقافة ميزان ثقافي. ثقافة العولمة تلغي فكرة التوازن لصالح التنميط والهيمنة والاختراق. لذلك نقول أن غياب استراتيجية عربية للترجمة هو عنصر للعجز الثقافي العربي ولاختلاف التوازن بين صورتنا لدى الآخر وتأثير الآخر على واقعنا. الترجمة هي قطاع ثقافي مؤثر في عملية التوازن في العلاقات الثقافية.

ثالثا: الآخر، الذي نسعى جاهدين أن يعترف بنا ويتحاور معنا، لايمكن له أن يتلقى أدبنا وفكرنا في اللغة الأصلية، العربية، لأن هذه اللغة التي نعتز بها هي لغة محدودة الانتشار خارج الوطن العربي. والترجمة، في هذه الحالة، هي سبيل تلقي هذا الأدب لدى الآخرين، رغم أن علم الترجمة يقر بعدم وجود" التكافؤ المطلق في الترجمة الأدبية" ويقع تعويضه بمفهوم "التقارب "أو "التعادل النسبي" أو "الديناميكي".

التوسيط الترجمي هو إعادة إنتاج لرصيدنا الثقافي، أدبا وفكرا ليصبح مرجعية للحوار والاعتراف والأخذ والعطاء، أي هو سبيل للعالمية (أو الكونية ) التي تؤمن بالتنوع والاختلاف، وهي نقيض العولمة التي تتجه إلى الاستقطاب والفكر الواحد والنموذج الكلياني. حالة الترجمة تعكس في الواقع واقعا آخر ، يتمثل في عدم التوازن في مستوى تعليم الأدب والإقبال عليه. فمقابل كل طالب واحد يدرس الأدب العربي في أوروبا، هناك ما لا يقل عن خمسة آلاف طالب عربي يدرسون الآداب الغربية في جامعاتنا، نحن مع التعدد اللغوي والإطلاع على الثقافات الأخرى، وهو في الواقع إرث استعماري أردنا أن نستثمره، وكما قيل "زيادة الألسنة تزيد إنسانية الإنسان"، ولكن هذا التوجه يعمق سياسة العولمة التي تسير في اتجاه واحد، وحداثتنا المطلوبة تقتضي الانتباه إلى ضرورة تعديل صورتنا لدى الآخر وحضورنا في السياق وفي السباق كما يقال، من خلال ما ننتجه وما نبدعه ونساهم به في الحضارة الكونية.

إذا كانت الحداثة، بالنسبة إلينا في هذه المرحلة التاريخية، هي مطلب داخلي وتمش عقلاني ومنهج شامل للتنمية فإن العولمة هي واقع مفروض على واقعنا وإرادتنا من الخارج. من بين شروط هذه الحداثة، هو ابتكار هوية التفتح ضد الانغلاق والتعصب، وهوية الحوار ضد الأحادية والتنميط، وهوية المستقبل ضد الجمود والسلفية الماضوية.

نعتقد أن الترجمة، بمعنى إيصال المعرفة وانتقالها من الذات إلى الآخر، هي نشاط فكري يخدم هذا المنظور الحداثي لأنه إفصاح وبيان للذات وحوار وتفاعل مع الآخر، ولأنها أيضا وسيلة من وسائل تجديد الفكر اللغوي العربي وسند للإبداع والفكر، وهي وسيلة راقية ومبدعة للحوار بين الثقافات والحضارات وجدلية خصبة بين الوطن الخاص والوطن العام.

أيكون ابن خلدون قد تنبأ بالعولمة الثقافية من خلال نظريته الشهيرة حول الغالب والمغلوب" المغلوب مولع بالإقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده" 3 .

إن الإشارة إلى ابن خلدون تقودنا إلى تنزيل مسألة الترجمة في سياق مشكلة الولاء والانتماء، وهي صورة أخرى للتعبير عن الوطن الخاص والوطن العام. النص المترجم إلى لغة الآخر هو نص يتأسس على خلفية نوع من التعايش بين ثقافة الغالب والمغلوب، ولكن حركة الترجمة، كاستراتيجية ثقافية مدروسة كمّا ونوعا، هي فعل استشرافي للتعايش بين الثقافات خارج إيديولوجية العولمة التي ترتكز على فكرة المراكز.

بهذا المفهوم، تصبح الترجمة، كعنصر من عناصر سياسة المعرفة وثقافة الهوية " قادرة على التوفيق بين الاستعراب والاستعجام، وقادرة أيضا على تخطي المأزق الفلسفي المتمثل في التأصل والتنصل. وذلك أن المترجم قادر على مد الجسور بين الداخل والخارج وإيجاد الحوار بين الثقافات أخذا وعطاء" 4 .

كما أن الترجمة، هي أداة من أدوات تجديد اللغة العربية بإثراء مصطلحاتها، فالمترجم، على عكس اللساني أو المعجمي الذي يميل إلى المعيارية والمحافظة، هو "سلوكي المنهج وذرائعي الاتجاه، ولذلك فهو لا يتقيد بالقواعد إلا على قدر ما يخدم النص الذي هو بصدد إعداده شكلا ومضمونا" 5 . نقول هذا ردا على من يعتقد أن "التعجيم" هوتنصل للغة الأمّ أي للذات. نعتقد عكس ذلك تماما، إذ لا تكون الترجمة فنا وعلما وصياغة صادقة إلا إذا كانت تأصلا في اللغة الأصلية وإنتاجا مبدعا لمحمولاتها في لغات الكون، فهي تتأسس على الحوار الخصيب بين اللغات والأفكار والثقافات. أما إذا تركنا مسألة الترجمة في أيدي دور النشر الغربية أو للمترجمين الغربيين، فإن المضامين والمحمولات القيمية والجمالية للنصوص المترجمة ستكون حتما ضمن اختيارات الثقافة الاستشراقية من المستعربين، وهي ثقافة مروجة إما لرؤية إيديولوجية فوقية، وإما فهي محدودة الإطلاع على الأدب العربي الحديث وطاقة التجديد والإضافة التي يحملها للثقافة الكونية.

من المعروف أن المترجمين المستعربين يميلون إلى ترجمة النصوص التراثية التقليدية القديمة، كما أن عدم وجود العناوين العربية الحديثة في الأسواق الغربية بالسرعة الكافية والانتظام المطلوب لا يجعلهم يتابعون كما ينبغي ما يصدر في الثقافة العربية الحديثة. فالمسؤولية هي إذن مسؤوليتنا في مستوى اختيار ما يترجم وتوفيره للقارئ الأجنبي على أكبر نطاق ممكن بالرؤية الجمالية والمضمونية التي تخدم مصلحتنا الثقافية وتحد من نزعة تحنيطنا في صورة متحفية تراثية على هامش القيم الحديثة.

ومن ناحية أخرى، يجب التفطن إلى أن أغلب النصوص العربية المترجمة إلى اللغات الأجنبية ينتمي إلى القصة والرواية. ليس هناك اهتمام حقيقي بالنصوص الشعرية والمسرحية والمؤلفات الفكرية الحديثة.

هذا خلل آخر يكشف عن عدم إطلاع كاف على سوسيولوجية ثقافة القراءة في المجتمعات الغربية واقتصار مشاريع الترجمة على ما تطلبه دور النشر حسب مقاييسها التجارية أو اختياراتها الأدبية.

تجربة اتحاد الكتّاب التونسيين في مجال الترجمة :

في إطار الأفكار التي قدمنا حول الترجمة كاختيار ثقافي استراتيجي، أقدمنا في اتحاد الكتّاب التونسيين بمناسبة السنة الوطنية للكتاب (2003) على مغامرة الترجمة، بإصدار سلسلة "ضفاف" المخصصة لانطولوجيا الأدب التونسي الحديث المترجم إلى الفرنسية. ضمت هذه السلسلة:

- انطولوجيا الشعر التونسي في جزء ين (170شاعرا)

- انطولوجيا القصة التونسية (60 قصاصا)

- انطولوجيا الرواية التونسية (16روائيا)

- انطولوجيا النقد والفكر (60 ناقدا وباحثا)

- انطولوجيا المسرح التونسي (52 كاتبا مسرحيا)

أقدمنا على هذا المشروع الضخم خدمة للذاكرة الأدبية التونسية ترسيخا وتعريفا ورهانا على مبادئ الحوار والتلاقي مع الضفاف الشمالية. من المعروف أن معظم النصوص المترجمة إلى لغات أجنبية هي أعمال لكتّاب مشهورين مثل غسان كنفاني والطيب صالح ونجيب محفوظ ونزار قباني ومحمود درويش.

نكاد لا نعثر على نصوص تونسية مترجمة إلى اللغات الأجنبية في مستوى ما وقعت ترجمته في لبنان ومصر وفلسطين وبدرجة أقل في الجزائر والمغرب الأقصى. ولكن رهاننا واختيارنا لم يعتمد على معيار الشهرة، بل على معايير التنوع والتمثيلية للأجيال والأجناس والاتجاهات. "ويبدو أن حركة استقبال الأدب العربي الحديث في فرنسا متقدمة عن مثيلاتها في الأقطار الأوروبية الأخرى، فقد امتدت إلى كتاب معاصرين من أمثال صنع الله إبراهيم وجمال الغيطاني وادوارد الخرّاط وهاني الراهب وعبد السلام العجيلي"ولكن الأدب التونسي، باستثناء بعض الحالات النادرة، بقي على هامش هذه الحركة.

جاءت فكرة الانطولوجيا التي أنجزها اتحاد الكتّاب التونسيين لسد فراغ حقيقي واستجابة معرفية ومصلحة ثقافية للتعريف بثراء رصيدنا الأدبي المعاصر وتنوع اتجاهاته ومصادره.

وكمحاولة أولى لتقييم الفوائد والمردود المباشر لهذا المشروع من زاوية فتح فضاءات جديدة للأدب التونسي، نورد ما يلي:

•  هذا المشروع فتح باب الشراكة مع المركز الثقافي الفرنسي بتونس، الذي قدم دعما ماديا لعملية الترجمة في إطار المساعدة على النشر، وهذه الشراكة مكنت من توزيع الأنطولوجيات في فضاءات المطالعة في فرنسا من خلال اقتناء عدد هام من النسخ.

•  بمبادرة من رئاسة المجلس الأوروبي، نظمنا بالتعاون مع سفارات فرنسا وهولندا والبرتغال ومالطا ندوة دولية بتونس حول محور "التعايش بين عدة ثقافات" وكانت منشوراتنا المترجمة للفرنسية قاعدة مرجعية جعلت من الأدب التونسي محورا للتعارف والنقاش.

•  بفضل هذه الترجمات، دخل الأدب التونسي في شبكة الأنترنات وأصبح من الممكن الإطلاع على بانو راما هذا الأدب في الفضاء الخارجي.

•  أصبحت هذه الترجمة نموذجية بالنسبة لعديد الإتحادات والرابطات العربية مثل سوريا والجزائر ولبنان التي تبنت مشاريع للترجمة مماثلة في اتجاه التفكير في ترجمة انطولوجيا عربية بالتعاون مع اتحاد الكتّاب العرب واتحاد المترجمين العرب.

•  بفضل هذه الترجمات، تمكّن العديد من طلبتنا في أقسام اللغات وخاصة أقسام الفرنسية وأقسام الترجمة، من اعتماد المدونة التونسية في برامج التدريس والمطالعة ومشاريع البحث.

•  هذه الترجمات متوفرة الآن في عديد المكتبات في إفريقيا الفرنكوفونية وكندا وسويسرا وبلجيكيا. وبفضلها تمكنا من ربط علاقات تعاون وشراكة مع عديد الجمعيات في المجتمع المدني في هذه البلدان.

إن نجاحنا، والنجاح نسبي في كل الحالات، في هذا المشروع رغم محدودية إمكانيات الإتحاد، يرجع لثلاثة أسباب رئيسية:

أولا: للتعاون الذي توفر بين الإتحاد، كمنظمة ثقافية مستقلة، والدولة التونسية التي تدعم منظمات المجتمع المدني في إطار البعد الوطني للثقافة كقطاع استراتيجي وسند للتغيير والتحديث. لقد قدم لنا سيادة الرئيس زين العابدين بن علي كل الدعم والتشجيع للنجاح في هذه المغامرة في إطار إرادته السياسية التي تؤمن بالحوار بين الثقافات وقدرة العقل التونسي على ضمان مقومات الهوية في زمن العولمة بفضل التربية على قيم الحداثة.

ثانيا: الكفاءة العلمية للمترجمين الذين أنجزوا هذه الأعمال. فجودة الترجمة هي شرط أساسي لتحقيق التكافؤ الدّلالي والأسلوبي مع النصوص الأصلية. ولولا توفر هذا الشرط، لما تمكنا من الدخول في مشاريع شراكة مع الفضاء الأوروبي والمصالح الثقافية الفرنسية.

ثالثا: التجاوب الكبير الذي وجدناه لدى الكتّاب التونسيين ودرجة وعيهم بأهمية ترجمة أعمالهم. بفضل هذه الترجمة، تمكن العديد منهم من المشاركة في لقاءات في الخارج وربط علاقات مع نظرائهم من الكتاب في عديد الدول، بل ونشر نصوصهم في مجلات أجنبية والتعريف بها.

ولكن هذا الجهد الذي ينسجم مع التوجه الثقافي التونسي ويستجيب للأهداف الأساسية لوظيفة اتحاد الكتاب التونسيين، يبقى منقوصا إذا لم يندرج في استراتيجية وطنية للترجمة ، ولعل فكرة إحداث المؤسسة الوطنية للترجمة التي أعلن عنها سيادة الرئيس ستكون نقطة انطلاق حقيقية لتوضيح معالمها. ومساهمة منا في هذا التصور المستقبلي نؤكد على ضرورة:

•  إيجاد بنك للمعلومات حول الترجمة بكل أصنافها لرصد الاولويات والمراحل و الإمكانيات.

•  توضيح دور مؤسسة "بيت الحكمة" في هذا المجال.

3 ـ دعم مادة الترجمة في مراحل التعليم والبحث والتكوين والاهتمام بالمترجمين وبالمجالات المختصة في الترجمة.

•  تنظيم ندوة وطنية حول قضايا الترجمة في بلادنا، بالاشتراك بين ثلاثة أطراف رئيسية: مؤسسات التعليم العالي المعنية، مؤسسات المجتمع المدني مثل جمعية المترجمين التونسيين واتحاد الكتاب التونسيين واتحاد الناشرين، ومؤسسات وزارة الثقافة.

•  تفعيل الدور الثقافي للبعثات الديبلوماسية بإدراج مسألة الترجمة ضمن اهتماماتها.

خاتمة:

لقد ركزنا، في هذه المداخلة، على الترجمة من العربية إلى اللغات الأخرى، خلافا لما هو سائد في سياقات الحديث عن الترجمة وهو التعريب ونقل معارف الآخرين إلى ثقافتنا. إن ما قادنا إلى هذا الطرح هو بالأساس التحدي الصعب الذي تفرضه علينا العولمة. هناك في العالم صورة مشوهة، هي صورتنا وتاريخنا وقدرتنا على مواكبة العصر.

نعتقد أن الترجمة هي اليوم مطلب حضاري لتعديل ميزاننا الثقافي، وهو أهم بكثير من الميزان التجاري الذي تتحكم فيه الليبرالية الجديدة. وهي تقل أهمية عن الإعلام أو النشاط الديبلوماسي في مواجهة الدعاية الغربية المروجة لفكر العولمة. فالترجمة تتوجه إلى عمق ضمير الرأي العام الغربي، وهم المثقفون الذين ينتجون القيم والأفكار ويؤثّرون في الرأي العام والقرار السياسي، لأن ما نطالب به الغرب من شراكة وتضامن وتعاطف مع قضايانا، يمكن بكل سهولة أن تنسفه عقلية التطرف والإرهاب وصراع الحضارات، إذا لم يستند هذا الخطاب إلى قيم مشتركة يمكن أن تساهم حركة الترجمة من الداخل إلى الخارج في بلورتها وصهرها في القيم الكونية ورؤية التنوع والاختلاف.

ورسالتنا لا تقتصر في هذا الباب على مصلحتنا، بل هي مصلحة للآخر، لأن الترجمة الجيدة تثري الثقافات واللغات الأخرى وتزيد من إنسانية الإنسان. وكلما ازداد الإنسان إنسانية، اقترب من الآخرين وتعايش سلميا معهم. هذا الفرق بين العالمية والعولمة. وفي تاريخ العرب ما يشهد على أن حضارتهم حققت درجة عالية من الإنسانية والعالمية. إن هذا الزاد التاريخي هو مصدر قوة لمواجهة العولمة بروح الإضافة.

لقد أثرى الأدب العربي قديما الخيال العالمي وأعطى صورة مشرقة عن الثقافة العربية كما أنه لعب دورا تجديديا جماليا عميقا عندما استقبل بطريقة خلاقة ومنتجة من قبل الأدباء الغربيين. قصة حي بن يقضان، ألف ليلة وليلة، الموشحات، ليلى والمجنون، كليلة ودمنة إلخ.... هذا التراث كان تراثا منتجا ومبدعا ومجددا في زمانه وكان رافدا للعالمية، عالمية الأدب والفكر. هو نقيض لفكر العولمة وسلاح في الذاكرة يدعم الهوية ويمكن أن نذكر مثالي اليابان والصين من زاوية التوفيق بين متطلبات الهوية وثقافة العولمة.

وأريد أن أسوق في الخاتمة مثال الصين التي تمكنت من الخروج من العزلة الثقافية من خلال إحداث دار نشر باللغات الأجنبية تمكنت من خلالها من نشر إبداعاتها إلى مختلف لغات العالم. الدول العربية تنفق الكثير على أنشطة الإعلام الخارجي ولا توجد فيها أي دار نشر متخصصة في الترجمة.

لماذا الحديث عن الصين الآن. لأن أوضاعها مع العولمة شبيهة بأوضاعنا. أوروبا تتوحد ضد العولمة ، وما يترجم في دول صغيرة مثل بلجيكيا يفوق ما يترجم في كل الأقطار العربية. وما دام المغلوب يقتدي بالغالب، فإن مجال الاعتناء الجاد والمنظم بقطاع الترجمة أصبح يمثل اختيارا ثقافيا حيويا.

__________________

•  عبد عبود " سبيل الأدب إلى العالمية. نجيب محفوظ نموذجا" مجلة الأسبوع الأدبي. عدد 147. 1988

•  عبد عبود: "حول دور الترجمة في التعريف بالإبداعات الأدبية العربية" المجلة العربية للثقافة". عدد خاص "الثقافة بوصفها إبداعا" العدد 18- مارس 1990 ص 90.

•  ابن خلدون عبد الرحمن المقدمة. طبعة بيروت 1982 ص 255

•  حنفي عيسى"الترجمة في مضمار الحضارة" المجلة العربية للثقافة العدد 189 - مارس 1990 ص 83

•  المرجع نفسه ص84

•  عبد عبود: 1990 نفسه ص95.

 

طباعة >> | إغلاق النافذة >>


afkar@afkaronline.org