رجوع للدولة أم تجديد لمفهومها ومهامها ؟ *
الأزهر بوعوني
- وزير التعليم العالي – تونس
إن التساؤل حول الرجوع للدولة أم التجديد لمفهومها ومهامها لم يأت جزافا بل هو يتترب في سياق عام عرفه المجتمع الدولي منذ بداية الثمانينات من القرن الماضي يتميز بتسارع نسق التغيرات وتعدد المجالات التي شملتها وعمق تأثيراتها.
ودون الإسهاب في استعراض مختلف التعريفات المتعلقة بمفهوم الدولة في فكر المؤرخين والحقوقيين والفلاسفة أمثال ابن خلدون و Jean Bodin و Carré de Malberg ، يمكن اعتبار الدولة تنظيما قانونيا وسياسيا للمجموعة الوطنية، يتخذ شكل ذات معنوية للقانون العام فوق إقليم يمارس السلطة والسيادة داخليا وخارجيا كما يختص بممارسة الإكراه المادي الشرعي حسب مقولة Max Weber . وانطلاقا من هذه المعطيات يطرح السؤال هل أن هناك فعلا ضرورة لإعادة التفكير، في هذا السياق، في دور الدولة وتجديد مفهومها وكذلك مهامها وما هي الأسباب الداعية إلى ذلك أم أن هناك تعددا للمقاربات حول هذه المسألة يستند أساسا إلى اختلاف الرؤى والمصالح؟
الواقع أن اختيار هذا الموضوع الحساس يعد تعبيرا عن انشغال بضرورة البحث عن الطرق الممكن توخيها للاستجابة لتساؤلات السياسيين والمفكرين والجامعيين المتعلقة بانعكاسات ما يجدّ في العالم منذ قرابة ربع قرن من أحداث تنعكس بداهة على مصير مؤسسة الدولة وطبيعة الأدوار الموكولة إليها ومدى تفاعلها مع المستجدات وهو ما سيقع التطرق إليه لاحقا من خلال استعراض طبيعة المقاربة التونسية في هذا الميدان. بيد أنه ينبغي التوقف في البداية عند أسباب أزمة الدولة وآثارها على مفهومها ودورها.
أسباب أزمة الدولة وآثارها على مفهومها:
ليس غريبا أن يتزامن هذا التساؤل مع أهم المستجدات التي عرفها العالم خلال العشريتين الأخيرتين وخاصة مع انهيار الدولة الاشتراكية في بلدان شرق أوروبا وكذلك مع قيام العولمة وما أفرزته من انفتاح للاقتصاد وتحرير الأسعار وخوصصة القطاع العام وتخلي الدولة عن التدخل المباشر فيه وخفض النفقات في القطاع العام وتمجيد للتحرراللامحدود للاقتصاد سواء تعلق الأمر بالمبادلات التجارية أو تنامي قوى السوق أو تنقل الاستثمارات ورؤوس الأموال أوتفعيل عوامل الإنتاج وما صحبه من تغيير عميق على مختلف الأصعدة اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا وثقافيا بنسق مذهل.
ولقد صاحبت هذه التغييرات عدة ظواهر هامة. تكمن الأولى في قيام التكتلات الاقتصادية الناتجة عن تجمعات إقليمية مع إحداث مناطق للتجارة الحرة في العديد من مناطق العالم، شماله وجنوبه. وتتمثل الثانية في بروز الدور المتنامي للتعاون اللامركزي بين جهات وبلديات تنتمي إلى دول مختلفة كبديل للتعارف بين الدول والدعوة إلى تفعيل هذا التوجه اللامركزي خاصة من قبل الدول المصنّعة في علاقاتها مع الدول الصاعدة والدول النامية وما يتبع ذلك من إعادة توزيع للأدوار وتقاسم للنفوذ بين الدولة والجهات والبلديات. أما الثالثة فتتعلق ببروز الثورة المعلوماتية الكامنة في تطور التقنيات الإعلامية والاتصالية وهو ما يعد تجسيما عمليا لما بلغته الإنسانية من تقدم علمي وتكنولوجي مذهل يفتح آفاقا رحبة للتطور المعرفي في أرقى تجلياته وما لهذه الثورة الرقمية من تأثير بالغ في انسياب المعلومة في الشبكات الافتراضية التي لم تعد تعبأ بالحدود الوطنية. وقد أدخلت هذه الثورة العالم في بوتقة جديدة يتمازج التقدم العلمي والتكنولوجي فيها بالاقتصاد الجديد واقتصاد الشبكات وبالديمقراطية وحسن التدبير واحترام حقوق الإنسان. كما يؤسس لقيم كونية مشاعة لا تقف عند الدول بل تتعداها بحجة تنمية المجتمعات ومكوناتها القاعدية من جمعيات ومنظمات وأحزاب ونقابات وجماعات محلية تحت ما يعرف بمكونات المجتمع المدني.
إن هذا التطور أبرز تآكل الدور التقليدي التي تضطلع به الدول خاصة على المستوى الدولي نظرا لبروز أطراف فاعلة أخرى كالمنظمات الحكومية وغير الحكومية وكذلك الشركات متعددة الجنسيات أو العبر وطنية Transnationale التي ساهمت في ظهور شبكات تفرز تفاعلات جديدة لا تتطابق مع تنظيم العالم سياسيا على أساس الدول الوطنية. وقد دفع هذا الوضع بالبعض إلى التنظير لتقليص السيادة خاصة عندما يتعلق الأمر بالدول النامية.
إن هذه المستجدات العميقة والمتنوعة ألقت بظلالها على الدولة الوطنية وعلى دورها السيادي فأثرت فيها إذ أفرزت العولمة وتداعياتها تحديات كبيرة لم تعرف الدولة مثيلا لها من قبل. وإذا كان بعض المفكرين يعد من أنصار الدولة منذ القدم كما هو الشأن بالنسبة لـ Montesquieu و Jean Jacques Rousseau فإن صنفا آخر منهم يعد من المناهضين لها مثل Alain و Proudhon وقد تعالت الدعوات في بعض الأوساط ولدى بعض الساسة والمفكرين إلى الحد من دور الدولة moins d'Etat أو العدول عن دور الدولة pas d'Etat لاستبداله بأقل ما يمكن من تدخل الدولة peu d'Etat وهي صيغة جديدة لأفكار Thomas Hobbes حول الدولة الدنيا l'Etat minimum .
لكل هذه الأسباب سعى بعض المحللين والمحافظين الجدد إلى تعظيم هذه التطورات والتبشير بقيام عهد الهياكل البنيوية التي بسطت سلطانها وافتكت مقاليد النفوذ والسلطة من أيدي الدول والتنظير مثل Fukuyama لتقلص السيادة في سعي بينّ إلى تغييب الدولة والحد من سلطاتها والتأسيس لمنعرج فكري جديد يقطع مع ما هو مألوف ويشكك في ما هو قائم ويعمم حيث لا يصح التعميم مستندا خاصة إلى ظاهرة الانهيار والتفكك التي عرفتها بعض الدول خاصة منها دول شرق أوروبا والدول الإفريقية خلال العشرية الأخيرة.
إن هذه الرؤية تطغى عليها المغالاة وتجانب الصواب لعد ّ ة أسباب. من ذلك أن التطورات اللاحقة لأحداث 11 سبتمبر 2001 في أمريكا أظهرت التمسك بمركزية دور الدولة وأهمية وظيفتها الحمائية والدفاعية وقت الأزمات. كما أظهر الجدل الذي تزامن مع الحديث عن مشروع الدستور الأوروبي والاستفتاء بشأنه في الفضاء الدولي الأكثر اندماجا في العالم أن الدعوات الهادفة إلى الرجوع إلى الدولة وعدم تجاوزها تبقى قوية وحاضرة في الوعي الجماعي.
وعلاوة على كل ذلك فإن المقاربات تختلف والرؤى تتباين من بلد إلى آخر ومن تجربة إلى أخرى باعتبار أن أدوار الدولة ليست وحيدة ولا هي بالموحدة وأن هناك لا محالة أنماطا مختلفة من أدوار الدولة في المجتمعات المصنعة وما بعد المصنعة، الصاعدة أو النامية أو الأقل تقدما حسب الحال مما يعسر معه تنميط الأدوار.
ومن الواضح أن تسارع نسق المتغيرات حتّم على الدولة أيا كان مستوى تطورها ودرجة تنميتها إعادة النظر في دورها قصد التجاوب قدر الإمكان مع هذه المتغيرات والاقتراب من الشكل المثالي للدولة الناجعة وهو ما يستدعي بالضرورة إعادة النظر في ما هو قائم والسعي الحثيث للتأقلم معه وهو ما يعطي موضوعنا بعد تنظيرنا وعمليا واقعيا في آ ن.
وإذا كان البعض يتحدث عن أزمة مؤسسة الدولة فإن هذا الحكم في حاجة إلى كثير من التنسيب. فالدولة مؤسسة متجذرة في التاريخ والأزمة ليست سرمدية ولا هي بالكونية بل هي تعني بصفة رئيسية فئة معينة من الدول التي لم تفلح في توفير التنمية بمختلف مجالاتها ومقومات الكرامة لشعوبها فاستفحل فيها الفقر والعنف وعدم الاستقرار ولم توفق في التفاعل مع المواطنين ومع مكونات المجتمع المدني. كما لم تستطع الاضطلاع بمهامها الأساسية من أمن وصحة وتعليم وعدل وبنية أساسية وتوزيع عادل لثمار التنمية بين مكونات المجتمع ومشاركة سياسية وعجزت أحيانا حتى عن تحقيق التعايش بين مكوناتها مثل ما هو الشأن في بعض الدول الإفريقية ودول شرق آسيا وأمريكا اللاتينية.
إن الاحتقان المولد للأزمة يعني بالدرجة الأولى عديد دول الجنوب التي لم تتوصل إلى التعامل الإيجابي مع الحداثة وبقيت تستند إلى أشكال بدائية من العصبية للسيطرة على المجتمع وما تولد عن ذلك من قطيعة بين الدولة ومن ردود فعل تطرح التدخل الخارجي كحلّ بديل لتفكيك السيادة وإضعاف الدولة. وعلى هذا الأساس يتم اختراع الدولة من خلال أشكال جديدة للهيمنة بالضغط السياسي والاقتصادي بناء على اعتماد منطق المشروطية La logique de la conditionnalité كمرخصّ على الانفتاح السياسي أو باللجوء إلى القوة من أطراف خارجية، ثنائية أو متعددة الأطراف مثل ما يدعو إليه المحافظون الجدد الذين يسعون إلى تجنيد طاقاتهم وجر العديد من الدول وراءهم قصد تنميط الحياة السياسية متذرعين بنشر الديمقراطية وحقوق الإنسان والحكم الرشيد. وفي سياق مُواز تجد عديد الدول النامية نفسها مهددة كمؤسسات بحق التدخل أو واجب التدخل كما يعتبره البعض، خاصة في الدول التي عرفت انهيارا لمؤسساتها نتيجة استفحال العنف فيها وتعدد حالات الإغاثة الإنسانية في عدة مناطق من العالم.
وإذا كانت الأزمة أكثر حدة في دول الجنوب فإنها بادية كذلك ولو بنسب مختلفة وبأقل حدة في دول الشمال ولو اختلفت الأسباب. فأزمة الميزانية التي طالت عديد الدول المصنعة وما تبعها من عجز الدولة المانحة Welfare State في القيام بالأدوار المعهود بها إليها بصفة رئيسية أظهرت محدودية عمل في توفير الخدمات والمرافق والتنمية المستديمة في المجالين الاقتصادي والاجتماعي. ويشكل عجز الميزانية في أغلب الدول المصنعة واستمراره بل وتفاقمه أهم الأسباب التي قادت إلى ظهور هذه المحدودية. وقد ساعد تعدد الأزمات المالية منذ 1987 على تدهور الأوضاع وتراجع دور الدولة تبعا لتراجع نسبة النمو والكساد التضخمي وما خلفه من صعوبات اقتصادية وأزمات اجتماعية. فقد أظهرت هذه الأزمات ان الأطراف المؤثرة في السوق المالية الدولية لم تعد الدول بالأساس وهو ما خلّف تحوّلات جذرية غيرت مجرى الأحداث في عدة مناطق من العالم.
ومع ذلك أظهر تطور الأحداث أن حركة المجتمع المدني على المستوى الدولي L'altermondialisme تـــبدي معارضتها للتنمـــيط الموحد كمــــا تدل عــلى ذلك اجتـــماعـــات Porto Allègre, Goteborg, Genova التي تصدت لفرض مفاهيم كونية يصعب تطبيقها على كل الدول. وهكذا يبدو أن العوامل التي تؤثر في نجاعة الدولة تختلف كثيرا من دولة إلى أخرى حسب درجة النمو التي هي عليها.
إن حجم كل دولة وتركيبتها وشكلها ونظامها السياسي وكذلك ثقافتها السائدة تجعل منها مثالا فريدا من نوعه. ويدفع هذا التنوع إلى التعرف على الأسباب الكامنة وراء نجاح بعض الدول أكثر من غيرها في تحقيق تنميتها المستديمة وقدرتها على التأقلم مع المتغيرات. ونظرا لوجود عديد أوجه الاختلاف بين الدول ولتباين الظروف المحيطة بنشأتها فإنه يعسر وضع أنموذج عالمي للدولة الناجعة.
ومن هذا المنطلق تفرض المقاربات الوطنية نفسها لتجاوز البون القائم بين كثرة الأدوار والمطالب الموجهة للدولة وقدرتها على الاهتمام بها والاستجابة إليها والتفاعل معها. وفي هذا السياق يترتّب استعراض أهم خصائص المقاربة التونسية لدور الدولة وتطوير مهامها.
خصائص المقاربة التونسية:
انتهجت تونس منذ التحول المجيد الذي احتفلنا مؤخرا بالذكرى الثامنة عشرة لانطلاقه مقاربة فريدة تستند إلى خيارات استراتيجية وقعت بلورتها بصفة شاملة ومتكاملة لإصلاح الدولة ومراجعة أدوارها وتفعيل العلاقة بينها وبين المجتمع بمختلف مكوناته بتوخي تمشٍّ تدريجي يعتمد المصالحة بينهما منهاجا والنجاعة غاية والتنمية الشاملة هدفا والمشاركة أسلوبا.
فقد استطاع قائدنا الرئيس زين العابدين بن علي بفضل قدرته الفائقة على الاستشراف ومنهاج الإصلاح الشامل والتدريجي الذي توخاه أن يحقق هدفين أساسيين:
أولهما هو الانخراط الواعي في العولمة الذي يوفق بين تطوير مفهوم الدولة مع مراعاة التفتح من ناحية وانتهاج مقاربة خاصة تراعي مميزات بلادنا ودرجة نموها وتنوع حاجياتها. وقد أشار سيادته في هذا الصدد في خطابه بمناسبة افتتاح أشغال الندوة الدولية الثامنة للتجمع الدستوري الديمقراطي حول "عولمة الاقتصاد وبلدان المتوسط" بأن "العولمة لا تعني الذوبان، كما أن الخصوصية لا تعني الانعزال والانغلاق". إن هذه الصيغة تختزل ما تصبو إليه تونس من تحقيق لمقاربة متوازنة تسعى إلى حمايتها داخليا وخارجيا في زمن تعددت فيه مظاهر الإخلال العميق في التوازن الاستراتيجي الدولي وتعقدت فيه العلاقات الدولية بصفة جلية وتغيرت فيه بنية النظام الدولي.
أما الهدف الثاني فيمكن في وضع أسس مقاربة وطنية للتنمية تجدد في دور الدولة من خلال إصلاح أجهزتها وتنويع وظائفها ومراجعة أسس علاقاتها مع مكونات المجتمع المدني بما يحقق تكامل الأدوار.
إن هذه المقاربة التونسية نابعة من الوعي بعدم ملاءمة الهياكل التقليدية للدولة لمواجهة العدد المتزايد للتغييرات ونسقها المرتفع الذي يطرح ضرورة أخذ الارتباطات المتبادلة بعين الاعتبار نظرا لتباين المصالح وتكامل الأدوار وهو يقتضي مراجعة مفهوم الدولة الذي كان سائدا حتى نهاية السبعينات. إن عهد الدولة المفرطة في المركزية التي لا تقدر على التجديد المتواصل ولا تتجاوب بالسرعة الكافية مع المستجدات فتكتفي ببسط وصايتها على المجتمع ولا تتفاعل معه ولا تصغي بالقدر الكافي لتطلعات مواطنيها قد ولىّ وانتهى.
وهذا يعني أن وهن الدولة أو دعم مكانتها رهين الخروج من هذه البوتقة. والدولة الناجعة مدعوة إلى تنويع صيغ المشاركة في بلورة الخيارات الوطنية الكبرى واعتماد الاستشارة أسلوبا ودفع سياسة اللامركزية التي تعتمدها واستباق التحولات الجارية والقادمة بإجراء الإصلاحات الجذرية الملائمة لطبيعة المجتمع ودرجة نموه للاستعداد للاستفادة من المنافسة الدولية الحادة التي أصبحت ميزة أساسية من ميزات العصر. وقد أدركت تونس منذ بداية التحول ضرورة التفاعل البنّاء مع هذه المعطيات.
وقد تجلى ذلك في تعدد الإصلاحات السياسية والمؤسساتية في بلادنا والتي شملت خاصة إرساء دولة القانون وتكريس الديمقراطية التعددية بما يكفل المشاركة السياسية بالنسبة لكل التونسيين وتجسيم حقوق الإنسان خطابا وممارسة في صيغتها المبنية على التكامل وعدم المفاضلة بين الحقوق المدنية والسياسية من جهة والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية من جهة ثانية. كما وقع تطوير الآليات والتشريعات والإجراءات المتعلقة بهذه الجوانب بما يضفي عليها طابع المصداقية.وتم تطوير الإصلاحات المتعلقة بهذه المجالات بصفة تدريجية وهو ما ساهم في تطوير المكاسب الوطنية وتجنب الانتكاسات واستعادة الدولة لروح المبادرة تجاوبا مع تطلعات المجتمع واستباقا لهذه التطلعات أحيانا في عدة مجالات.
وقد أرسى التحول أسس ثقافة جديدة تقوم على الإصلاح الشامل الذي طال المؤسسات الدستورية وآليات الرقابة على عمل مختلف أجهزة الدولة من إدارة ومؤسسات دستورية حرصا على تحقيق التناغم والتكامل بين الدولة والمجتمع والتجديد المتواصل بما يكفل التجاوب الضروري بين مؤسسات الدولة ومكونات المجتمع. ولا ضير أن تتم هذه الإصلاحات وتنشأ هذه الديمقراطية وتنمو في رحم دولة قوية ليبرالية تقوم على احترام القانون والاحتكام إليه وتفعيل دور مؤسسات دستورية تستند في عملها إلى تمثيل شعبي حقيقي. فالدولة القوية صمّام أمان لتحقيق المناعة والمحافظة على التوازنات العامة في المجتمع من خلال ممارستها لوظيفتها التعديلية Fonction régulatrice وتنفيذ استراتيجيات التنمية. والتاريخ حافل بالمخاطر التي يقود إليها قيام دولة ضعيفة. وعلى صلة بذلك قامت بالتأسيس لنوع جديد من العلاقة بينها وبين المجتمع المدني. وقبل الخوض في نوعية هذه العلاقة وطبيعة الأسس التي تحكمها يتعين علينا التوقف لبيان مفهوم المجتمع المدني الذي لم يدخل الخطاب السياسي ولم يقع الاهتمام به والتنظير لدوره في بلادنا إلا بعد التحول.
نشأ المفهوم في خضم الصراع السياسي والاجتماعي الذي شهده المجتمع الأوروبي منذ القرن السابع عشر وتباينت الآراء بشأنه خاصة بين Marx و Hegel وأتباعه فاكتسب المفهوم لدى المدرسة الماركسية والقرامشية معنى ماديا ليتحول في العمل اليومي إلى سلاح سياسي لمقاومة الدولة الشمولية السلطوية مبتعدا بذلك عن المفهوم المعرفي الصرف لدى المدرسة الهيغلية. ويعتبر المفكر الألماني المعاصر Jurgen Habermas أن وظائف المجتمع المدني لدى Gramsci تعني الرأي العام غير الرسمي "أي الذي لا يخضع لسلطة الدولة". وبصرف النظر عن تباين الآراء حول المجتمع المدني فإن هناك شبه إجماع بين المفكرين الذين تميزوا بكتاباتهم حول المفهوم في ما يخص النظر إليه بالمقارنة مع دور الدولة. فالبعض يعتبره مقابلا لمفهوم الدولة بينما هناك من يعتقد أنه ملازم لهذا المفهوم. ومهما تباينت الآراء بهذا الشأن فإنه لا يمكن أن نتجاهل دور الدولة سواء في تقدم المجتمع المدني أو في تدهوره حتى إن جارينا Adam Smith في اعتباره ذا صبغة اقتصادية بحتة بحصر المجتمع المدني في المجتمع التجاري.
إن تغير معنى المجتمع المدني من مدرسة إلى أخرى وتطوره من مرحلة إلى أخرى مرتبط بصفة وثيقة بالظرف التاريخي الذي طبع تفكير كل من اهتم به. وهو يتنزّل في إطار معطيات سياسية واقتصادية واجتماعية معينة (النظرة المثالية أو الطوباوية لدى Hegel ومقاومة الدولة البرجوازية في الفكر الماركسي ومقاومة الدولة الشمولية الفاشية والنازية في فكر قرامشي). ويتمثل المجتمع المدني في جملة من المؤسسات (جمعيات، منظمات، نقابات، أحزاب...) التي تنشط في مجالات مختلفة وتمتاز باستقلالها عن إشراف الدولة المباشر. فهو يختص بالتنظيم التلقائي والتطوع من أجل خدمة أهداف محددة اجتماعية كانت أم علمية أم ثقافية من خلال مبادرات جماعية عبر شبكة من التنظيمات تربطها علاقات أفقية وليست عمودية كالعلاقة بين السلطة والمواطن.
لذلك عمد البعض أحيانا إلى استنتاج ضرورة التنافس بين الدولة ومكونات المجتمع المدني على تمثيل المجتمع في ظرف تنامى فيه دور هذه المؤسسات. وقد حدا ذلك بأحد رؤساء الدول المشاركين في منتدى Davos سنة 2001 إلى التحذير من مثل هذا الانحراف والتذكير بأن الدولة هي الممثلة للمجتمع باعتبار المشروعية الشعبية التي تحظى بها وليست منظمات المجتمع المدني أو المنظمات غير الحكومية.
وتتميز المقاربة التونسية لعلاقة الدولة بالمجتمع المدني بخصوصيتها. فهي تقوم على اعتبار الدولة والمجتمع المدني مفهومين متكاملين متلازمين وأنهما ليسا مفهومين متقابلين متعارضين. ذلك أن الاستقلالية لا تنفي تكامل الوظائف رغم اخلاف الأدوار ولا تمنع الشراكة بين مكونات المجتمع المدني ومؤسسات الدولة ولا تحول دون قيام التفاعل الإيجابي بينهما. وفي هذا السياق تندرج الإصلاحات التشريعية والترتيبية التي حدثت منذ التحول الهادفة إلى تيسير إحداث الجمعيات والمنظمات بإلغاء نظام التأشيرة واستبداله بنظام التصريح مما ساعد على الارتفاع الكبير لعدد الجمعيات الذي أصبح يفوق 8000 جمعية تنشط في عدة حقول.
ويعتبر الرئيس زين العابدين بن علي أن "الجمعيات هي الإطار الملائم لمساهمة المواطنين في الحياة العامة، إذ تسمح لهم بتطوير حسهم المدني وتفعيل رغبتهم في التطوع لخدمة المجموعة الوطنية" وأنها" شريك أساسي في نحت مجتمع حر مسؤول وهي تمكن منخرطيها من المساهمة الفاعلة في نشر قيم المشاركة والتعاون والتضامن والدفاع عن المثل الوطنية العليا". ويقف إقرار اليوم الوطني للجمعيات منذ سنة 1993 الذي ترعاه الدولة في أعلى مستوياتها بإكرام الجمعيات المتميزة في خدمة أهدافها شاهدا على العناية الفائقة التي توليها الدولة للنسيج الجمعياتي.
وقد انتهجت الدولة في بلادنا منهج الإنصات للمنظمات المهنية والجمعيات والأحزاب ومختلف مكونات المجتمع المدني وعممت خيار اللجوء إلى الاستشارات الوطنية القطاعية قبل القيام بالإصلاحات الكبرى التي أقدمت عليها وعممتها على مختلف الميادين. وهكذا عملت مع المتغيرات المتسارعة النسق باعتماد الدراسات الإستشرافية والإستراتيجية فعممتها ووسعت مجالات المشاركة فيها للقوى الحية في البلاد ونبذت الإقصاء والتهميش. كما طورت أساليب اليقظة العلمية والاقتصادية والتكنولوجية.
وهكذا تسعى الدولة إلى تحقيق النجاعة بتجنيد الطاقات الكامنة في المجتمع والمحافظة على اللحمة الوطنية من خلال دعم أوجه المشاركة الديمقراطية وتعبئتها قصد تحقيق التآزر والتعاضد Synergie لتجسيم مشروع مجتمع طلائعي وتحديثي يؤسس لبناء دولة قادرة على رفع التحديات وكسب رهانات المستقبل في عالم يقوم على الذكاء والمعرفة والمنافسة المعممة. وقد تفاعل المواطنون مع هذا التوجه فأصبحت مساهماتهم نشيطة أكثر، تسعى إلى التجديد وتتجاوب أكثر مع توجهات الدولة وسياساتها العامة والقطاعية وهو ما ساهم في إدخال بلادنا طورا جديدا من تنميتها الشاملة.
وصفوة القول إنه بوسعنا بالنظر إلى خصوصية مقاربتنا الوطنية في مجال مراجعة مفهوم الدولة ودورها أن نتبنى شعار" كثير من الدولة وكثير من المجتمع المدني معا" لتجسيم الشراكة الضرورية بين الجمعيات والمنظمات والأحزاب من ناحية والدولة من ناحية أخرى وتحقيق التفاعل الضروري لإنجاح استراتيجية التنمية الشاملة. واعتقادنا أنه من الخطإ الانسياق وراء مقولة مقاومة الدولة باسم المجتمع المدني لأن ذلك يهدف إلى إضعاف الدولة وهو ما يهدد بدوره المجتمع المدني ويترك للقوى المناهضة لقيمه بحكم إيديولوجيتها مجالا رحبا لممارسة دور غير إيجابي.
وعلى مستوى آخر طورت الدولة وظائفها ونوعتها وأثرتها. فعلاوة على قيامها بالوظائف السيادية التقليدي fonction régaliennes كحفظ الأمن والدفاع والتربية والتعليم والصحة والعدل وتسيير المرافق العامة الأخرى، تأقلمت مع مقتضيات إفرازات العولمة وعالجتها بأساليب مستحدثة.
ففي المجال الاقتصادي عملت الدولة على التأقلم مع المستجدات العالمية لمواجهة المنافسة الحادة. فلم يعد دورها متمثلا في المراقبة من خلال التصرف في الإنتاج وتسيير الاقتصاد بصفة مباشرة بل تطور ليتمثل في القيام بوظيفة مختلفة تكمن في الرقابة بواسطة التعديل Contrôle par la régulation إلى جانب التحفير فيما يخص مجالات النشاط التي ترغب في تشجيعها بينما احتفظت لنفسها بممارسة سلطتها عند الإخلال بالتوازنات وحدوث الانحرافات خاصة تلك المتعلقة بضمان توفر مقتضيات المنافسة. كما تطور دور الدولة في المجال الاقتصادي باتخاذ الإجراءات الكفيلة بالرفع من القدرة التنافسية للاقتصاد من خلال جملة من البرامج منها التأهيل الشامل للمؤسسات الصناعية والتشجيع على التصدير والاستثمار والتحكم في حلقة الإنتاج وانتهاج سياسة اليقظة المتواصلة في ما يتعلق بكل أوجه تجسيم جاذبية الاقتصاد L'attractivité de l'économie .
وعلى صلة بذلك يتنزّل سعي الدولة الرامي إلى تشجيع الطاقات الإبداعية وتحسين نوعية السلع والخدمات.كما يتترل حرصها على المتابعة الآلية من خلال تقييم النتائج الحاصلة والسعي إلى إدخال ما يجب من تصحيحات على النتائج عند الإ قتضاء قصد تحقيق النجاعة.
إن استعراض هذه الجوانب يقف شاهدا على قدرة دولتنا على تجديد مهامها في ظرف دولي متغير تقلص فيه هامش المناورة التقليدية بالتوازن مع تواصل السعي لإصلاح أجهزة الدولة نحو مزيد من النجاعة لمواجهة العولمة وضغوطات التحرر من التعديل Contraintes de la dérégulation المتولدة عنها.
كما أن مسؤولية الدولة ودورها المحوري تبقى رئيسية في مجالات مجاورة كدفع التنمية المستديمة والتعهد والتنسيق بالنسبة لتجسيم السياسة البيئية وتطوير التكنولوجيا. إن أدوار الدولة تتمحص s'affinent لكنها تبقى حاضرة إذ هي تتخذ أشكالا أكثر نجاعة وتقتضي قدرة متواصلة على التجديد.
ونستنتج من هذه المقاربة الجديدة التي اعتمدتها دولتنا في مجال السياسة الاقتصادية والتنموية أنه ليس هناك إضعاف للدولة وتقليص لمهامها بقدر ما هناك حرص على التجاوب مع وضعيات جديدة أملتها المستجدات الطارئة نتيجة لارتفاع نسق التغييرات والتحولات العالمية الكبرى وأوجبت تجديد الطرق والمناهج والتخلي عن المقاربة التقليدية التي لم تعد تفي بالحاجة.
وفي المجال الاجتماعي تطور دور الدولة خاصة بالتجاوب مع إفرازات العولمة السلبية بانتهاج سياسة مجددة واستنباط أدوار جديدة تهدف إلى حماية الفئات الاجتماعية الضعيفة المستهدفة واعتماد مقاربة تقوم على الإحاطة المستمرة بكل مكونات المجتمع تجنبا لمظاهر الإقصاء والتهميش مع المحافظة على ضرورة الانفتاح والانخراط الفاعل في الإقتصاد المعولم بحيث يصبح هذا الانخراط فرصة سانحة ينبغي الاستفادة منها بالتهيؤ إلى ما توفره من إمكانيات وما تفتحه من مجالات واعدة. فلم تجار تونس النصائح القاضية باستعمال الوصفات الجاهزة المفروضة التي تسعى أطراف دولية إلى تمريرها في إطار ما يعرف بالإصلاح الهيكلي للاقتصاد خاصة منها تجميد الأجور وتخفيض النفقات في قطاع الخدمات الاجتماعية التي أجهزت على العديد من الدول وولدت اليأس والكساد وقوضت برامج التنمية الوطنية كما ولدت أحيانا العصيان وتدهور الاستقرار السياسي في عدة مناطق من العالم تبعا لعجز الدولة وتقاعسها عن القيام بدورها الاجتماعي.
بل إن الدولة التونسية أقرت مقاربة خصوصية نأت بنفسها فيها عن الانسياق وراء هذا التيار فامتازت الإصلاحات الاقتصادية والمالية والجبائية الكبرى التي قامت بها بتزامنها مع مواصلة الاهتمام بالمحافظة على محتوى محترم من النفقات في قطاع الخدمات الاجتماعية بكل جوانبها. كما تزامنت مع تكريس سياسة الحوار الاجتماعي بجوانبها التعاقدية من خلال المفاوضات الاجتماعية الدورية والمنتظمة الهادفة إلى التقاسم العادل لثمار التنمية في تجربة فريدة من نوعها. وهكذا تضطلع الدولة بدور جديد يهدف إلى تنشيط الوظيفة التضامنية الكفيلة بتحقيق الحماية الاجتماعية وجعل المجتمع قوة إسناد فعلية تقوم على ترسيخ الوعي بالمواطنة واحترام مؤسسات الدولة والمساهمة في تكوين مواطنين واعين بأهمية الرهانات المطروحة وحريصين على المحافظة على الوحدة الوطنية.
كما تجلت السياسة الاجتماعية في إذكاء الدولة للمد التضامني الذي يستهدف العناية بمناطق الظلّ والقضاء على جيوب الفقر من خلال دعوة المواطنين والمؤسسات الاقتصادية إلى المساهمة الطوعية في التمويل الدوري للصندوق الوطني للتضامن 26-26 المخصص لهذا الغرض. وقد ساعد ذلك على تعزيز البنية الأساسية وتوفير المرافق ومقومات العيش الكريم لمتساكني مناطق بأكملها داخل الجمهورية وانتشالهم من الخصاصة وإدخالهم في حركية التنمية. وقد توفقت الدولية في القيام بهذا الدور الجديد والتفاف المواطنين حول هذا التوجه الرائد وهو ما جعل الفقر يتراجع بصفة ملحوظة. وقد أصبحت هذه التجربة غير المسبوقة مثالا يحتذى به على المستوى الدولي وهو ما حدا بتونس إلى الدعوة إلى إحداث صندوق عالمي للتضامن في إطار منظمة الأمم المتحدة التي اعتمدت المقترح التونسي رسميا بناء على قرار من الجمعية العامة.
* ألقيت هذه المداخلة ضمن الندوة 17 للتجمع الدستوري الديمقراطي : "الدولة في القرن الحادي والعشرين: أي دور؟ ".
طباعة >> | إغلاق
النافذة >>