قمة تونس 2005 لمجتمع المعلومات :
آفاق جديدة لكسب رهان المعرفة
الدكتور عبد السلام دمّق
(جامعـي، حقوقي- تونس)
اتجهت أنظار المجموعة الدولية أيام 16 ، 17 و 18 نوفمبر 2005 ، إلى قمة تونس حول مجتمع المعلومات والمعارف، هذه القمة تطرقت لعديد المواضيع الهامة، والحساسة في نفس الوقت. وقد أشرنا في عددنا السابق (على أعمدة نفس هذه المجلة الإلكترونية) إلى أن عديد الإشكالات - والتي طرحت للنقاش في جنيف سنة 2003 - بقيت بدون حل في المرحلة الأولى للقمة، حتى أن بعض الفقهاء من الغرب، وكذلك من العرب أكدوا على أن المشاكل المستعصية - والتي لم تجد حلولا في قمة جنيف - تُرِكَتْ لقمة تونس. كما بيّنا أن القضايا الشائكة والخلافية، تم ترحيلها من الدورة الأولى للقمة، وتأجيل البت فيها إلى المرحلة الثانية، كإدارة الانترنت، ومسؤولية الدول المتقدمة تجاه النامية فيما يتعلق بالفجوة الرقمية، وآليات تمويل مشروعات التنمية المعلوماتية بالعالم النامي، وقضايا الحفاظ على الخصوصية، والهوية الثقافية، وأمن المعلومات، والتخفيف من قيود نقل التكنولوجيا، والتبعية للغرب بانتهاج سبل ومناهج جديدة كالمصادر المفتوحة. وذكرنا أن في تأجيل إيجاد الحلول لمجمل هاته المسائل إلى قمة تونس 2005 ، ثقة المجتمع الدولي في تونس لإيجاد تصورات لعديد المسائل المطروحة في مجال الاتصال والمعلوماتية.
لذلك توافد نحو ثلاثون ( 30 ) ألف شخص إلى تونس لإيجاد حلول لهاته المسائل الشائكة. فماذا حققت هذه القمة للمجموعة الدولية ؟ ما هي تأثيراتها، قريبة المدى كانت، أو بعيدة المدى ؟ هل طرحت دروبا جديدة ؟ هل أحرزت نتائج ملموسة ؟ بمعنى آخر هل يحق لنا أن نتحدث عن نجاح قمة تونس ؟
مشاركة متميزة
لقد أجمع المشاركون في قمة تونس، وكل من تابع فعاليات هذا الحدث العالمي، على نجاح قمة تونس على أكثر من صعيد: على الصعيد العددي، والتمثيلي، والتنظيمي، والتضميني أو الإشراك، واللوجستيكي، ونوعية المشاركين، والتظاهرات الموازية...
وقد أكد المحللون السياسيون، وخبراء الاقتصاد، والعارفون بمجال الاتصال والمعلوماتية، ورجال الإعلام، على توفق تونس في تنظيم هذه القمة التي توجه إليها عدد فاق كل التقديرات، وعلى قدرتها على تسيير مثل هاته التظاهرات العالمية، وهو ما قرأناه، وتابعناه على شبكات الأنترنات، منذ انتهاء أشغال القمـة فـي 18 نوفمبر 2005 .
فقد شارك في هذه القمة 50 من قادة الدول ورؤساء الحكومات، كما توجه إلى قمة تونس 197 وزير مقابل 83 فقط في قمة جنيف لسنة 2 0 03 ، و 5857 من ممثلي الحكومات يمثلون 174 دولة مقابل 4590 في المرحلة الأولى لسنة 2003 ، و 1508 مشارك يمثلون 92 منظمة حكومية مقابل 1192 في قمة جنيف، و 6241 من ممثلي المجتمع المدني يمثلون 606 منظمة غير حكومية ومكونات المجتمع المدني، مقابل 3310 مشارك يمثلون 81 بالنسبة لقمة جنيف لسنة 2003 ، و 4816 مشارك يمثلون 226 مكون من القطاع الخاص مقابل 514 يمثلون 98 مكون بالنسبة للمرحلة الأولى لقمة المعلومات، أي سبع مرات أكثر من قمة جنيف لسنة 2003 ، و 1222 إعلامي يمثلون الصحافة المرئية (التلفاز) والمسموعة (الراديو)، والمكتوبة، وكذلك الاتصالية، مقابل 970 في قمة جنيف لسنة 2003 ، فضلا على المعرض الذي أقيم على هامش القمة، والذي سجل مشاركة 328 عارض يمثلون 64 دولة من بينهم 35 شركة متعددة الجنسيات، (تجمع كبرى الشركات العالمية في مجال الاتصال والمعلوماتية...)، واشتمل على 100 ورشة للتعاون والشراكة بين مختلف المؤسسات الاقتصادية، إلى جانب 309 تظاهرة موازية، على غرار الموائد المستديرة، والمنتديات، فتحولت تونس بذلك إلى مقر لمنتديات عالمية حقيقية.
هذا النجاح على مستوى التنظيم، أكدته تونس رسميا، وكذلك المنتظم الأممي على لسان السيد "كوفي عنان"، والاتحاد الدولي للاتصالات على لسان رئيسه كذلك، ورئيس الكنفدرالية السويسرية، وممثل وفد نيكاراغوا باسم أمريكا اللاتينية، وممثل وفد لاتفيا باسم شرق أوروبا، وممثل وفد كندا باسم البلدان الغربية، ووفد المملكة العربية السعودية باسم المجموعة العربية، وممثل وفد غانا باسم المجموعة الإفريقية، وممثل وفد باكستان باسم المجموعة الآسيوية، وممثلو الوفود العربية. كما أشاد ممثلو الصحافة الأجنبية والعربية المكلفون بتغطية فعاليات المرحلة الثانية من القمة العالمية لمجتمع المعلومات تونس 2005 بحسن تنظيم تونس للقمة، وبالتسهيلات الكبيرة التي وفرتها تونس لهم للقيام بعملهم في أحسن الظروف، من حسن وفادة وترحاب، وتوفير لوازم العمل، وتأمين حرية إجراء الاتصالات مع مختلف مصادر الخبر.
وفي الحقيقة، فإن نجاح تونس في المرحلة الثانية للقمة العالمية لمجتمع المعلومات كان متوقعا، رغم الظرف العالمي الصعب، " ظرف عالمي يعلم الجميع دقته عندما يفكر أي بلد في تنظيم مثل هذه التظاهرات مهما كانت إمكانياته ودرجة تقدمه " (من خطاب الرئيس بن علي في 10 ديسمبر 2005 ، بمناسبة احتفال تونس بالذكرى 57 للإعلان العالمي لحقوق الإنسان). إلا أن تونس أكدت مرة أخرى حسن تعاملها مع الظروف، ففاقت نتائج قمة تونس 2005 ما كان متوقعا، واستجابت خاصة لتطلعات الدول المشاركة.
رؤية مستقبلية
هاته الدول التي شاركت بحماس في هذه القمة، كانت تمني النفس بأن توجد قمة تونس حلولا لعدة مسائل، لكن كانت منبهرة خاصة - وهو ما جاء على لسان رؤساء وفودها - برؤية تونس المستقبلية لموضوع هام، موضوع سوف يتحكم في مستقبل البشرية. كما انبهرت هذه الدول في جرأة تونس في تناول مواضيع حساسة، كإدارة الأنترنات، وسد الفجوة الرقمية، والنفاذ إلى المعلومة...
إن نجاح قمة تونس متأتّ من الرؤية المستقبلية للتوجهات التونسية لموضوع حديث، وهام، هو الثورة المعلوماتية والاتصالية، وبتصور مستقبلي لمجتمع عالمي معرفي جامع، لم يكن من السهل تصوره قبل سنوات قليلة. وهو ما زَكَّتْهُ النقطة 38 من وثيقة "التزام تونس".
لقد توفقت تونس في استشراف المستقبل في هذا المجال، من خلال دعوتها لانعقاد قمة عالمية حول الثورة المعلوماتية والاتصال، فآمنت منذ نهاية العقد الماضي، تحديدا منذ سنة 1998 ، بأن بيئة السياسات الخاصة بالعصر الرقمي سوف يكون لها تأثير على مستقبل البشرية، فنادت بضرورة انعقاد قمة عالمية لمجتمع المعلومات والمعارف للتعريف الكامل للقضايا ذات الصلة بالاستراتيجيات الإلكترونية، والوصول العالمي، والإدارة العالمية، وتيسير سبل التجارة، وحماية الخصوصية، وحرية المعلومات، وحقوق الملكية الفكرية، وأمن الشبكات، وكلها مسائل لها أهميتها الحيوية لجميع الأمم على الصعيد السياسي، والاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي.
الفجوة الرقمية
ولقد توفقت قمة تونس في وضع اتفاق عالمي حول مسائل، حساسة، شائكة، وأساسية، فنجحت في الخروج ببرنامج عمل مستقبلي لتحقيق أهداف التنمية المعلوماتية، وتقليص الفجوة الرقمية، وإرساء مجتمع عالمي للمعرفة، يقوم بحق على الإشراك. هذه القمة ستبقى حدثا تاريخيا ومحطة هامة بالنسبة إلى الإنسانية على طريق سد الفجوة الرقمية وبناء مجتمع دولي للمعلومات متضامن يستجيب لأهداف الألفية الثالثة للتنمية التي أقرتها منظمة الأمم المتحدة، إذ أنها شددت على تمكين غالبية الأشخاص في العالم من المشاركة الكاملة في مجتمع المعلومات الناشئ، ومن جني ثمار الثورة الرقمية. فالوصول إلى خدمات المعلومات وأسواقها في الوقت المناسب من شأنه أن يخلق فرصا حقيقية للقضاء على الفقر وخلق الثروات.
إن تونس آمنت بأن المعلومات والمعارف من شأنها المساعدة كذلك على خلق مجال متكافئ ليتحرك الجميع داخله، وهي ترى أن تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، تعد السبيل الأساسي لتحقيق التنمية المستدامة بيئيا بالإضافة إلى الحد الفقر. وهو ما جاء في النقطة السادسة من وثيقة "التزام تونس" : "هذه القمة هي مرحلة هامة لانطلاق جهود العالم لاستئصال الفقر وتحقيق الأهداف والغايات الإنمائية المتفق عليها دوليا بما في ذلك الأهداف الإنمائية للألفية".
كما أن من شأن تطبيق تكنولوجيا المعلومات والاتصال، والإعلام، إدماج البلدان النامية في اقتصاد اليوم، الذي يترابط عن طريق شبكات ومجتمع معلومات يقوم على المعرفة، وعلى سرعة تلقي المعلومة، وعلى المنافسة الحرة.
إن مجتمعا معلوماتيا عادلا وشفافا، يوفر أداة ناجعة لتجاوز الهوة التنموية بين البلدان الغنية والفقيرة، ويُمَكِّنُ من دحر الفقر، والجوع، والمرض، والأمية، والتدهور البيئي، وعدم المساواة بين الجنسين، وهو ما آمنت به تونس، وطبقته في سياستها التنموية بقيادة الرئيس بن علي.
إن تساع الهوة الرقمية من شأنه أن يزيد في الفوارق بين البلدان الغنية والبلدان الفقيرة، لذلك شددت تونس في القمة العالمية لمجتمع المعلومات لسنة 2005 على أهمية إدخال تحسينات وابتكارات في آليات التمويل القائمة لسد الفجوة الرقمية، مثل تحسين الآليات المالية لتحقيق استقرار الموارد المالية، وتوفير النفاذ بتكلفة محتملة إلى تكنولوجيا المعلومات والاتصالات من خلال تخفيض التكاليف الدولية للأنترنات التي يفرضها مقدمو خدمات الشبكة الأساسية، ودعم إنشاء وتطوير البنى التحتية الأساسية الإقليمية لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات.
كما أكدت قمة تونس لسنة 2005 على ضرورة إنشاء صندوق التضامن الرقمي بصفة آلية يكون ذات طبيعة طوعية، ويكون مفتوح ا لأصحاب المصلحة المعنيين. صندوق يستهدف تحويل الفجوة الرقمية إلى فرص رقمية للعالم النامي بالتركيز أساسا على الاحتياجات المحددة والملحة على المستوى المحلي والسعي إلى الحصول على موارد طوعية جديدة للتمويل "التضامني".
كما شهدت قمة تونس لسنة 2005 أول عملية ملموسة على درب سد الفجوة الرقمية، إذ شك ّ ل إطلاق مبادرة حاسوب محمول لكل طفل بسعر زهيد، أول عملية ملموسة وذات أهمية بالغة على درب الحد الفعلي من الفجوة الرقمية بين بلدان الجنوب وبلدان الشمال.
ويعتبر هذا الحاسوب الصغير المحمول، والذي أ ُ عد خصيصا لتلاميذ البلدان الفقيرة، أداة تكنولوجية من شأنها أن تمكن من إدخال ثورة حقيقية في مجال تعليم الصغار في كافة أنحاء العالم وبالخصوص تلاميذ العالم الثالث.
وسيتم توزيع هذا الحاسوب بداية من سنة 2007 من طرف وزارات التربية في البلدان المعنية في إطار عملية أطلقت عليها تسمية "تلميذ وحاسوب محمول". كما أنه من المنتظر أن تنطلق عملية تصنيع أول نماذج هذا الحاسوب مع بداية سنة 2006 وسيتمّ في مرحلة أولى تصنيع من 5 إلى 15 مليون وحدة. وفي صورة نجاح هذه العملية سيقع الترفيع في عدد الحواسيب المصنعة ليبلغ 150 مليون وحدة. هذه العملية، أو هاته الأداة التكنولوجية الحديثة، وصفها السيد "كوفي عنان" الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة بـ«المختصر التكنولوجي للمسافات»، مبرزا الفرصة التي يتيحها لأطفال العالم خاصة أطفال العالم الفقير.
إدارة الأنترنات
لقد خرجت قمة تونس لسنة 2005 ، بتوصيات شملت كافة المواضيع الرئيسية فيها، وتوفقت إلى وضع اتفاق عالمي حول المسائل الأساسية ولا سيما منها الاتفاق الخاص حول إدارة الانترنات الذي يتمحور حول جملة من المبادئ، من ذلك التدرج نحو اضطلاع كل الحكومات بصفة متساوية بأدوارها ومسؤولياتها بشأن إدارة الانترنات، وكذلك بتامين الاستقرار والسلامة والتواصل لشبكة الانترنات.
ففي هذا الجانب، أكدت قمة تونس على المبادئ التي أعلنت في مرحلة جينيف من القمة العالمية لمجتمع المعلومات، في عام 2003 ، من أن الأنترنات قد أصبحت مرفقا عالميا متاحا للجمهور، وأن إدارة الأنترنات ينبغي أن تكون في صلب المسائل التي يضمها جدول أعمال مجتمع المعلومات والمعارف. وينبغي أن تكون الإدارة الدولية للأنترنات متعددة الأطراف، مقرين بأن إدارة الأنترنات حين تنفذ وفقا لمبادئ العدالة، والشفافية، والديمقراطية، ستكون عنصرا أساسيا في مجتمع المعلومات.
وفعلا، فمن العناصر الهامة التي أسفرت عنها "وثيقة تونس"، إحداث منتدى جديد حول إدارة الانترنات ينتظر أن يدخل حيز التنفيذ خلال السداسي الأول من سنة 2006 ، حيث سيعقد اجتماعه الافتتاحي في أثينا بدعوة من الحكومة اليونانية. ومن شان هذا المنتدى أن يساعد في إيجاد الحلول للصعوبات الناجمة عن الاستخدام السيئ لشبكة الانترنات التي تشغل بال المستغلين العاديين.
ويشكل هذا القرار منعرجا في مجال تدويل إدارة الانترنات إذ إن الدعم المطرد في مجال التصرف في موارد الانترنات على المستويات الإقليمية والوطنية من شأنه أن يضمن حقوق كل بلد في التصرف في موارده الخاصة للشبكة مع إجراء تنسيق على الصعيد الدولي.
إن تكريس فكرة التنسيق العالمي لأعمال تطوير الأنترنات من خلال التحاور بين الحكومات، والقطاع الخاص، والمجتمع المدني في إطار المنتدى العالمي لإدارة الأنترنات على قدم المساواة، هو تحدّ في حد ذاته. والمنتدى العالمي لإدارة الأنترنات، هو منتدى تناط به مسؤولية تيسير عملية التنسيق، والمناقشة لقضايا السياسة العامة المتصلة بالأنترنات، وتكون المشاركة فيه على قدم المساواة من جانب الحكومات، والقطاع الخاص، والمجتمع المدني.
إن الغاية من بعث هذه الآلية الجديدة هو مناقشة قضايا السياسة العامة المتعلقة بالعناصر الرئيسية في إدارة الأنترنات وذلك بهدف تعزيز استدامة الأنترنات، ومتانة بنيتها، وأمنها، واستقرارها، وتطويرها، على أن يكون المنتدى كذلك متعدد الأطراف، وديمقراطيا، وشفافا. مع الأخذ بعين الاعتبار أن لا تكون لمنتدى إدارة الأنترنات وظيفة إشرافية، وألا يحل محل الترتيبات، أو الآليات، أو المؤسسات، أو المنظمات الحالية.
إضافات نوعية
إن وثيقة التزام تونس أضافت مبادئ جديدة للمبادئ التي وقع إقرارها في المرحلة الأولى للقمة في جنيف، هذه المبادئ تتعلق أساسا باعتماد تكنولوجيا الاتصال من أجل السلم، وضرورة العناية بالفئات ذات الاحتياجات الخصوصية، ومساعدة الدول الفقيرة، والأراضي المحتلة، والدول المتضررة من بعض الكوارث الطبيعية أو التي تعاني من مشكل التداين.
كما أكدت قمة تونس لسنة 2005 أن الظرف الراهن تجاوز مرحلة المبادئ ليبلغ طور التجسيم، ذلك انه رغم إطلاق أكثر من 2500 مشروع بين المرحلة الأولى ( 2003 ) والثانية ( 2005 ) للحد من الفجوة الرقمية فان وثائق تونس، أي "التزام تونس" و"أجندا تونس"، تؤكد بصفة جلية على مزيد العمل والإسراع في التدخل في هذا المجال، وهذا هام كذلك.
كما تميزت مرحلة تونس لسنة 2005 بإحداث سجل ذهبي تم فيه تدوين كل المشاريع التي تم الإعلان عنها في قمة تونس ويبلغ عددها أكثر من مائتي (200) مشروع تتطلب استثمارات بملايين الدولارات.
إن نتائج قمة تونس لم تكن لتبرز بهذه "البراقماتية"، إلا لتتأقلم مع تطور عالم تكنولوجيات الاتصال. فعلى المستوى الوطني، فإن كل الدول مدعوة إلى وضع استراتيجيات وثقافة رقمية تنصهر صلب مخططاتها الوطنية. وقد حدد آخر أجل لإرساء مثل هذه الخطط في أفق 2015 . وحتى تؤكد الأمم المتحدة نجاح قمة تونس لسنة 2005 ، فإنها جذّرت في هذه القمة فكرة جديدة، هي عملية التقييم، حيث ينتظر أن يتم إجراء حصيلة شاملة لنتائج القمة من قبل الأمم المتحدة في عام 2015، كما ينتظر أن تقرر الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 17 ماي من كل سنة يوما عالميا لمجتمع المعلومات.
ومن مميزات هذه القمة ، أنها وفرت فرصة سانحة لتكريس الوعي لدى قادة العالم بالأهمية الأساسية لتكنولوجيات المعلومات، إذ أن القمة العالمية حول مجتمع المعلومات تونس 2005 ، ليست فقط قمة حول التكنولوجيا، بل أيضا قمة حول النهوض بالإنسان وإحكام استغلال طاقاته.
إن قادة الدول وممثليها، وصناع السياسات الذين حضروا القمة، وكل الملاحظين، يرون في قمة تونس لمجتمع المعلومات لسنة 2005 ، استثمارا مجديا - بل ومعينا - لتحديد معالم مستقبلنا في العالم من خلال التحكم في هذه الثورة الحديثة التي ظهرت، وهي "الثورة والرقمية"، و"الثورة المعلوماتية".
لقد ركزنا منذ تحليلنا هذا على الرؤية الإستشرافية لتونس لموضوع حساس، وهام، وحديث، واعتبرنا تفطن تونس لهذا الموضوع نجاحا باهرا على جميع المستويات. وفعلا فقد كانت قمة تونس فرصة لصناع السياسات، وقادة الدول، وكل المشاركين، للاتفاق على تشكيل مستقبل مجتمع المعلومات، وتسخير الثورة التي حدثت في تكنولوجيا المعلومات والاتصال في خدمة التنمية. كما عززت قمة تونس اتفاقا واسع النطاق، لإعطاء الأولوية الأولى لتكنولوجيات المعلومات والاتصال في المساعدة دوليا على تحقيق التنمية، ودعم الجهود الوطنية لوضع الاستراتيجيات الإلكترونية ووضعها موضع التنفيذ. وفي هذا الإطار جاء في خطاب الرئيس بن علي، في 10 ديسمبر 2005 ، بمناسبة احتفال تونس بالذكرى 57 للإعلان العالمي لحقوق الإنسان ما يلي : " لقد كان لتونس التي نجحت في تنظيم هذه القمة غير المسبوقة حجما ومستوى وأهمية أيما نجاح، دور فاعل في التوصل إلى النتائج التاريخية التي نجمت عنها سواء في ما جاء بوثيقتي "التزام تونس " و"أجندا تونس" الصادرتين عن القمة أو في ما يخص الدور المستقبلي للأمم المتحدة ومنظماتها المتخصصة في ما بعد قمة تونس من مراحل أو في ما يتعلق بانطلاق الحوار الدولي حول إدارة الأنترنات...".
وبقراءة لأجندا تونس والتزام تونس، لايمكن إلا أن نقف عند ما يلي: " ولن تتوقف جهودنا بانتهاء القمة "، وهذا يعني أن قمة تونس قد فتحت آفاقا واسعة لردم الهوة الرقمية ودروبا جديدة لكسب رهانات مجتمع المعرفة.
طباعة >> | إغلاق
النافذة >>