صورة "الإرهاب" وإرهاب الصورة من دائرة العنف والحرب والمال
أحمد خواجة
أستاذ باحث في علم الاجتماع -
كليّة العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة بتونس
مقدّمات وممهّدات:
إن تعريف ما يصطلح على تسميته بالإرهاب والإرهاب المضاد لا يهم بقدر الاستخدامات التي تفرزها هذه الظاهرةُ/المشهدُ كصورة تتجلى في خطاب متقن الصنع سنسعى في هذه الورقة إلى تفكيك عناصره وقراءة آلياته الظاهرة والكامنة.
ومن البديهي أن هذه الظاهرة لا يمكن فهمها إلاّ في إطار الفضاء الاتصالي العالمي الذي أصبح يمثل الساحة الكبرى التي تصنع فيها الحياة الاجتماعية وتتموضع فيها كل مظاهر الحياة السياسية والاقتصادية ولمَ لا الثقافية وذلك لأن هذه الظاهرة/المشهد تنتج ثقافة جديدة تقوم، بغاية أهداف سياسية واقتصادية بالأساس، بصناعة العنف والعنف المضاد.. إنّها كما يقول عالم الاجتماع الفرنسي "جون بودريار" العولمة الكاسرة الكاسحة الشرسة والظافرة التي تقاتل نفسها، إنهم مقاتلو "القاعدة" الذين تمثلوا كل ما في الحداثة والعولمة وحافظوا في الآن ذاته على هدف تدميرها، إنه ترهيب ضد ترهيب حيث سقطت الأقنعة والأيديولوجيات واليوتوبيات. (مقال مترجم للعربية عن لوموند الفرنسية نُشر في 2 نوفمبر 2001).
إن ما يهمنا في هذه الظاهرة التي نمت بعد تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر في ارتباط وثيق بالسياسة الخارجية والاستراتيجية للإدارة الأمريكية في محاولتها إيهام الرأي العالمي وخاصة الرأي العام الأمريكي بخلق عدو وهمي اسمه الإرهاب، هو طابعها الفرجوي الذي يرشدنا منذ صعود الإمبراطوريات الاتصالية الكبرى الى تحالف القوة الاتصالية مع القوة التكنوقراطية في المجتمع الاتصالي الجديد الذي سيعوض، خصوصا بعد انهيار جدار برلين وتفتت المعسكر الاشتراكي تحت ضغط الجوسسة والحرب الباردة، ما يسمّى بالمجتمع "المابعد صناعي"، في مجتمع جديد ستصبح فيه كما يقول "جورج بلاندييه" السلطة السياسية أساسا سلطة دعائية إعلانية متواطئة مع خبراء الاتصال والإعلام والتسويق السياسي (Balandier (G), Pouvoir sur scènes, Paris : Balland, 1992) وهذه الحداثة الاتصالية الفائضة والعائمة لا تترك مجالا للتفكير الطويل وللرؤية الناقدة وللذاكرة الحية وتربك من خلالها روابط الانتماء والهوية وتنتج فيها ثقافة سياسية جديدة يشرّع فيها استعمال العنف والحرب (يجب أن لا ننسى مثلا أن منظري العولمة من أمثال فوكوياما وهنتغتون ساندوا علنا وعلى أعمدة الصحف الرئيس الأمريكي الحالي بوش في حربه ضد محور الشر وضد العراق بالخصوص) بغاية الوصول الى أهداف استراتيجية واقتصادية بالأساس. وقليلة هي المحاولات التي قام بها المفكرون والمثقفون العرب على مختلف مشاربهم ومواقفهم لتحليل صورة الإرهاب وتفكيكها والتي تذيعها يوميا وبكثافة الفضائيات العربية والعالمية حتى أصبحت مشاهد العنف والخراب والدمار والقتل مناظر مألوفة.
وربما شعر البعض من هؤلاء المثقفين بالارتياح والغبطة والتشفي بعد تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر ولندن ومدريد وشرم الشيخ ونُظر بشيء من الأمل إلى شخصيات أسطورية "بطولية" مثل "أسامة بن لادن" و"أبي مصعب الزرقاوي" و"أيمن الظواهري" تظهر أحيانا بنوع من الصخب الإعلامي لتختفي فيما بعد لأيام وأحيانا لشهور إلى حين توظيفها في إرباك العقول والقلوب. فيما ذهب الشق الآخر إلى اعتبار هذه الظاهرة/المشهد/القاعدة جزءا من المشروع الأمريكي وتتمة له والمتمثل في ابتزاز ثروات شعوب العالم العربي الإسلامي وإذلالها في ذات الوقت وتغذية التفكك الطائفي والأقوامي والاثني والمذهبي وإشاعة ذهنية الرعب والخوف وفقدان الثقة.
فهل مرد ّ هذا حالة الإنهاك السياسي والثقافي والتراجع والإحباط التي أصبح يشعر بها المثقف العربي والتي أدت به إلى نوع من اللامبالاة وإلى وضعيّة العتمة وانحسار البصر أمام الصورة التي تذيعها الفضائيات، ممّا حدا بالبعض إلى القول بأن العقل العربي في غيبوبة؟ (إلياس الخوري كتب بعد الحادي عشر من سبتمبر 2001 قائلا "(...) والسؤال موجه ثالثا وأخيرا إلى العقل والوجدان. لماذا رضيت العقول العربية أن تعيب؟.." في "القدس العربي": أمير العزلة والموت، العدد الصادر في السادس من نوفمبر سنة 1002) أم أنّ هذه الصورة مصنوعة بحرفيّة كبيرة تغطّي متناقضاتها وسطوتها الخفيّة إلى حدّ أنها تتحول إلى قوة إقناع وتؤثر سلبا على التقبّل النقدي للمثقفين؟
ولعل الإجابة عن هذين السؤالين تتشابك خيوطها من خلال الموقفين ومن كلا الرؤيتين إلى حدّ أن الأسباب تمتزج بالنتائج بل أنّ الإشكالية تنفتح على مداخل ومتاهات فكرية أخرى تجعل من المشهد السياسي العالمي مسرحيّة كلها متناقضات وثغرات وتتجاذبها تارة المأساة وطورا الملهاة.
وينبغي الرجوع إلى الوضع العالمي الذي سبق نشوء ما يسمى اليوم بالإرهاب العالمي الذي أصبح يرتبط أكثر فأكثر بتنظيم القاعدة وخلّف ذعرا لدى الرأي العالمي، في الغرب بالخصوص، من الإسلام والمسلمين وزاد من تلك الصور النمطية التي تقيم تلازما بين الإسلام والعنف وبين المسلمين والتخلف ومعاداة الحضارة.
فبعد انهيار جدار برلين وخروج جيوش الاتحاد السوفياتي سابقا من أفغانستان تجرّ أذيال الهزيمة نجحت الرأسمالية الغربية في توحيد السوق العالمية وفي إجبار البلدان النامية على الانضمام في سياسات تعديل هيكلي ستؤدي بها إلى مزيد من المديونية والتبعية إلى مراكز القرار المالي العالمية، وفي الأثناء انشغلت الاستخبارات الأمريكية في خلق قاعدة ثقافية للمرحلة الجديدة: سياسة القطب الواحد، وكلفت منظري العولمة بخلق عدو جديد وهمي قصد تمرير سياساتها التوسعية واستنزاف ثروات الشعوب المالكة أساسا للنفط أو التي تحظى بموقع استراتيجي في الخارطة السياسية في العالم، وتمادت أيضا في صناعة متكاملة للرأي العام الجديد والوعي الجماهيري المطلوب فخطر الإرهاب موجود في كل مكان ويمكن أن يتهدد أمن أي مواطن يعيش في الغرب والعدو طبعا هو الإسلام والمسلمون والعرب.
وفي المرحلة اللاحقة التي شهدت انشغال المنظرين في العلوم الإنسانية بإشكالية "المجتمع المابعد صناعي سيظهر مجتمع جديد سيعرف فيما بعد بمجتمع المعلومات العالمي والذي سيكرّس فكرة أن السياسة هي في جوهرها مشروع ثقافي يصنع فيه الرأي العام ويعاد صنعه من طرف الساهرين على البث الفضائي والتلفزيوني وخبراء مراكز سبر الرأي العام، وانتقل فيه العالم بشقيه الثري والفقير من مجتمع »الآمن نسبيا إلى مجتمع المخاطر: مجتمع الأمراض السرطانية وجنون البقر والاستنساخ والإرهاب والهجرات السرية والحروب الطائفية والدينية والتغيرات المناخيّة والكوارث الطبيعية، وتحول فيه المواطن، أيا كان انتماؤه، إلى كائن اتصالي دون أن يكون كائنا تواصليا ونجحت برامج، على سبيل الذكر، »تلفزيون الواقع في اختراق مناعة المجتمعات التي تعتبر نفسها محصّنة ثقافيا.
مجتمع المعلومات العالمي
ويقوم المشروع الثقافي لمجتمع المعلومات العالمي على سرعة انتقال المعلومات وتدفقها الأقصى واختراقها لكل الحدود والحواجز الممكنة وعلى ظهور عقل اقتصادي جديد يقوم على توظيف الذكاء الاصطناعي في استثمارات ناجحة فيما يسمّى بالاقتصاد اللاّمادي وعلى سقوط الثقافة والإعلام في فخ عقلية الربح السريع لكبرى الشركات الاتصالية العالمية والعابرة للقارات. وفي الأثناء ومنذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر يطفو على المشهد الاتصالي العالمي وعلى شبكات الانترنت تنظيم القاعدة الذي احتضن خطابا جديدا كلّه تهديد ووعيد وانتقام من "غرب" كاسر أذل الأمة العربيّة الإسلاميّة وهنا يتساءل المرء عن تزامن ظهور هذا التنظيم مع الحروب التي شنتها الإدارة الأمريكية على أفغانستان والعراق أو عن ارتباط اختفاء أو ظهور "الزعماء" المفترضين للقاعدة بالانتخابات الأمريكية أو بتغيّر ما في السياسة الخارجية الأمريكية أو عن ذلك الربط الحيني والمباشر الذي تقوم قناة "الجزيرة" أو "العربية" عند إذاعاتهما لشريط فيديو مرسل من التنظيم مع وكالة الاستخبارات الأمريكيّة أو وزارة الدفاع الأمريكية التي يتحول قادتها إلى محللين سياسيين وهنا يتساءل أحد المثقفين العرب على أعمدة صحيفة "القدس العربي" (...) "أهي ـ يقصد القاعدة ـ تملك مشروعا وطنيا محددا لدولة أو منطقة أو إقليم سياسي ما، بحيث نعتبرها جزءًا من منطقتنا؟ هل توجد لديها جذور شعبية وثقافية وسياسية تكمن فيها ملامح ما لمشروع يدّعي خدمة أهل ذلك الواقع الذي خرجت منه، افتراضًا؟ هل تعبر عن مشاعر قومية أو وطنية أو حتّى دينية لمن تزعم التحدث باسمهم؟..".
كما تخامرنا أسئلة أخرى عن استعمال القاعدة لخطاب يتحوّل فيه العنف وقتل الأبرياء إلى نوع من الفوضى دون تبرير إيديولوجي معقول ومنطقي وعن تنقل هذه الظاهرة الفرجوية في دائرة العدمية والمازوشية والمشاعر اللاإنسانية عند بثّ بعض مواقع الانترنت لصور إعدامات الصحفيين والرهائن. وربّما نعثر على الإجابة في المنطلقات الفكريّة لظاهرة ما يسمّى بالإرهاب العالمي وفي الصورة التي تروّج على شاشات التلفزيون ومواقع الانترنت التي تنصهر في خطاب يستمدّ شرعيته من كون الإرهاب لا يرتبط بأيّة جهة ترابيّة (كما يقول ذلك هابرماس) أو منطق معقول إنها الفوضى بعينها إنّه الحطام بنفسه الذي يزرع لدى الرأي العام لذهنية الرعب والخوف (أنظر في:
Havermas (Jurgen), Derrida (Jacques), (2004), Entretiens avec deux grands intellectuels sur le « concept » du 11 septembre 2001, in le monde diplomatique, Fevrier 2004, pp 16-17)
ثالوث مقدس: السوق والمال والحرب
"إرهاب" مفترض لا يمكن قراءته من خارج توليفة السوق والحرب والمال فكلّها تشكل عناصر متداخلة لخطاب يبرّر جعل العنف والعنف المضاد مشهدا مألوفا إلى حين السيطرة على الأسواق وأسواق النفط بالأساس التي التهبت أسعارها بشكل أضعف اقتصاديات الدول النامية ووضعها على عتبة الإفلاس بشكل يقلص من مواردها المالية ويهدّد توازناتها الاجتماعيّة ويقفل هذا المثلث "الجهنمي" بوسيلة قديمة جديدة لجأ إليها الإنسان لإخفاء نواياه العدوانية وهي طبعا آلية الحرب كوسيلة تبرّر قهر شعوب بكاملها إلى حدّ الإبادة وطمس الذاكرة والسيطرة على موارد هذه الشعوب المستعبدة وثرواتها الماديّة والوجدانيّة.
وفي مقال حديث نشر بمجلة « Sciences Humaines » الفرنسيّة حاول أحد المتخصّصين في تحليل الصورة قراءة ظاهرة نشر الفضائيات الأمريكية لصور التعذيب للسجناء العراقيين في سجن "أبو غريب" والتي أثارت فيما بعد قضية كبرى افتعلتها الإدارة الأمريكية وضخمتها وسائل الإعلام العالمية، فهذه الصور التي نشاهدها على شاشات الانترنت لم تصنع كما يخال المرء لإظهار الحقيقة أو للدفاع عن السجناء العراقيين أو لإدانة المتهمين وإنما لكي تصبح صور التعذيب والتنكيل صورا مألوفة وعادية ومن جهة أخرى إرباك المقاومة العراقية وإحلال الإهانة والذل بالمواطن العربي العادي وخنق رابطة الانتماء وإضعاف الهوية وهو ما حدث عندما أذاعت الإدارة الأمريكية صور الرئيس العراقي السابق صدام حسين وهو أسير القوات الأمريكيّة وبالطريقة التي تريدها أي صورة العربي الوسخ كثيف الشعر والبدين الذي وإن قاوم أمريكا يخرجه جنودنا البواسل من حفرة كالفأر ويروّضون غرائزه ويستكشفون جسده ويعالجون أسنانه... إنه إرهاب الصورة الذي يستعمل كل الوسائل الممكنة لضرب المواطن العربي في شرفه وكرامته وأمنه وثوابته وهويته. (أنظر في:
La torture, une tentative de destruction culturelle, le terrorisme, un spectacle sanglant, dans Sciences Humaines, Hors série, n°47, Décembre-Février 2005, pp64-74
وارتباط العنف بالسوق والمال والحرب قد يفهم من خلال شخصية مثل بن لادن الذي كان لوقت غير بالبعيد موظفا لدى وكالة الاستخبارات الأمريكية أثناء الصراع الأمريكي السوفياتي حول أفغانستان وكان في نفس الوقت "عميلا اقتصاديا" حيث كوّن مع أبيه شركات وأبرم صفقات في ميدان النفط بالخصوص مع عائلة الرئيس الحالي الأمريكي لماّ كان حاكما في ولاية تكساس وهي الحكاية التي كشفها رسّام أمريكي اسمه "مارك لومباردي" انشغل في آخر أيامه برسم شبكات المال والنفوذ والأنسجة الأخطبوطية لكبرى الفضائح المالية ولعلاقات النفوذ والسيطرة لأثرى العائلات في الولايات المتحدة الأمريكية ومن بينها عائلة الرئيس بوش التي كانت تجمعها بعائلة بن لادن مصالح ومعاملات اقتصادية. "لومباردي" وجد مقتولا شنقا في بيته يوم 22 مارس 2000 ولم تكن فرضية الانتحار لتقنع أصدقاءه المقرّبين لما عرف من ذويه من اعتدال في شخصيته ومرح في مزاجه، وأطوار هذه القضية كشفتها مجلّة « Le Courrier International » في عددها الصادر سنة 2003 (أنظر في:
Settimana (Diaro Della), (2003), Lombardi, l'homme qui dessinait les réseaux, in Courrier International n°686-687 وبن لادن عند إذاعة فضائيات مثل "الجزيرة" و"العربية" لخطبه التي يتوعد بها أمريكا وبريطانيا والغرب عموما ينساق في مشروع يسقط فيه الأمة العربيّة الإسلامّية في مصيدة الرأسمالية الغربية والعولمة الشرسة باستخدامه للإسلام كمطية لتبرير خطاب يستمد مشروعيته من ذهنية العنف والتكفير والثأر من غرب سينسج الإعلام فيه له وللإسلام والمسلمين صورة نمطية على أساس أنّ الإسلام يمثل عدوّا حقيقياّ وخطرا حقيقياّ داهما على أمنهم الفردي والجماعي، ومن ناحية أخرى سيساهم خطاب "بن لادن" في تغذية منازع التطرّف الديني والعقائدي والانغلاق الاجتماعي ولرومانسية التشفّي والانتقام من الغرب لدى جزء كبير من الرأي العام العربي الإسلامي وخصوصا لدى الشباب.
ويكرّس "بن لادن" من ناحية أخرى عندما يصوّر ويقدّم في الفضائيات وهو جالس في الأرض رثّ الثياب حاملا لبندقية ولجهاز إرسال الفكرة المسبقة التي يؤلفها الرأي العام في الغرب عن المواطن العربي الذي رغم اكتسابه لقيم الحداثة والعصرنة بامتلاكه لوسائلها (السلاح العصري وجهاز الإرسال) يبقى ميّالا بطبعه للعدوانية والعنف والغطرسة والجهل والفوضى و»البربرية التي تحاول أن تنسف أمن المجتمعات الغربيّة المنظمّة كما يقول »جان جاك روسو بقوانين ودساتير وضوابط:
Les sociétés policées par opposition aux sociétés barbares
ما هو البديل؟
نحو بيداغوجيا جديدة للصورة:
قد يتسرّع البعض عندما يخلص إلى القول بأن المجتمعات العربيّة الإسلامية خسرت معركة الصورة التي من خلالها تصنع اليوم، أكثر فأكثر، محتويات الحياة الاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة وتتشكل من ثناياها آليات التذكر والتخيّل الجماعي، ولكن لقائل أن يقول هل خضنا فعلا هذه المعركة وهل لدينا الإمكانيات والموارد والطاقات الفكرية لذلك؟ هل نجحنا فعلا في تعرية الأقنعة التي تغلّف خطاب صورة الإرهاب والإرهاب المضاد؟ هل كشفنا عنف العولمة الاتصالية وماذا فعلنا لمضادة مشروعها الأصلي القائم على نسف الفكر الناقد وتحويل وجهة المثقف نحو قنوات التدجين واللامبالاة والصمت المذنب؟
خوض معركة الصورة لن يكون إلاّ من خلال المساهمة الفعّالة في هذا الفضاء الاتصالي العالمي بصورة مضادة تشاكس مشاريع التنميط والقولبة والتكلس الثقافي للعالم العربي الإسلامي والعمل برويّة وتأنّ، دون تهويل أو تهوين للأمور، على تعلّم وتعليم منهجيّة قراءة ما وراء الصورة والتعرف على طرق إنتاجها وبثّها واستخدامها واستهلاكها من طرف الجمهور العريض ولن يكون هذا إلاّ في الجامعات ومراكز البحوث المختصّة التي من المفترض أن تعير اهتماما لدراسة التأثيرات المحتملة للصورة التلفزيونية والدعائية والإعلانية والفنيّة على الناشئة وتساهم من موقعها في وضع وهندسة المواقع والبوابات على شبكة الانترنت التي تقدّم وجها مغايرا للثقافة العربيّة الإسلامية بدلا أن تستخدم اليوم من طرف التيارات المتطرفّة والظلاميّة والإرهابية لتعليم النشء صنع القنابل اليدويّة والقيام بالعمليات الانتحاريّة وترويج منطق يقوم على العنف ورفض الآخر وتكفير البلاد والعباد.
إنّ هذا التمشّي الذي يتطلب رسم أوليات ومرحلية وخطة قابلة للإنجاز ينخرط في رؤية شاملة لا تنظر إلى الصورة التي تبثّها الفضائيات وشبكات الانترنت وإلى الوسائل الاتصالية الجديدة إلاّ من خلال دورها الأصلي والأساسي المتمثل في إنتاج المعرفة ولا شيء غيرها وتحفيز الفكر على التملك النقدي للمعلومات والخبرات والمهارات والمعارف المخزونة في الذاكرة الإنسانية.
يجب أن تسعى البلدان العربيّة إلى تغليب رؤية »المصير المشترك وأن تعي تحديات المرحلة وأن توظّف مواردها الماليّة والفكريّة في بناء صورة سمعيّة بصريّة خاصة بالذات العربيّة تقوّض وتنسف الصورة المشوّهة التي تنسجها حاليا وبحرفيّة كبيرة الإمبراطوريات الاتصاليّة العالميّة، وفي تعليم الناشئة قراءة الصورة وتعرية خطابها الظاهر والكامن وتعويدهم على استغلال التقنيات الاتصاليّة الحديثة برؤية ناقدة وقصد اقتحام العالم من بوابة المعرفة والعلم والتواصل والثقافات الأخرى.
طباعة >> | إغلاق
النافذة >>