بين سلطة السياسة وسلطة اللغة
عبد السلام المسدي
أستاذ اللسانيات – جامعة
منوبة - تونس
ما من أحد إلا وهو يعلم سواء بالحس الغامض أو بالوعي الصريح أننا حين نتكلم نستعمل ألفاظ اللغة، وحين نصغي ندرك معانيها، وفي الحالتين نحن نحتكم إلى ما هو مخزون في ذاكرتنا من دلالاتها. وهذه الدلالات تتعين بثلاثة أشياء: المعنى العام الذي هو معناها القاموسي، والمعنى الخاص الذي يضبطه سياق التركيب بما يسبق من ألفاظ وبما يتبع منها كما قد يحصل عند ورود لفظة "كتاب" في كلامنا، والمعنى الظرفي الذي يحدده المقام التداولي بحكم حيثيات التخاطب والمحاورة. لكن الذي يخفى على الناس في أغلب الأحيان هو أن استخدام الإنسان لأي لفظة من ألفاظ اللغة لا يقوم على اختيار اعتباطي، بل لا يقوم فقط على انتقاء وجهة معينة من الدلالة، وإنما هو يحمل بين طياته الخفية موقفا محددا من الحدث الذي يقع التداول في شأنه أو من الظاهرة التي يرام وصفها والتحدث فيها. فلو افترضنا أن جماعة كانوا يتحاورون في أمر من الأمور، وإذ هم في صميم المناقشة ينضاف إليهم شخص يعرفهم جميعا ويعرفونه جميعا، وبعد أن ينفضّ المجلس لنا أن نفترض أن كل واحد من الجماعة سيروي قصة الحوار، فمن المحتمل أن يقول الأول ( وإذ نحن نتحاور طلع علينا فلان) ويقول الثاني (... اقتحم فلان علينا مجلسنا) والثالث (... باغتنا فلان) والرابع (... انضم إلينا فلان).
هي حقيقة واحدة، وهو حدث متشخص متعين، ومع ذلك وصفه كل واحد بوصف مختلف لأن الأفعال التي تم استعمالها تحمل شحنات دلالية متغايرة. من ذلك كله أصبحت اللغة في نظر العلماء المختصين تقوم على مبدإ يسمونه بمصطلحاتهم مبدأ التموضع أو مبدأ التموقع، ويعنون به أن كلام الإنسان يشي بالموقع الذي يتخذه صاحبه من مضمون الدلالات الواردة فيه. ومن هنا انكشفت للناس جملة من القضايا، الأولى هي أن الكلام يحمّل صاحبه مسؤولية محددة حين يفوه به حتى ولو ظن أنه مجرد واصف أو ناقل، والثانية أن هامش الموضوعية في استعمال الإنسان للغة هامش محدود جدا ويكاد ينعدم أحيانا، والثالثة أن اللغة بفعل هذا الاستكشاف لا يمكن أن تظل على براءتها الموهومة، والرابعة أن الناس يتفاوتون في مدى وعيهم بهذا البعد الآخر من أبعاد اللغة، والخامسة أن استغلال المتكلم لهذا البعد عند تأكده من غفلة الآخرين عنه هو الذي يحول اللغة إلى سلاح فتاك على ساحة المناورة بالكلام. فكلما كان الناس غافلين عن مسؤولياتهم في استعمال الألفاظ سهل على المناورين استخدام اللغة لغزو عالمهم النفسي وابتزاز إرادتهم ثم إعادة تشكيل عقولهم.
لقد عرف العرب كيف أن مجرد اختيار لفظ مكان لفظ آخر للحديث عن الواقعة الواحدة يلبسهم مسؤولية سياسية جسيمة، عرفوا ذلك بمعنى أنهم عاشوا التجربة لا بمعنى أنهم كانوا جميعا على وعي تام بتعقدات المسألة . فمنذ فجر الثاني من شهر أوت 1990 واجه العرب محنة الانخراط الدلالي: من قال (دخول الجيش العراقي إلى الكويت) دل على انه من أنصار نظرية الإقليم التاسع عشر، ومن قال (غزو العراق للكويت) دل بألفاظ كلامه أنه من أنصار تحرير الكويت بأي وسيلة وبأي ثمن. وحتى الذين قالوا (احتلال الكويت) لم يشفوا غليل الكويتيين لأن لفظ (الاحتلال) يحمل في مظانه إقرارا للحدث في الزمن وهذا في حد ذاته مرفوض عند أهل الكويت، فكان أهون عليهم أن يتحدث الجميع عن (فترة الغزو) فالمحنة العربية اقترنت بقانون الانخراط إذ لم يبق للغة مجال تلتزم فيه الحياد حيال الحدث، لم يعد في قاموسها لفظ إذا استعمله المتكلم دل على أنه يقف في الدرجة الصفر من الدلالة بحيث لا يشي كلامه لا بمناصرة الفاعل ولا بمناصرة المفعول به.
إن الأحداث التاريخية الكبرى تفقد اللغة كثيرا من طاقاتها لأنها تقلص من هوامش الحركة لديها، ولا غرابة أنها تسلبها بعضا من إرادتها المعهودة فتحول متونها إلى ضفاف من الحواشي، فمع انطلاق التاريخ السياسي الجديد في مطالع الألفية الثالثة انحشرت اللغة الإنسانية في أزقة الاختيار الأليم إذ لم يعد لابن آدم وهو يستخدم الكلام ما كان له من فضاء توظيب المقاصد: إن فاه اللسان تحددت المسؤولية. فحين كانت تحدث الواقعة على أرض فلسطين أو أرض العراق أو جبال الشيشان أو مرتفعات أفغانستان تتحول اللغة آليا إلى معسكر من معسكرات المواجهة، فكثيرا ما يحصل أن العملية تستهدف جنودا إسرائيليين أو جنودا أمريكيين أو جنودا روسيين فإذا باللغة على محك الامتحان: كيف تقول الأشياء. كيف تسمي أطراف الحدث. بأي لفظ تصف الموصوف. إذا تحدث المتحدث عن فاعلي الفعل فسماهم بالمقاومين كان في اللفظ الذي يستعمله ما يدل على أنه أخذ في اعتباره أنهم أناس يتحركون على أرضهم، وأن أرضهم تلك قد اغتصبها الغازون فجاءوها متسلطين ظالمين، وأن ما يأتونه إن هو إلا دفاع عن النفس مشروع، بل واجب وطني قدسته كل الحضارات وأشادت به ألسنة الأدباء والشعراء في كل الثقافات. وهل صنع مجدَ شارل دي غول شيء كما صنعه تأسيس (المقاومة) وإدارتها حين غزا الألمان فرنسا فهاجر إلى لندن ليقود معارك التحرير.
فإن تركنا لفظ المقاومين وآثرنا عليه بوعي أو بدون وعي لفظا آخر فنعتنا ما يفعلونه بأنه عملية انتحارية اتخذنا عندئذ موقعا آخر في دائرة الانخراط الدلالي، وهو أنهم مجرمون تحولوا بفعل اليأس إلى دعاة للهدم يبدؤون بإعدام أنفسهم، وهذا هو المصطلح الذي يتماهى إلى حد كبير مع اللفظ الذي يشيع في اللغات الأجنبية من باب الدخيل ذي الجذور اللغوية القصية وهو لفظ الكاميكاز. إنها كلمة يابانية ظهرت في أواخر الحرب العالمية الثانية (1944- 1945) صاغها أهلها عانين بها الطائرة التي يتطوع لقيادتها طيار ليقذف بها وبنفسه وبكل حمولتها من المتفجرات على جبهة العدو ولا سيما بوارجه العسكرية، ثم أصبح اللفظ دالا على الطيار الذي يقودها، وتلك التسمية كانت محملة بشحنة فائضة من العزة والشرف لأن العملية تجسّم الفداء المطلق. ولا شك أن المسألة كانت مرتبطة بجذور الثقافة البوذية حيث الإقبال على الموت الاختياري صورة لعظمة الإنسان كما تجسمه عملية الهاركيري التي هي الشرف الأسمى.
دخل لفظ الكاميكاز اللغات الأوربية بعد خمس سنوات (1950) وأصبح جزءا من التداول التلقائي ولكنه ظل هجينا وما يزال كذلك في اللغة العربية، والفرق واضح بينه وبين لفظ الانتحار، فهذا يدير الدلالة على إنهاء الذات لوجودها وذاك يعطيها بعدا آخر يتجاوزها لأنه يمعن في التضحية والفداء. وهنا يتجلى لنا خطر الانتباه إلى قانون الانخراط الدلالي وفجيعة التغافل عنه. فمن المعلوم بالضرورة أن الإرث المعنوي في الثقافة العربية الإسلامية لا يتقبل فكرة الانتحار بذاك المعنى الذي هو إنهاء لحياة الذات رفضا لما جادت به الحياة، والسند في ذلك أخلاقي وروحي ويكفي أن حكم من قتل نفسه كحكم من قتل غيره، فليس من الشرف ولا من الفضيلة أن يقتل الإنسان نفسه إذ يأتي بفعلته جرما جللا.
هنا يفد علينا البديل الثالث ضمن بدائل التسمية: أن نتحدث عمن ينجزالعملية العسكرية في ساحة الوغى بلفظ الاستشهادي، عندئذ نكون قد غيرنا موقعنا داخل سياج الدلالة، فاللفظ مبتكر حديثا ينطلق اشتقاقه من كلمتين شائعتين في الموروث وفي خطاب المثاقفة المتجددة: الشهادة والشهيد. وتتحدث الأخبار التي روت لنا تفاصيل الغزوات والفتوحات أن بعضهم كان يتهيأ على جواده لينزل في لحظة عسيرة يكاد الموت فيها أن يكون يقينا، وكان يستأذن في النزول قائد الجيش مبررا عزمه قائلا (إني أطلب الشهادة) وإذا باللغة المعاصرة تختصر الجملة بأكملها بصيغة من صيغ الفعل الاشتقاقية، تلك التي تدل على طلب الشيء، فقيل (استشهادي ) على معنى (طالب الشهادة). وتحدد الفارق بين الدلالتين: قبل لحظة الموت يطلق اسم الإستشهادي وبعدها اسم الشهيد. أفلا نرى كيف يقحمنا اللفظ الذي نختار في صميم الالتزامات السياسية من خلال هذا القانون الذي نروم صياغته وتجليته ألا وهو قانون الانخراط الدلالي.
وثمة بديل رابع وضعه أهله لأنهم على خبرة مكينة بآليات التداول اللغوي وأثرها في إعادة تشكيل الحقائق السياسية بتدبير عتيد. فقد يعن للمتكلم أن يتحدث عمن يقوم بالعملية العسكرية على أرض فلسطين السليبة، أو أرض العراق المحتلة، أو أرض الشيشان المأسورة، أو أرض أفغانستان المغتصبة، مستعملا نعت الإرهابي، تماما كما كان الفرنسيون ينعتون أبناء الشعب الجزائري وهو يخوض حرب تحرير وطنه قبل أن يجلسوا أمام قياداته في مدينة أيفيان (1962) والذي من المتكلمين يتوسل بهذا اللفظ يكون قد أبصم كليا على حقيقة افتراضية خلاصتها أن الإرهابيين أناس يحبون قتل الآخرين حبا في القتل إلى درجة العشق والهيام، وأنهم بذلك أعداء للإنسانية جمعاء، بحكم أنهم أعداء للحياة، وأن القضاء عليهم هو الواجب المقدس الأسمى الذي تثيب عليه الأرض والسماء، وأن أولى الأوليات هي الاستجابة إلى صدى الصيحة المتكررة: ألا يا أبناء آدم قفوا صفا واحدا، ألا فلتتحدوا ضد هؤلاء، ألا يا بني الإنسان: إما الخير وإما الشر.
لا نبتغي فيما نقول أي حث أو تحريض، فنحن نقرر واقعا يموج به الخطاب السائد بصرف النظر عن الدواعي الحافزة أو الدواعي المضادة فالهم لغوي صرف، والقلق حيال توالج سلطة اللغة وسلطة السياسة فكري خالص وقد يكفي- لإثبات أمانة الوصف والتحليل-أن نستعصر مما سلف حقيقتين على منوال المعادلة الرياضية الصارمة:
-1 إن الواقع السياسي الجديد قد سلب الإنسان حرية التعامل مع اللغة إذ لم يبق له فيها هامش إذا "تموقع" داخله ضمن لنفسه الحياد حيال الحدث وتحلى خطابه بالموضوعية التامة ولننظر من خلال مثالنا إلى أي واحد من الاحتمالات الأربعة وما ينجرّ عنه من تبعات سياسية صريحة:
المقاومون
الانتحاريون
ج- الاستشهاد يون
د- الإرهابيون
2 - إن غزارة الإعلام والتسابق إلى الخبر وصفقات الارتباط بوكالات الأنباء العملاقة، كل ذلك خلق وضعا على غاية من التعقيد في مسؤولية النقل والترجمة وفي أمانة التطابق الدلالي مع ما يشوب ذلك من ارتباك أقصى يفضح تمزق الذات بين تبني الخطاب الوافد وإعادة صياغته وفقا لأخلاقيات الانتماء. ولا يكاد يمر يوم على الراصد للأخبار من خلال الفضائيات العربية جميعها دون أن ينجرح وعيه اللغوي انجراحا قاسيا، ولا نعني هنا انجراح الاختيارات المضمنة، وإنما نعني فقط ما تفضحه اللغة من غفلة كاملة عن آليات التضمين وأدوات التوظيب بحيث ينكشف أن الإعلام العربي ضحية الغفلة اكثر مما هو ضحية الاختيارات والرؤى.
إن قانون الانخراط الدلالي كان جزءا من "لعبة اللغة" ولكنه تحت وطأة السياسة أصبح هو "كل اللغة". فيما مضى كان اللفظ إذا صيغ في لغته ولم تكن للغات الأخرى خانات تقابله وتماهيه تم استقباله على هيأته من باب الدخيل اللغوي الذي هو ناموس ثقافي مطلق، وعلى هذا الأس المبدئي لم يجد الآخرون حرجا في أن يستقبلوا كلمة (فدائي) على شكلها الحرفي، وأصبحت اللغات الأجنبية تتداولها ثم أدرجتها الأكاديميات في معاجمها، وكذا الشأن الذي حصل مع لفظة (الانتفاضة) تماما كما سبق أن حصل مع لفظة (كاميكاز) أو لفظة (بيرسترويكا) التي أقام عليها غورباتشوف نظريته السياسية حين قدم إلى الكرملين (18-3-1985) ومن الطريف في هذا السياق أن نتذكر ما شاع في أدبيات السياسة عن الرئيس رونالد ريغن (1980-1988) بأنه يتحدث عن الأفغانيين الذين كانوا يحاربون الجيش الروسي الذي غزا بلادهم بلفظ (المجاهدين) ناطقا إياه باللغة العربية.
ليست معادلاتنا التي أسلفناها في حاجة إلى الاستدلال المستفيض ولكنها ستجد صدقيتها الكاملة حين نعلم أن اختلاط المسؤولية اللغوية بالمسؤولية السياسية هو الجنين الحديث الذي تخلقت نطفته في رحم الأحداث المزلزلة لكل ثوابت الفكر الإنساني، فما عاد الأمر تخمينا ظنيا يسبح في رؤى الاستشراف، ولا هو جموح من التأمل النظري المفصوم عن التاريخ. إنه بأيسر الكلمات امتزاج مطلق بحيث يقع التداول اللغوي تحت طائلة التحقيق الجنائي. في (27-1-2002 ) استيقظ الوعي الإنساني الكليم على حادثة جعلته مشقوقا في الصميم لأن السؤال كان أعتى من الفجيعة . امرأة فلسطينية اسمها وفاء إدريس تنجز في قلب القدس عملية لا تستطيع أن تسميها إلا إذا انخرطت في حصار الدلالة، فلم يعد لك خيار أن تظل خارج الأسوار، فعليك أن تقول عنها: عملية مقاومة، أو عملية انتحارية، أو عملية إرهابية، أو عملية استشهادية، ولن يعفيك من مسؤولية الانتقاء أن تعود إلى اللفظ الخاص بتلك المظلمة فتقول عنها هي عملية فدائية لأن الفداء قرين الاستشهاد.
كان الحدث كالصاعقة لأن دخول المرأة في ذاك النسق فضلا عما يثيره من تأجج العواطف الإنسانية وما يوقظه من أحاسيس التمثل والتأييد يربك المنظومة الأمنية بكل متاريسها الوقائية. تحمس الناس جميعا فهبت السينما العربية لتخليد الحدث وأعد علي بدرخان ومحمد أبو سيف نصين كرسا فيهما لفظ "الشهيدة" نعتا لوفاء إدريس، وتسابقت يومئذ على تجسيم شخصية البطلة حنان ترك ومنى زكي وحلا شيحا، ثم كان ما كان (الوفاق العربي ع 36جوان 2002). والطريف اللافت أن الموسوعة الفرنسية (كرونيك) دونت الحدث (مج 2002 ص11) فلم تستعمل فيه لفظة الإرهاب والحال أننا لا نعرف لها أي تعاطف مع القضايا العربية والإسلامية. تحدثت عن المرأة الكاميكاز فقالت (من كان يتوجس أن هذه الفلسطينية الجميلة البالغة من العمر 28 عاما، ذات العينين الوضاحتين والشعر الكستنائي، ستصبح أول امرأة – كاميكاز (...) فاجأت وفاء إدريس أقرب الناس إليها. إنها من مخيم اللاجئين قرب رام الله كانت تعمل في صفوف الهلال الأحمر الفلسطيني، فلربما أقدمت على ذلك بفعل اليأس لاسيما وأنها قد أصيبت عدة مرات برصاص القمع الإسرائيلي حين كانت تهرع لنجدة الجرحى الفلسطينيين) إنه الخطاب الاستثنائي الذي يضفي على مصطلح الكاميكاز شحنة عاطفية فوارة.
ليس لنا هنا بحكم التزامنا بالرصد المنهجي أن نبحر في مركب المضامين ولا على سفينة القيم إذ لا نفتأ نستجلي منظومة العلائق بين الشأن السياسي والشأن اللغوي، فقد يأتيك من الآخر خطاب يوقظ لديك من جديد الحس الأخلاقي من خلال الكلمات التي ترتصف بها جدرانه.فالمحامية الإسرائيلية لاياه تسيمل Leah Tsemel تحدثت في مؤتمر حول الطفولة وحقوق الإنسان (البندقية 20-9-2003) فقالت (كيف لا نشير إلى منفذي العمليات الانتحارية. إني أعرف منهم من قد مات ومن لم يمت. علينا ألا نغتر، إنهم لا يختارون الموت توقا إلى السبعين حورية اللاتي وعدوا بها في الجنة لأنهم شهداء، ولم يقدموا عليه لأن هناك من غسل أمخاخهم. إن هؤلاء الشبان من مختلف الفئات إن هم تطوعوا بالموت فلأن اليأس الجسيم قد تملكهم، لم يعد لديهم أي شيء يخسرونه فيبقى لهم أن يكسبوا شيئا من المجد. فماذا نقول عن مجتمع كالمجتمع الفلسطيني أصبح ينتج أطفالا يختارون الموت أو عن مجتمع كمجتمعنا (الإسرائيلي) يفرز مجموعات سرية من بين المستوطنين يقدمون على تفجير السيارات قرب مدارس القدس لقتل الفتيات الفلسطينيات) واللافت أيضا أن النص قد نشرته لومند ديبلوماتيك. (نوفمبر2003) ومن ذا الذي لا يستشعر أن ترجمة الدلالات إلى مصطلحات تكاد تضعنا على لسان هذه المناضلة الإسرائيلية أمام ثنائيتين متوازيتين: الفداء في صنيع الفلسطينيين والإرهاب في صنيع المستوطنين.
لم يمض وقت طويل حتى أقدمت فتاة في مقتبل العمر اسمها آيات الأخرس على نفس الصنيع (الفدائي، الانتحاري، الاستشهادي، الإرهابي،) تحركت المشاعر الإنسانية ملفوفة بستائر شفافة لا تكاد تحجب قطرات الدم المتناثرة على ضفاف الوعي الإنساني النازف ، وكان المشهد موحيا بعتمة الأنفاق التراجيدية فأنطق الشعراء بالشعر، والشاعر الأصيل لا يستأذنه الشعر في لحظة المأساة، فكتب الدكتور غازي القصيبي قصيدة يرثي فيها الفتاة متألما متوجعا بما اضطرت إليه من إقدام على الاستشهاد، ونشرت القصيدة وبدا لبعضهم أن يترجمها ، فسعى الأمريكيون بغازي القصيبي لدى الحكومة البريطانية أن يغادر السفير منصبه ولم تمهله بأدنى الوقت، فغادر دون أن يؤدي الواجبات التي تمليها الأعراف من توديعات رسمية أو بروتوكولية، وهذا ما كشف تفاصيله محمد حسنين هيكل على شاشة الإعلام الفضائي (دريم2 بمناسبة6 أكتوبر2002) أما السبب فهو التحريض على الإرهاب.
وبدا جليا واضحا أن المصطلح اللغوي الذي استعمله الشاعر وهو الاستشهاد معرضا عن البدائل الأخرى (الانتحار – الإرهاب – الكاميكاز) هو الذي أفضى بحتمية رياضية مطلقة إلى اتخاذ قرار سياسي قد يكون الأول من نوعه في تاريخ العلاقات الدولية جميعها. وهذا هو مرمانا المتعين في هذا السياق. والأهم هو أن الدبلوماسي الشاعر الذي كرمته حكومته بإسناده حقيبة وزارية لم يتكتم على الخبر، بل إنه يحمله كالنجمة المضيئة على كتفيه، وحين حاورته صحيفة (الفينيق) (عمان1-11-2002) آثر أن يقدم نفسه بالعبارات التالية:
المهنة السابقة: سفير وعميد السلك الدبلوماسي في بريطانيا قبل أن يكتب قصيدة للاستشهادية آيات الأخرس.
ودون أن يخل الباحث بوصايا الرصد والموضوعية له أن يستدعي عبر الذاكرة المتيقظة ما كان عشية (11-9-2001)(على قناة السي آن آن) روبرت أوكلي رئيس جهاز مكافحة الإرهاب في فترة الرئيس ريغن (ليس الفلاح أن تكتشف الولايات المتحدة الفاعل ولا أن تعاقب دولة ضعيفة إنما النجاح أن تفسر هذا الكم الهائل من الحقد عليها بحيث يرمي الناس أنفسهم للهلاك حتى تهلك هي).تلاحقت الأحداث وبعد فترة وجيزة (14-1-2004) أقدمت ريم الرياشي المتزوجة والأم لطفلين على عملية أخرى مهاجمة العساكر الإسرائيليين على معبر إيرز، فلم تتردد الصحافة السعودية في إعلاء شأن المصطلح الأوفق ناعتة إياها بالإستشهادية في تغطية مستفيضة (الرياض15-1-2004) بينما ركنت صحف عربية أخرى إلى اللفظ الذي قد لا يورط كثيرا في ميثاق الانخراط الدلالي وهو الفدائية (الشروق15-1-2004).
فأيهما أرجح: سلطة اللغة في السياسة أم سلطة السياسة على اللغة؟ يوم (27-9-2005) وبمناسبة مؤتمر دولي انعقد في طرابلس، تحدثت عائشة القذافي كريمة العقيد معمر القذافي عما آلت إليه الأوضاع في العراق، وإذا كان عليها أن تتخذ داخل أسوار اللغة موقعا يلزمها بالانخراط الدلالي لم تختر لفظ الإرهابيين ولا حتى الاستشهاديين وإنما آثرت أن تتحدث عنهم بلفظ المقاومين فما لبث أن صدر عن البيت الأبيض اتهامه إياها بالتحريض على الإرهاب (جون أفريك،ع 2335،9-10-2005) وعائشة القذافي محامية سبق أن عبرت عن رغبتها في الدفاع عن صدام حسين.
تلك شواهد وغيرها أكثر منها أن إرادة التحكم السياسي أصبحت تتوسل بمقاضاة النوايا وتجريم المقاصد من خلال أداة اللغة، وهذا ما يفسر الإصرار على تحديد اللفظ المسموح باستعماله دون غيره من البدائل التي تبيحها دلالات المعجم اللغوي، وليس جزافا أن يمعن الرئيس الأمريكي في التذكير (بأن الذين يفجرون أنفسهم هم قتلى) وذلك في (4-4-2002) بناء على الحادثة التي تستقطب كل آلياته الذهنية، رغم أن مصطلح القتل في حد ذاته لا يحمل في مضمناته مرجعية قيمية مطلقة:فبين قتل البريء، وقتل الإنسان لنفسه، وقتل الأطباء للمريض اليائس من نفسه، والراغب في الموت، مسافات من الجدل وفوارق الرؤى.
تحول الأداء اللغوي سيفا مسلولا على الأعناق، وتحولت الكلمات إلى إشكاليات سياسية مستعصية، فقد كان معروضا على مجمع الفقه الإسلامي المنعقد بالدوحة في دورته الرابعة عشرة خلال شهر جانفي2003 البت في مسألة الاستشهاد، وكان نص القرار المعروض يقول (يؤكد المجمع أن العمليات الاستشهادية، هي جهاد وحق مشروع، وهي ليست إرهابا أو انتحارا، وهي واجبة إذا ما تعينت بأنها الوسيلة لوقف العدو، أو رده، أو التنكيل به) ولكن المجمع لم يتوصل إلى أي وفاق فقرر تأجيل النظر في الموضوع، ولكن الطريف أنه حين دون قرار التأجيل تحاشى أن يستعمل اللفظ أصلا، ولاذ بما اعتبر أنه المصطلح الفقهي وهو(الانغماس في العدو) فقال (وأما ما يتعلق بالانغماس في العدو فقد رأى المجلس تأجيله إلى دورة لاحقة لإعداد بحوث مستقلة فيه)- (الشروق 18- 1-2003).
الشهيد لفظ مرآوي اتسعت دلالاته منذ التراث، فأخرجه النص من سياق القتال إلى سياق الحوادث النازلات على الأفراد، فدخل تحت ظلاله الغريق والمبطون وهو الذي ابتلعه الحوت وضحايا الحريق والتي أماتها مخاض الوضع والذي ذهب به وباء الطاعون. وفي أدبيات السياسة العربية تحول ( الشهيد) إلى لفظ سحري يقف على حد السيف بين مجاز لا يأخذ به أساطين السياسة الدولية وحقيقة يتربصون بها وبمن يجنح ناحيتها. ولكنه بحد ذاته لفظ صنع جزءا غير يسير من تاريخ الأنظمة العربية القائمة، وليس مستهجنا أن يتخذه الباحث عدسة مجهرية يقرأ من ورائها فصول القصة السياسية الكبرى.
ربما عرف اللفظ مجده إبان حروب التحرير فكان أحد زوجين متقارنين: المجاهد والشهيد، وهما اسمان لمسمى واحد يطلق الأول قبل لحظة الفداء ويرسل الثاني ابتداء منها، ولم يكن يتعتم الأداء اللغوي بأي غمام يشوش عليه انسيابه، لأن التأويل كان محكوما بمعايير التواصل ومتوائما وسط خيمة الميثاق الدلالي، مذعنا في كل ذلك فقط إلى العرف الاصطلاحي. فقد كانت اللغة ملكا للمجموعة التي تتداولها قبل أن تتحول شيئا فشيئا إلى أداة يملكها الذي يملك أمر الناس، ثم استباح ملكها من بيده قرار الأمر الدولي. إن الذاكرة اللغوية العربية مشحونة بالتداعيات الرامزة: (بلد المليون شهيد) شعار يتحلى باللّفظ وإيقاعاته، فهو أجمل وأنفذ حتى ولو ثبت أن عدد الشهداء قد كان مليونا ونصف المليون، وسحر لفظ الشهيد يزكيه سحر لفظ العدد وقد صادف أن صيغته الصرفية ونبرات الأصوات التي تركب منها أتت على ما تألفه الأذن العربية وتسيغه. وبناء على إيقاع لفظ العدد ذاك وما تراكم معه من نغم شجي نحا القوم نحو القياس فاستبدلوا بساحة الوغى فضاء الإبداع لإعلاء شأن الموهبة تأكيدا لأصالة الانتماء فقالوا (بلد المليون شاعر) وكان من هذا الشعار وذاك صدى لمن تغنى بجنة الأرض وخصبها فقال (بلد المليون نخلة) ولا تخلو الذاكرة الثقافية من إرث كامل حام حول النخلة امتطى بعضه موارد الأساطير حين فسرت نشأتها بقطعة الطين التي أخذها الملائكة من جسد آدم قبل الروح وألقوا بها على الأرض... حتى قال بعض العامة عن النخلة إنها عمة لبني آدم...
شيقة جدا هي الرحلة التي قطعها لفظ الشهيد في خطاب السياسة العربية المعاصرة. وفيها مشاهد تغني برمزيتها عن الإفاضة، فأول عراقي سقط في الحرب العراقية - الإيرانية أطلق عليه لقب الشهيد، وأول إيراني سقط سمي هو الآخر شهيدا، واستمرت ملحمة التعاضل اللغوي زهاء العقد وكانت الدلالة بواسطة اللغة تعيش مأساتها على مدى الأعوام. ومن بوسعه أن يحسم المعضلة اللغوية بقول فصل إلا أن يركب صهوة الاجتراح السياسي.
وكانت لوحة أخرى لاتقل عن الأولى في عجبها السريالي: أنور السادات يغتاله في (- 10-1981) جمع باسم الشهادة وإقامة الحد، ومن لقي مصرعه في ذلك اعتقد أنه شهيد ، وبعد 22 عاما في (15 – 7 – 2003) نطق زعيم الجماعة الإسلامية كرم زهدي فقال من سجنه (إن السادات مات شهيدا في قتال فتنة ولو عاد بي الزمان ما اشتركت في قتله) كما جاء في ملف الجريمة السياسية (قناة الجزيرة 20- 10- 2005). واغتيل رفيق الحريري (14-2-2005) فأطلق الجميع عليه لقب الشهيد بمن فيهم الذين أدانهم تقرير القاضي الألماني ديتليف ميليس حين قدمه إلى كوفي عنان (20-10-2005) ثم انفجرت الأصوات من لبنان وغير لبنان في إجماع كلي على اللفظ اللغوي الواحد، واللقب السياسي الواحد: الرئيس الشهيد.
إن لكلمة الشهيد في السياق العربي لوحات مخضبة ومكللة بنحيب البكاء: عندما اشتد الحصار على ياسر عرفات، وبلغ حدود الأقاصي في شهر مارس 2004، أرسل صيحته دون عويل: (يريدونني أسيرا أو طريدا أو قتيلا، أنا أقول لهم: سأكون شهيدا، شهيدا، شهيدا). وإذا باللفظ يعتصر لباب المشهد الدرامي دون أن يختزله، ولكن للكلمات ذاكرة أشد وقعا على الإنسان من ذاكرة الإنسان، وإن لها في الضمير الحيران إيذاء كالمدية إذا داعبت بحدها جروحا لم تندمل. فحين كان ياسر عرفات محاصرا في بيروت (1982) اتخذ شعارا يردده صباح مساء، كان يصدع بالقول (هبت رياح الجنة) فكان يفضي بمدلول الشهيد ويتكلم على داله، كان يغازل المعنى من وراء حجاب اللفظ، كان على الأرض التي تؤلف بين الثقافات ثقافة الفداء بالتضحية الذاتية وثقافة الافتداء سعيا إلى الخلود.
لئن كان للفظ سحره فإن لقصة السياسة عبر الكلمات ألف سحر وسحرا. في توالج سلطة اللغة والسياسة مفارقات يعجب لها الساسة أيما عجب لو صبروا على تفهمها، ويستلذ بها الراصد إذا ما تولى بنفسه تفكيك شفرتها. إن اللفظ في السياسة يحمّل صاحبه مسؤولية استعماله وغالبا ما يحمّله أيضا تبعات تأويله، وقد يأتي من اللغة على صاحبها ما لم يحدس بمجيئه، لذلك تعتري صانع الخطاب ارتباكات تتقلب به بين أطراف السياق: يوم(14-12-2003) ألقي القبض على رجل يتعذر على أي إنسان أن يورد اسمه عاريا من صفة يختارها لتتصدر لقبه أو كنيته، وسنتعمد لدواع منهجية أن ننزع عن الاسم صفته مستلين إياه من السياق كما لو كان نكرة من النكرات، إنه صدام حسين. بول بريمر، الحاكم العسكري في بغداد، بدأ كلامه وهو يعلن الخبر باستعمال ضمير الغائب ( لقد تمكنا منه) ثم أردف البيت الأبيض مسحة أخرى فتحدث عنه بوصفه ( مجرم حرب) وتبعه في ذلك ذوو السلطة القائمة يومئذ في بغداد. واندلع جدل حول الألفاظ الناعتة، فالأمريكيون لم يتحروا في ما يستتبعه المصطلح الذي اختاروه: من سيحاكم مجرم الحرب؟ بل ومن الذي أوقد فتيلها؟ ثم من بجيوشه خرج من أرضه فغزا أرض الآخرين؟
في (4- 1- 2004) اجتمع المحامون العرب في القاهرة فأصروا على أن صدام حسين في حيثيته تلك ليس (مجرم حرب) ولا هو (أسير) وإنما هو (مختطف) فارتبكت مرجعيات القانون الدولي لأن تلك الصفة تستتبع إقرارا بحصول حادثة تصنف ضمن الإرهاب الدولي، وبعد أربعة أيام أعلنت الإدارة الأمريكية أن صدام حسين (أسير حرب) متخلية بذلك في سرعة لافتة عن خيارها اللغوي الأول مثلما سبق لها أن تراجعت بالسرعة نفسها يوم أعلن الرئيس جورج بوش مساء تفجير الأبراج أن الولايات المتحدة (في حالة حرب) فتهاطلت من الغد قائمة الاستحقاقات التي تخولها القوانين في فترة الحروب ومن أعظمها شأنا الإعفاءات التي يمكن أن تستفيد بها شركات التأمين فتتنصل من كل التزاماتها المترتبة عن تفجير الأبراج.
صفة (أسير حرب) لم ترق مجلس الحكم الانتقالي في بغداد فأعلن في (8-1-2004) انه فوجىء بخيار الإدارة الأمريكية وأنه لم تقع استشارته. وتتالت الأحداث ولم تنطلق محاكمته إلا يوم (19-10-2005) واختير أن يحاكم فقط من اجل ما يعرف بأحداث الدجيل التي تعود إلى (8-7-1982) وإذا بالبدائل اللغوية الثلاثة تسقط بحكم قانون العرف الدلالي، فلا هو يومها تحديدا مجرم حرب ولا أسير حرب ولا مختطف، ولذلك كادت تجمع اللغة الإعلامية في غير ما حرج على أنه (الرئيس العراقي المخلوع) فبموجب صفته تلك كان يحاكم بينما اتجهت الوكالات الأجنبية وجهة أخرى فتحدثت عنه بلفظ(الدكتاتور السابق) غير مبالية بالالتباس الدلالي الذي قد يدفع إلى الظن بأن القائم بعده ساعتها هو دكتاتور لاحق.
ويتجدد التسآل على درس استكشاف ما يثوي وراء اللغة من خبايا السياسة، وما يقبع وراء السياسة من أفخاخ اللغة، إذا استسلمت اللغة انتهكتها السياسة وإذا غفت جفون السياسة عبثت بأهدابها اللغة.
طباعة >> | إغلاق
النافذة >>