حقوق الإنسان بين الفكر السّيادي والفكر الوصائي
المنذر الرّزقي
باحث في العلوم السّياسية ـ تونس
إذا كان الفكر السيادي قد تجذّر ضمن أغلب الدّول المستقلّة حديثا والتي عانت من ويلات الاستعمار الغاشم الذي امتدّ إلى أواسط القرن الماضي، فإن الفكر الاستعماري لا يزال حيّا شديد المراس يتوثب للظهور وفي أكثر من مناسبة. فلا يستحي من صنع الذرائع وابتداع الأقنعة لينتهج منهجا وصائيا على شعوب أبيّة لم يدرك، بل يسيئه أن يدرك بعد نصف قرن من الاستقلال أنّها باتت سيّدة أمرها ومقرّرة مصيرها ومتمسّكة بقيادتها، لا سلطان عليها إلاّ ما تختاره لنفسها.
وحدود هذا الفكر الاستعماري في صيغته الوصائية لا تقف عند بعض نخب القوى الاستعمارية الغربية المعروفة بانتماءاتها وبالمصالح التي تحرّكها بل تتعدّاها لتشمل قلّة من أبناء الأوطان المستهدفة التي تنزلق في متاهات تغذيته طمعا في شرعية وهمية قد تتحقّق عبر المسالك الأجنبية. والفكر السيادي يتعارض مع هذا الفكر الوصائي في دوافعه الاستعمارية المقيتة، وفي مضمونه السّطحي التجزيئي التمييزي، وفي شكله التسويقي الهابط الذي يتجاهل ذكاء الشعوب ووعيها.
وإذا كان بسط النفوذ من أجل استنزاف الثروات قد شكّل السّمة الجلية للفكر الاستعماري فإن ذرائع الفكر الوصائي قد باتت عديدة وأقنعتها مختلفة وقنوات تدخلها متنوعة بحسب الدوافع الحقيقية للأطراف المصدّرة لهذا الفكر وبحسب القيمة الجغراسياسية والجغراقتصادية التي تمثلها الأوطان المستهدفة سواء في منظور المصالح الذاتية المشتركة لهذه الأطراف أو من منظور تضارب المصالح بينها وما يفرزه من مواجهة غير مباشرة يغذيها التنافس الشرس من أجل السيطرة على من المزيد المواقع.
وإن الأحداث المأساوية المتعاقبة التي يشهدها العالم منذ أواخر القرن الماضي تترجم "المساعي" الوصائية التي يحرّكها حبّ الهيمنة في شتّى أبعادها انطلاقا من السياسية مرورا بالاقتصادية والثقافية ووصولا إلى العسكرية عند الاقتضاء. مساع وجدت في الفراغ الذي تركه انهيار المعسكر الشيوعي المجال الأنسب لإطلاق العنان لمبادراتها "الخيّرة" شرقا ثمّ جنوبا عموما، ومشرقا على الوجه الخصوص. كما وجدت في "الإنسان" ضالّتها لترفعه عنوانا أصليا تبريريا لكافة أشكال التدّخل حتّى ما استهدف منها حرمة الإنسان ذاته، وما انتهك منها مبادئ أممية خلناها ثابتة فإذا بها تعاد صياغتها وفق إيقاع ترسمه بعض العواصم المهيمنة، وتباركها العواصم السّابحة في فلكها، ولا يملك المنتظم الأممي إلاّ أن يجاريها، حتّى وإن حدا به نسق المجاراة إلى التنكّر إلى أحد الأسس التي أنشئ من أجلها ألا وهو إقرار المساواة بين الشعوب وحقها في تقرير مصيرها.
فليس من الغريب أن تزدهر سوق فلاسفة التدخل في الشؤون الدّاخلية للدول من أجل "الدفاع عن الإنسان" في زمن صارت توفّر فيه هذه السوق الذرائع الأخلاقية لسلب الشعوب حريّاتها وأبسط حقوقها ألا وهو حقّها في السيادة وحقّها في تقرير مصيرها. وحتّى لئن كان هذا الرأي في ظاهره حق فإنّه، وفي شتّى التطبيقات التي شهدها، أثبت بطلان الأهداف التي يرمي إلى تحقيقها.
فمتى كانت إثارة الحروب الأهلية وحبك الانقلابات وتنصيب القيادات الموالية يرمي إلى خدمة الإنسان ؟ ومتى كانت حروب الإبادة والاستنزاف ترمي إلى نشر الحريّات وإلى صون حقوق الإنسان وإرساء الأنظمة الديمقراطية ؟ ومتى كان هتك الأعراض واستباحة الكرامات والنّيل من الذات البشريّة يدخل في خانة الذود عن حقوق الإنسان ؟ ومتى كانت نصرة حقوق الإنسان ونشر السعادة البشرية ضمن اهتمامات أنظمة تركّز اقتصاديات دولها على إدارة الأموال القذرة الملطخة بدماء الشعوب والمعمّقة لمآسيها؟ ومتى كانت تغذية أسباب الفرقة والخلافات والضغائن في صفوف الشعوب تكترث بوضع الإنسان ؟ ومتى كانت استضافة البدائل الوهمية للقيادات الشرعية وتربيتها على الخيانة والتنكّر للمصالح الوطنية من قبيل حب الخير للبشرية ؟ ومتى كانت حقوق الإنسان تتلوّن بلون البشرة وتختلف باختلاف العرق وتتابين بتباين المعتقدات فتتشكّل حسب الأوطان والجنسيات والأديان ؟ وكيف يرافق الصمت الرهيب تقتيل الآلاف، وكيف تلازم اللاّمبالاة جرائم الحرب اليومية التي تقترف في حق الشعوب في بعض الأوطان، في حين تهتزّ الدنيا لمجرّد جرح البعض في أوطان أخرى ؟ فهل تكون للنفس البشريّة درجات كما يراد لأن تكون لحقوق الشعوب في امتلاك ألوان المعارف والتكنولوجيات مراتب؟
إنّ السّاحة الدولية بما تشهده من أحداث دامية ومتسارعة تفضحها عولمة الإعلام لا تسمح لأيّ كان بأن ينتصب خطيبا أو داعية أو واعظا أو مرشدا للآخر في مادّة حقوق الإنسان دون أن تخونه نزعته الوصائية الاستعمارية. فالأجدى لهذه الحقوق أن تبقى مسألة داخلية ومحليّة في تكريسها حتّى وإن كانت كونية في جوهرها.
ولئن كانت المساعي الوصائية تتوفق في فرض هيمنتها في بعض الحالات تحت غطاء حقوق الإنسان منتهزة في ذلك بعض الظروف الخصوصية المحلّية الميسّرة فإنّها لا تفلح في جميع الحالات. إنّها لا تفلح عندما تواجه حصنا وطنيا شامخا شيّده تاريخ شعب بأسره خبر الآثار المدمّرة للتدخّل الأجنبي مهما كانت أشكاله ومهما أخفى أطماعه، ودأب على مقاومته ورفضه مهما كانت المغريات الزائفة التي يلّوح بها. كما تنهار عندما تواجه حضارة شعب تقوم في جوهرها على إجلال الإنسان ممّا جعلها مصدر إثراء للمنظومة القيمية الكونية. وتنتهي بالتلاشي عندما تلاقي قيادة شعب أدركت كيف تجمع الإرادات حول بناء مشروع مجتمعي وطني موحّد يشكّل الحصن المنيع والدّرع الواقي الذي تنكسر عليه أمواج الفكر الوصائي المتتالية والمتماثلة في نواياها والمتبانية في مظاهرها، والتي تشكّل في حدّ ذاتها حافزا إضافيا لشحذ عزائم الصمود وإذكاء إرادة المقاومة.
ولعل التفاعل التونسي مع مثل هذه المحاولات يشكّل في حدّ ذاته نموذجا لتعارض الفكر السيادي مع الفكر الوصائي في مقاربة مسألة الدّيمقراطية بشكل عام وموضوع حقوق الإنسان بشكل خاص. بل هو نموذج نجاح دولة صاعدة، حديثة العهد بالاستقلال، ومحدودة الإمكانيات المادية، في تشييد مقوّمات السيادة الوطنية، وفي قطع الطريق أمام محاولات التدخّل المتعددة والمتكرّرة، وفضح النوايا الدّفينة التي تحركّها. لقد تحقّق ذلك من خلال فرض رؤية سيادية لحقوق الإنسان ورفض النماذج المسقطة النّاجمة عن إملاءات أطراف لا تهمّها الأوضاع الإنسانية لشعوب الجنوب ولا تكترث بالصّيغ المثلى للنهوض بالإنسان في الدول المستهدفة بقدر ما يهمّها فرض الهيمنة وبسط النفوذ وخدمة مصالحها الذاتية في المقام الأوّل وترويج صورة وهمية تنزلها منزلة حمامة السلام ومَنْ يسخر حياته في نصرة حقوق الإنسان.
ولا شك أنّ نجاح النموذج التونسي لا يستند إلى قصور في المنهج الوصائي العنيد بقدر ما يكمن في سلامة المقاربة الوطنية لحقوق الإنسان التي تستند إلى فكر سيادي يجعلها وطنية المنابع، شمولية النظرة، كونية الأسس، سيادية المنهج.
بين أصالة الفكر السيادي وإملائية الفكر الوصائي:
ينحو الفكر الوصائي منحى إسقاط حقوق الإنسان على الشعوب المستهدفة في شكل قوالب جاهزة تصاغ في لغة إملائية لا تأخذ بتاريخ الشعوب ولا بحضاراتها ولا بثقافاتها ولا بواقعها ولا بخصوصياتها التي تشكّل إراداتها، لتقدّم في ثوب الوصفة المثلى التي لا تقبل النقاش باعتبار مصدرها الغربي الذي يتنزّه في رأي مروّجيه عن كلّ عيب، بل وينزّل منزلة النص الإلاهي. فحقوق الإنسان من هذا المنظور لم تبرز للوجود إلاّ في إطار الحضارة الغربية، وهو ما يعكس ضربا من ضروب التعسّف على التّاريخ وعلى مسار تفاعل الحضارات، والتنكّر لإسهاماتها في نحت المنظومة القيمية التي باتت تشكّل رصيدا مشتركا للبشرية جمعاء. هذه المقاربة التي تنزلق في اتجاه الدغمائية والتحجّر لا تملك من المرونة والتفتّح ما يؤهّلها لإدراك ما للشعوب الأخرى من قدرات على الإبداع الحضاري والارتقاء الذاتي والسبق أحيانا والمحاكاة أحيانا أخرى، في إطار التفاعل الحضاري مع ما تقتضيه خصوصيات كل شعب من تهيئة وملاءمة. لذلك نجد هذه المقاربة في تعارض جذري مع المقاربة التونسية التي تنهل في المقام الأوّل من ينابيع الدّين الإسلامي الحنيف الذي كان سبّاقا في السموّ بالإنسان وتكريمه عبر منظومة قيمية تتجاوز في إجلالها للإنسان دائرة المسلمين لتشمل البشرية جمعاء.
كما تستلهم من رصيد أعلام الفكر التونسي مثل العلاّمة عبد الرّحمان ابن خلدون الذي جعل الإنسان جوهر النّظر تاريخا وعمرانا في "مقدّمته " الشّهيرة في رؤية تنويرية غير مسبوقة.
كما تغوص في عمق التّجارب الوطنية في مجال النّهوض بأوضاع الرّعية مع روّاد الفكر الإصلاحي التّونسي مثل أحمد ابن أبي ضياف وخيرالدين باشا وما توفّقوا إليه من إنجازات حداثيّة في ذلك العهد كإبطال بيع الرّقيق سنة 1846 ومنع الاتّجار بهم وعتق جميع المماليك بالبلاد التّونسية، ووضع قانون عهد الأمان سنة 1857 الذي أقرّ حرّية التديّن والمساواة في الحقوق العامّة، وإصدار دستور 1861 تطبيقا لأصول عهد الأمان في ضبط قواعد نظام الحكم وتنظيم السّلطات بالبلاد وصون حقوق الرّعية لدى الحكّام.
وهي تستند إلى المخزون الزّاخر للحركة الوطنية الباسلة في سائر حلقاتها الموصولة المكلّلة بأرواح الشهداء الطاهرة من أجل التحرّر والإنعتاق من وطأة استعمار غاشم، لاستلهام رصيد قيمي رفيع دفع الشعب ثمنه دماء زكية سقت الأرض لتنبت يوم 20 مارس 1956 شجرة الحرية وينطلق التونسي في صياغة حقوقه الذاتية في إطار ملحمة تصاعدية انطلقت مع دستور 01 جوان 1959 وتجدّدت مع التعديل الدستوري الجوهري المؤرخ في 01 جوان 2002.
فالشعب التونسي بما يتوفر لديه من ينابيع وطنية أصلية في مادّة حقوق الإنسان ودون التنكّر إلى القيم الصّادرة عن الحضارات الأخرى والتي ارتقت إلى مرتبة الكونية، لا يمكن أن يقبل النماذج الجاهزة المسقطة بصورة علوية أوّلا لأن الجسم الاجتماعي يمجّها في شكلها المستورد، وثانيا لأنّها في جوهرها لا تحقّق الإضافة مقارنة بالقيم الأصلية، وثالثا وأخيرا لأن صون حقوق الإنسان ينبع من إرادة ذاتية متشبعة بالخصوصيات المجتمعية الوطنية ومتجذرّة في الفكر السيادي الذي ينْأى بها عن الرّضوخ للفكر الوصائي.
بين شمولية الفكر السيادي وتجزيئية الفكر الوصائي:
لمّا كان الفكر الوصائي يتحرّك من منطلقات حب الهيمنة وفرض السيطرة وبسط النفوذ، ولمّا كانت حقوق الإنسان من هذا المنظور لا تعدو أن تكون قناعا يخفي نوايا استعمارية دفينة ومطية لاستباحة التدخل في الشؤون الداخلية وذريعة لخرق مبدأ السيادة، فمن الطبيعي أن تكون نظرته إلى حقوق الإنسان تجزيئية لأنها تتماشى والأغراض الهدّامة التي يتأسّس عليها هذا الفكر. فالاهتمام يتركّز على الجزء لبحث مواطن الضعف، فإن تعذّر ذلك يقع السعي إلى رصد الحالات الشاذّة، وإن غابت هذه الحالات فيقع ابتكارها وصنعها من عدم إن لزم الأمر. هذه الحالات المبتكرة أحيانا والشاذّة أحيانا أخرى والتي تقل عن النسب المألوفة في دول "الوصاية" ذاتها، هي التي تعتمد في استراتيجية الهدم التي يتوخّاها الفكر الوصائي عبر أساليب التعميم المتعمّد الذي ينتهج الحكم على الكلّ انطلاقا من الجزء، ويروم التقليل من شأن النجاحات الباهرة المسجلّة وتجاهلها التّام عند الاقتضاء مقابل التركيز على بعض النقائص الجزئية والبسيطة التي قد تلوح أحيانا مع الحرص على تضخيمها وتهويلها، بل وتحويلها إلى مقاييس أساسية للحكم على منظومة بأسرها.
أمّا الفكر السيادي فإنّه في مقاربته لحقوق الإنسان لا يروم إرضاء جهات أجنبية وإنّما الاستجابة الحقيقية لانتظارات الشعب في الحياة الكريمة التي لا تتحقّق إلاّ في إطار نظرة شمولية لحقوق الإنسان في مختلف أبعادها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية مع ما يرافق هذه الأبعاد الأساسية من تلازم وانسجام. فالحقوق الاجتماعية لا تستقيم بمعزل عن الحقوق الاقتصادية، والحقوق السياسية لا معنى لها في غياب الحقوق الاجتماعية. وإذا كانت هذه المقاربة الشمولية تقوم على معادلة توفيقية دقيقة وصعبة بين حقوق الإنسان في مختلف أبعادها فإنّ ما يؤمّن نجاحها هو استنادها إلى منظومة قيمة متجانسة مشتركة لكافّة مكونّات الشعب تشكّل بدورها الأساس المشترك لبناء المشروع المجتمعي المنشود. تلك هي السبيل الأضمن لتحقيق التكريس الفعلي والمفيد لحقوق الإنسان بعيدا عن المزايدات المفضوحة التي يمارسها الفكر الوصائي والتي تجلّت نتائجها في عدد من الأوطان حيث تراجعت فيها حقوق الإنسان إلى عصور الظلّمات بفعل المقاربات التجزيئية التي بادرت بهدم المكاسب دون أن تنجح في زرع البدائل لأنّ النماذج الجاهزة محكوم عليها مسبقا بالفشل لا سيما إذا سبقتها عملية تدمير شاملة للمقوّمات الحضارية والثقافية والتاريخيّة للشعوب المستهدفة.
بين كونية الفكر السيادي وقطرية الفكر الوصائي :
ينطلق الفكر الوصائي من قاعدة أصلية تسند حقوق الإنسان مصدرا أوحد ومنشأ حصريا في الغرب في العهد التنويري، كما تنسب تطبيقاتها المثلى وممارساتها النموذوجية إلى دول الحضارة الغربية. فتنحصر رؤية هذا الفكر لحقوق الإنسان في هذا المنظار الضيّق الذي يفرض اعتماد منهج نقليّ بحت ينزل المثال الغربي منزلة النموذج الأوحد، ويتجنى على الخصوصيات في سعي إلى إشاعة أنماط حضارية وثقافية مقيّسة على النموذج الغربي الذي يقدّم على أنّه المثال المنشود بالنسبة للإنسانية جمعاء. فبقدر ما يثبت السعي إلى محاكاته والتماثل معه بقدر ما تصدر شهادات الرضا والاستحسان حتى إذا كانت النتائج كارثية على الشعوب المعنية، وبقدر ما يكون الابتعاد عن النموذج الغربي المسقط بقدر ما تتبدّى مواقف الاستهجان والاستنكار ويفتح باب المزايدات على مصراعيه حتى وإن كانت النتائج إيجابية لفائدة الشعوب المعنية.
أمّا الفكر السيادي فعلاوة على كونه يؤثر النهل من مرجعيّاته الحضارية والثقافية في مقاربة حقوق الإنسان فإنّه يروم مفاضلة ما ارتقى منها إلى مرتبة الكونية واستقرّ في الرّصيد المشترك للإنسانية الجمعاء الذي يسمو على أن ينطبع بلون حضاري أو ثقافي أو ديني أو قطري محدّد. بل إنه لا يستنكف من الاستلهام من هذا الرّصيد الإنساني الثري أوّلا لأنّه قد ساهم حضاريا في إثرائه، وثانيا لأنّ ما يدخل في هذا الرّصيد تكون قد ثبتت صلاحيته وتأكّدت جدواه لكافة الشعوب مهما تعدّدت الحضارات والثقافات الأصلية، وثالثا لأنّ عملية النهل والاستلهام من هذا الرصيد لا تخضع إلى الإملاءات بل تتم بصورة إرادية وبالنسق الذي يختاره المستفيد.
بين مرحلية الفكر السيادي واستعجال الفكر الوصائي:
إن نوايا الهيمنة والسيطرة الكامنة في جوهر الفكر الوصائي تدفع إلى إيثار فرجوية المشهد على نجاعة العمل واستدامة الفائدة. إنّ القوى الرّابضة وراء هذا الفكر لا تكترث بمخاطر الأسلوب وانعكاسات المنهج على التكريس الفعلي لحقوق الإنسان ذاتها بقدر ما تهتمّ بدرجة الامتثال إلى إملاءاتها والاستجابة إلى انتظاراتها في تطبيق وصفاتها الجاهزة واعتماد ما تسقطه من نماذج. فمن هذا المنطلق يكون الاستعجال هو المطلوب حتى وإن كان عبر القفز في المجهول، لأن في مثل هذه الحالات يكون الوقت محسوبا على أصحاب المبادرة إذ سرعان ما تسقط الأقنعة وتتجلّى النوايا الحقيقية فلا يتورّع هؤلاء من النطّ فوق الرّوابي للجلوس والفرجة وفتح ملفّ الوعظ والإرشاد في فصل جديد مطلعه تحميل الأمم شعوبا وحكاما مسؤولية ما يحدث، والظهور في نهاية المطاف في مظهر الفارس النبيل الذي يكرّس نفسه لخدمة الآخرين ويحقّق من خلال هذه الخدمات ما يصبو إليه من هيمنة وبسط للنفّوذ.
أمّا الفكر السيادي الذي يتحرّك من منطلق الاستجابة لانتظارات الشعب وتطلعاته إلى حياة تتحقّق فيها دوما درجات أرفع من الكرامة والازدهار فإنّه لا يتناول مسألة حقوق الإنسان في إطار مقاربة سطحية متسرّعة تختزل القضية في مظاهر التقليد الأعمى لأنماط مسقطة، وإنما يتناولها بالعمق الذي يؤمّن الملاءمة بين عناصر التجديد وخصوصيات الرّصيد، ويهيئ الأرضية الاجتماعية والسياسية المثلى لاستيعاب منظومة بأسرها. فمسألة حقوق الإنسان من منظور الفكر السيادي لا تتلخصّ في إعلان المبادئ وإصدار القوانين فحسب بل إنّها تشمل الممارسة التي من خلالها تقيّم التجارب وهو ما يتطلب استراتيجية عمل واضحة المعالم وتخطيط محكم على المدى البعيد والمتوسّط. تخطيط يطال تربية الناشئة على قداسة حقوق الإنسان في بعدها الكوني، ويعطي الأولوية إلى تأمين المسالك الناجعة لنشر ثقافة حقوق الإنسان في صفوف كافّة المواطنين.
وهذا يقتضي اعتماد منهج متدرّج في مراحله وثابتا في أهدافه. كما يستوجب إحكام اختيار نسق البناء الذي يتلاءم وخصوصيات كل شعب بما يجنّب استسهال الرّسالة تحت ضغط الآخر والانزلاق في متاهات التسرّع وما تحمله من مخاطر الانتكاس وهو ما يتناقض مع جوهر الفكر السيادي.
إن الفكر السيادي في تونس ليس بناء نظريا منعدم الجذور بل هو إفراز حسّ وطني عميق شكّل سمة أصليّة تميّز بها شعب هذه الأرض على مرّ العصور. سمة اخترقت الحضارات التي تداولت على هذه الرّبوع دون أن يخفت نورها بل إنها باتت تمثل أحد ركائز الهويّة الوطنية. ذلك ما يبرز للعيان من خلال تاريخ تونس المعاصر. فالمرحلة الأولى التي تقابل مرحلة الاستعمار أو مرحلة اغتصاب السّيادة، قد شهدت بروز الحسّ السّيادي، فتحوّلهُ إلى معركة تحريرية لم تنته إلاّ باسترجاع السّيادة التي كان عنوانها الاستقلال.
والمرحلة الثانية التي انطلقت مع الاستقلال وشكّلت مرحلة بناء الدّولة بما يوطّد أركان السّيادة في مفهومها التّقليدي الذي يذوب بمقتضاه كلّ شيء لتتحقّق كينونة الدّولة.
أمّا المرحلة الثّالثة فهي المرحلة التي تعيشها تونس منذ التحوّل السّياسي الذي شهدته يوم 7 نوفمبر 1987، وهي تشكّل مرحلة ترشيد السّيادة على ضوء اختيارات وطنية تضع الإنسان في جوهر اهتمامات الدّولة دون إغفال ما تشهده السّاحة الدّولية من متغيّرات وما لها من تأثير على مفهوم السّيادة بشكل عام.
فمن هذا المنطلق الفكري السيادي وحده، وبإرادة ذاتية تترجمها رؤية خصوصية ويعكسها منهج ونسق وطنيان، تشهد حقوق الإنسان في تونس تكريسا فعليا تصاعديا وشموليا.
إنّه السّبيل الوحيد لمنع تسرّب الفكر الوصائي وقطع مسالكه الأصلية خارجيا وفروعه الموظفة داخليا حتّى وإن تستّر بقناع "الديمقراطية" وشهر سيف "حقوق الإنسان".
والفكر السيادي لا يناهض حقوق الإنسان في جوهرها وإنّما يناهض الفكر الوصائي في كلّ ما يتخذه من ذرائع تحت تسميات متعددة من "حقوق الإنسان" و"ديمقراطية" و"حريّات" و"امتلاك أسلحة دمار شامل" و"إبادة جماعية"، ذرائع فرض الهيمنة وتقاسم العالم إلى مناطق نفوذ بفعل الحنين إلى تاريخ استعماري ليس بالبعيد بات يشكّل لدى البعض، محل افتخار وإجلال وتمجيد.
ذلك هو الفكر الوصائي الذي يعارضه الفكر السيادي بما يتيحه من ثقة بالنّفس بعيدا عن مظاهر الانغلاق على الذات، واستنادا إلى منهج يروم التفتح على الآخر في إطار حوار متوازن بين الحضارات والثقافات والأديان نبراسه التفاعل الواعي والإيجابي بعيدا عن كافة أشكال التعصّب والإملاءات.
ولا مراء في أنّ خطاب الرّئيس زين العابدين بن علي يوم 10 ديسمبر 2005، تخليدا لذكرى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، يشكّل نموذجا يحتذى في باب المقاربة السيادية لحقوق الإنسان.
طباعة >> | إغلاق
النافذة >>