المجلة
الإنتخابية الجديدة... والتعددية في تونس
القاضي الدكتور عبد
السلام دمق
جامعـي- مختص في حقوق
الإنسان-تونس
"فنحن حريصون
على أن تكون المجلة الإنتخابية في صيغتها الجديدة
إطارا تشريعيا يعزّز مكاسبنا في التقدم بالمسار التعددي".(1)
في إتجاه مراهنة تونس
الحديثة على تطوير مجالات الإصلاح وتأهيل الحياة العامة
ودعم الحريات وتعزيز سبل المشاركة، أذن الرئيس بن علي
بمناسبة الذكرى الرابعة عشرة للتحول بتحوير المجلة الإنتخابية
واستشارة الأحزاب السياسية فيما ترتأيه من مقترحات حتى
تكون المجلة الإنتخابية في صيغتها الجديدة إطارا قانونيا
متكاملا معزّزا للمسار الديمقراطي التعدّدي ومجسّما
للخيار الوطني الثابت وذلك بتطوير الحياة السياسية من
خلال تنظيمها ودعم الحريات وتوسيع سبل المشاركة في الحياة
العامة وفقا لمقتضيات الإصلاح الجوهري للدستور المؤرخ
في 1 جوان 2002. فهذا القانون الإنتخابي الجديد جاء
إذا تجسيما لما أعلن عنه الرئيس بن علي من إصلاحات جوهرية
بمناسبة الذكرى الرابعة عشرة (14) والخامسة عشرة (15)
للتحوّل وإدخالها حيز التنفيذ، فضلا على ملاءمة المجلة
الإنتخابية للإصلاح الجوهري للدستور الذي أرسى معالم
"جمهورية الغد".
وبقراءة أولى للمجلة
الإنتخابية نلاحظ أنها عرفت عديد التنقيحات والتي يمكن
حصرها في خمسة عشرة تنقيحا منذ سنة 1970. ومع التغيير
تتالت التنقيحات وتكاملت لتزيد المجلة الإنتخابية قدرة
على مواكبة تطور المجتمع والإستجابة لتطلعاته، ولتدعّم
مفهوم التعددية والذي برز جليا في بيان 7 نوفمبر 1987.
ويعتبر التنقيح الأخير
المؤرخ في 4 أوت 2003 التنقيح السادس عشر والذي يتناول
الإجراءات الجديدة لمراجعة القائمات الإنتخابية وشروط
مراقبة العمليات الإنتخابية، ودعم الترشحات لرئاسة الجمهورية
وتيسير شروط الحصول على المنحة المخصصة لتغطية الحملات
الإنتخابية للمترشحين وضمانات عملية توزيع البطاقات
الإنتخابية... كل ذلك لتدعيم المسار التعدّدي الديمقراطي
في تونس الذي أرساه الرئيس بن علي منذ بداية التغيير.
التعددية... دعم
للمسار الديمقراطي
"وإذ سبق أن
أكدنا أن التقدم بمسار التعددية في البلاد يحتلّ صدارة
اهتماماتنا الشخصية"(2).
أصبح مبدأ التعددية
في تونس مبدأ دستوريا بمقتضى الإصلاح الجوهري للدستور،
المؤرّخ في 1 جوان 2002 الذي أسس به الرئيس بن علي جمهورية
الغد والذي أجمع حوله الشعب، في إستفتاء رائع يجرى لأول
مرة في تاريخ تونس. فقد أكّد هذا الإصلاح أن الجمهورية
التونسية " تقوم على مبدأ التعددية". والتعددية
تعني التعددية السياسية، لكن أيضا التعددية الثقافية
والفكرية. فالتعددية إذا هي إختلاف الآراء والتنوع وإختلاف
البرامج...
فتعددية الأحزاب أصبحت
منذ قانون 3 ماي 1988 مسألة مكرّسة وملموسة، تدعمت بمقتضى
القانون الدستوري المؤرخ في 27 أكتوبر 1997. لكن أن
يدرج مبدأ التعددية صلب نص الدستور في نسخته الحديثة
(الفقرة الثانية من الفصل 5)، فهذا شيء هام لإعتبارين
إثنين :
الإعتبار الأول
: أن كل النصوص القانونية والترتيبية التي سوف تصدر
في المستقبل سوف تحترم هذا المبدأ، أي مبدأ التعددية،
بما يجعل دستوريا النص الذي يحترم هذا المبدأ ، أما
النص الذي يخالف هذا المبدأ، فهو نص غير دستوري، وما
تعديل النظام الإنتخابي بمقتضى القانون الأساسي عدد
58 لسنة 2003 المـؤرخ في 4 أوت 2003 إلا تكريس لمبدأ
التعددية، وتجذيره.
الإعتبار الثاني
: أنه في المستقبل سوف يجد كل حزب مكانه فيضطلع بدوره،
ويقدم كل حزب برنامجه وتصوراته، تكون عملية لبرامج سياسية
ملموسة... وفي هذا مصلحة لكل فئات الشعب مهما كانت إنتماءاتها
السياسية، ومهما كانت تياراتها... يمينا أو يسارا ضمن
تنافس سياسي نزيه وبناء ... لكن مع إبعاد كل الأحزاب
التي لا تحترم الديمقراطية وسيادة الشعب وقيم الجمهورية
وحقوق الإنسان... وهو ما نصّ عليه الفصل 8 من دستور
تونس بعد تنقيحه بموجب قانون 27 أكتوبر 1997.
ويعتبر هذا التدرج نحو
تعددية حزبية حديثة، من أهم ما سيتركه الإصلاح الجوهري
للدستور من أثر على المشهد السياسي في مستقبل تونس.
والتعددية هي دعم للديمقراطية
المحلية والإجتماعية وهو ما كرّسه التعديل الجوهري للدستور
بتاريخ 1 جوان 2002 من خلال إحداث غرفة ثانية إلى جانب
مجلس النواب والتي تسمّى "مجلس المستشارين"
والذي سيكون لها إختصاص تشريعي مسند، وفي هذا توسيع
مجال تمثيل الشعب ضرورة وأن الهدف من إحداث هذه الغرفة
الثانية هو تمثيل أوسع للجهات وهو ما يجسّم نقطة بارزة
في البرنامج الرئاسي المستقبلي الذي أكّد على فتح آفاق
أوسع أمام الجهات وتعزيز دورها في المسيرة الوطنية.
كما يكمن الهدف من إحداث هذه الغرفة هو تمثيل أشمل لمختلف
مكونات المجتمع من أجراء وأعراف وفلاحين... وكذلك كفاءات
وطنية ومحلية، وهو ما من شأنه أن يضمن مزيد الإلتصاق
بمشاغل كل فئات الشعب دون إستثناء، فالغرفة الثانية
ستكون ممثلة لكل فئات الشعب إثراء للوظيفة التشريعية
وللحياة السياسية التي سوف تمتاز مستقبلا بالتنوع والتعددية
دفعا للمسار الديمقراطي.
وتجسيما للمقتضيات
الجديدة للدستور بعد تعديله سنة 2002، وضع القانون الإنتخابي
الجديد والمؤرخ في 4 أوت 2003 آليات قانونية تؤمّن البناء
التدريجي للديمقراطية والتعددية، فَتَضَمَّنَ أحكاما
خاصة بتركيبة مجلس المستشارين، وشروط الترشح وعدم الصلاحية
للترشح وحالات عدم الجمع... أما بالنسبة لانتخاب أعضاء
مجلس المستشارين، فقد كرّس تنقيح المجلة الإنتخابية
في الفصل 121 جديد نظام الإقتراع على القائمات في دورة
انتخابية واحدة. وهو نفس النظام المعتمد لإنتخاب أعضاء
مجلس النواب.
والتعددية هي التعدّدية
في الترشّح إلى أعلى مسؤولية في الدولة من خلال إقرار
الإصلاح الجوهري للدستور لسنة 2002، لنظام الإنتخابات
على دورتين بالنسبة إلى الإنتخابات الرئاسية بما يمثّل
خير ضمان لأن يكون رئيس الجمهورية محرزا على الأغلبية
المطلقة من الأصوات تعزيزا للشرعية الإنتخابية من خلال
توفقه إلى تحقيق إلتفاف أغلبية الشعب حوله وحول إختياراته
وبرامجه. وهو ما يعزّز مبادئ النظام الجمهوري. فمن مبادئ
الجمهورية في الفكر السياسي عامة والقانوني بصفة أخص
أن تقوم الجمهورية على نظام للحكم يرفض التوارث في السلطة
ويعتمد على مشاركة الشعب في تعيين الحاكم. وهو ما دعمته
المجلة الإنتخابية في صيغتها الحديثة خاصة في الفصلين
37 مكرر و70 (جديد).
وفي الحقيقة فإن الإصلاح
الجوهري للدستور لسنة 2002 جاء تتمّة لإصلاحات سياسية
جوهرية، عميقة وبناءة أرساها الرئيس بن علي. ففي سنة
1999 عدّل الدستور ليضمن التعددية في الترشح لرئاسة
الجمهورية، وفتح الباب أمام المسؤولين الأول عن أحزاب
المعارضة للترشح لرئاسة الجمهورية، في صورة عدم توفّر
الشروط العادية لتقديم الترشح المضبوطة بالدستور. ثمّ
بمبادرة من الرئيس بن علي عُـدِّل الفصل 40 من الدستور
في ماي 2003، ليمكّن من فتح الترشح للإنتخابات الرئاسية،
لِأَيًّ من أعضاء الهيئات التنفيذية العليا للأحزاب
المُمَثَّلَة في مجلس النواب، شريطة أن يكون المعني
يوم تقديم مطلب ترشّحه، مباشرا لتلك المسؤولية ومنذ
مدّة لا تقلّ عن خمس سنوات متتالية، وأن يكون للحزب
ممثّلا على الأقل بمجلس النواب. ويعتبر هذا إجراء إضافيا
لضمان التنافس.
وفي إطار تيسير شروط
المنحة المخصصة للمترشحين لرئاسة الجمهورية حتى يتمكّنوا
من تغطية مصاريف حملاتهم، تمّ التخفيض من النسبة المطلوبة
من الأصوات المصرّح بها للحصول على القسط الثاني من
المنحة ولاسترجاع الضمان المالي الذي يسبقه المترشّح
وذلك من 5% إلى 3% (الفصل 4 جديد).
وبقراءة للتنقيحات المدخلة
على الدستور وعلى المجلة الإنتخابية منذ سنة 1987، نلاحظ
- وكما أسلفنا الذكر - أن الرئيس بن علي أرسى التعددية
منذ بداية التغيير، وذلك حرصا منه لدعم التنافس الديمقراطي.
ففي الإنتخابات التشريعية السابقة لأوانها التي جرت
في 2 أفريل 1989 فاز التجمع الدستوري الديمقراطي في
هذه الإنتخابات بجميع المقاعد (141)، ذلك أن الأحزاب
الصغيرة لم تستطع الحصول على أي مقعد داخل مجلس النواب
نتيجة اعتماد طريقة اقتراع لا تخدم المسار التعدّدي.
ولم تكن هذه النتائج لترضي الرئيس بن علي، ضرورة وأنها
لا تعكس التعددية داخل مجلس النواب. لذلك أذن الرئيس
بن علي بتطوير النظام الإنتخابي بما يضمن تواجد المعارضة
الديمقراطية في مجلس النواب. فصدر قانون 27 ديسمبر 1993،
ليعزّز دور أحزاب المعارضة في الحياة السياسية. فكرّس
نظام الإقتراع على القائمات دون تعويض الأسماء (الفصل
88). ويجري هذا الإقتراع في دورة واحدة، في نطاق دوائر
انتخابية، ويُسند إلى القائمة التي تحصلت على أكثر الأصوات
جميع المقاعد المخصصة للدائرة. أما المقاعد المتبقية
فلا تهمل، وإنما تحسب لتمثيل وطني إضافي، حيث أن مقاعد
مجلس النواب أكثر عددا من مجموع المقاعد المخصصة للدوائر،
فيتمّ توزيع المقاعد المتبقية على القائمات التي لم
تفز في دائرة أو أكثر حسب طريقة النسبية، وباعتماد أكبر
المعدلات. كما مكّن هذا النظام الإنتخابي أحزاب المعارضة
الديمقراطية من تجميع الأصوات في كل الدوائر التي لم
تحصل فيها على مقاعد. وبذلك تقدر الحصول على مقاعد تتناسب
مع الأصوات التي حصلت في مختلف الدوائر.
وأدّى هذا النظام في
انتخابات 20 مارس 1994 إلى حصول أربعة أحزاب من المعارضة
الديمقراطية على 19 مقعدا من جملة 163 (حركة الديمقراطيين
الإشتراكيين 10 مقاعد بـ30660 صوتا، وحركة التجديد 4
مقاعد بـ11299 صوتا، والإتحاد الديمقراطي الوحدوي 3
مقاعد بـ9152 صوتا، وحزب الوحدة الشعبية مقعدين إثنين
بـ8391 صوتا).
والمتمعّن في هذا النظام
يلاحظ حرص الرئيس بن علي على تكريس وترسيخ التعددية
السياسية على مستوى مجلس النواب. وحسب علمنا فإنه لأول
مرة في تاريخ الأنظمة السياسية يصدر حزبا حاكما نظاما
انتخابيا ليمكّن المعارضة الديمقراطية من التواجد على
الساحة السياسية، وذلك تدعيما للمسار الديمقراطي. وفعلا
فقد حصلت المعارضة بمناسبة الإنتخابات التشريعية التي
جرت يوم 24 أكتوبر 1999 على 20% من مقاعد مجلس النواب،
وذلك على النحو التالي : حركة الديمقراطيين الإشتراكييـن
(13 مقعد)، حزب الوحدة الشعبية (7 مقاعد)، الإتحاد الديمقراطي
الوحدوي (7 مقاعد) حركة التجديد (5 مقاعد) الحزب الإجتماعي
التحرري (مقعدان).
وأما بالنسبة للبلديات،
فإن النظام الإنتخابي كان متدرجا، ومدروسا ضرورة وأنه
يضمن تمثيل كل الحساسيات داخل المجلس البلدي.
وفي نفس إطار توفير
الظروف الملائمة لتوسيع مشاركة التونسيين في الشؤون
العامة لبلدهم، مكّن النظام الإنتخابي البلدي لسنة 1990
ولسنة 1998 المعارضة والقائمات المستقلة من الحصول بمناسبة
الإنتخابات البلدية التي جرت يوم 28 ماي 2000 من الحصول
على 243 مقعدا بالمجالس البلدية وذلك من جملة 4144 مقعدا
موزعة على 257 بلدية.
وهكذا نلاحظ أن إرساء
التعددية كان جهدا متواصلا من قبل الرئيس بن علي منذ
بداية التغيير، تدعّم سنة 2002 بالإصلاح الجوهري للدستور.
وقد جاء القانون الإنتخابي الجديد المؤرخ في 4 أوت 2003
ليوسّع في المشاركة في الحياة السياسية حتى تحصل المفاضلة
الإنتخابية، وبالتالي يتعزّز التنافس النزيه والديمقراطي.
توسيع سبل المشاركة في الحياة السياسية لتحصل المفاضلة
الإنتخابية
بقراءة أولية للقانون
الجديد للمجلة الإنتخابية، نلاحظ أن هذا التعديل يجسّم
الخيار الوطني الثابت بتوسيع سبل المشاركة في الحياة
العامة. وفعلا فقد برز مفهوم حق كل فرد في المشاركة
في الشؤون العامة لبلده، كمؤشّر هام على ممارسة الديمقراطية
باعتباره نقيضا للامبالاة وللإستقالة تجاه الحياة السياسية،
وتجاه الشؤون العامة للدولة، فضلا على أنه أصبح من ضمن
تعريفات المواطنة. فقد اقتضت المادة 21 من الإعلان العالمي
لحقوق الإنسان ما يلي : "لكل شخص حق المشاركة في
إدارة الشؤون العامة لبلده، إما مباشرة وإما بواسطة
ممثلين يختارون في حرية". كما أكدت المادة 25 من
العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية هذا المبدأ
والتي نصّت على "حق كل مواطن، دون أي وجه من وجوه
التمييز... في أن يشارك في إدارة الشؤون العامة، إما
مباشرة وإما بواسطة ممثلين يختارون في حرية". ولتمكين
أكثر عدد ممكن من المواطنين من ممارسة حقهم الإنتخابي
جاء بالفصل 6 جديد من المجلة الإنتخابية أن القائمات
الإنتخابية صالحة بصفة مستمرة، وتقع مراجعتها بصورة
دائمة حسب الشروط الواردة بالمجلة الإنتخابية، إنطلاقا
من القائمـات المحـرّرة طبقـا لأحكـام قانون 25 نوفمبر
2002 والمتعلق بالإعداد لنظام المراجعة الدائمة للقائمات
الإنتخابية. وحتى يتسنّى لكل ناخب الإطلاع عليها تودع
هذه القائمات بمقر البلدية بالنسبة للمناطق البلدية
وبالعمادة بالنسبة إلى المناطق غير البلدية.
وهذا النظام الجديد
كرسته عديد البلدان الغربية مثل كندا في الفصلين 2 و
17 من القانون الإنتخابي.
كما أضاف الفصل 8 جديد
من القانون أنه يمكن لكل مواطن أن يطلب في أي وقت وحسب
الحالة من نفس الجهات، ترسيمه بقائمة إنتخابية إذا توفّرت
فيه الشروط القانونية للناخب.
فبعد أن كانت إذا مراجعة القائمات الإنتخابية تتمّ سنويا
وتحديدا خلال النصف الأول من شهر جانفي من كل سنة أصبحت
تقع بصورة دائمة، فضلا على أنه يمكن لكل مواطن أن يطلب
في أي وقت وحسب الحالة من الجهات المعنية ترسيمه بقائمة
إنتخابية.
وهكذا جاء هذا القانون
الجديد للمجلة الإنتخابية تعبيرا لإرادة الرئيس بن علي
والتي ترمي إلى تكثيف مشاركة المواطنين في الحياة السياسية
حتى تحصل المفاضلة الإنتخابية وهو ما دعا إليه في خطابه
المرجعي بمناسبة الذكرى الرابعة عشرة للتحول. فتونس
هذا البلد الذي كرّس مبدأ التعددية منذ بداية التغيير
تحتاج إلى أكبر قدر من المشاركة. كما أن تونس بحكم أنها
ديمقراطية حديثة في حاجة لكل مناصرة ولكل صوت. فكما
أعطى الرئيس بن علي سنة 1999 في مناسبتين متتاليتين
فرصة لتمكين أكثر عدد ممكن من المواطنين لممارسة حقهم
الإنتخابي من خلال الإذن بمراجعة إستثنائية للقائمات
الإنتخابية بمقتضى الأمر عدد 946 بتاريخ 3 ماي 1999والمتعلق
بإجراء مراجعة إستثنائيـة للقائمـات الإنتخابيـة والأمـر
عـدد 2156 بتاريـخ 1 أكتوبر 1999 والذي قضى أيضا بمراجعة
إستثنائية ثانية للقائمات الإنتخابية، ها هو اليوم يعطي
فرصة دائمة ومتواصلة، لأنها وردت صلب قانون أساسي يمكّن
المواطنين من المساهمة بصفة مستمرة في الشأن العام للدولة
من خلال القيام بواجبهم الإنتخابي، حتى يشاركوا بصفة
فاعلة في أخذ القرار تكريسا لمبدأ سيادة الشعب. فالشعب
التونسي هو صاحب السيادة يباشرها على الوجه الذي يضبطه
الدستور وهو ما نصّ عليه الفصل الثالث (3) من دستور
تونس. فإرادة الشعب هي مناط سلطة الحكم وهو ما كرسته
المواثيق والعهود الدولية. وهكذا يوفّر الرئيس بن علي
مرة أخرى للتونسيين والتونسيات الخيارات والبدائل التي
في ضوئها تحصل المفاضلة الإنتخابية، كل ذلك لتعزيز وإنجاح
التنافس الديمقراطي في تونس.
توسيع المشاركة في
الحياة السياسية لإنجاح التنافس الديمقراطي
إن التنافس الديمقراطي
يحتاج إلى أكبر قدر من المشاركة الجماهيرية. فالديمقراطيات
الحديثة مثل تونس، تحتاج إلى أكبر مشاركة ممكنة من قبل
المواطنين، حتى تعطي التنافس معنى ملموسا. فتونس، وكما
سبق الإشارة إليه أعلاه، تحتاج لكل صوت ولكل مناصرة.
كما تعيش تونس اليوم عصر التنافس، لذلك وفّر الرئيس
بن علي مرة أخرى لشعبه إطارا قانونيا يمكّنه من المساهمة
الفاعلة في الحياة السياسية، لأن من لا يشارك بصورة
ملموسة فاعلة في دعم المسار الديمقراطي يترك فراغا.
وهذا الفراغ لا يخدم بالتأكيد الديمقراطيات الحديثة
مثل تونس. فأتى القانون الإنتخابي الجديد ليكرّس هذه
الخيارات النبيلة. لكنه أتى أيضا ليضمن حقوق كل ناخب
وكل مترشح من خلال تدعيم مبدأ دولة القانون.
تعزيز مبدأ دولة
القانون لضمان شفافية التنافس الديمقراطي
تقوم الجمهورية على
مبادئ دولة القانون... هذا ما جاء به الفصل الخامس جديد
من دستور تونس في نسخته الحديثة بعد الإصلاح الجوهري
للدستور لسنة 2002. فمبدأ دولة القانون أصبح مبدأ دستوريا،
والإصداع به في نص الدستور، يجعل منه مرجعا لجميع التشريعات
المقبلة. فكان لهذا المبدأ الأثر الملموس على مشروع
تنقيح المجلة الإنتخابية. وهو ما أكّد عليه الرئيس بن
علي في خطابه المرجعي بمناسبة الذكرى الخامسة عشرة للتحول
نظرا للأهمية التي يوليها للعملية الإنتخابية بمختلف
مراحلها في تكريس الممارسة الديمقراطية، وضمان مصداقيتها،
وتأمين شفافية الإنتخابات في كل مستوياتها. فأذن بوجوب
تسليم كل مواطن تقدّم بمطلب للترسيم بقائمة إنتخابية،
وصلا يمكّنه من تأمين حقه في المنازعة عند الإقتضاء،
وهو ما جاءت به الفقرة الثانية من الفصل 8 جديد من القانون
الجديد للمجلة الإنتخابية. كما منح القانون الجديد مزيد
الضمانات للناخبين من خلال مراجعة تركيبة اللجان الجهوية
التي تفصل في النزاعات المتعلقة بالترسيم أو التشطيب
والتي أسند الفصل 14 جديد من المجلة الإنتخابية في نسختها
الحديثة رئاستها إلى قاض. فبعد أن كان الوالي هو الذي
يترأّس هذه اللجان أصبح القاضي هو الذي يقوم بهذه المهمة.
وفي هذا تطوير لحقوق الأفراد، فتوسيع مجالات ومشمولات
القضاء لمراقبة العمليات المتعلقة بالترسيم والتشطيب
في القائمات الإنتخابية يدعّم حماية حقوق المواطنين
ويطوّرها ليثمنها لِما يتصف به القاضي من حياد واستقلالية
تجاه السلطتين التنفيذية والتشريعية بما يدعّم الشفافية
ويوفّر الضمانات القانونية للناخبين، فضلا على أن المواطن
يعتقد أن القاضي هو الحامي لحقوقه.
وعلاوة على ما تقرّه
المجلة من ضمانات للملاحظين في خصوص عملية الفرز، فقد
أقرت الفقرة الأخيرة جديدة من الفصل 39 من القانون الإنتخابي
الجديد إمكانية الملاحظين - سواء كانوا الممثلون الرسميون
أو نوابهم - من تدوين ملاحظاتهم حول سير عملية الإقتراع
ضمن مذكرة ترفق وجوبا بمحضر عمليات الإقتراع، وذلك تعزيزا
للضمانات المتوفرة للمترشحين وتطبيقا لمبدأ المساواة
بينهم والذي أرساه الرئيس بن علي، ضمانا للتنافس الديمقراطي.
لذلك ترى الرئيس بن علي يؤكّد دوما بمناسبة الإنتخابات
البلدية والتشريعية منذ بداية التسعينات على وجوب احترام
القانون من قبل كل الأطراف والتزام الإدارة بالحياد
التام ومعاملة كل المترشحين على قدم المساواة، وذلك
تكريسا لعلوية القانون وضمانا لشفافية العملية الإنتخابية
في مختلف مراحلها. ونتيجة لهاته السياسة الرامية إلى
دفع المسار التعدّدي إلى الأمام، جاء في خطاب الرئيس
بن علي في الذكرى الخامسة عشرة للتحول ما يلي : "كما
نأذن بأن يتضمّن المشروع الجديد تحجير حمل أعضاء
مكتب الإقتراع إشارات تدل على الإنتماء السياسي، ويسهر
رئيس المكتب على تنفيذ ذلك الإجراء مع سحبه على الملاحظين
أيضا"، وهو ما كرّسه الفصل 40 جديد في فقرته
الثانية من المجلة الإنتخابية في نسختها الحديثة، بما
يمثّل إطارا قانونيا هاما لضمان التنافس الديمقراطي.
كما أعاد الفصل 38 جديد
في فقرته الثانية النظر في معايير إحداث مكاتب الإقتراع
وذلك بتحديد عدد الناخبين في كل مكتب بـ450 ناخبا بالنسبة
إلى البلديات التي يتجاوز عدد الناخبين فيها 7000 ناخب،
عوضا عن سقف 250 ناخبا المعمول به قبل التنقيح وهو ما
سيقلّص بصفة جلية من عدد مكاتب الإقتراع. وقد جاء هذا
الإجراء تنفيذا لما نادى به الرئيس بن علي في خطابه
المرجعي بمناسبة الذكرى الرابعة عشرة للتحول، حرصا منه
على مزيد دعم شفافية العمليات الإنتخابية وتمكين كل
الأطراف المشاركة في الإنتخابات، من مراقبة سيرها.
وفي نفس هذا السياق
أقرّ الفصل 48 جديد من المجلة الإنتخابية في نسختها
الحديثة في فقرته الثالثة تمكين الناخب من الإمضاء بنفسه
بقائمة الناخبين أمام إسمه ولقبه بمكتب الإقتراع بعد
الإدلاء بصوته وهو خيار متطور إعتمدته قلة من الدول
مثل فرنسا في الفصل 62 (فقرة أولى) من المجلة الإنتخابية.
كما حجّر الفصل 49 جديد في فقرته الأخيرة التصويت بالوكالة.
كما لا نجد في القانون الإنتخابي الجديد ما يفيد التصويت
بواسطة الأنترنات، أو بواسطة "آلات التصويت"
"machines de votes"، وذلك درءا لكل تأويل
ودعما لشفافية العمليات الإنتخابية، فضلا على أن الفصل
الأول من المجلة الإنتخابية ينص صراحة على أن الإنتخاب
مباشر وسرّي.
وهكذا جاء القانون الإنتخابي
الجديد المؤرخ في 4 أوت 2003 ليعزّز مبدأ دولة القانون،
وليوسّع في سبل المشاركة في الحياة العامة حتى تحصل
المفاضلة الإنتخابية، وبالتالي يتعزّز المسار الديمقراطي
التعددي. لكنه أتى أيضا لإذكاء الحس الوطني.
التعدديــــة ...
و الوطنيـــــة
إن الحق في الإختلاف
لا بدّ أن يولّد واجبا في الوحدة. فالآراء المختلفة
والبرامج المتعددة والمصالح المتنافسة يجب أن تلتقي
حول شيء أسمى، هو حب الوطن وحمايته والمحافظة على استقلاله
وسيادته وعلى سلامة ترابه. فالتونسي أصبح يشعر منذ التغيير
بأنه مواطن بحق، وأن رأيه هام، وله الحق في إبدائه،
والمشاركة به في الحياة السياسية. فالأرضية السياسية
في تونس، أصبحت تقبل كل رأي، وتناقش كل برنامج وتقيم
كل مصلحة، إلا أنها لا تقبل الرأي الذي يمس بقداسة الوطن،
والمصلحة التي تضر بمصلحته العليا.
فالتعددية هي التي مكنت،
في كل البلدان التي لها تقاليد ديمقراطية، من بروز مبـادئ
لا يمسها كل من يشارك في المنافسة الديمقراطية، أولها
وأقدسها حب الوطن وتقديسه، والذود عن مصالحه. فالمشاركة
والمنافسة الديمقراطية تقف في حدود المصلحة العليا للوطن.
لذلك جاء الفصل 62 ثالثا من القانون الإنتخابي الجديد
ليؤكّد أنه خلال المدة الإنتخابية، يحجر على أي شخص
استعمال محطة إذاعية أو قناة تلفزية خاصة أو أجنبية
أو بالخارج، وذلك قصد التحريض على التصويت أو الإمتناع
عن التصويت لفائدة مترشح أو قائمة مترشحين. كما يحجر
استعمال المحطات والقنوات المذكورة لغرض الدعاية الإنتخابية
خلال المدة الإنتخابية. ومن يخالف هذا التحجير يعاقب
بخطية مالية.
وبقراءة لهذا النص نلاحظ
أنه يكرّس فيما يكرّس - علاوة على ما تمّ تحليله سابقا
من محافظة على مبدأ السيادة الوطنية - تكافئ الفرص والمساواة
بين كل المترشّحين.
يشهد التاريخ مرة أخرى
للرئيس بن علي أنه أرسى منذ بداية التغيير مبدأ التعددية،
فكان تجذير هذا المبدأ جهدا متواصلا من قبل إبن تونس
البار، فتدرّج به من مرتبة القانون إثر التغيير مباشرة
إلى مرتبة الدستور اليوم، ليصبح مبدأ دستوريا منذ الإصلاح
الجوهري للدستور لسنة 2002. وقد جاء القانون الإنتخابي
الجديـد والمـؤرخ فـي 4 أوت 2003 ليجسّم ويكرّس هذه
الخيارات النبيلة والقيم السامية.
****
المراجع
1- من خطاب سيادة الرئيس
زين العابدين بن علي في الذكرى الخامسة عشرة للتحول
, قرطاج, في 7 نوفمبر 2002.
2- من خطاب سيادة الرئيس زين العابدين
بن علي في الذكرى الرابعة عشرة للتحول , قرطاج, في 7
نوفمبر 2001.