المشهد
الدوليّ والمراجعات الفكرية المتعيّنة
د. عبد السّلام المسدّي
مفكّر - أكاديمي - الجامعة التونسية
الأحداث السياسية يتناولها
رجل السياسة ويتناولها رجل الفكر. فأما رجل السياسة
فغايته في أغلب الأحيان أن يحللها كي يفسر وقائعها،
ويكشف المسكوت عنه فيها، وربما أيضا كي يزداد خبرة ومهارة
بحيثيّات اتخاذ القرار. وأما رجل الفكر فإنه - فضلا
عن كل ما يتعاطاه السياسي - يريد أن يخرج من دوائر التحليل
الى دائرة الاستخلاص الأكبر حيث يتسنى له أن يتأوّل
الأحداث حتى يفسر التاريخ.
ففي المنطلق يتمايز
الموقفان على أساس تقديريّ وغائيّ، فالسياسي براجماتي
بالضرورة والمثقف متحرر من قيود الفوائض العملية التي
يُثمرها الإنجاز السياسي، لذلك تراه أقرب الى تجسيد
الموضوعية. غير أن السياسة إذا ألمّت في بعض منعطفات
التاريخ بأحداثٍ كُبريات تَرْتجّ تحت وقعها قواعد الأهرام
الإنسانية فإن المشهد ينزاح عن سَمْته فتتبدّلُ خصائصُ
الموقف هنا وهناك.
فالسياسي الذي همّهُ
أن يصوغ خطابا في السياسة والمفكر الذي همّه أن يصوغ
خطابا في الثقافة يُصبحان منحشرين في تفاعلات الأحداث
فيدخلان دائرة الوقائع، ويكاد يتعذر في حقهما أن ينفصلا
عن المرجعيّة القيميّة التي تُلْهمهما الحكمَ المعياريّ
بالضرورة.
إن ما جدّ من أحداث
منذ أطلّتْ نُذُر القرن الجديد قد خَلق لكل مهموم بشؤون
الفكر الإنساني وضعا استثنائيّا جدّا يتلخص في أن عملية
التفكير في الأحداث قد امتزجت كليّا بلحظة التعبير عن
الموقف من تلك الأحداث، فإنْ أمسك الإنسان نفسَه وألجمها
عن التصريح بأحكام القيمة اتقاءً لخلط معيار النجاعة
بمعايير الأخلاق فإن صياغة خطابه لا بدّ أنها تشي بموقفه،
وهذا يحتّمه مبدأ "تَمَوْقُعِ" كلّ متكلم
داخل بنية كلامه سواءٌ أَحَصَل ذلك بقصد ووعي أم بفطرة
وطبع.
على أن ظاهرة تَسرّب
الموقف داخل بنية الخطاب تزداد تأجّجا كلما كان الإنسان
من المؤمنين بحتمية الانتماء الحضاري، وكان من الملتزمين
بصياغة الخطاب النضاليّ خارجَ سياق مؤسسة العقل النظري
الخالص، وكان من المرتاضين بمهارة فصل الذات عن الموضوع.
وتزداد تلك الظاهرة التهابا وسطوة كلما كان المتعاطي
للشأن الفكري واقعا ضمن دائرة "المغلوبين"
في معترك الأحداث، أو من المتهيّئين بحكم جبروت الوقائع
الى أداء دور الضحيّة أمام عنف الجلاّد.
هذه هي إذن أُولى الحقائق
الجديدة التي هجمت على الإنسانية بعد انفجار الأحداث
السياسيّة العالمية، إنها تَقَلّصُ حظوظ الخطاب العلمي
أمام الخطاب النضالي الى الحد الذي يضيع معه رجحان العقل
من حيث هو عقلٌ يتدبّرُ حيثيّات الوجود، ومن هذا الخط
ترتسم معالم المراجعة الأولية: فالعنصر المعرفي الخالص
في عملية التفكير أصبح متعذرا في حقه الاستقلالُ عن
العنصر النضالي. والسبب هو أن العنصر الثقافي قد امتزج
كليّا بالعنصر السياسي. لقد كان "الثقافيّ"
واقعا في الحيّز الوسَط بين العلم والسياسة يَنْهل من
هذا ليغذّيَ الآخَر بين غدوّ ورواح دائبيْن، فإذا بالسياسة
تستدرجه إليها فَتَكْبر المسافةُ بينه وبين المعرفة
المحض.
وعند انحجاب الرؤية
يستقيل الفكر النقدي المطلق فيستبد بالصدارة الخطابُ
النسبيّ المُنحاز، وإذا بالحياد الموضوعي يَفْقد براءته،
بل قد تَفقد "اللحظة الفلسفيّة" مسوّغَ وجودها
أصلا من خلال صورة الانهزام التي يتركها في النفس كلّ
تشخيص يَزْعم لنفسه الموضوعيّة المطلقة. ومع ذلك فالفكر
بوسعه - في أوج الأزمة - أن يتدرّج بالإصرار فيتحفّز
كي يُسوّيَ خطابا "إنسانيا" على معنى أنه
يتخلّى وهو يَرصد دلالاتِ الأحداث في أغوارها البعيدةِ
عن مستلزَمات الانتماء، وعن المستحقّات الناجمة عن الالتزام
بالموقف القيميّ مطلقا.
قد ينجح الفكر في مسعاه
النبيل نجاحا تاما لولا أن اللغة تخونه، فهو محاصَر
بها وسجين فيها، ويكفي أنها تحول بينه وبين حياديّة
اللحظة التأمليّة بمجرّد أن يَهُمّ بالحديث عن أيّ شيء
فيسمّيه، وكلّ الحرج في فعل التسمية، بل إن فعل التسمية
هو في حد ذاته فعلٌ توريطيّ بالضرورة. أما إذا تعيّن
إرداف النعت الى الاسم فتلك الورطة الكبرى للفكر إذا
رام الحياد أو ادّعى الموضوعية. فبأيّ اسم وبأيّ نعت
سيتحدث الفكر عن الحدث الذي بدأ يوم 20 مارس 2003 وامتد
الى يوم 9 أفريل؟ وبأي وَسْم أو وصف سيتحدث الخطاب عن
الذي أَنجز الحدث وعن الذي جرى عليه الحدث؟ ذاك هو مأزق
الفكر الذي لا وجود له خارج الخطاب.
لقد فَقَدَ الإنسان
كثيرا من طُمأنينته منذ اهتدى الى أنه لا ينطق بشيء
- مهما ضَؤُلَ حجمه أو هانت دلالته - إلا وكلامه يَحمل
في مظانّه مكوّنات استراتيجيته الحِجَاجيّة، فلا قولَ
يُفلت من قانون التموْقع. فلا يبقى للفكر من ملاذ إلا
السعي الى تقليص حجم "الوشاية" التي يَصْنعها
الكلام في صاحبه تقليصا يتناهى عند مَلْحمة الذات المتوَجّعة
بقصورها.
خارجَ طقوس الحزن وبعيدا
عن مراسم الرثاء يقف الفكر مراقبا لما يجري وفي كفّه
سؤالٌ سرٌ: ما حجمُ الخسارة التي تتكبّدها الإنسانية
من حيث هي إنسانيّة؟ وهل يمكن تعيين المكاسب التي كانت
للجميع فأَقْدَم البعضُ على إهدارها فعمّتْ المظلمة
وامتدت ضريبتُها الى الصانع والمصنوع؟
في مطلع القائمة ونحن
نرصد الظواهر خارجَ هواجس الاتهام والإدانة ينبثق أمامنا
شيء خاص، بل شديد الخصوصية، هو هزيمة علم الاستشراف
بشكل مريع يقارب حدود الفجيعة. ففي البدء كانت السياسة
تعرّف بأنها فن إدارة الأحداث، ثم أصبحت تعرّف بأنها
علم تَوَقّع الطوارئ، لذلك أصبح الرصد الاستشرافي مكوّنا
جوهريا ضمن البحث الاستراتيجي، وهو في أصوله دفاعيّ
وقائي أكثرَ مما هو هجوم واستنفار.
فلو رام أحد أن يلخّص
مُجْريات القرن العشرين بأكمله مختزِلا إياه في أوجز
الرموز لقلنا إنه - على صعيد المعرفة - قد كان محكوما
بثلاثة أشياءَ تشكلت حولها علوم بدأت أجنّةً ثم استقامت
عملاقة: الذّرّة والخليّة والإلكترون، وكل الثورة المعرفية
الحديثة وما تلاها من إنجازات تكنولوجية هي ثمار لهذه
النّوى الثلاث: في عالم المادة، وفي كيان الإنسان، ثم
في علاقة هذا بذاك تواصلا أو تحكّما أو تسخيرا. ولقلنا
أيضا إن القرن العشرين - على صعيد الوقائع - قد سادته
أحداث ثلاثة كبرى: الحرب العالمية الأولى، والحرب الثانية،
والحروب التحريرية التي انتهت بغسل ذاكرة التاريخ من
شبح الاستعمار الذي جاء به القرنُ التاسع عشرَ. والمهم
هنا هو أن جميعها قد كان مندرجا ضمن دائرة الاحتمال
وأحيانا ضمن دوائر الرجحان. فالحرب الأولى جاءت نتيجة
طبيعية لما سبقها، والثانية كانت حتميّة بحكم ما انتهت
به الأولى وظُنّ أنه الحل المنتظر، والثالثة كانت امتدادا
طبيعيا لردة فعل الشعوب منذ بدايات الموجة الاستعمارية،
بل جاءت في انسجام تام مع قوانين التاريخ: فما من شعب
تعرّض للغزو إلا وهو في كفاح دائم حتى يستردّ حريته
السليبة.
مساءَ يوم 17 مارس 1985
- خر يوم قضاه تشرننكو في الكرملين - ما كان لأحد أن
يجازف بدانقٍ واحد يراهن به على احتمال وقوع ما سيقع
من أحداث ولا سيما تلك التي حصلت يوم 25 نوفمبر 1989
ويوم 11 سبتمبر 2001 ويوم 9 أفريل 2003. لم يكن بوسع
أكبر "عرّاف" أن يتنبّأ - ولو على سبيل الاحتمال
البعيد - بمجرى التأريخ والحال أن الأمر يتعلق بعقديْن
من السنين فقط. أما لو جازف يومئذ فقال إن حراس الاشتراكية
ودعاة الشيوعية سَيَصيرون أنصارا عُتاةً للرأسمالية
وفرسانا مَكِينِين للّيبيراليّة لَسَلَقته الألسنة أو
سَحَلته الأيادي، والحال أن الحرب الباردة لم يكن لها
من رهان إلا أن تتقوّض منظومة الخصم: هذا يحلم بتفكك
ذاك، وذاك بهذا.
علم الاستشراف هو الضحيّة
المنسيّة، فالسياسة - بعد فن الإدارة وعلم التوقع -
انفلقت من داخلها فتهشم الجسر الذي يربط بينها وبين
الفكر، وكانت في ذلك الخسارةُ العظمى التي تُنْذر بأن
تَؤول وَبَالاً على الإنسانية كافّةً.
إن لعلاقة الفكر بالسياسة
قصّةً تغري كلّ ذي فضول باستقراء أطوارها لا سيما بعد
وصولها الى المشهد الراهن الذي هو النقيض الجدلي لعمرها
المديد، وسيكون الاستقراء أنجع وأوفق كلما تعاطاه المرء
وهو متحلل من كل التزامات الانتماء إلا الالتزامَ بإنسانية
الفكر المطلق، إنه الاصطناع المنهجي الوَلود: أَنْ أتأمّل
المشهدَ الكونيّ متناسيا أني أنتمي الى ثقافة محدّدة،
وأني أَحْمل على عاتقي جميع مواثيقها الحضارية، ومستذكرا
فقط أني منخرط في دستور العقل الإنساني الذي وازعُه
الجدلُ النقدي عبر المساءلة النقضيّة، والذي لا يستفزّه
شيء مثلما تستفزّه لحظةُ جنون التاريخ حين يُبدّد فيها
أحلامَ الإنسانية جمعاء.
من يتأمّلْ المشهد الكوني
بعد الذي جدّ منذ مطالع القرن يَصطدمْ بحقيقة ما انفكت
تنوس بين تستر وانجلاء، والجميع يتكتمون عليها اتقاءً
لصدمة الانتقاض، ومدار هذه الحقيقة أن الموازين بين
الفكر والسياسة قد انقلبت من حيث تأثيرُ كلّ واحد منهما
في حركة التاريخ، وهذه من أعظم الخسارات التي أصابت
مكاسب الإنسانية بشكل مطلق بعيدا عن أي تخصيص ثقافي
أو جغرافي. فلقد كان الفكر منذ فجر الحضارات الذي وَصَلنا
تراثها الثقافي كاملا غيرَ مبتور هو الذي يَرْسم أمام
السياسة مسالك التاريخ، ويصوغ مشاريع الارتقاء: حدثَ
ذلك في حضارة الإغريق حيث كان الفلاسفة في الواجهة الأمامية
من الشأن السياسي، وحدث في فرنسا طيلة القرن الثامن
عشرَ حيث برز الثالوث الذي هيّأ ثورة الحريات، ثم حدث
في القرن التاسع عشرَ حين توالى الفلاسفة الألمان على
أطراف الفكر الجدلي فكانت النظريات التاريخية تُراوح
بين المثال والمادة. ولئن شهد القرن العشرون بعضَ المفكرين
المتحمسين للتوسع الحيوي بغية تمدين الشعوب فإن الجمع
الأوفر منهم هم الذين وقفوا أنصارا لحرية الشعوب.
اليوم تغيّر المشهد،
والإنسانية تعيش وضعا جديدا، فالسياسة أصبحت تمارِس
سلطتها على المعرفة أكثر مما تمارس المعرفة سلطتها على
السياسة، بل إن الباحثين من ذوي الخبرات المتخصصة العالية
أصبحوا ينتجون الأفكار على مقاس صناعة القرار، فهكذا
تسير الأمور في الولايات المتحدة تخصيصا: مراكز البحث
الاستراتيجي، ومراكز الدراسات المستقبلية، وكذلك مراكز
البحوث الأمنيّة، جميعها تستقطب العلماء المفكرين بين
الباحثين الأكاديميّين كي ينجزوا الدراسات في مواضيع
محددة، وبعقود جاهزة، وطبقا للمرامي العملية المضبوطة.
هنا تكمن الخسارة الإنسانية،
جئناها بمقتضى أسباب متعاقبة قد تَخفى على العين المجرّدة:
فلقد انحسرت سلطة العلم النظري، وتعاظم سلطان الاستثمار
التكنولوجي في كل حقول المعرفة سواء في مجال العلوم
الدقيقة أو العلوم الاجتماعية، فتقلصت قدرة الفكر الخالص
على التأثير في مجرى الأحداث، وتهافتت تبعا لذلك منظومة
القيم، وانتهى الأمر الى استخفاف السلطة السياسية بالسلطة
الفكرية بعد أن تم القبض على أنفاس البحث العلمي بآليات
التمويل والاستثمار.
بانحسار سلطة العلم النظري ضاعت حظوظ الامتياز الفردي،
وتلاشت فرص الإنجازات الفردية الكبرى في مجال صناعة
الأفكار.لم يعد تحت الشمس مكانٌ لفرد واحد من رجال الفكر
يتخذ من الشأن العام موقفا فيصنع الحدث على ركح السياسة.
مضى الزمن الذي كان
فيه رجل الفكر يغيّر مجرى الأحداث بمجرد أن يَصدح برأيه
كالذي فعله الأديب الفرنسي ميل زُولا حين ادلهمت على
الشعب الفرنسي السبلُ في قضية درايفوس، ذاك المواطن
الذي ألصق به القضاء العسكري تهمة الخيانة بالتعاون
مع الألمان وهو في مركز قيادة المخابرات، وبدا أنّ الإدانة
مهزوزة، فعصفت الرياح بمؤسسة القضاء وبناموس العدالة،
وانقسم الشعب شقّين، وإذا بآميل زولا يطلق صيحته الشهيرة،
في مقاله الشهير، بعنوانه الشهير: "إني أتّهم"
الذي راح مثلا يُضرب عند المواقف الحاسمة في الملمات
السياسية. كان ذلك في أواخر القرن قبل الماضي: في 13
جانفي 1898 على صحيفة "الفجر" (لورور) فتغيّر
مجرى التاريخ في فرنسا.
ومضى الزمن الذي كانت
فيه السلطة السياسية - في أعلى قمة الهرم - تقرأ ألف
حساب للمنزلة التي يتبوّؤها رجل الفكر لدى المجتمع،
كذاك اليوم الذي نزل فيه الفيلسوف جون بول سارتر بنفسه
الى الشارع ليبيع الجريدة التي منعتها السلطة من الصدور،
صحيفة "قضيّة الشعب"، فأُحيل على القضاء،
وظلت الأنفاس مشدودة من يوم الحادثة (26 جوان 1970)
الى ما يقارب السنة (19 جوان 1971) وعندها حكمت المحكمة
بالسجن على سارتر، فتدخّل رئيس الجمهورية الفرنسيّة
جورج بومبيدو وقال: "إني لا أستطيع أن أضعَ الثقافةَ
في السجن". ولم يدخل سارتر السجن.
ومضى أيضا زمنٌ كان
يُقْدم فيه برنار روسّل - الفيلسوف وعالم الرياضيات
والحاصل على جائزة نوبل للآداب عام 1950 - على تأسيس
محكمة دولية (1961) سمّاها باسمه، مهمّتها مقاضاة الدولة
التي تُشعل نار الحرب وتختار التسلّح.
مضت تلك الأزمنة، وانحسرت
سلطة العقل، وها نحن - أمام المشهد الكوني - نَرْقب
انشقاق الوعي الفكري حيال تشظي السياسة، ونُصغي في عَجَب
الى ضياع الخطاب السياسي الدولي حيال تشظي المنظومة
القيميّة التي يتعلق الفكر بأهدابها. وأمام طوفان اللامعقول
السياسي انحلّ السؤال الفلسفي الى مجاز شعري تائهٍ:
أيّهما الأعنفُ زلزال السياسة أم بركان الثقافة؟
تلك كانت واحدة من خسارات
الإنسان الكبرى، وهي التي تشرح لنا لماذا عجز كل الأحرار
في العالم - من الفلاسفة والأدباء والأكاديمييّن والفنانين
المبدعين - عن إثناء القرار السياسي المتفرّد بالشأن
الدولي ولو قيدَ أُنملة حين اختار الحرب، وحين دشن عهدًا
جديدا من عهود الصراع الدموي هو عهد الحروب الاستباقية
مُعلنًا أن الحِمْيَة الكونيّة تُوثِر الوقاية على العلاج.
ولكنّ وراءَ تلك الخسارة
خسارةً أخرى: فالإعلان عن النظام العالمي الجديد في
نهاية 1992 إبان الحملة الانتخابية التي قادها كلينتون
في مواجهة بوش الأب، والإعلان عن العولمة كمرجعيّة جديدة
تَحْكم المنظومة الدولية بأسرها، قد وَلّدا احترازات
جمّةً، ولكنّ شيئا من التفاؤل ظل يساور بعض المفكرين.
وسنفترض - من باب الجدل المنهجي - أن واحدا منا قد انخرط
يومئذ في ميثاق التفاؤل، فلا بد أن تكون حوافزه قد ارتكزت
ساعتَها على عناصر ملموسة، منها الاحتفاء بأن العولمة
جاءت تبشّر بهُويّة إنسانية شاملة، وكان من مستلزَمات
ذلك سقوطُ الحواجز بين المقاسم الجغرافية التي هي -
في هذا المنظور الاحتفائيّ - أسيجة بين بني الإنسان،
واستنادا الى ذلك كان يمكن لهذا الواحد منا - جدلاً
- أن يفرح بامّحاء مفهوم السيادة داخل الأوطان، وأن
يَسْعد بسقوط الحواجز أمام تَنقّل "الخيرات"
من كل ما تنتجه يد الإنسان. وحتى لو قيل لذاك المتفائل
يومئذ إن العولمة تَؤُول الى ذوبان مستمرّ لرأس المال
الأصغر في رأس المال الأكبر مما ينتهي حتما الى استبداد
جديد، فإنه كان يجيب بأن التنافسَ قيمةٌ حكمتْ به الطبيعة
وأقرّته الشرائع لأن ثمرته هي للناس كافة حين يصلهم
الإنتاج الأجود بالثمن الأدنى.
اليومَ يقف ذاك المتفائل
على واقع مغاير لأنه سيرى أن فكرة العولمة - تحت سطوة
الأحداث المتتالية - قد تصدّعت بجملةٍ من الانتقاضات
الذاتية حتى لكأنها تشهد انفلاقا من الداخل، وهذه بعض
القرائن: فبعد التبشير بتضاؤل سلطة الغرائز القومية
ها هي الحميّة تنبثق من جديد بسطوة عاتية، والعجَب أنها
تنبعث من قلب البلاد التي حملت لواء "عالم بلا
حدود وبلا قوميّات وبلا سيادات" بل تنبعث في ما
يشبه الإلغاء الكليّ لمن سواها حتى تقيم السيادة المنفردة
الطّولَى. والمشهد الدولي يوحي بأننا على مسافة خطوتين
من العودة الى بلاء القول بتفاضل الأعراق بين رفيع ووضيع،
أو بين مفطور بالطبع على السيادة ومجبول بالفطرة على
الانصياع.
ومن القرائن أن العولمة
قد قضت بانسياب حركة المال معتمدةً في ذلك على منجزات
الثورة الإلكترونية فجاءت تَهَبُ الإنسانَ حريةَ التصرّف
في المُمتَلَك بأرقى الصور. وإذا بكل شيء ينتكس تحت
كابوس البحث عن تمويل التطرّف، وإذا بأعز ما كانت البنوك
تملكه وتفْخر به وهو كفالة السريّة يتهاوى فيتهاوى معه
ركن عتيد من اركان العولمة تحت وصايا الرقابة القصوى
على حركة المال.
ثم أَلَمْ يحلم أنصار
النظام العالمي الجديد بجدارة الأقوى في أن يسيطر فقط
بواسطة التفوّق الاقتصادي؟ ألم يكن القانون الجديد الضابط
لكل التوازنات الدولية قائما على سيادة الأقوى في سوق
الاستثمار والأمتن في إدارة مركب الليبيرالية المطلقة؟
ألم يكن ذلك إعلانا عن ان العولمة هي البديل للسلاح
العسكري في بسط نفوذ الأقوى؟ فها هي الأحداث - في أفغانستان
ثم في العراق - تكْسر كلّ هذه النواميس وتعيد للتسلح
سلطانه المطلق على سائر مقوّمات التنافس الدولي.
إنها سلسلة من الانتقاضات
تخترق أغشية الظواهر فَتَنْفذ الى أعماقها، وإنها خسارة
كبرى تلحق الإنسانية بعد أنْ تفاءلت ببعض الخير يأتيها
به النظام العالمي الجديد. وهل أدلّ على انتقاضات المشهد
الدولي من اختفاء العولمة - لفظا ومقولةً - منذ اندلاع
الأحداث الكبرى في خطاب دعاة الخيار العسكري الجُدد.
وتستمر تداعيات المشهد،
وتتواصل سلسلة المراجعات التي يتعيّن إجلاؤها بين مؤسسة
صناعة القرار وورشات إنتاج الأفكار. فالخيار العسكري
يحمل بين طياته فلسفة قائمة الذات يهمّنا منها - في
سياقنا هذا الملتزم بتصفّح سفر الخسارات - عنصران اثنان:
الأول هو أن خيار التنمية قد انداح الى المرتبة الخلفية
في سلّم الأولويات الدولية، ويكفي أن نذكر الرقم الذي
قدّمته الإدارة الأمريكية الخاص بالتكلفة التقديرية
للحملة العسكرية على العراق قبل إنجازها، وقد كان متراوحا
بين مائة ومائتين بحساب مليار الدولار، وهو ما يعادل
ميزانية أي دولة نامية، ذات اقتصاد صاعد، تعدّ عشرة
ملايين نسمة، وذلك لمدة عَقْد من السنين في الحد الأدنى
وعقديْن في الحد الأعلى! وأما العنصر الثاني فهو أخفى
وأعمق، فالخيار العسكري معناه نكران ما أدركته الإنسانية
من نضج حضاري وما حققته من ارتقاءٍ مدني كان من المفروض
ان يجعلا التسلحَ قوة رادعة أكثر مما هي قوة فاصمة.
تلك خسارة اخرى من خسارات
الإنسان مطلقا، ولو رمنا التمثيل الحزين لها لقلنا إنه
يكفي أنّ قُوى السلم في العالم قد وجدت نفسها تحنّ حنينا
مكشوفا الى عقود الحرب الباردة، وتلك قمّة السخرية التي
يقضي بها التاريخ. في هذه الخانة يتحول الشعار النقضيّ
الى حقيقة، إنه خيار "عسكرة العالم" من حيث
هي واقع إجرائي يَسْبق التصوّرَ وأحيانا يغالبه. وكيف
لنا ألا نرى الى احتشاد المفاهيم المسوّغة على ما فيها
من مخاتلات تخييليّة: الحرب الوقائية والحرب الاستباقية.
إن الخيار العسكري الشامل هو الذي سيقوّي سطوة الدولة
أمام حق الفرد، وسيُعيد الإنسانيةَ الى أسطورة روبيس
بيار حول "حق الدولة" وما تبع ذلك من فترة
"الرعب" (1794) ثم فترة "الرعب الأكبر"
(1794) وهذا هو الذي جاءت الأحداث - منذ 11 سبتمبر 2001
الى 9 أفريل 2003 - شواهدَ دالات عليه. وهكذا نُطلّ
على حافّة خسارة جديدة تستوجب هي الأخرى مراجعة في الأعماق
لما هو قائم بين الفكر والسياسة. فالخيار العسكري يفرض
على العالم أن يعيش أسيرا داخل منطق الحرب، وكل القرائن
الآن تشير الى سيطرة الهاجس الأمني - في العالم كله
- على كل الآليات المدنية، بل إن ملامح المشهد تؤكد
أن العالم يعيش في ما يطابق قانونَ طوَارئ دولي أتى
على الحياة المدنية، وأتى على مفهوم العدالة ومؤسسة
القضاء، وهل ثمّة مثقف حرّ شريف في العالم بأسره لا
يُحْزنه مسلسل الأيام بين أسيجة جوانتانامو، فلقد فاق
الأمر ما يستطيعه الخيال ولا سيما حين نتذكر أن المحاكم
التي انتصبت عقب أفظع الحروب قد ضمنت لزبائنها الحد
الأدنى المعقول من الكرامة الإنسانية؟
وهل من لوحة أدعى للعجب
من ذاك المؤتمر الذي عقدته في لندن المنظمات الإنسانية
من كل المشارب - يوم 12 جويلية 2003 - لإرسال الصيحة
الشاملة عما يجري بين الأسيجة؟ من هنا يتسلل الانتكاس
التاريخي الأعظم: إنه الاهتزاز الجذري الذي بدأ يصيب
معمار الديمقراية السياسية بوصفها أعزّ المكاسب التي
حققتها الإنسانية عبر تاريخ طويل يرجع الى أربعة وعشرين
قرنا منذ كان الجدل دائرا في أثينا وبلاد الإغريق.
الأدلة على تصدّع جدران
الصرح الديمقراطي عديدة، وجلّها من الحجم الكبير، ولكن
عدسة الفكر النقدي قد تقف عند المهمَل من الأحداث فترى
في صُغْراها ما لا تراه على الشاشة الكبرى. فالكنغرس
ما انفك إثر أحداث 11 سبتمبر 2001 يطالب ببعث لجنةٍ
تحقّق في الأحداث: لماذا حصلت وكيف حصلت وما هي القراءة
الموضوعية لها؟ وظلت الإدارة الأمريكية تمانع وتتمنّع،
ولمّا كبُر الضغط أذعنتْ بعد عام كامل، وأَسند الكنغرس
رئاسة اللجنة الى هنري كيسنجر، وبدأت اللجنة عملها،
ولم يمض الأسبوع الثاني حتى تأكد رئيسها - هذا الدبلوماسي
المخلص لوطنه حدّ الرميم، والمنظّر لعظمة وطنه حدّ التاريخ
- بأن الإدارة ليست مستعدة لتأمين ما يضمن استقلال اللجنة
فاستقال يوم 13 سبتمبر 2002، وقُبر المشروع.
ولما حامت الشكوك حول
مسوّغات الحرب على العراق تحرّك الكنغرس من جديد لبعث
لجنة تُحقق في مدى تطابق التصريحات المعلنة والمعطيات
المتوفرة، ولكن الإدارة هدّدت فآثر أعضاء الكنغرس تجنّب
فضيحة أخرى فصوّتت الأغلبية يوم 10 جوان 2003 ضد المشروع.
من حق كل مثقف إنساني
أن يفترض نفسَه مواطنا أمريكيا، ومن حقه عندئذ أن يحزن
لهذه الفلول التي تشق جدران الديمقراطية. فالتحقيق المحايد
للأحداث الكبرى هو حق مطلق لكل مواطن، وهو حق لا يستظل
بسحابة التحزّب لأنه فوق الحيثيات الحافة بالحملات الانتخابية،
ومن حقه أن يحزن وهو الذي في سجله لحظات تألّقت فيها
الديمقراطية عبر لية التحقيق: فقصة نيكسون إذا جُمعت
الى قصة كلينتون أصبحتا معا - بين استقالة الأول (8
أوت 1974) وتبرئة الثاني (12 فيفري 1999) - مفخرةً من
مفاخر الديمقراطية ككسب إنساني مطلق وكمطمح سياسي شامل.
أما المراجعة الأكبر
والتي تشي بالخسارة الأشمل فهي اختلاط الأوراق بين الدنيوي
والمقدّس في المشهد الدولي الجديد فلطالما ابتهجت الإنسانية
على لسان رواد الفكر الحر بانفصال الدين عن السياسة،
ولطالما أشار الناس بأنامل التجديد الى أن ذلك هو سرّ
النهضة الحضارية المعاصرة. تحييد المعتَقَد هو الذي
أعطى مفهوم الدولة حداثته، وهو الذي كفل حق المواطَنة
بعيدا عن نسقيّة العرق والدين واللغة.
إن عودة المقدّس الى الشأن الإنساني قضيّةٌ.
وإن ممازجة الدين لسياسة
شؤون المجتمع قضية اخرى.
وإنها لقضية ثالثة مخالفة
تماما للأولى والثانية أن يَعمد رجل السياسة في أعلى
مستويات الهرم الدولي الى ركوب مطيّة العامل الغيبي
واعتلاء صهوة الخطاب الروحاني بغية تسويق قراراته الإجرائية
بعد ترويج مقولاته التحريضية.
إن الفكر يقف مشدودا
بالحيرة وهو يرى نزيف الأوردة يتدفق من قلب الحداثة
الحضارية. كيف يحدث أن ينبريَ سادة الدولة التي اعتصرت
أنساغَ التمدّن على مدى ثلاثة قرون حتى غدت الحلم البشري
الأمثل يَسْتصرخون الناس باسم التبشير السماوي الجديد،
ويَعدون بتطهير الأرض باسم الرسالة الربانية غير متكتمين
عن الطقوس اليومية لرئيس كان لا يبدأ يومه إلا بتلاوة
الورد المقدس الذي يحضّ على استرجاع بابل؟
هنا تحديدا تتسامق الخسارة
الإنسانية فتتجاوز سائر الخسارات: فما من بذرة فساد
في السياسة إلا ويسهل انتزاعُها بقدر الزمن الذي تم
استزراعها فيه. ولكنّ حقن السياسة بالدين - أو حقن الدين
في السياسة - إذا زرعنا بذوره فلن يتيسر فك الارتباط
بينهما إلا بمعجزات مَدَنية كبرى.
من كان يظن عند بزوغ
الفجر في أول أيام الألفية الثالثة أن رئيس أعظم الدول
تقدمًا وازدهارا سيعلن "الحرب المقدّسة" التي
تتوسّد المانويّةَ الفاصمة مساء 15 سبتمبر 2001؟ ومن
كان يظن أن رئيس الدولة التي كانت في مفترق الثقافات
والحضارات سيعلن يوم 26 سبتمبر 2001 عن "الأفضلية
المطلقة" لحضارة الغرب على حساب الحضارة التي لم
ينكر الغربُ يوما فضلها عليه؟ وهل كان أحد يصدّق أن
دُُول القارة العريقة عندما كانوا يهمّون بالتصديق على
الدستور الأوروبي يفاجَؤون بأربع دول من بينهم طالبت
- يوم 15 جوان 2003 - بأن ينص الدستور على مسيحيّة الاتحاد
الاوروبي؟
ومن كان يتصور ان الحكومة
البريطانية تقاضي البي بي سي - في مطلع جوان 2003 -
لأنها أعدت تحقيقا حول مدى حجم المخاطر الحقيقية لأسلحة
العراق، وأن الكارثة تكتمل صبيحة 18 جويلية 2003 حين
تم العثور على جثة ديفيد كيلي، أكبر علماء بريطانيا
في البحوث الجرثومية، فلقد أملى عليه الضمير الأخلاقي
ألا يكتم الحقيقة العلمية حول أسلحة الدمار الشامل فتحدث
بأمانة الى أرقى أجهزة الإعلام في العالم.
كانت الشفرة قد قطعت
شريان اليد اليسرى فَلَفَظَ الجسد أنفاسه، ولكنّ حَشْرجةَ
النّزْع أصابت أنفاسَ الديمقراطية فكانت الخسارةُ الأخرى
على سفر الخسارات، وكانت عقاربُ الساعة تَجْثم من جديد
على ما بقي من أشلاء الجسر بين الفكر والسياسة.
إذا فتح الفكر
سجلّ الخسارات فلأنه فكرٌ حرٌّ مطلقًا ولكنه - عند قراءة
الأسفار - لا ينطق باسم زيتونة شرقية ولا باسم زيتونة
غربية، ولأن ميثاقه المساءلةُ الدائمة خارج غرائز الأعراق،
وخارجَ أسوار المعتقَد، وخارجَ أسيجة اللغة، وخارج حدود
الأوطان.