ندوات

في ندوة التناضح العرقي الثقافي بالمتوسّط:
المتوسّط: حقيقة أم ايطوبيا؟...

حضارات المتوسط عشقت الحريّة وأعلنت التحدّي فهل يكون الأحفاد على قدر ارادة الأسلاف؟

المتوسّط فقد مكانته الدولية ومسار برشلونة يحتاج الى تصحيح للأخذ بعين الاعتبار مصالح كل شعوب المنطقة

تحديات عديدة تطرحها العولمة وعدم استقرار الشرق الأوسط فهل تنجح المتوسطية حيث نجح البناء الاوروبي؟

المتوسّط انتج مخيالات متناقضة.. ولم تكن هويّته الا تعدّدية..

تونس أفكار -خيرة الشيباني

بالرّغم من هيمنة الطابع التاريخي على بعض أعماله، يواصل كرسي بن علي لحوار الحضارات والاديان بتونس برئاسة الأستاذ الدكتور محمد حسين فنطر جهوده المتميّزة، في ظل سياق فكري عالمي يروّج للعولمة، وسياق دولي محكوم بالأمركة، من اجل صياغة رؤى مستقبلية للعلاقات بين مختلف الفضاءات الحضارية والثقافية على اساس الحوار والتضامن والاعتراف بالآخر وذلك حتى ترتفع اصوات السلم على اصوات الحرب ويعلو منطق الحقّ على منطق القوّة.

وقد اهتم كرسي بن علي لحوار الحضارات والاديان في ملتقاه الدولي الاخير "التناضح العرقي الثقافي في المتوسط" الذي عقد بمدينة المهدية عاصمة الفاطميين بالامكانيات المتاحة امام دول حوض المتوسّط وشعوبه من اجل خلق فرص حوار وتبادل وعيش افضل وذلك استنادا الى ما عرفه المتوسّط ماضيا من مشاريع حضارية ساهمت فيها جميع شعوب المتوسّط تصوّرا وإنجازا او تمجيدا.

الملتقى الدولي شاركت فيه شخصيات اكاديمية وسياسية واعلامية بارزة من مختلف دول المتوسّط. ورأَس كلّ جلساته بدون عناء ولا كلل، وأثراه بملاحظاته وتدخّلاته العميقة الدكتور فنطر. وقد اعتنينا في العرض التالي خاصّة بما طُرح من افكار تخصّ مستقبل العلاقة بين شعوب ضفتي المتوسط، ومستقبل مكانته الدولية.

المتوسط: بين عشق الحرية وارادة التحدّي

بالرّغم من ان مداخلة الدكتور حمادي بن جاب الله استاذ الفلسفة بكلية الآداب والعلوم الانسانية بتونس، والتي جاءت بعنوان "نظرية المناخات: المتوسّط الهيجلي"، برمجت في الجلسة الرابعة للملتقى، فإنّها تمثّل في نظرنا مدخلا نظريا اساسيا لأعماله، اذ طرحت سؤالا جوهريا لا غنى عنه في كل حديث يبحث في هوية المتوسّط ويرتّب العلاقة بين شعوبه ويبحث في مستقبله.

فالمساءلة المنهجية التي طرحها الدكتور بن جاب الله انصبّت على مفهوم الثقافة المتوسطية وإن كان يمكن الحديث فعلا عن حضارة متوسّطية او عن بيت متوسّطي واضح المعالم والخصوصيات، وذلك انطلاقا ممّا يمكن ان تكون عليه العلاقة بين الانسان ومحيطه الطبيعي وبين ما يمكن ان تكون عليه العلاقة بين التاريخ والجغرافيا.

وقد ذكر الباحث ان العلاقة بين المواضع الطبيعية وثقافة الشعوب وأخلاقها سؤال قديم بحث فيه علماء الاغريق وفلاسفته كما بحث فيه المسعودي والطبري وابن خلدون ومونتسكيو في كتابه "روح القوانين" ولم تخرج استخلاصات هؤلاء العلماء والفلاسفة في الربط بين الطبيعة والثقافة عن مركزية اثنية بارزة. وقد ابرز هيغل هذه الحتمية وهو يقارن بين الحضارة الفينيقية والحضارة البابلية، وبيّن ان الحضارة الفينيقية امتدّت الى اصقاع الأرض لأنها حضارة الماء.. حضارة البحر، هذا الفضاء المتحرّك الذي يفتح على اللامتناهي وينمّي عشق الحرية ويشحذ العزم على التحدي وتجاوز ما يخبّئه البحر من ويلات، لهذا كانت الحضارة الفينيقية حضارة السيطرة على المحيط الطبيعي، ولذلك أيضا وكما يخلص لهذا الدكتور بن جاب الله لم يكن من قبيل الصُدَف ان اهمّ ما انتجته الحضارة الانسانية الى حدود الخمسينات من القرن العشرين كان متوسّطيا، وان المتوسّط ظلّ الى هذه الفترة مركز العالم ومحور لقاءاته وصراعاته.

ان عشق الحرية، وارادة التحدي، هي من الفضائل التي يدعونا الباحث الى تنميتها حتى نكون جديرين بالمتوسط وبالحضارات التي انتجها، وبالمستقبل الذي يمكن ان يكون عليه. كما سبق أن دعانا طه حسين في كتابه "مستقبل الثقافة" الى ان نأخذ عن الغرب خيره وشرّه وكان يقصد بذلك ان نأخذ عنه طرقه في البناء والتعمير والاستصلاح ولكن ايضا علمه ومعرفته لنردّ العدوان، ولم يكن طه حسين يقصد بشرّ الغرب غير هذا، على عكس ما وقع تأويل مقولته الشهيرة.

وقد نعى الباحث من جهة اخرى ثقافة الجهل والحقد التي توجّه بعض مواقف الاوروبيين والعرب من بعضهم البعض. ودعا الى تجاوز هذه الثقافة، وخلص الى اننا نحتاج الى سياسة ارادية لننشئ حقا المتوسّط كما نحب ان يكون بيتا للحوار والتضامن والسلم.

تصحيح مسار برشلونة

المداخل الى بناء المتوسّط عديدة، وربما عليها أن تكون شاملة ينهض فيها السياسي بقدرما ينهض فيها الاقتصادي والعلمي والثقافي لبناء مجموعة متوسّطية تتقلّص بين أفرادها الفوارق الاقتصادية والاجتماعية وتذوب المسافات النفسية والثقافيّة ويعمل الجميع من اجل ازدهار المنطقة وأمنها واستقرارها.

ولقد حمل لنا الدكتور السكرتير العام لنادي مرسيليا وليام لان (فرنسا) تصوّر نادي مرسيليا لتحقيق جملة هذه الأهداف انطلاقا من التظاهرة الكبرى التي عقدها سنة 2002 بعنوان "ورلد ماد: من أجل بناء المجموعة المتوسطية للمعرفة والكفاءات".

وينطلق الدكتور لان الذي يتحمل أيضا مسؤولية ادارة مركز التجارة العالمي بمدينته المتوسطية من ملاحظة غياب المتوسط على الساحة الدولية بسبب الهيمنة الأمريكية عليها وبسبب أنّ البناء الاوروبي قد وجّه مركزه نحو الشمال والشرق ونسي جنوبه رغم بعض المشاريع التي اهتمت بالضفة الجنوبيّة مثل مسار برشلونة، الا ان هذا الأخير يسير بإيقاع لا يلبّي طموحات شعوب المنطقة ولا احتياجاتها الحقيقية خاصة مع مزيد انغلاق اوروبا على نفسها، وحديثها عن الجوار الجديد (روسيا ودول البلطيق) وما جاء في ديباجة الدستور الاوروبي الذي ينصّ على ان المسيحية هي من عوامل توحيد المنطقة في حين ان اوروبا والمنطقة المتوسطية عموما متعدّدة الأعراق والأديان، وهو ما من شأنه أن يضاعف من المسافات بين ضفتي المتوسط.

ومن خلال تقديم العديد من المعطيات والارقام خلص الدكتور لان الى فشل مسار برشلونة الذي يهتم بحركة السلع وبالقضايا الأمنية أكثر من اهتمامه بلقاء الشعوب وتمازجها ومساهمة الشمال في تنمية الجنوب. وأشار الى أن متوسط ما يحصل عليه المواطن البرتغالي يقارب الأربعين اورو من المساعدات الاوروبية في حين لا يتحصل المغاربي الا على اورو واحد. وأضاف السكرتير العام لنادي مرسيليا ان اوروبا تتوفر على 40 مليون فرصة عمل ويمثل جنوب المتوسط مخزونا هائلا للحصول على اليد العاملة المدرّبة، كما ان المغرب العربي لا يستغل الا ثلث قدراته الاستثمارية بسبب الشروط المجحفة التي يضعها المستثمرون الاوروبيون للاستثمار في هذه البلدان، في الوقت الذي لا تعيش فيه بعض المناطق الفرنسية دون الكفاءات المغاربية. وذكر المتدخل تحديدا منطقة "البوش دورون" الفرنسية التي لا يمكن ان تعيش دون الأطباء ذوي الاصول المغاربية.

وقد ذهب الدكتور لان الى ان بناء المجموعة المتوسطية على أساس توحيد الكفاءات وحسن توظيفها وتبادل المعلومات وهو من أهداف نادي مرسيليا ذات الاولوية يمكن ان يكون مدخلا للبناء السياسي، ولمَ لا انخراط بلدان الضفة الجنوبية في الاتحاد الاوروبي على غرار التوجّه التركي الحالي، هذا بالاضافة الى اعادة صياغة مسار برشلونة على أساس يأخذ بعين الاعتبار مصالح شعوب الضفة الجنوبية.

وقد كانت الدعوة الى تفعيل مسار برشلونة وتصحيح بعض منطلقاته من الافكار الأساسية والهامة التي ركز عليها الدكتور عبد الله الكحلاوي المنسّق العام لبرامج حوار الحضارات باليونسكو وذلك في المداخلة التي ألقاها بعنوان "المتوسط: فضاء حوار وهويات" وقد أشار الدكتور الكحلاوي الى ان جدول أعمال ندوة برشلونة لعام 1996 كان قد ركز على المحاور الأساسية وخاصة الاقتصادية التي تهم الاتحاد الاوروبي دون الأخذ في الاعتبار مصالح الدول العربية التي تمثل سوقا استهلاكية للسلع الاوروبيّة. وأضاف المتدخل ان شراكة حقيقية لا يمكن ان تكون بين الدول العربية والاوروبية دون تحقيق الاستقرار للمنطقة، وهو ما يستدعي ايجاد حلّ عادل للقضية الفلسطينية. وعبّر المتدخّل عن أمله في ان توفر خارطة الطريق الحلّ السلمي المطلوب.

وفي ظلّ عدم اخذ المصالح العربية بعين الاعتبار من قبل المجموعة الاوروبية تتطلع الدول العربية، مثل مصر وتونس والمغرب ولبنان وغيرها، الى بناء سوق عربية مشتركة كفيلة بالنهوض باقتصادياتها وذلك بالتعاون مع الدول الخليجية النفطية التي تستوعب حاليا اعدادا هائلة من الأيدي العاملة من دول الضفة الجنوبية للمتوسط في حين تضع الدول الاوروبية شروطا قاسية على هجرة أبناء الجنوب اليها، وهو ما يضع فكرة المتوسطية موضع نقاش وذلك لصالح "القومية العربية" حسب قول الدكتور الكحلاوي.

واذا ما كانت القضية الفلسطينية من المعضلات التي تعطّل استقرار المتوسط، فإن العولمة تمثل في رأي الباحث تحديا خر امام قيام شراكة متوسطية حقيقية. وأشار المتحدث الى حركة الاستثمارات الأجنبية ربما يعني الأمريكية في المنطقة، التي نشطت في الفترة الاخيرة كما نشطت حركة تبادل السلع والتكنولوجيات الحديثة وذلك على غير المحور الاورومتوسطي.

وعبّر الدكتور الكحلاوي عن أمله في أن تستفيد دول المنطقة من هذه الحركة الاقتصادية والمالية النشيطة، لتبني نهضتها الداخلية على غرار ما تقوم به الصين والهند حاليا من تحويل للعولمة الى فرص حقيقية وتجنّب محاذيرها، بحيث لا يتقابل الانتماء الوطني او الاقليمي مع الانخراط في حركة العولمة.

تحديات جديدة

حول موقع المتوسط من التحوّلات السياسية والاقتصادية والانقلابات الفكرية والثقافية التي احدثتها العولمة، تساءل ايضا الدكتور ميشال بروندينو المختص في تاريخ افريقيا المتوسطية والذي سبق له ان ادار العديد من المراكز الثقافيّة الايطالية بدول المغرب العربي الكبير.

وقد أشار في بداية تدخله الى مركزية هذا الموقع على المستوى الدولي حيث تمثل هذه المنطقة مجمع الانقلابات التي احدثتها العولمة من انخرام في التوازن الاقتصادي، وفوارق بين المؤسسات والهياكل القديمة والجديدة، وخلل في مسارات التنمية، واندثار لبعض الثقافات المتوسطية تحت وطء الهيمنة الأمريكية. وذكر أنه سيقتصر على دراسة ثار ظاهرتين على اوضاع المتوسط هما الظاهرة الديموغرافية وظاهرة الهجرة. وفيما يخصّ الظاهرة الاولى كشفت المقاربة الديموغرافية عن وجود خلل كبير يهدّد بشكل جدّي الضفة الشمالية التي كانت تشكل ثلثي المجموع السكاني للمنطقة، الا ان الأوضاع انقلبت اليوم مع نزعة نموّ ترتفع الى 8.5% في الجنوب مع اتجاه الى مزيد الارتفاع.

اما ظاهرة الهجرة فإنها، خذة في التفاقم الى ما لا نهاية له، حيث ان الفقراء على حدّ عبارة المتدخل يرحلون بحثا عن الخبز، وليس العكس. وذكر ان 80 مليون مهاجر يعيشون اليوم بأوروبا بحيث اصبحت هذه حقا ارضا للهجرة بما في ذلك دول أوروبية كانت سابقا مصدرا للهجرة مثل ايطاليا واسبانيا والبرتغال، بحيث بلغت حركة زوارق الرجاء (والموت) درجة لم تبلغها خلال القرن التاسع عشر وثلثي القرن العشرين. واشار الى حركة التبادل والتأثر الثقافي التي نلحظها بسبب ظاهرة الهجرة. وأكد ان التأثر يتجاوز المعلومة ليكون نسقا من التبادل بين الأفراد والجماعات تصاغ فيها عمليات التداخل. وأوضح الدكتور بروندينو ان جميع الثقافات كانت عبر تاريخها ثقافات تعددية، صنعتها التأثيرات المتبادلة، وعلينا ان لا نخاف من مثل هذه العمليات. وعلى المتوسط وبالقدر الذي يدافع فيه عن هويته ان يعيد النظر في هذه الهوية لكي تكون تعددية ومنفتحة، أي هويات تأليفية، فالآخر هو في كل الأوطان، وفي كل مؤسساتنا ومواقفنا وافكارنا.

ومن هذا المنظور على شعوب الضفتين ان تقبل فكرة هذه التعددية، وأن تتدبّر اشكالا جديدة للتعايش ولحفظ كرامة الانسان. والى ذلك دعا الدكتور بروندينو الى اعادة تقييم التراث الثقافي المحلي، على ضوء التكنولوجيات الجديدة والمستحدثة، قصد اختبار قدرات المتوسط على القيام بثورة حقيقية مع الاستفادة مما تقدمه الأديان والمعتقدات والتقاليد والأنماط الثقافية فكلنا ضيوف المتوسط، كما يقول الدكتور بروندينو، وعلينا أن نعطيه بقدر ما نأخذ منه، وأن نترك البيت، أَوَانَ الرحيلِ، وهو أكثر صحة وسلاما.

شبكة سياحية ثقافية متوسطية

ان تحقيق مجموعة متوسطية متناغمة لا يمكن ان يتم في ظل ثقافة الجهل او الحقد، كما أشرنا سالفا على لسان الدكتور حمادي بن جاب اللّه، لذلك وجب التفكير في سبل اللّقاء والتعارف والحوار والتبادل.. واذا ما شكلت الهجرة احدى سبل هذا اللقاء بين ضفتي المتوسط مع كل اثارها السلبية من ردود فعل رفض واقصاء عديدة فإن السياحة تمثّل، في رأي الدكتور روبير لنقر، الحاصل على دكتوراه في اقتصاد السياحة، والمدير الحالي لبرامج السياحة والبيئة بالمعهد الاوروبي العربي للادارة بإسبانيا، مدخلا أساسيا للتعارف والتفاهم خاصة اذا ما تمّت على قواعد اللقاء المشترك حول ثقافات وتاريخ شعوب المنطقة. ويذهب الدكتور لنقر وهو من أصل جزائري في المداخلة التي ألقاها بعنوان "نحو سياحة اتنوثقافية مسؤولة ومستديمة بالمتوسّط" الى ان أكثر من 500 مليون سائح يتحركون سنويا على ضفتي المتوسط، لا تغريهم فقط سياحة الشمس والشواطئ بل انهم يطلبون ايضا سياحة ثقافية يستوجب توفيرُها لهم إرْسَاءَ الأسس المذكورة نفا. ومن اجل تحقيق هذا الهدف تحدث الدكتور لنقر عن مشروع شبكة "ميدان" السياحية المتوسطية التي تعمل حاليا على استنهاض وتوظيف قدرات مؤسسات تربوية واقتصادية وسياحية مختلفة بهدف اعطاء السياحة المتوسطية بعدا ثقافيا وتنمويا مستديما من شأنه المحافظة على الخصائص الثقافية والبيئية للمنطقة ومدّ الجسور الثقافية بين مختلف أبناء المتوسّط.
علما بأن شبكة "ميدان" للسياحة الثقافية ستُبْعث في شهر جوان/يونيو عام 2004 أثناء انعقاد ندوة غرناطة حول السياحة والثقافة في المتوسط.

وقد اهتمت الكاتبة الصحفية الاسبانية ايزابيلا فرننديز كاربالّو بالبعد الثقافي للسياحة المتوسطية من خلال عرضها لمشروع متحف كلا هورا (القلعة الحرّة) بقرطبة التي عملت على صيانتها مؤسسة روجي غارودي وتحويلها الى مقرّ لمعهد حوار الحضارات واقامة متحف بها يستعيد صورا من انصهار المجتمع الأندلسي ما بين القرنين التاسع والثالث عشر ميلاديا بمختلف اعراقه ومعتقداته وثقافاته وما نتج عن ذلك الانصهار من ابداع حضاري.

كما تردّد هذا الجانب على ألسنة العديد من المتدخلين خاصة من أساتذة التاريخ القديم والوسيط الذين تحدثوا عن كثير من وجوه التفاعل الحضاري بين حضارات المتوسّط المتعاقبة وذلك اعتمادا على الأعمال والمكتشفات الأثرية التي تعلن يوما بعد يوم عن كنوزها، كما هو الشأن بالنسبة للأعمال الحفرية التي أشرفت عليها الدكتورة كروز رويث بسوريا والدكتورة تيريزا جاميتو بالبرتغال، أو التي استنطقتها الدكتورة زهرة الشريف والحبيب بن يونس من تونس وغيرهما.

المخيال المتوسطي...

وقد تتبع بعض الأساتذة الباحثين المساهمين في الملتقى الدولي حول التناضح العرقي الثقافي في المتوسط ثار هذا التفاعل والتبادل على المستوى الرّمزي أيضا، وذلك على مستوى المخيالات التي انتجت اللغة بتسمياتها واستعاراتها و دابها كما انتجت مختلف العقائد والفنون التي تظل الى اليوم محلّ اعجاب وتقدير لأشكال ابداعها.

وفي أبحاث مطوّلة يصعب اختزالها تحدّث الدكتور كريستيان روبان على ضوء الاكتشافات الجديدة، وقراءة مقارنة عن طبيعة اليهودية الحِمْيَرية. وذكرالدكتور عبد الرزاق بنّور ان العامية التونسية، المتعدّدة الاصول اللغوية، متجذرة في سياقها الجغرافي والثقافي. وأبرزت الدكتورة عليا بكّار ثار كتالانيا في الهندسة المعمارية التونسية، خاصة منها العسكرية، على الظاهرة الديموغرافية وعلى اللهجة التونسية.

وكانت القراءة اللافتة التي قدّمها الدكتور عبد المجيد الحوسي من جامعة البوليتكنيك بمدينة أنكونا الايطالية حول حضور الساحل الايطالي الغربي وصقلية في مذكرات الأديب الفرنسي غي دي موبسان من أجمل ما استمتع به المشاركون في الملتقى الدولي حول التناضح العرقي والثقافي في المتوسط، اذ استُمدّت شاعرية الكلام على الكلام من شاعرية الأديب الرحّالة وانبهاره بمختلف نواحي المعيش اليومي لسكان الساحل الايطالي الغربي ومن شاعرية اسلوب الحوسي نفسه الذي أثرى الأدب التونسي والعالمي عموما بالعديد من المجموعات الشعرية التي عكست حساسية خاصة وثقافة مميّزة تقاطعت فيها مختلف روافد الثقافة الانسانية.

المقتطفات التي قدّمها لنا الحوسي من مذكرات دي موبسان هي مقتطفات من كتاب "الحياة الشاردة" الذي صدر للشاعر الفرنسي عام 1890 وضمّ فيما ضمّ مذكرات عن تونس والجزائر والقيروان وهي تحمل سمات الكاتب الرحّالة، الذي ارتأى أن لا تخضع رحلته الى أي قانون ولا تنظيم ولا ترتيب، وانما تأخذه ساقاه الى حيث متعة العين، التي يجدها كاتبنا القادم من الضفة الشمالية في مشاهد القصور والبيوت ذات الطابع الهندسي المميّز، وفي الحضور الآسر لنساء جميلات يحملن آ ثار دم عربي وهن يجلسن أمام البيوت يثرثرن ويزردن قطع الدانتيلا، نساء يعشن على الانتظار: انتظار الأزواج القادمين من المجهول بزوارقهم، انتظار مغامرات جديدة تقطع حبل الرّوتين، انتظار امل ما، نقطة في الأفق البعيد...

رحلة الكاتب الفرنسي تستمرّ بنفس الشغف بمدينة فلورانسا، وكامل منطقة التوسكانا حيث ترك فنانون مجهولون لم يبيعوا بعد لوحاتهم في متاحف امريكا التي لم تكتشف بعد، على جدران الكنائس وواجهات البيوت وشرفاتها اجمل الابداعات، لينتقل بعد ذلك الى صقلية جوهرة المتوسط، حيث تتمازج الفنون الرومانية بالملامح اليونانية والمصرية، والبيزنطية، والتأصيل العربي، وحيث تبدو هيئة الصقلّي ارثا عربيا خالصا فيها من العزّة والكبرياء الشيء الكثير ومن نغمات الصوت وتلويناته ما يجعلك تسترجع فرسانا غابرين أقاموا بتلك الديار وعمّروها قصورًا وبيوتا ومدارس وحلقات للعلم وورشات للفن الأصيل وبقيت روحهم قائمة في الشواهد الماديّة كما في اللفتة والعبارة.. انه المتوسّط الذي أعطى لغي دي موبسان دروسا في أنّ الانسان كائن متعدد، وأن الآخر قائم فينا.. دروس أدركها دي موبسان جيّدا، ونقلها الينا بالرّغم من استحكام النزعة الأتنو مركزية الأوروبية في زمنه.. ولعلها مازالت شديدة الاستحكام الى يومنا هذا.

طباعة >> | إغلاق النافذة >>


afkar@afkaronline.org