اتفاقيات الشراكة الأورومتوسطية
بين الفرص والمحاذير

د. حسن نافعة
- رئيس قسم العلوم السياسية بجامعة القاهرة

وقّع الاتحاد الأوروبي خلال السنوات القليلة الماضية اتفاقيات مشاركة مع عدد من الدول الواقعة على الشاطئ الجنوبي للبحر الأبيض المتوسط، ومنها دول عربية، ودخل البعض من تلك الاتفاقيات حيز التنفيذ بالفعل. أما بقية الدول العربية المتوسطية التي لم تبرم بعد اتفاقيات مماثلة فهي ما تزال إما في مرحلة التفاوض أو تسعى لإزالة العراقيل التي تعترض طريق هذا التفاوض. ولم تكن الدروب التي أفضت بالدول العربية إلى إبرام تلك الاتفاقيات ممهدة دائما أو متشابهة. فقد تباينت المفاوضات التي جرت بين الاتحاد الأوروبي والدول العربية، سواء من حيث صعوبتها ودرجة تعقيدها، أو من حيث الفترة الزمنية التي استغرقتها، كما تباينت ردود الأفعال على الاتفاقيات التي أسفرت عنها. ففي بعض الحالات سلكت المفاوضات مسارا طبيعيا لم تعترضه عقبات يصعب التغلب عليها أو أزمات حادة أو متكررة هددتها بالتوقف أو بالانهيار، واستغرقت فترة زمنية معقولة. لكنها اتسمت في حالات أخرى بقدر كبير من التشابك والتعقيد، واستغرقت فترة طويلة صادفت خلالها صعوبات هائلة وأزمات حادة هددتها بالتوقف والانهيار.

وتعتبر الحالة المصرية هي المثال الأكثر وضوحا على هذا النوع الثاني من المفاوضات.
فقد بدأت المفاوضات بين مصر والاتحاد الأوروبي في يناير عام 1995 واستمرت حتى يونيو 1991، ثم دخل الطرفان بعد ذلك في مرحلة مراجعات وأخذ ورد استغرقت ثمانية عشر شهرا تم خلالها تبادل الكثير من الخطابات والمذكرات الاستفسارية والتفسيرية والتوضيحية، واضطر رئيس الدولة المصري إلى التدخل بنفسه أكثر من مرة لإنقاذ المفاوضات من الانهيار التام إلى أن تم التوقيع على اتفاقية المشاركة بين الطرفين بالأحرف الأولى في 29 نوفمبر2001. وكانت المؤسسات الرسمية وشبه الرسمية والشعبية قد راحت تتابع باهتمام ما يجري على ساحة المفاوضات وتعلق على ما يرشح منها، وانقسمت النخبة والمؤسسات بين مؤيدين ومعارضين، و بين متحمسين ومترددين
و حذرين ومتخوفين.

ولم تتوقف ردود الفعل هذه حتى بعد التصديق على تلك الاتفاقية ودخولها حيز التنفيذ. وإن دل ذلك على شيء فإنما يدل على الأهمية القصوى التي أولتها وتوليها الأطراف العربية لتلك الاتفاقيات، على الصعيدين الرسمي والشعبي، و ذلك بسبب تأثيراتها الكبيرة المحتملة، الإيجابية منها والسلبية على حد سواء، على الحياة العامة لهذه الدول والمجتمعات وعلى كافة الأصعدة والمستويات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية.

وأيا كان الأمر فالاتفاقيات التي تم إبرامها أو الجاري التفاوض بشأنها بين الاتحاد الأوروبي وبعض الدول العربية ليست نمطية، أي أنها لا تطرح من جانب الاتحاد بذات الشكل والمضمون على كل دولة معنية على حدة لتحدد موقفها منها بالقبول أو بالرفض، وإنما هي محصلة لعملية تفاعل وتفاوض بين الاتحاد الأوروبي ككل، من ناحية، وبين كل دولة عربية طرف في الحوار الأورومتوسطي، من ناحية أخرى. ولذلك كان من الطبيعي أن تعكس هذه الاتفاقيات اختلافات واضحة المعالم والتضاريس من حالة إلى أخرى. فالاتفاقية المبرمة بين الاتحاد الأوروبي، من ناحية، وبين تونس أو المغرب، من ناحية أخرى، ليست صورة طبق الأصل من الاتفاقية المبرمة مع مصر، أو الاتفاقية التي قد تبرم مع سوريا أو مع لبنان في المستقبل. ومع ذلك فهذه الاختلافات تتعلق، في واقع الأمر، بالتفاصيل وبعملية ترتيب الأولويات أكثر مما تتعلق بالجوهر أو بالمضمون. ولذلك تنسحب هذه الاختلافات على أمور من قبيل: حجم المعونة المقدمة، القطاعات المستفيدة منها، فترات السماح والجداول الزمنية المقررة لإلغاء الرسوم الجمركية وإزالة الحواجز الجمركية وغير ذلك، لكنها لا تمس الفلسفة أو التوجهات العامة التي تحكم طبيعة العلاقة أو الأهداف المرجوة منها، كما سنشير لاحقا.

وقبل أن ندخل في مناقشة مضمون هذه الاتفاقيات لمعرفة ما إذا كانت تحقق مصلحة عربية واضحة أم لا، نبدأ بمجموعة من الملاحظات الأولية حول السياق العام للعلاقات الأورومتوسطية، عموما، والأوروعربية خصوصا، نراها ضرورية لفهم أهداف الأطراف المختلفة ودوافعهم وما قد تتيحه الاتفاقيات المشار إليها من فرص أو ما قد تفرضه من قيود وعقبات. ويمكن إجمال هذه الملاحظات على النحو التالي:

الملاحظة الأولى: تتعلق بالمرجعية التي يمكن على أساسها إجراء المقارنة و تحديد المكاسب والخسائر المحتملة للأطراف المعنية. فالعلاقات الثنائية بين الدول العربية والاتحاد الأوروبي كانت قائمة وموجودة قبل إبرام اتفاقيات المشاركة ولكن من خلال صيغة مختلفة تسمى اتفاقات التعاون. وبالتالي فإن السؤال الذي يتعين طرحه هنا يتعلق بمدى أفضلية صيغة على أخرى، من منظور الدول العربية، وما إذا كانت هذه الأخيرة تملك خيار الاختيار أصلا، أم أن الانتقال من صيغة "التعاون" إلى صيغة "المشاركة" كان قرارا أوروبيا قبل أن يكون عربيا؟ هنا قد يكون من المفيد توضيح الفروق الأساسية بين الصيغتين. فاتفاقات التعاون تطرح العلاقة بين طرفيها في صورة مانح (الاتحاد الأوربي) ومتلق(الدولة المعنية). أي أنها صيغة من طرف واحد تأخذ شكل معونة (نقدية أو عينية) يبدي مانح استعداده لتقديمها، ويحدد هو قيمتها وطبيعتها وتوقيتها ومداها وفقا لرؤيته الخاصة لمصالحه هو وقد يقرر بإرادته الحرة والمنفردة استمرارها أو وقفها
أو تجميدها كليا أو جزئيا متى يشاء، إلى متلق يحتاج إليها و مستعد لقبولها، لكنه لا يملك في العادة حق تغيير قيمتها أو تعديل شروطها.

أما "اتفاقيات المشاركة" فتطرح العلاقة بين طرفيها في إطار تعاقدي تفضي إليه مفاوضات، يفترض أنها تعكس تلاقي إرادتهما الحرة على أرضية مشتركة، و يرتب حقوقا والتزامات متبادلة يفترض أن تكون متكافئة وملزمة للطرفين. وعلى سبيل المثال فالعلاقة بين مصر والاتحاد الأوروبي كان يحكمها، قبل إبرام "اتفاقية المشاركة" المبرمة في نوفمبر 2001 اتفاق تعاون موقّع في عام 1977. وبمقتضى هذا الاتفاق كانت مصر تحصل على إعفاءات جمركية على صادراتها الصناعية ولحصص محددة من الغزل والمنسوجات، وعلى إعفاءات جمركية لحصص محدودة من الصادرات الزراعية في مواسم محددة، وكذلك على مساعدات غذائية ومساعدات مالية لدعم القدرات الاقتصادية. غير أن الرئيس حسني مبارك كان هو الذي بادر بالمطالبة، في خطابه أمام البرلمان الأوروبي في إبريل عام 1991، بتطوير العلاقة بين الجانبين المصري والأوروبي ولكن على أسس جديدة.

وكان من المفترض أن يجدد هذا الاتفاق في عام 1994، وبدأت مشاورات لهذا الغرض بالفعل، إلا أن التحولات التي طرأت على النظام الدولي، خاصة بعد انهيار وتفكك الاتحاد السوفييتي، دفعت الاتحاد الأوروبي إلى إحداث تغييرات جوهرية متعددة الأبعاد والاتجاهات في سياسته الخارجية كان من بينها بلورة سياسة أوروبية خاصة تجاه جنوب البحر المتوسط توازن سياسة التوسع شرقا التي أصرت عليها ألمانيا بعد توحدها. وفي هذا السياق صدر عام 1995 "إعلان برشلونة" الذي وضع إطارا جديدا لعلاقة الاتحاد بدول جنوب المتوسط، ومنها الدول العربية العشر التي دخلت في حوار أورومتوسطي وهي: مصر، تونس، الجزائر، وسوريا ولبنان وفلسطين والأردن والمغرب، بالإضافة إلى ليبيا وموريتانيا. وهذا الإعلان الصادر من جانب واحد هو الذي حدد سقف المفاوضات اللاحقة مع الدول العربية وحكم مسارها.

الملاحظة الثانية: تتعلق بطبيعة هذه الاتفاقيات. فهي ليست مجرد اتفاقيات اقتصادية، على الرغم من أن معظم ردود الأفعال عليها اقتصر على تناول البعد الاقتصادي، وإنما هي اتفاقيات شاملة تستهدف إطلاق حوار سياسي بين الأطراف المعنية، ووضع ضوابط لحركة المعاملات وتبادل السلع والخدمات ورؤوس الأموال، وتحديد أشكال التعاون الاقتصادي والنقدي، وكذلك التعاون في مجالات أخرى عديدة ومتنوعة مثل: غسيل الأموال، ومكافحة المخدرات، ومكافحة الإرهاب، والتعاون الإقليمي، والهجرة، والبيئة..الخ. وقد حددت المادة الأولى من اتفاقية المشاركة، وهي مادة تكاد تكون نمطية ومدرجة بنصها تقريبا في كل الاتفاقات التي وقّعت مع الدول العربية، أهدافها على النحو التالي:

1 - توفير إطار ملائم لحوار سياسي.
2 - التحرير المطرد للتجارة في السلع والخدمات ورؤوس الأموال.
3 - تدعيم وتنمية علاقات اقتصادية واجتماعية متوازنة.
4 - المساهمة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
5 - تشجيع التعاون الإقليمي من أجل ترسيخ التعايش السلمي والاستقرار الاقتصادي والسياسي.
6 - التعاون في المجالات الأخرى ذات الاهتمام المشترك.

وقد عكست الاتفاقيات المبرمة محاولة لتحقيق هذه الأهداف بطرق وأساليب مختلفة. لكن من الواضح أنه يصعب حساب كافة الآثار المترتبة على هذه الاتفاقية بطريقة كمية صارمة، فبعض الأهداف المرجوة والنتائج المتوقعة قابلة للقياس الكمي وبعضها غير قابل لمثل هذا القياس.

الملاحظة الثالثة: تتعلق بطرفي العلاقة في اتفاقيات المشاركة. فالاتحاد الأوروبي يدخل طرفا في هذه الاتفاقيات بوصفه كتلة دولية واحدة تضم خمسة عشر دولة قابلة للتوسع المستمر لتشمل دول القارة الأوروبية كلها، وحققت وحدة اقتصادية شبه كاملة وتتطلع لتحقيق شكل ما من أشكال الوحدة السياسية أو "الولايات المتحدة الأوروبية.

أما الدول العربية فتدخل كل منها كطرف مستقل في هذه العلاقة، رغم انتمائها إلى نظام إقليمي واحد أسبق في وجوده على النظام الأوروبي نفسه. وفي هذا السياق يصعب الحديث عن طرفين متكافئين في تلك العلاقة التي تحدد اتفاقيات المشاركة إطارها. فنحن إزاء تجمع أوروبي يطمع في ممارسة دور عالمي على الساحة الدولية، في مواجهة دول صغيرة متفرقة ومنكفئة على نفسها في معظم الأحوال وتواجه مشاكل سياسية واقتصادية واجتماعية يحاول التجمع الأوروبي أن يساهم في حلها وفق صيغة تناسب دوره وطموحاته. وتقوم هذه الصيغة، في تقديري، على معادلة يلتزم الاتحاد الأوروبي بموجبها بتقديم دعم مالي وتقني مغر إلى الدرجة التي تشجع الدول العربية في المقابل على فتح أسواقها وربط اقتصادياتها بالاقتصاد الأوروبي، بصفة خاصة، وبالاقتصاد العالمي، بصفة عامة، وأيضا تحديث مجتمعاتها بما يتلاءم أو يتوافق مع منظومة القيم الغربية. وقد حرصت المادة الثانية من اتفاقية المشاركة، وهي أيضا مادة تكاد تكون نمطية ومدرجة في كل الاتفاقات التي وُقّعت مع الدول العربية بنفس النص تقريبا، على التأكيد على أن العلاقات بين الطرفين المتعاقدين وكذلك كافة بنود الاتفاق تقوم على احترام المبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان الأساسية كما هي مبينة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والذي يرشد سياستهما الداخلية والدولية ويشكل عنصرا أساسيا لهذا الاتفاق.

فإذا انتقلنا من هذه الملاحظات العامة إلى مضمون اتفاقيات المشاركة الموقعة بين الاتحاد الأوروبي نجد أنها تحتوي على عدد من العناصر المشتركة التي يمكن إجمالها على النحو التالي:

1 - إقامة منطقة تجارة بين الاتحاد الأوروبي والدول العربية المعنية خلال فترة زمنية محددة تختفي بعدها الرسوم الجمركية والعوائق الأخرى التي تعترض حرية انتقال السلع والخدمات بين الأطراف المتعاقدة. وتختلف الفترة الزمنية المتفق عليها لاستكمال منطقة التجارة الحرة، كما تختلف قوائم السلع ونسب التخفيضات الجمركية وفترات السماح المقررة من دولة عربية إلى أخرى، حسب طبيعة الهياكل الانتاجية والتوازنات القائمة بين القطاعات الانتاجية والخدمات المختلفة في كل دولة على حدة.

2 - تقديم ما يكفي من المساعدات المالية والمعونة الفنية اللازمين لتحديث الصناعة وإعادة هيكلتها على النحو الذي يمكّنها من التكيف مع متطلبات رفع قدراتها التنافسية وتقليل الآثار السلبية المحتملة والمتوقعة نتيجة فتح الأسواق المحلية أمام المنتجات الصناعية الأوروبية الأكثر تقدما. وتختلف قيمة وأشكال هذه المساعدات وتلك المعونة كما تختلف طرق توزيعهما وإنفاقهما على القطاعات والصناعات المستفيدة من حالة إلى أخرى ومن دولة عربية إلى أخرى.

3 - التعاون في كافة مجالات وميادين النشاط الأخرى مثل: التعليم والصحة والطاقة وتكنولوجيا الاتصالات والنقل ومكافحة الجريمة المنظمة والإرهاب وتجارة المخدرات وغسيل الأموال..الخ. وتختلف أهمية الأوزان النسبية لكل من هذه المجالات والميادين وأشكال التعاون المقترحة والوسائل الموضوعة تحت تصرف الأطراف المتعاقدة، من حالة إلى حالة. وعلى سبيل المثال فإن هجرة العمالة ومكافحة الإرهاب تحتل موقعا أكثر تقدما على جدول الأعمال بالنسبة لبعض الدول مقارنة بدول أخرى..وهكذا.
فإذا انتقلنا من هذه التعميمات إلى النواحي التطبيقية، وأخذنا اتفاقية المشاركة الموقعة بين مصر والاتحاد الأوروبي كنموذج لأقصى ما تستطيع أي مفاوضات ثنائية بين أي دولة عربية والاتحاد الأوروبي أن تصل إليه، وكمثال ننطلق منه لرسم صورة أولية لخريطة المكاسب والخسائر المتوقعة ولطبيعة الفرص المتاحة أو المخاطر والمحاذير المحتملة، فإننا يمكن أن نرسم هذه الصورة على النحو التالي:

أولا: في جانب المكاسب والفرص يركز المتحمسون لهذه الاتفاقية على النواحي التالية:

1 - أن الاتفاقية ستضاعف من قيمة المساعدات المالية والمعونة الفنية التي ستحصل عليها مصر من الاتحاد الأوروبي عقب دخول الاتفاقية حيز التنفيذ، مقارنة بما كانت تحصل عليه من قبل. ويدلل هؤلاء على ذلك بالارتفاع الذي طرأ على حجم هذه المعونة بمجرد دخول مصر في مرحلة المفاوضات الجادة حول هذه الاتفاقية. فقد بلغ إجمالي المبالغ التي حصلت عليها مصر خلال الفترة من 97- 99، أي خلال السنوات الثلاث السابقة على اكتمال المفاوضات، 686 مليون يورو، وهو ما يعادل أكثر مما حصلت عليه مصر من الاتحاد الأوروبي خلال السنوات العشرين السابقة على تلك الفترة.

2 - أن الاتفاقية تتضمن برنامجا لتحديث الصناعة من خلال عشرة مشروعات في مجالات الجودة، والمواصفات، وجذب الاستثمار، وتنويع الصادرات، والتنافسية، وتحسين نظم الإدارة، ورفع القدرات المؤسسية، وإنشاء شبكة معلومات مصر EGYNEt، وكذلك إنشاء مجموعة كبيرة من مراكز التنمية الإقليمية ومراكز تنمية المؤسسات الصناعية تغطي مصر كلها. وقد التزم الجانب الأوروبي بتقديم 250 مليون يورو لتمويل برنامج التحديث هذا، كما التزم بنك الاستثمار الأوروبي بتقديم 416 مليون يورو كقروض ميسرة لتمويل شراء الآلات والتجهيزات اللازمة لتحديث الصناعة. أما مصر فقد التزمت من ناحيتها برصد 103 مليون يورو لصالح هذا البرنامج.

3 - أن الاتفاقية ستساعد على تحقيق طفرة تنموية كبيرة من خلال زيادة الصادرات التي ستترتب على فتح السوق الأوروبية الضخمة، والتي لا تكف عن التمدد والاتساع، أمام المنتجات المصرية، وإتاحة فرصة حقيقية لتحديث الصناعة المصرية التي تواجه مشاكل التجديد والإحلال، من خلال الاستثمارات الأوروبية التي يتوقع أن تطرأ عليها طفرة كبيرة، ونقل التكنولوجيا الأوروبية المتقدمة إلى هذا القطاع. ويرى المتحمسون لهذه الاتفاقية أن مصر حصلت على شروط جيدة تمكنها من معالجة الآثار السلبية المحتملة التي قد تنجم عن إنشاء منطقة التجارة الحرة.

فالفترة الزمنية المحددة لهذا الغرض 12 سنة، وسوف تحصل مصر على إعفاء فوري وكامل على صادراتها من السلع الصناعية، أما وارداتها من السلع الصناعية المنتجة في دول الاتحاد الأوروبي فلن تحرر إلا تدريجيا وخلال فترة تصل في أقصاها إلى 16 سنة من نفاذ الاتفاق. فتحرير المواد الخام والآلات يجب أن يتم خلال السنوات الأربع الأولى من نفاذ الاتفاق، أما المكونات والمواد الوسيطة فتحرر خلال ست سنوات ابتداء من السنة الرابعة، والسلع النهائية تحرر خلال سبع سنوات اعتبارا من السنة السادسة، وسيارات الركوب تحرر خلال عشر سنوات اعتبارا من السنة السابعة.. وهكذا.

4 - أن الاتفاقية ستساعد بشكل أكبر على ضمان وتوسيع حقوق الجالية المصرية في أوروبا ووضع قواعد أكثر يسرا ووضوحا لنظام منح التأشيرات. و تلك مسألة مهمة لا يجب التقليل من شأنها، خصوصا في مرحلة يبدو فيها العالم الغربي وكأنه يمارس سياسة عنصرية تجاه العرب والمسلمين بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر.

ثانيا: في جانب المخاطر والمحاذير يركز المتشككون والمعارضون لهذه الاتفاقية على النواحي التالية:

1 - ان فتح السوق الأوروبي الواسع أمام المنتجات الصناعية المصرية لن يؤدي إلى طفرة كبيرة وسريعة في حركة التصنيع في مصر بالقياس إلى قدرات مصر الانتاجية والتكنولوجية. وفي الوقت نفسه فإن إلغاء الرسوم على الواردات الأوروبية من المنتجات الصناعية قد تكون له ثار وخيمة وقد يترتب عليه إغلاق عدد كبير من المصانع، وخاصة الصغيرة والمتوسطة. ولأن الصناعات الصغيرة والمتوسطة تلعب دورا مهما جدا في امتصاص فائض القوة العاملة الزراعية فإن إغلاقها قد يؤدي إلى كارثة على الصعيد الاجتماعي بفقدان أعداد كبيرة من العاملين لوظائفهم. على صعيد خر لا يبدو أن المتشائمين يعلقون مالا كبيرة على برنامج تحديث الصناعة، والقليل منهم من يعتقد أن بوسع هذا البرنامج أن يصل بمصر إلى وضع الدولة القادرة على المنافسة في سوق المنتجات الصناعية.

2 - أن مصر ما تزال دولة زراعية وليست دولة صناعية. وبالتالي فإن مصر تستفيد أكثر إذا حرر الاتحاد الأوروبي القيود المفروضة على وارداته من المنتجات الزراعية. لكن الاتحاد الأوروبي تمسك بسياسته التقليدية المعروفة التي تعكس موقفا متشددا بالنسبة لتحرير المنتجات الزراعية. فمن المعروف أن القطاع الزراعي في أوروبا ما زال يحصل على دعم كبير سواء من جانب الحكومات الأوروبية أو من جانب الاتحاد الأوروبي. بعبارة أخرى يمكن القول أن الاتحاد الأوروبي يمارس في الواقع سياسة حمائية في مواجهة المنتجات التي لمصر مصلحة رئيسية في تحريرها، بينما يمارس سياسة تحريرية في المنتجات التي ليس لمصر مصلحة كبيرة في تحريرها. و كل ما استطاع الجانب المصري أن يحصل عليه في المفاوضات الصعبة المتعلقة بهذا القطاع تحديدا هو الحصول على حصص محدودة لتصدير منتجات جديدة لم تتمتع من قبل بحصص أو بمزايا تفضيلية، ومد مواسم التصدير لبعض المنتجات الزراعية، وزيادة سنوية تلقائية في حصص التصدير المتفق عليها لا تتجاوز 3%..الخ.

3 - أن الاتفاقية تعطي الاتحاد الأوروبي أسبابا ومبررات للتدخل في الشئون الداخلية بحجة أو بدعوى الدفاع عن حقوق الإنسان أو بدعوى مكافحة الإرهاب..الخ.

4 - أن الدولة المصرية ستخسر عائدات كبيرة تتمثل في حصيلة الجمارك على الواردات خصوصا وأن الاتحاد الأوروبي أصبح هو الشريك الأول لمصر.
وقد تكون لهذه الخسارة ثار اجتماعية ضارة لأن الدولة قد تتجه لتعويض خسارتها بفرض ضرائب غير مباشرة، أو تحد من الانفاق الحكومي العام على الخدمات. وفي كلا الحالتين تتضرر الطبقات الفقيرة والمتوسطة أكثر من غيرها.

ومن المؤكد أن لكل فريق حججه ومنطقه، وبوسعه التدليل على صحة بعض ما يقوله بالحقائق والأرقام. لكن للأسف لا تتوافر لدينا، أو لدى أي جهة أخرى في تقديرنا، دراسة شاملة لحجم الخسائر أو المكاسب المتوقعة في كل القطاعات. ولذلك يصعب تحديد حساب ختامي نهائي للمكسب والخسارة. لكن هناك مجموعة من الحقائق يتعين أخذها في الاعتبار كي تكتمل الصورة:

الحقيقة الأولى: تتعلق بموازين القوى التي جرت وتجري في إطارها مفاوضات المشاركة بين الاتحاد الأوروبي ودول المتوسط، وخاصة الدول العربية منها. فهذه الموازين تميل بشكل حاسم لصالح الاتحاد الأوروبي، خصوصا وأن الدول العربية تدخل هذه المفاوضات وحيدة ومتفرقة. ولذلك فمن السذاجة أن نتوقع أن الطرف العربي هو الأكثر استفادة منها.

الحقيقة الثانية: تتعلق بالسياق العالمي والإقليمي لمفاوضات المشاركة الأوروبية. فقد جاءت هذه المفاوضات في ظل تحولات هائلة للنظام الدولي وبالتالي فقد صممت اتفاقات المشاركة لتصبح أداة لتنشيط الدور السياسي للاتحاد الأوروبي في العالم وبالذات منطقة قريبة تمس الأمن الأوروبي، خصوصا بعد التوقيع على اتفاقيات أوسلو. لكن الرياح سارت في عكس ما تشتهي السفن الأوروبية.

الحقيقة الثالثة: أن القدرة على استغلال الفرص وتعظيم المكاسب التي تتيحها اتفاقيات المشاركة إلى أقصى حد ممكن، أو تجنب المحاذير والخسائر المحتملة أو تقليصها إلى أدنى حد ممكن، يتوقف أولا وأخيرا على قدرة وكفاءة النظم السياسية المحلية.

المشكلة الحقيقية لا تكمن إذن في نصوص الاتفاقيات نفسها ولكنها تكمن في قدرة الدول العربية على الإدارة الرشيدة لعلاقاتها مع الخارج. .

طباعة >> | إغلاق النافذة >>


afkar@afkaronline.org