المرأة في ديناميكية
التنمية : ما بعد المكانة ... الدور
د. رياض الزغل
أستاذة بكلية العلوم الاقتصادية والتصرف بصفاقس
إن الحديث عما تحقق
للمرأة التونسية من تشريعات تنهض بها و بحقوقها أصبح
من الأشياء التي تبدو مبتذلة في عيون البعض، غير أن
تطوير مكانة المرأة في المجتمع هو مشروع وصيرورة طويلة
المدى فهو يتوجه نحو العقليات والسلوكات لتغييرها الشيء
الذي يحرك وربما يزعج تراكمات تاريخية ويثير مقاومةً
تُدخِلُ بُطْءًا على عملية التغيير نفسها. من أجل هذا
تبدو عملية تطوير التصورات والسلوكات التي تهم العلاقة
بين الجنسين صعبة ولا ينجح فيها من المصلحين إلا من
كانت له رؤية واضحة وعزيمة صادقة لتسخير الأداة السياسية
والتشريعية لهذا الغرض. ومن حسن حظ المرأة التونسية
أن حكم البلاد منذ استقلالها رَئيسَا دولةٍ يتصفان بهذه
الرؤية وهذا الاستعداد ساعدهما على ذلك مجتمع متفتح
ومتعطش للحداثة. غير أنه اليوم وفي ظل التقلبات العميقة
التي يشهدها العالم وتعقّد عملية التنمية المتزايد،
تبدلت المعطيات وصار من المطلوب التركيز على دور المرأة
بنفس القدر الذي يركز على مكانتها.
إن ما حصلت عليه المرأة
من تقدم مرتبط طبعا بالتشريعات واستمرار تطويرها بفضل
عزيمة رئيس الدولة على تفعيل مكانة المرأة ودورها في
المجتمع. لقد تحقق تقدم كبير لكن الدرب مازال طويلا
نظرا لأن تغيير المجتمع بعد تطوير القانون يتطلب ردحا
من الزمن حتى تستوعب مؤسساته وأفراده التشريعات وتحولها
إلى فعل على أرض الواقع.
سنطرح في هذه المداخلة
ما تحقق وما بقي من المطلوب تحقيقه في مجال تطوير
مكانة المرأة وكذلك فيما يتعلق بدورها أي مالها وماعليها
وسنذكّر بمقاربة الرئيس بن علي ومجهوداته المتواصلة
في تدعيم مكانة المرأة ودورها في المجتمع وذاك من خلال
عينات من مقولات سيادته التي تعبر أحسن تعبير عن إرادة
صادقةوسياسة صريحة لمقاومة كل أشكال التمييز ضد المرأة.
ونختم بالإشارة إلى ما تفرضه التحديات الحالية التي
تواجه عملية التنمية من اعتناء بالموارد البشرية بقطع
النظر عن الجنس.
1 - النهوض بالمرأة
التونسية: مقاربة شمولية
اعتمد المشرع التونسي
منذ الاستقلال نهجا شموليا فيما يتعلق بالنهوض بالمرأة
ومحاربة كل أشكال التمييز ضدها فتعامل مع قضية المرأة
بوصفها إنسانا و مواطنة وفاعلا اجتماعيا.
- كإنسان تتمتع بحق
التصرف في مسار حياتها، وحق اتخاذ القرار فيما يتعلق
بالزواج، والطلاق، والإنجاب، والعمل، والدراسة، والسفر
إلى الخارج.
- كمواطنة تتمتع بحق
الترشح والانتخاب، ونقل جنسيتها إلى أطفالها إذا كانت
متزوجة من أجنبي، وحق الوصاية على أطفالها في حالتي
وفاة الزوج والطلاق.
- كفاعل اجتماعي تتمتع
بحق تأسيس الجمعيات، وإدارة الأعمال، وتستفيد بالإضافة
إلى ذلك من مزايا التمييز الإيجابي لتثبت وجودها في
مختلف المؤسسات السياسية.
إن اعتبار هذه المجالات
مشتركة يعطي الفاعلية الحقيقية لمشروع النهوض بالمرأة
نظرا لارتباطها بعضها ببعض. فمثلا لا تكون الأسر متحمسة
للاستثمار في تعليم بناتهن إذا لم تلغ أسباب التمييز
بين الجنسين في مجال الشغل، كما لا يمكن ضمان حق المرأة
في الشغل إذا ظلت حريتها مقيدة فيما يتعلق بالزواج والانجاب
والتنقل داخل وخارج الوطن والتصرف في مواردها الذاتية.
انطلاقا من هذا المدخل
الشمولي تعددت الاصلاحات القانونية التي ابتدأت من مجلة
الأحوال الشخصية سنة 1956 وتواصلت إلى اليوم من خلال
عديد الاجراءات التشريعية والآليات التي تدفع بالمرأة
نحو التقدم والمساواة مع الرجل.
2 - مقاربة بن علي
في تعزيز مكانة المرأة ودورها الاجتماعي
إذا كان الرئيس بورقيبة
قد وضع أسس سياسة متينة واستراتيجية بعيدة المدى بهدف
تحرير المرأة والنهوض بها، اعترافا بما ساهمت به في
الحركة التحريرية واعتبارا لدورها في المشروع التحديثي
للمجتمع التونسي، فإن الرئيس بن علي اعتمد نفس المبادئ
ولكنه توسع في المشروع وكيّفه بناءً على ما تحقق من
تقدم للمرأة في جميع المجالات وبناء على ثقته بالمرأة
ايضا. وهكذا أدرج تحرير المرأة في مشروع تنموي شامل
وجعل منه صيرورة مستمرة وليست اجراءات حينية، حمّل فيها
المرأة مسؤوليتها كاملة. ثم إنه من مميزات مقاربة بن
علي للنهوض بالمرأة هو ذلك الارتباط الوثيق بين دعم
المرأة ودعم الأسرة الذي اعتمده في سياستة الاجتماعية.
لما نستعرض ما جاء في
خطبه يتضح جليا إيمان راسخ بأهمية حقوق المرأة وإرادة
فعلية لتكريس هذه الحقوق خاصة تلك التي تضمن مساهمة
المرأة في الحياة العامة، وكذلك تعبير عن الثقة بالمرأة
ودعوة إلى مساهمتها في عملية التنمية. وهذه بعض المقولات:
في المساواة و الشراكة
"إن مصلحة بلادنا،
وحرصنا على تساوي حظوظ المشاركة والمسؤولية والفعل،
وإدراكنا لجسامة التحديات، كلها تحتم علينا توظيف جميع
القدرات الوطنية لتحقيق غاياتنا في التقدم والمناعة.
وهكذا اعتبرنا العنصر النسائي أساسا في بناء المجتمع
وتحقيق التنمية، وأردنا ان تكون مشاركة المرأة في الحياة
العامة مشاركة منظمة وفاعلة، لا مجرد رديف للرجل، أو
طرفا اجتماعيا قاصرا، ما دامت المرأة أساس الأسرة وعمادها،
ومدرسة للتنشئة والتربية، ومثالا للتضحية والجهد. وهي
لكل ذلك مؤهلة، بكل رشد، للقيام بدورها في المجتمع والدولة،
إلى جانب الرجل، كما كانت بالأمس القريب رائدة في صيانة
مقومات الشخصية الوطنية في وجه دعاة المسخ والاستلاب،
ومشاركة في حركة التحرير، ثم في بناء الدولة الحديثة،
وتمكنت بذلك من اكتساب مواقع، وتحقيق مكاسب نحن عاملون
باستمرار على دعمها وتنميتها". (تونس - 29 جويلية
1993)
في الحق في العمل
"إنه لا معنى للحديث
عن حقوق المرأة وحريتها بدون ضمان حقها في العمل الذي
بدونه تبقى سائر الحقوق مجرد شعار أجوف يردد في المناسبات.
إن حق المرأة في العمل بل واجبها في ذلك - علاوة عن
كونه ضرورة اقتصادية مثلما هو الشأن بالنسبة إلى كل
مواطن - هو الضمان الحقيقي الذي لا يرتقي أي ضمان خر
إلى منزلته في توازنها النفسي وفي الحفاظ على حقوقها
كمواطنة كاملة الحقوق والواجبات". (قرطاج - 15
أوت 1989)
في الحق في تولي
المناصب الهامة وتكريس المساواة مع الرجل
"اليوم وقد بلغت
المرأة التونسية من الوعي والنضج مستوى جعلها جديرة
بحياة سياسية ديمقراطية متطورة، واجتماع مدني متقدم،
اليوم وقد اكتسبت من العلم والمهارة، ما هيأها للتعويل
على الذات، ومكن لها من أسباب الكرامة، فهي الشريك الكفء،
والطرف كامل الحقوق في كل مجالات الحياة الوطنية".
(10 أوت 1995).
"كما سنحرص من
ناحية اخرى على دعم تواجد المرأة في مختلف مراكز القرار
ومستوياته". (تونس - 10 نوفمبر 1997)
في استمرارية وشمولية
مشروع النهوض بالمرأة وربطه بالتنمية وسلامة الأسرة
"إن ما تحقق للمرأة
التونسية من مكاسب من جوهر خياراتنا، فلا إصلاح في نظرنا
بدون المرأة، ولا مكاسب لأمة بدون دعم مكاسبها. ولم
يقتصر عملنا للنهوض بأوضاع المرأة والأسرة على اقرار
بعض البرامج الجزئية أو الخصوصية، بل نزّلناه في إطار
حضاري وتنموي شامل مبدؤه وهدفه تكريس المساواة في الحقوق
والواجبات وتشريك المرأة في كافة أوجه الحياة العامة
وميادينها". (7 نوفمبر 1997)
"وقد سبق أن بينت
أن دعم حقوق المرأة وتطويرها إنما هو علاوة على حفظ
كرامتها وتعزيز مكانتها، دعم للأسرة وتماسكها وضمانا
للتنشئة السليمة المتوازنة للأجيال الصاعدة وهو عمل
موصول بجهودنا الدؤوبة التي نبذلها لرعاية الطفولة وتربيتها
ولتأكيد منزلة الشباب ودوره في بناء الحاضر والمستقبل".
(قرطاج - 7 نوفمبر 1993).
وقد نجد هذا التوجه
مختزلا في النقطة الخامسة للبرنامج الانتخابي للرئيس
بن علي تحت عنوان "آفاق متجددة أمام المرأة"حيث
يبشر بالمساواة في الحياة العامة و بحضور أوسع في مواقع
العمل و في المجالس البلدية.
3 - ما بقي على درب
تحرير المرأة و مساهمتها الفاعلة في عملية التنمية
إن ما تحقق للمرأة وما
حققته لنفسها لشيء كبير لو نظرنا لقطاع التعليم وتفوق
الفتيات فيه، أو لقطاع الشغل حيث انتقلت نسبة العمالة
النسوية من 6% سنة 1966 إلى
قرابة 30%في الوقت الحاضر. اقتحمت المرأة مجالات وظيفية
واقتصادية عدة وتواجدت في الحياة العامة وهي تتحمل مسؤوليات
شتى بعضها تقليدي وبعضها حديث ومازالت الطريق أمامها
طويلة. ذلك أن نسق التطور الاجتماعي أحيانا ما يكون
بطيئا مقارنة بتغيير الإطار التشريعي، والتراكمات التاريخية
لا تمّحي بصماتها من العقلية بسهولة وتبقى آليات السلوك
مستقرة أحيانا تحت تأثير الضغوط الاجتماعية المحلية.
إن ولوج الحياة العامة
هو أساس تحرير المرأة لأنه يخرجها من بوتقة الدور التقليدي
الذي يقتصر على إعادة انتاج المجتمع (انجاب وتنشئة الأطفال
و شؤون منزلية وأشغال فلاحية وغيرها من الأعمال التي
تبقى خارج إطار التبادل التجاري) هذا الدور التقليدي
رغم أهميته بالنسبة للأسرة والمجتمع فهو لا يجلب مالا
ولا جاها ولا يعتبر مهنة يستثمر المجتمع في التكوين
المختص لمن يقومون به. وهذا بخلاف أدوار الإنتاج مقابل
أجر أو ربح وأدوار التسيير التي يصحبها أجر ونفوذ وتقدير
اجتماعي.
هناك أربعة مسالك يمكن
عن طريقها دخول الحياة العامة ولكن التوجه نحوها لا
يثير اهتمام كل النساء أو لا يسمح لبعضهن التقدم نحوه
بحكم التصورات الاجتماعية. هذه المسالك هي : الشغل وبعث
المشاريع والنشاط الجمعياتي والنشاط السياسي.
الشغل: ليست
كل النساء متمسكات بحقهن في الشغل، ومن بين المؤشرات
على ذلك نسب البطالة. لا بد من التذكير هنا بأن إحصاء
البطالة يعتمد على إعلان من طرف المرأة بأنها طالبة
شغل وإلا فإنها لا تحتسب كعاطلة عن العمل أو طالبة شغل.
وتتأثر نسبة البطالة كذلك بقابلية المؤسسات المحلية
تشغيل المرأة وفي هذا المجال نجد فوارق بين النساء باختلاف
حالتهن المدنية وباختلاف الجهات وهاتان الصفتان هما
محط قيم اجتماعية صلبة إما وطنيا وإما محليا. هذا ما
نجده في نتائج الاستمارة الوطنية لسنة 1999:
العاطلات عن العمل:
العازبات 26.5%، المتزوجات 5.3%، الأرامل 7.8%، المطلقات
14.5%. يظهر جليا من خلال هذه الأرقام أن طلب الشغل
من طرف المرأة يزداد في غياب ارتباطها بالزواج ولهذا
سببان محتملان: الأول هو تعويل المرأة اقتصاديا على
الرجل والثاني هو القيم الاجتماعية التي لا تشجع المرأة
المتزوجة على الشغل أو تلك التي تتجسم أحيانا في التمييز
المؤسساتي لما يرفض انتداب المترشحة للوظيفة بسبب جنسها.
ومن الملاحظ أيضا اختلاف
نسب البطالة النسوية حسب الجهات حيث ترتفع في إقليم
تونس إلى 17.7% وفي الوسط الشرقي إلى 11.9% وفي الشمال
الغربي إلى 22.8% وفي الجنوب الغربي إلى 27.1%. وقد
تدل هذه الأرقام على الفرق من حيث كثافة النشاط الاقتصادي
بالجهات لكنها تدل أيضا على مدى استعداد المشغلين لانتداب
يد عاملة نسوية.
بعث المشاريع:
عرفت المرأة بإنتاجها منذ العصور القديمة (نسيج وزرد
وتحويل مواد غذائية وفلاحة وتربية حيوانات...) لكن انتاجها
منحصر في الفضاء العائلي واليوم هناك عديد النساء اللاتي
يتعاطين مهنة في قطاع الخدمات أو في قطاع الصناعة لكنهن
لم يقدمن على الانتقال من القطاع غير المنظم إلى القطاع
المنظم. وهذه الظاهرة لها علاقة بتخوف المرأة من ولوج
الحياة العامة، أو بسيطرة القيم الاجتماعية التي تمنع
من ذلك. وربما يفسر أيضا بعدم وعي المرأة بفوائد النشاط
الاقتصادي في إطار منظم وشفاف وما يتبعه من حوافز مالية
وجبائية، وتطوير للتقنيات المستعملة، وانتقال من المهارات
اليدوية التقليدية إلى المهنية الصناعية...
النشاط الجمعياتي:
إن العمل الجمعياتي مجال واسع ومتشعب لكن تواجد المرأة
به لا يزال ضعيفا نسبيا حسب بعض التقديرات إذ تمثل النساء
قرابة ثلث المنخرطين من بين مليون منخرط ، وقرابة 21%
من بين أعضاء الهيئات المديرة للجمعيات. وهناك 200 جمعية
تسيرها نساء. وبقدر ما يتطور المجتمع تتشعب حاجياته
وتبرز ميادين جديدة يمكن للمرأة اقتحامها في مجال العلم
والثقافة والترفيه والعمل الخيري والتكوين...
النشاط السياسي:
إن المرأة لا تتوجه بصفة طبيعية إلى أدوار التسيير
الاجتماعي وبخاصة العمل السياسي لأسباب عدة منها القيم
الاجتماعية التقليدية، وضغوط متطلبات الدور الأسري الذي
لا يبقي للمرأة متسعا من الوقت لتعاطي أنشطة إضافية
خاصة عندما يكون لها شغل. لكن تواجد المرأة في المجال
السياسي ومواقع القرار مطلوب أكثر من أي وقت مضى نظرا
لما تحصلت عليه من علم وتكوين ونظرا لتعقد قضايا المجتمع
المتقدم ونظرا أيضا لما يمكن للمرأة أن تقدمة من رؤية
متميزة للأشياء بسبب موقعها المتميز في المجتمع كأم
وربة أسرة ومرجع لعديد القيم الاجتماعية، وفي نفس الوقت
أحد المحركات الرئيسية للتنمية و تحديث المجتمع.
ولضمان حد أدنى من تواجد
المرأة في الحقل السياسي اعتمد الرئيس بن علي سياسة
التمييز الايجابي في كل مناسبة انتخابية سواء لممثلين
في هياكل الدولة أوفي هياكل التجمع الدستوري الديمقراطي.
وهذا يضع مسؤولية حيال النساء المقتدرات من حيث استجابتهن
لهذا التوجه ذلك أن عدمه خطير. والخطورة لا تقتصر على
غيابهن فحسب، وإنما تتمثل في ملء الفراغ بعناصر أقل
كفاءة لا تعطي حتما صورة إيجابية عن المرأة من شأنها
أن تدعم مكانتها في مختلف المجالات.
الخلاصة: التحديات
التنموية والإضافات المرتقبة
إن مساهمة المرأة في
الحياة العامة تعطي دفعا إضافيا لعجلة التنمية، وقد
أصبحت ضرورية في الوقت الراهن نظرا للتحولات التي يشهدها
العالم اليوم وللدور الجديد للدولة في ظل العولمة ومتطلبات
الاندماج في الاقتصاد المعولم والخاضع للمنافسة الشرسة.
إن الاقتصاد الحديث
يعتمد على المعرفة والتطور التكنولوجي وبالتالي على
الموارد البشرية ومن هذا المنطلق تبدو القدرة التنافسية
لأي دولة خاضعة لقدرتها على استغلال مواردها البشرية
ومن هنا تظهر خطورة عزوف المرأة ذات التكوين الرفيع
عن القيام بدورها في الحياة العامة سواء عن طريق الشغل
أومن خلال العمل الجمعياتي أو السياسي، و كذلك خطورة
التمييز بين الجنسين سواء تعلق الأمر بالتشغيل أو الترقية
المهنية أو توزيع مهام التسيير بالمؤسسات الإدارية أو
السياسية أو الجمعياتية.
إن دور الدولة اليوم
هو بصدد تغيير عميق لما تحتمه الضغوطات المالية من خفض
في نسبة التداين وتحقيق التوازنات الاقتصادية الكبرى.
وهي التي تحد من قدرة الدولة على التدخل في عديد الميادين
وبخاصة الاجتماعية منها كالصحة والثقافة والتعليم والإعتناء
بالفقراء والمعوزين ... كما أن الدور الذي يضطلع به
القطاع الخاص في مجال الاستثمار وخلق مواطن الشغل قد
ازدادت أهميته. وهكذا يبدو أن مفهوم الدولة يشهد نقلة
نوعية من الدولة الأحادية التي تضطلع بكل شؤون المجتمع
إلى الدولة الثنائية التي تتقاسم الأدوار مع القطاع
الخاص التجاري ثم إلى الدولة الثلاثية التي يتقاسم فيها
الأدوار ثلاثة أطراف: القطاع العام، والقطاع الخاص،
وقطاع الجمعيات غير الحكومية.
كل هذه التحولات تفتح
المجال واسعا أمام كل عناصر المجتمع ومن بينهم المرأة
للمساهمة في جميع الأنشطة الحيوية للوطن والمبادرة والابتكار.
واليوم وقد تقدمت المرأة أشواطا عملاقة في جميع المجالات
رغم بعض الرواسب الثقافية في مجتمع هو في طريق النمو،
فإن طرح قضية النهوض بالمرأة يحتاج إلى اعتماد مبادئ
إضافية تهم مسؤولية المرأة والإضافات المطلوب أن تقدمها
للمجموعة الوطنية. وتحميل المرأة مسؤولية أكبر يتطلب
أيضا إعادة النظر في بعض المسلّمات التي تعيق مساهمتها
الفعلية في الحياة العامة من ذلك توقيت العمل والتمييز
بين الجنسين الذي يطغى على ممارسات بعض الهياكل والمؤسسات
دون مراقبة وكذلك الفوارق بين الجهات من حيث القيم الاجتماعية
التي توجه السلوك داخل الأسرة وفي المحيط الاجتماعي
عامة.
إذا كان النهوض
بالمرأة في بداياته يطرح قضية مكانة المرأة أي حقوقها
المهضومة، فاليوم بعد أن حصل ما حصل من تقدم، فلا بد
أن تطرح قضية دور المرأة، أي واجباتها، في المجالات
الخارجة عن نطاق الأسرة والتي لها تأثير جسيم على عملية
التنمية، ولا بد كذلك أن يشمل الحديث عن التمييز بين
الجنسين، زيادة عما يمكن أن تقوم به الدولة من خلال
التشريع، مقاومة مظاهر التمييز الاجتماعية والمؤسساتية،
تلك المظاهر الصادرة عن الفاعلين الاجتماعيين والسلوك
الفعلي لعناصر المجتمع سواء كانوا رجالا أم نساء.