خطوات عملية لتركيز الحكومة الإلكترونية في العالم العربي

د. زين عبد الهادي
نائب رئيس الاتحاد العربي للمعلومات والمكتبات ـ مدرّس علم المعلومات بجامعة حلوان ـ مصر

شهد النصف الثاني من تسعينيات القرن العشرين انفجاراً في حاضر شبكة الانترنيت على المستوى العالمي، وهو انفجار سيؤثر في مستقبلها أيضاً، فقد ارتفع عدد مستخدمي الشبكة من 95 مليوناً عام 1998 إلى 350 مليوناً عام 2003، بما استتبع ذلك من مبادرات على المستوى العالمي والإقليمي والدولي بهدف بناء نماذج للحكومات الالكترونية. وكل ذلك ترك ثاراً واسعة المدى على مضمون وأشكال تقديم الخدمة أو تبسيط إجراء الخدمة أو القوانين التي تحكم تقديمها وسرعتها ناهيك عن التوفير في العمالة والوقت اللازمين لأداء إجرائها مما اعتبر معه أن هذه النماذج في الحكومة وهذا التطور في شكل ومستوى تقديم الخدمات إلكترونيا من أهم الأنشطة التي يمكن أن تقوم بها الدول على شبكة الانترنيت.

ولكن ما هو واقع الحكومة الالكترونية العربية على الانترنيت؟ وما هي طبيعة الخدمات التي تقدمها تلك المواقع؟ وما هي طبيعة التفاعلية الموجودة في هذه المواقع؟ وما هو موقف الحكومات الإلكترونية العربية بالنسبة لمثيلاتها الغربية؟.

إن من أهم التعريفات المتعلقة بمفهوم الحكومة الالكترونية تعريف البنك الدولي الذي يكاد يقدم مفهوماً شاملاً للحكومة الالكترونية: الحكومة الالكترونية E. Government هي عملية استخدام المؤسسات الحكومية لتكنولوجيا المعلومات (مثل شبكات المعلومات العريضة، وشبكة الانترنيت، وأساليب الاتصال عبر الهاتف المحمول) والتي لديها القدرة على تغيير وتحويل العلاقات مع المواطنين ورجال الأعمال ومختلف المؤسسات الحكومية. وهذه التكنولوجيا يمكنها أن تخدم عددا كبيرا من الأهداف مثل : تقديم خدمات أفضل للمواطنين، تحسين التعامل والتفاعل مع رجال الأعمال ومجتمع الصناعة، وتمكين المواطنين من الوصول للمعلومات مما يوفر مزيدا من الشفافية، أو إدارة أكثر كفاءة للمؤسسات الحكومية، كما أن نتائج هذه التطبيقات يمكن أن تؤدي إلى تحجيم الفساد، وزيادة الشفافية، وتعظيم العائد ككل أو تخفيض النفقات وزيادة قناعة المواطن بدور المؤسسة الحكومية في حياته.

في بعض الدول ارتفع الإنفاق على بناء مراكز لتقديم خدمة الحكومة الالكترونية إلى مبلغ 6.2 بليون دولار عام 2003 كما هي الحال في الولايات المتحدة الأمريكية على سبيل المثال من واقع 5.1 بليون دولار تم إنفاقها عام 2000، بينما استثمرت المملكة المتحدة مبلغ 4 بلايين دولار في بناء نماذج للحكومة الالكترونية في مختلف المؤسسات وسوف تستخدم كل هذه النماذج في دول الاتحاد الأوروبي ناهيك عن أن الإنفاق على مثل هذه المشروعات أصبح يجد تأييداً كبيراً لدى الدوائر السياسية في أغلب دول العالم للتغلب على مشكلات البيروقراطية والمركزية وتأخر الخدمات وطوابير الانتظار.

لقد أصدرت الأمم المتحدة بالتعاون مع الجمعية الأمريكية للإدارة العامة ASPA تقريراً خلال عام 2001 أوضحتا فيه مؤشرات ترتيب الدول على مستوى العالم في مجال تطبيق الحكومة الالكترونية. ويمكننا ملاحظة أن الولايات المتحدة تأتي في المرتبة الأولى تعقبها استراليا ونيوزيلندا وسنغافورة والنرويج وكندا والمملكة المتحدة وهولندا والدانمرك وألمانيا. واعتمد المؤشر على العديد من العناصر الكمية التي يمكن قياسها مثل قدرة السكان في كل أنحاء الدولة على الوصول إلى المعلومات إلكترونياً. كما أن المؤشر عكس إلى حد كبير الترتيب الاقتصادي العام للدول، وعلى ذلك خرج التقرير بنتيجة مؤداها أن هناك علاقة كبيرة بين التطور الاقتصادي وفاعلية الحكومات الالكترونية. وبصفة عامة خرج التقرير بمجموعة من التوصيات، فقد لاحظ ما يلي :

ـ نقص التنسيق بين المنظمات الحكومية في ما يتعلق بعمليات بناء الحكومة الالكترونية.

ـ أن المسؤولين عن بناء مشروعات الحكومة الالكترونية ليس لهم مكان محدد في الهياكل التنظيمية للمؤسسات.

ـ أن مشروعات الحكومة الالكترونية تتوقف على الأولوية الممنوحة لها في الخطاب السياسي.

ـ أن هناك فجوة رقمية بين المؤسسات المسؤولة عن الإدارة العامة. وقد رصدتُ في دراسة قمت بإعدادها حول الحكومة الالكترونية في العالم العربي مجموعة من النتائج من أهمها :

ـ وجود فجوة رقمية بين الحكومات العربية في ما يتعلق بتطبيق البنية الأساسية للمعلومات تركت أثاراً واضحة في عدد المواقع الخاصة بكل حكومة عربية وفي فحوى ومضمون ومحتوى هذه المواقع.

ـ عدم الإدراك الكامل والواعي لكل عناصر التكنولوجيا والبرمجيات وأهميتها عند بناء الحكومات الالكترونية في العالم العربي مما يفقد المئات من المواقع الكثير من الأهداف التي بنيت من أجلها وقد يعود ذلك إلى أن القائمين على مثل هذه المشروعات غير متخصصين أو أن هناك قصوراً في الوعي بعناصر التكنولوجيا وخباياها أو عدم الإطلاع على الأدب المنشور والإنتاج الفكري في مجال التكنولوجيا.

ـ أنه ليست هناك علاقة واضحة بين عدد المواقع الخاصة بكل دولة عربية وتطبيقات مشروعات الحكومة الالكترونية.

ـ وفي مدى قدرة المواقع على تقديم خدمات للمواطنين كان هناك قصور واضح في التعرف على قدرات ما تقدمه تكنولوجيا المعلومات من ثراء معرفي للمواقع بما يمكّن المواطن العربي من الإفادة الكاملة منها.

ـ يتضح أيضاً تفرد مجموعة من الدول العربية من حيث عدد ومضمون القواعد في حين تحتاج العديد من الدول الأخرى إلى مزيد من الجهود في بناء مواقعها سواء من حيث الشكل أو المضمون.

ـ أن هناك علاقة قوية بين تبسيط الإجراءات والقوانين في دولة ما وبين قدرة الدولة على بناء مشروعات الحكومة الالكترونية.

ـ أن الخطاب السياسي وتبني القادة السياسيين لمشروعات الحكومة الالكترونية يمكن أن يدفع المؤسسات العربية نحو بناء مواقع للحكومة الالكترونية في بلادهم مما يدعم خطط الخدمة المدنية في تعزيز علاقاتها مع المواطن العربي.

والآن لكي نتمكن من تكريس الوجود العربي في مجتمع المعلومات فلا بد من تعزيز البنية الأساسية لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات ومراعاة التوزيع الجغرافي النسبي لها في أنحاء كل دولة عربية بما يضمن وصول الخدمات لمستحقيها، كما يتعيّن تعزيز الإدارات العربية ومؤسسات تقديم الخدمات الحكومية للمواطنين بتكنولوجيا المعلومات والموارد البشرية المتخصصة في هذا المجال وإعادة بناء الهياكل التنظيمية لهذه المؤسسات بما يضمن وجود إدارات بعينها متخصصة في هذه المجالات وبما يعزز الخطط الحكومية في هذا الاتجاه، ومراعاة سد الفجوة الرقمية بين المؤسسات الحكومية العربية داخل الدولة الواحدة بدراسات توجه وتخصص لذلك بحيث يمكنها إنتاج مواقع متزامنة يمكنها تقديم خدمات ذات مضمون حقيقي للمواطن العربي، وتبسيط الإجراءات الحكومية وتخفيض عددها وإلغاء التزمت الحكومي البيروقراطي فيها واعتماد مبدإ الشفافية وكذلك تخفيض التشريعات والقوانين التي تحكم علاقة الحكومة بالمواطن عند تقديم الخدمة إليه بما يمكّن من تسهيل عملية بناء مشروعات الحكومة الالكترونية، وتعزيز الدراسات في مجال الحكومة الالكترونية بحيث تسلط الضوء على معايير قياس الحكومات الالكترونية ودفع التنافس بين المؤسسات الحكومية العربية في هذا الاتجاه، ووضع مؤشر عربي لقياس مشروعات الحكومة الإلكترونية في الدول العربية.

طباعة >> | إغلاق النافذة >>


afkar@afkaronline.org