جهد جماعي عربي لسدّ الفجوة الرقمية
د. حسن أبو طالب
نائب رئيس مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية الأهرام - مصر
حينما نتحدث عن مجتمع المعلومات بصفة عامة فنحن نتحدث عن شقين متكاملين، الشق الأول يتعلق بمدى تطور صناعة المعلوماتية في ما يتعلق بموضوع الاتصالات، بالحاسبات الآلية، بمسألة البرمجة، وأيضاً في ما يتعلق بتطور حالة الاتصالات في المجتمع. وهذا الجانب هو ما يمكن أن نسميه الجانب التقني. وهناك الجانب الآخر المعنوي أو السياسي الاجتماعي الذي يدعم الجانب التقني. وبعبارة أخرى مجتمع المعلومات يتعلق بـ : "إلى أي مدى هذا المجتمع قادر على صنع المعرفة؟" وحينما نتحدث عن صنع المعرفة فهذا الأمر يتطلب البحث في مجموعة من العناصر الأساسية في المجتمع.
أولاً: إلى أي مدى هذا المجتمع يتمتع بحالة من الحريات الحقيقية التي تساعد على الإبداع والابتكار. وإلى أي مدى يتمتع بحالة المؤسسية التي تتكامل في ما بينها لتضع هذا المجتمع في مصاف المجتمعات المنتجة للمعرفة. أيضاً إلى أي مدى تتوافر عملية تعليمية حقيقية تمس كافة الأجيال وشرائح المجتمع وتضعهم دائماً على الأبواب أو المراحل الأولى لإنتاج المعلومة واستيعابها، ثم أيضاً تحويلها إلى نمط حياة يتعلق بمعرفة حديثة قادرة على العطاء والإنتاج.
هذا الأمر يتطلب منا البحث في حالة الأميّة في بلادنا والثقافة والمؤسسات الثقافية والحريات الأساسية. وكما هو معروف نحن نلمس في مجتمعاتنا العربية، أننا لسنا مجتمعات منتجة لا لتقنيات الاتصالات والمعلوماتية أي صناعة المعلومات بجانبها التقني والإنتاجي، ولا منتجين بصورة أساسية في ما يتعلق بالمعرفة.
ومن هنا، علينا في المنطقة العربية أن نبدأ بمجموعة من الاستراتيجيات الكبرى المتكاملة في ن واحد. وأول هذه الاستراتيجيات تتعلق بمواجهة حالة الأمية المنتشرة في المنطقة العربية، ومعظم التقارير الدولية والعربية تتحدث عن أن حالة الأمية في العالم العربي تلامس الأربعين في المائة من حجم السكان، وهذه الأمية تتعلق في مراحلها الأولية بمعرفة القراءة والكتابة. ونحن نرى في المجتمعات الأكثر تقدما بأن توصيف الأمية لم يعد يتعلق بالقراءة والكتابة وإنما باستخدام تقنيات المعلوماتية الحديثة كالحاسب الآلي وأجهزة الاتصالات واستيعاب عناصر البرمجة بصورتها العامة. ومن ثم فنحن كعرب أمام تحدّ حقيقي لمواجهة هذا الخطر الكبير المتعلق بحرمان ما يقرب من أربعين في المائة من عدد السكان من المعرفة حتى في مراحلها الأولى والبدائية للتعلم نفسه.
أما بالنسبة للذين يحصلون على العلم في بلادنا العربية فنجد أن مستوى العلم أو مستوى التعلم لدينا يواجه كثيرا من المشكلات. فجل نظم التعليم في البلاد العربية تعتمد على الكم ولا تعتمد على الكيف، وعلى التلقين لا على الإبداع أو خلق ملكات الإبداع لدى الطالب، وهو ما يؤثر في طريقة تفكير الأجيال التي سوف تقود في يوم من الأيام مجتمعاتنا العربية.
هذه الأجيال تعودت على أن يلقنها أحد الخبراء مجموعة من المعارف ثم تستهلكها في الامتحانات، ثم بعد ذلك تنسى مثل هذه المعارف ولا تستطيع أن تتخذ قراراً أو تحلل معلومة أو تبحث عن معلومة من مصادرها الأصلية، وهذا الأمر أيضاً يؤثر على الوضع العام في المجتمع. إلى جانب ذلك يجدر التذكير حينما نتحدث عن الإبداع بأنه إذا كان جزء منه يتعلق بموهبة فالجزء الآخر يتعلق بمؤسسات لصقل المواهب وإعطائها الفرصة كي يكون إبداعها مجتمعياً وليس فردياً عابراً يتمتع به فرد لأسباب شخصية جداً أو لأسباب لا تتعلق بالإطار العام الموجود في المجتمع.
إذن التحديات الأساسية تتعلق بالتعليم، بنشره، بمواجهة الأمية، بتحسين مستوى التعليم العام للذين يحصلون عليه بالفعل، ودون ذلك سوف يكون الأمر من قبيل العبث، لأننا نتحدث عن مجتمع المعلوماتية أو مجتمع ينتج المعرفة، ويستخدم هذه المعرفة، ويشارك بها في التطور الإنساني ككل.
إلى جانب ذلك أتصور أن مجتمع المعرفة يساوي مجتمع الحريات، فلا نستطيع أن نتحدث عن إبداع مجتمعي وهناك قيود تكبل المجتمع على صعيد السياسة والاقتصاد والفكر والنقد والإنتاج الاقتصادي والمعرفي. وكما نرى في المجتمعات المتقدمة اقتصادياً فإن المعرفة تساوي ثروة، وهي جزء من الإنتاج. ومن يملك المعرفة يملك الثروة ويملك التقدم والتكنولوجيا. والمجتمعات الأقل تقدماً أو التي تندرج ضمن "المجتمعات النامية" ومن بينها جل البلدان العربية، هي مجتمعات تفتقر إلى المعرفة وإلى التقنية ومن ثم إنتاجها ضعيف ومركّز في المواد الأولية وحسب، وهذا يعطينا مؤشرا كبيرا حول مدى حاجة المجتمعات العربية إلى الحريات والمؤسسات التي تحافظ على هذه الحريات.
أما في ما يتعلق باستخدام العالم العربي للتقنيات الرقمية، فنلاحظ في المجتمعات العربية انتشار استخدام الشبكة الدولية للمعلومات (الانترنيت) ونلمس هذا من خلال بعض المؤشرات العامة على ذلك مثل انتشار مقاهي الانترنيت، وأيضاً وجود الانترنيت كخدمة متاحة في الكثير من المؤسسات التعليمي-ة وفي استخدام المؤسسات البحثي-ة للمادة المتوفرة على الشبكة في الأعمال البحثية المختلفة في العالم العربي. لكن هذا هو الجانب الظاهر للموضوع، والسؤال الأهم في هذه العملية هو إلى أي مدى هناك نسبة من المواقع العربية الأصيلة التي تقدم معرفة عربية أصيلة في الشبكة، ما هو حجم الزوار لهذه المواقع، إلى أي مدى تمثل هذه المواقع نسبة محترمة ومتصاعدة من جملة المواقع العاملة على الشبكة والتي تقدم معرفة في كافة المجالات؟
هناك مواقع عربية بدأت تشتهر وعليها طلب كبير سواء من المستخدم العربي أو الأجنبي، لكن في الإطار العام مازالت هذه المواقع محدودة جداً مقارنة بالمواقع الأجنبية باللغات الحية الأخرى وتحديداً اللغة الإنجليزية. وهذا يعطي مؤشراً على أنه مازال هناك شوط طويل على العالم العربي لكي يقطعه أن يكون له مواقعه والخدمات الأساسية في هذا الصدد. وهذا الأمر كما ذكرت يتعلق بحجم الحريات لأننا لا نستطيع أن نتحدث عن مواقع معرفة حقيقية في بلدان مقيدة بطبيعتها. فهناك قيود تحد من حرية الفكر والإبداع والتحاور ومن الحريات السياسية، وكل هذه الأمور تعطل أن يكون للعالم العربي مواقعه المبهرة والجاذبة التي تشكل نسبة مرموقة تعكس الوزن النسبي للمنطقة العربية في إطار المجموعة الدولية.
بالتأكيد هناك جهود تبذل في العالم العربي من قبل كثير من الحكومات لتسهيل الوصول لمواقع الانترنيت لكي يكون هناك مشاركة عربية في أعمال الشبكة، لكن مازالت هذه الجهود متواضعة والمطلوب أن تكون أكثر مما بذل بالفعل.
وفي تصوري أن العالم العربي بحاجة لإيجاد مؤسسة عربية تكون مستقلة أو تحت مظلة جامعة الدول العربية تعبر عن جهد جماعي لنشر تقنيات الانترنيت في العالم العربي لإتاحة فرصة أكبر للمستخدم العربي لأن يجد مواقع عربية أكثر قوة وقيمة وامتلاء بالمعارف الحيوية التي يحتاجها في حياته اليومية أو العلمية أو المهنية، وهذا الأمر كلما كان جماعياً أدّى إلى نوع من أنواع سد الفجوة الرقمية المتزايدة ما بين الاستخدام العربي للشبكة الدولية بمعناه العام والاستخدام الدولي لها في مناطق مختلفة في بعض الأحيان تكون أقل قدرة اقتصادية مقارنة بالقدرة الاقتصادية العامة للمجتمعات العربية.
نحن بحاجة إلى أن يكون هناك تصور عربي جماعي تقوم وفقه البلدان العربية بأدوار مختلفة لكنها متكاملة في ما بينها حتى يمكن الحديث عن جهود منظمة منتظمة ومتصاعدة لسد الفجوة الرقمية ما بين البلدان والمجتمعات العربية وما بين البلدان متوسطة التقدم في العالم كمرحلة أولى، ثم تليها مرحلة ثانية لكي يكون للعالم العربي وجود حقيقي في الشبكة وفي صناعة المعلوماتية ككل. والأمر الذي أود أن ألفت النظر إليه أننا مازلنا مستخدمين ولا يوجد إنتاج عربي حقيقي في ما يتعلق بتقنيات الاتصالات وبالحاسبات الآلية أو البرامج التي تستخدمها الشبكة وهذا الأمر يحتاج منا توجيه جهود حقيقية لأقسام الاتصالات والالكترونيات في جامعاتنا وفي كليات الهندسة العربية على مستوى العالم العربي ككل.
ومن ثم فنحن بحاجة إلى إيلاء جهد أكبر لمثل هذه الأقسام حتى تخرّج مجموعة من المهندسين القادرين على إبداع تقنيات للاتصال تتلاءم مع التطور الاجتماعي والاقتصادي في المنطقة العربية من جانب، وأيضاً يكون لها حضور على المستوى العالمي من جانب آخر لأن الفجوة الرقمية ـ كما ذكرت ـ لا تتعلق فقط باستخدام الانترنيت أو عدد أجهزة الاتصالات المتوفرة لدى المواطن العربي ولا بحجم استخدام تقنيات الاتصالات والحاسب الآلي وإنما تتعلق بحجم إسهام العربي في إنتاج مثل هذه التقنيات والتكنولوجيا.
وكما هو معروف العالم العربي في هذا الأمر غائب تماماً ولا تتعدى نسبته في إنتاج تكنولوجيات الاتصال لا ما تنتجه الهند التي دخلت في هذا المضمار منذ عشر سنوات فقط بنسبة 2 أو 3 في المائة، وهذا مؤشر سلبي إلى أكبر درجة ممكنة.